كيف تحولت  نظرية "

ولاية الفقيه" الى نظام ديكتاتوري؟*

أحمد الكاتب

    لا توجد مشكلة كبيرة بمبدأ "ولاية الفقيه" من حيث أفضلية الفقيه على الجاهل، أو العادل المتقي على الفاسق الظالم، ولكن المشكلة تبرز في معنى "الفقيه" هل هو الفقيه بالأحكام الشرعية من الصلاة والصوم والحج وما شابه؟ أم هو المتخصص في كل مجال، والخبير في الإدارة والسياسة والاقتصاد مما تحتاجه إدارة الدولة الحديثة؟ و تكمن المشكلة كذلك في مصدر الشرعية الدستورية. حيث يتبنى بعض القائلين بولاية الفقيه نظرية "النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي الغائب" كقاعدة دستورية لشرعية الحاكم، وهو ما يعطيه سلطات دستورية مطلقة تحوله إلى ديكتاتور مطلق يتعالى على الانتخابات وصناديق الاقتراع، ويرفض أية حدود يرسمها له الشعب. كما حدث في إيران في ظل حكم "ولاية الفقيه" عندما استيقظ الإمام الخميني يوما من عام 1988 ليعلن "الولاية المطلقة" ويتحدث عن التشابه بين الفقيه والإمام المعصوم في الصلاحيات الواسعة، فيقول:" للفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة (ع) مما يرجع إلى الحكومة والسياسة ، ولا يعقل الفرق، لأن الوالي - أي شخص كان - هو مجري أحكام الشريعة والمقيم للحدود الإلهية والآخذ للخراج وسائر الماليات والتصرف فيها بما هو صلاح المسلمين... ومع اقتضاء المصالح يأمرون الناس بالأوامر التي للوالي ويجب إطاعتهم".[1] ويعتبر الفقهاء أوصياء للرسول (ص) من بعد الأئمة وفي حال غيابهم، وقد كلفوا بجميع ما كلف الأئمة (ع) بالقيام به.[2]  وأن "ولاية الفقيه" ولاية دينية إلهية، فيقول:" ان الله جعل الرسول (ص) وليا للمؤمنين جميعا ، ومن بعده كان الإمام وليا، ونفس هذه الولاية والحاكمية موجودة لدى الفقيه".[3] ويقول :" إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل فانه يلي من أمر المجتمع ما كان يليه النبي (ص) منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا، ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول (ص) وأمير المؤمنين (ع) على ما يمتاز به الرسول والإمام من فضائل ومناقب خاصة... وقد فوض الله الحكومة الإسلامية الفعلية المفروض تشكيلها في زمن الغيبة نفس ما فوضه إلى النبي (ص) واميرالمؤمنين (ع) من أمر الحكم والقضاء والفصل في المنازعات وتعيين الولاة والعمال وجباية الخراج وتعمير البلاد، غاية الأمر ان تعيين شخص الحاكم الآن مرهون بمن جمع في نفسه العلم والعدل".[4] "وقد فوض إليهم الأنبياء جميع ما فوض إليهم ائتمنوهم على ما أؤتمنوا عليه".[5]

   وكتب الخميني إلى رئيس الجمهورية الإيرانية يوم ذاك (السيد علي الخامنائي):" إن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله (ص) المطلقة ، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج... إن باستطاعة الحاكم ان يعطل المساجد عند الضرورة، وان يخرب المسجد الذي يصبح كمسجد ضرار ولا يستطيع ان يعالجه بدون التخريب. وتستطيع الحكومة أن تلغي من طرف واحد الاتفاقيات الشرعية التي تعقدها مع الشعب، إذا رأتها مخالفة لمصالح البلد والإسلام. وتستطيع أن تقف أمام أي أمر عبادي أو غير عبادي إذا كان مضرا بمصالح الإسلام، مادام كذلك. ان الحكومة تستطيع أن تمنع مؤقتا وفي ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي - إذا رأت ذلك- أن تمنع من الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية".[6]

   واعتبر الخميني ولاية الفقهاء على الناس مجعولة من قبل الله كولاية الرسول والأئمة من أهل البيت، وأنها ولاية دينية إلهية.[7]

  ورغم تضمن الدستور الإيراني للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، إلا أن سلطة "الولي الفقيه" أصبحت أعلى وأوسع من سلطات المؤسسات الديموقراطية، وفوق النقد والمحاسبة، نظراً لتمتع الفقيه بهالة دينية مقدسة تحول دون معاملته من قبل الشعب كمعاملة الرؤساء والنواب، وهو ما شكل ضربة للتجربة الديموقراطية الحديثة في إيران.

   وقد كان لتطور نظرية "ولاية الفقيه" على قاعدة نظرية "النيابة العامة عن الإمام المهدي" المرتكزة على نظرية "الإمامة الإلهية" أثر كبير في طبيعة النظرية ونموها في جانب واحد هو جانب السلطة، دون جانب الأمة، حيث أصبح للفقيه من الصلاحيات ما للإمام "المعصوم" وما للنبي الأعظم (ص) واصبح الفقيه "منصوبا" و "مجعولا" و "معينا" من قبل "الإمام المهدي" و "نائبا عاما" عنه، كما كان "الإمام المعصوم" منصوبا ومجعولا من قبل الله تعالى، وبالتالي فانه قد اصبح في وضع "مقدس" لا يحق للامة ان تعارضه أو تنتقده أو تعصي أوامره أو تخلع طاعته ، أو تنقض حكمه.

   ومن هنا فقد اتخذت فتاوى "العلماء" وآراؤهم الاجتهادية الظنية صبغة دينية مقدسة، ووجب على عامة الناس غير المجتهدين " تقليد" الفقهاء والطاعة لهم سواء في التشريع أو التنفيذ أو القضاء ، وحرمت عليهم مخالفتهم .

   وبما ان "الأئمة المعصومين" - حسب نظرية الإمامة الإلهية - معينون من قبل الله تعالى، وأن لا دور للامة في اختيارهم عبر الشورى، ولا حق لها في مناقشة قراراتهم أو معارضتها، وأن الدور الوحيد المتصور للامة هو الطاعة والتسليم فقط، فقد ذهب أنصار مدرسة ولاية الفقيه المنصوب والمجعول والنائب عن "الإمام المهدي" إلى ضرورة طاعة الأمة وتسليمها للفقيه، ولم يجدوا بعد ذلك أي حق للامة في ممارسة الشورى أو النقد أو المعارضة أو القدرة على خلع الفقيه، أو تحديد صلاحياته أو مدة رئاسته.

   وفي الحقيقة إن الحديث عن "النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي" في "الغيبة الكبرى" هو فرع لثبوت "النيابة الخاصة" التي ادعاها "الوكلاء الأربعة" في فترة "الغيبة الصغرى". وان القول بذلك يبتنى على القول بوجود وولادة "الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري" ووجود غيبتين له، وإذا لم نستطع التأكد من وجود هذا "الإمام" - وهو أمر مستحيل - فان تلك النظرية تتلاشى بالطبع من باب الأولى.

  إضافة إلى أن نظرية "النيابة العامة" لم تكن معروفة لدى الشيعة الامامية في بداية "الغيبة الكبرى" التي يقال أنها ابتدأت بعد وفاة "النائب الرابع : علي بن محمد الصيمري". بل ان الشيعة الأوائل (في القرن الرابع الهجري) اعتبروا النيابة العامة التي توازي الإمامة أو ولاية الفقيه متناقضة تماما مع نظرية الإمامة، لأنها  تُسقط شَرْطي العصمة والنص في الإمام، وإنما هي نظرية ظنية استنبطها بعض العلماء في وقت لاحق وطوروها عبر التاريخ، ولم يكن لها وجود من قبل. وقد توفي الصيمري سنة 329هـ ولم يتحدث عن "النيابة العامة" ببنت شفة، ولو كان لها أي رصيد من الواقع لتحدث عنها "الإمام المهدي" - على فرض وجوده -  بدلا من أن يترك الشيعة يتخبطون قرونا طويلة في ظلمات الحيرة.

   ومن هنا فلم يعرف الشيخ الصدوق نظرية "النيابة العامة" ولم يشر إليها أبدا بالرغم من روايته لـ: "توقيع" إسحاق بن يعقوب عن العمري عن المهدي :" وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله". وذلك  لعدم دلالته على "النيابة العامة"، إذ أنه يتحدث عن الرجوع إلى الرواة في ظل "النيابة الخاصة" وفي أيام "السفير الثاني : العمري". وإذا كانت النيابة الخاصة المتصلة - حسب الفرض - بالإمام المهدي محدودة وغير سياسية، فكيف يمكن ان يفهم من "التوقيع" معنى اكبر وأوسع منها؟.

    لقد كان أول من تحدث عن تفويض الأئمة للفقهاء في مجال إقامة الحدود فقط هو الشيخ المفيد الذي جاء بعد "الغيبة" بحوالي مائة وخمسين عاما، وكان ذلك منه افتراضا أكثر منه قولا بيقين أو اعتمادا على دليل، وقد انطلق في محاولته استنباط نظرية "النيابة العامة" من بعض الأحاديث (كمقبولة عمر بن حنظلة ومشهورة أبى خديجة وتوقيع إسحاق بن يعقوب) التي تعطي الإذن لرواة أحاديث أهل البيت بممارسة القضاء من دون الحاجة إلى إذن خاص من الأئمة. 

   وقد أثار التطور السياسي الكبير الذي حدث في تاريخ الشيعة في العهد الصفوي في القرن العاشر الهجري، والذي نقلهم من مرحلة "التقية والانتظار" إلى مرحلة إقامة الدولة في "عصر الغيبة" بعدما ادعى (الشاه إسماعيل الصفوي) النيابة الخاصة عن الإمام المهدي .. أثار ذلك التطور جدلا واسعا في صفوف الفقهاء وفتح الباب واسعا أمام القول بنظرية "النيابة العامة" وتعزيزها بقوة، ثم تطويرها بعد ذلك نحو حكم الفقهاء بصورة مباشرة على يدي الشيخ أحمد النراقي في منتصف القرن الثالث عشر الهجري.

    وقد كانت نظرية "ولاية الفقيه" التي تحصر الحق في ممارسة السلطة في "الفقهاء" محل نقاش كبير بين العلماء الشيعة. حيث رفضها بعض المحققين كالشيخ مرتضى الأنصاري (1216 هـ - 1281هـ) الذي ناقش في "المكاسب" أدلة القائلين بالولاية العامة، وأنكر دلالة الروايات العامة التي يتشبثون بها  على الموضوع، وحدد دلالتها في موضوع الفتيا والقضاء فقط، وشكك في صحتها ودلالتها وقال:" لكن الإنصاف بعد ملاحظة سياقها (الروايات) أو صدرها أو ذيلها يقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية لا كونهم كالأنبياء أو الأئمة (ص) في كونهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ... وان إقامة الدليل على وجوب إطاعة الفقيه كالإمام - إلا ما خرج بالدليل - دونه خرط القتاد" .[8]

   كما رفض السيد أبو القاسم الخوئي نظرية "ولاية الفقيه" المبتنية على نظرية "النيابة العامة" وقال: "ان ما استدل به على الولاية المطلقة في "عصر الغيبة" غير قابل للاعتماد عليه، ومن هنا قلنا بعدم ثبوت الولاية له إلا في موردين هما الفتوى والقضاء... ان الأخبار المستدل بها على الولاية المطلقة قاصرة السند والدلالة".[9] 

   إن إعطاء الفقيه العادل، وهو بشر غير معصوم ومعرض للخطأ والانحراف ، صلاحيات الرسول الأعظم (ص) المطلقة وولايته العامة على النفوس والأموال، والتطرف في ذلك إلى حد السماح للفقيه بتجميد القوانين الإسلامية الجزئية (الشريعة) - كما يقول الإمام الخميني وبعض أنصار ولاية الفقيه في إيران – يلغي الفوارق الضرورية بين النبي المعصوم المرتبط بالسماء وبين الفقيه الإنسان العادي المعرض للجهل والهوى والانحراف، وهذا ما يتناقض تماما مع الفكر الإمامي القديم الذي رفض مساواة أولي الأمر (الحكام العاديين) في وجوب الطاعة لهم كوجوب الطاعة لله والرسول، وذلك خوفا من أمرهم بمعصية والوقوع في التناقض بين طاعتهم وطاعة الله.. واشترط لذلك: العصمة في "الإمام" - مطلق الإمام - ثم قال بوجوب النص، وانحصار النص في أهل البيت وفي سلالة علي والحسين إلى يوم القيامة.  فإذا أعطينا الفقيه الصلاحيات المطلقة والواسعة التي كانت لرسول الله (ص) وأوجبنا على الناس طاعته، وهو غير معصوم، فماذا يبقى من الفرق بينه وبين الرسول؟

     ومادام الفقيه إنسانا غير معصوم ومعرضاً كغيره للهوى وحب الرئاسة والحسد والتجاوز والطغيان، فإنه معرض أكثر من غيره للتحول إلى اخطر دكتاتور يجمع بيديه القوة والمال والدين، وهو ما يدعونا إلى تحديد وتفكيك وتوزيع صلاحياته اكثر من غيره، لا أن نجعله كالرسول أو "الأئمة المعصومين". إذ أنه سيتحول عندئذ إلى ظل الله في الأرض ، ويمارس هيمنة مطلقة على الأمة كما كان يفعل الباباوات في القرون الوسطى.

  إن أساس المشكلة في نظرية "ولاية الفقيه" يعود إلى الدمج بين نظرية "النيابة العامة" المستنبطة من بعض الأدلة الروائية الضعيفة وبين نظرية "ولاية الفقيه" المعتمدة على العقل وعلى ضرورة تشكيل الحكومة في "عصر الغيبة" بعيدا عن شروط العصمة والنص الإلهي والسلالة العلوية الحسينية، وان الخلط بين هاتين النظريتين، أو تطوير نظرية "النيابة العامة" إلى مستوى إقامة الدولة، أدى إلى إضفاء الصبغة الدينية على السياسة، وجعل الفقيه بمثابة "الإمام المعصوم" أو النبي الأعظم وإعطائه كامل الصلاحيات المطلقة، وإلغاء الفوارق بين المعصوم وغير المعصوم، بالرغم من قابلية الأخير للجهل والخطأ والانحراف، وهو ما يتناقض مع أساس الفلسفة الامامية القديمة حول اشتراط العصمة في الإمام .

     وإذا ثبت ضعف نظرية "النيابة العامة" وعدم صحتها، لعدم وجود "المـُناب عنه: الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري" وعدم ثبوت ولادته، فإننا يمكن أن نقيم أساس الدولة على قاعدة "الشورى" وولاية الأمة على نفسها، بمعنى أن يكون الإمام منتخباً من الأمة، ونابعاً من إرادتها، ونائباً عنها، ومقيداً بالحدود التي ترسمها له، وملتزماً بالصلاحيات التي تعطيها له. وذلك لأن الأدلة العقلية تعطي للأمة حق اختيار الحاكم ليحكم بالنيابة عنها، كما تعطيها الحق في أن تهيمن على الإمام وتشرف عليه وتراقبه وتحاسبه، وأن تعطيه من الصلاحيات بقدر ما تشاء وحسبما تشاء، وذلك لأن منبع السلطة في غياب النص الشرعي وعدم وجود الإمام المعين من قبل الله تعالى هي الأمة الإسلامية. حيث لا تعطي الأدلة العقلية الحاكم العادي (غير المعصوم) القابل للخطأ والصواب والانحراف والهدى، من الصلاحيات المطلقة، مثلما تعطي للرسول المرتبط بالله عبر الوحي، ولا تساويه أبدا مع "الإمام المعصوم".

* من كتاب التشيع السياسي والتشيع الديني



[1] - الخميني، كتاب البيع، ص 467

[2] - الخميني، الحكومة الإسلامية، ص 75

[3] - الخميني، الحكومة الإسلامية، ص 51 - 52

[4] - الخميني، كتاب البيع، ص 49

[5] - الخميني، الحكومة الإسلامية، ص 70 و 76

[6] - صحيفة كيهان، العدد رقم 13223 المؤرخ 16 جمادى الأولى 1408هـ 

[7] - الخميني، الحكومة الإسلامية، ص 51 - 52

[8] - الأنصاري، المكاسب، ص 173

[9] - الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى / كتاب الاجتهاد والتقليد