4 - الصراع على السلطة بعيداً عن إرادة الشعب

 

    نتيجة لغياب الشورى و غياب نظام واضح لتبادل السلطة اعتماداً على ارادة الأمة ، تَمَّ الخضوع للنظام البدوي الوراثي القائم ، ولكن هذا ترك مصير الدولة الوهابية السعودية في مهب الريح و وضعها عرضة للانقسام و الصراعات الداخلية بين الأمراء.

   من المعروف ان الشيخ محمد بن عبد الوهاب أخذ البيعة لولاية العهد للأمير عبد العزيز في حياة والده محمد بن سعود ، ثم أخذ البيعة لولاية العهد لابنه سعود في حياة أبيه عبد العزيز. و عندما توفي سعود احتل ابنه عبد الله مكانه بالوراثة ، و لكنه لم يسلم من منافسة أخيه و عمه عبد الله.

   و بعد أن سقطت الدولة السعودية الأولى.. و اخذ ابراهيم باشا معظم رجال آل سعود أسارى الى مصر.. انبرى رجل من آل معمر (حكام العيينة سابقا) و هو ( محمد بن مشاري بن معمر) سنة 1234 لتنظيم المقاومة ضد القوات المصرية و نَصَّب نفسه إماماً للحركة الوهابية . [1] ولكن الأمير مشاري بن سعود بن عبد العزيز ، استطاع الهروب من مصر و جاء الى نجد و أخذ يطالب ابن معمر بالزعامة ، فتنازل له هذا في البداية ثم قتله . [2]

 

   ولم يمض طويل وقت حتى انبرى  تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود في عام 1236 ليعيد حكم آل سعود و ينشيء دولتهم الثانية ، فقتل من أجل ذلك أمير بلدة (ضرما) ناصر السياري ، في المسجد ، و استولي على البلدة ، ثم أخذ البيعة من أهلها بالقوة ، و احتل الرياض و قتل محمد ابن معمر.[3]  و استطاع أن يفرض هيمنته على نجد كلها بحلول عام 1241. وقد استند تركي بن عبد الله ، في تثبيت شرعيته ، الى الفكر القدري ، فقال في بيان الى عامة المسلمين: (إن الله ولاه أمرهم).[4]

 

   و بالرغم من تمتع  الامام تركي بن عبد الله ، بجميع المواصفات الشرعية ، حسب الفكر السياسي الوهابي ، و تأييد رجال الدين من آل الشيخ له ، الا أن ذلك لم يمنع من اغتياله  سنة 1249  ،  على يد ابن أخته (مشاري بن عبد الرحمن بن مشاري بن سعود)  الذي كمن له عند باب المسجد وقتله غدرا بعد خروجه من صلاة الجمعة ، و استولى على السلطة عنوة .

   و مع أن مقتل الامام تركي أثار غضباً وامتعاضاً كبيرين لدى آل الشيخ الذين احتجوا بالاعتصام في المسجد [5]، الا انهم سلّموا للأمر الواقع فيما بعد ، و بايعوا الأمير الجديد مشاري[6] ، فالسلطة أولاً وأخيراً هي لمن غلب ، و لا دور للأمة في انتخاب الامام ولا رأي حتى لعلماء الدين. 

   و لولا تمرد فيصل ابن تركي ، وعدم استسلامه للانقلاب ، لظل الأمير مشاري مستمراً في الحكم الى أن يشاء الله ، و لربما ورّث السلطة الى أولاده و أحفاده. ولكن فيصل بن تركي استطاع بعد بضعة شهور أن ينتقم لوالده ويقتل مشاري ، و يستعيد السلطة منه. وما كان من آل الشيخ هنا الا أن عادوا لنقل ولائهم الى المنتصر الجديد (فيصل).

   و بعد ثلاث سنوات ، قرر والي مصر محمد علي باشا إعادة الحكم المصري الى نجد ، بواسطة أمير منافس من آل سعود ، هو: (خالد بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود) الذي استاء من استيلاء أبناء عمه على السلطة ، وكان لا يزال يتمتع ببعض الأنصار الذين لم يرضوا عن انتقال الامامة من أولاد سعود الكبير الى أولاد عبد الله بن محمد [7]. فاستعان محمد علي بخالد سنة 1253هـ و أرسله الى الرياض مع قوة عسكرية مصرية ، وعندما اقترب الجيش المصري من  الرياض اضطربت الأمور على فيصل فهرب منها ، وهرب معه آل الشيخ ، ولكن القوات المصرية اعتقلت فيصلاً وأعادته مرة ثانية الى مصر. وفي حين لم يجد معظم أهل نجد غضاضة بحكم خالد ، لأنه من آل سعود وهو الأقوى ، امتنع بعض أهلها  من الخضوع له بسبب تعاونه مع  المصريين "المشركين" وخوفاً من عودة الحكم التركي المباشر.[8] وهو ما يشير الى قبولهم لأي حاكم قاهر ، و رفضهم للحكم التركي الذي كانوا يعتبرونه "كافراً ومشركاً".[9]

    و بمجرد انسحاب القوات المصرية عام 1257 قام عبد الله بن ثنيان باقتحام الرياض و تنصيب  نفسه حاكماً جديداً عليها . وعندما حاول خالد أن يقاوم  ، قال له مستشاروه من رؤساء أهل الرياض :"ان هذا ملك انفسخ منك و تولاه غيرك ، والأمر بيد الله ، ثم بيد من استولى عليه".[10] وهكذا استسلم خالد  دون مقاومة ، و أصبح عبد الله بن ثنيان أميراً ، فقدم عليه آل الشيخ وبايعوه ، و تتابعت الوفود على بيعته. [11]

 

    ولم تمض سنتان ، حتى هرب فيصل بن تركي ، من سجنه في مصر عام 1259 ، ليستعيد السلطة بالقوة من عبد الله ، ويلقي به في السجن حتى الموت .[12] ورغم أن عبد الله كان يحظى بدعم آل الشيخ ويتمتع بكامل الشرعية ، الا ان منطق الغلبة للأقوى .. كتب تلك النهاية المأساوية لعبد الله بن ثنيان.

    و ما أن توفي فيصل عام 1282هـ  حتى عادت الصراعات الداخلية لتشتعل مرة أخرى بين أبنائه الأربعة عبد الله وسعود ومحمد وعبد الرحمن والد الملك عبد العزيز ، حيث خرج سعود على أخيه عبد الله بعد سنة  من توليه للحكم ، و دخل معه في معركة ، ثم هرب الى البحرين التي كانت خاضعة لسيطرة الانجليز ، ثم عاد بدعم منهم ومن أمير البحرين وسلطان مسقط ، ليهاجم الأحساء و يعتقل أخاه محمد الذي كان يقود جيشا لمحاربته ، مما ألقى الذعر في قلب أخيه عبد الله الذي هرب من الرياض الى الصحراء ، فدخلها سعود عام 1288هـ  و أخذ يطارد أخاه هنا و هناك.

    و لم يجد عبد الله  وهو في تلك الحالة مفراً  من الاستعانة بالقوات العثمانية ، متهماً أخاه بالثورة ضدها  و بالتعاون مع الانجليز ، و أرسل الى والي بغداد مدحت باشا ، يطلب مساعدته ، فهب لنجدته بإرسال حملة عسكرية من خمسة آلاف جندي .[13] و هكذا عاد عبد الله بن فيصل الى الرياض بعد أن هرب منها سعود ، و لكن هذا لم يلبث الا سنتين حتى عاد مرة أخرى الى الرياض عام 1290هـ  ليطرد أخاه عبد الله من السلطة.

   و عندما توفي سعود عام 1291هـ (1875م ) ورثه أخوه عبد الرحمن فحكم لسنتين ثم خرج عليه أخوه محمد الذي كان يكبره سنا ويدعي أحقيته بالحكم ، فوقعت بينهما معارك حتى وافق الأثنان على ان يتولى الحكم أخوهما الأكبر عبد الله ، فعاد هذا الاخير من البادية و تولى السلطة  عام 1293هـ للمرة الثالثة.

   و لكن أبناء سعود لم يقبلوا بهذه  الصفقة فخرجوا على عمهم عبد الله عام 1305هـ واحتلوا الرياض واعتقلوا عمهم و تولى أحدهم و هو محمد بن سعود السلطة لبعض الوقت.

   وهنا استنجد عبد الله ، من سجنه ، بأمير حائل (الوهابي): محمد بن الرشيد ، فقدم الرياض واحتلها و أطلق سراحه و قتل محمد بن سعود ، ولكنه لم يعد السلطة الى عبد الله و انما أخذه "ضيفا" الى حائل ، و عـيّن والياً من قبله على الرياض. وسارعت القبائل النجدية بتقديم الطاعة لمحمد بن رشيد. و عندما توفي عبد الله ، بعيدا عن السلطة ، حاول أخوه عبد الرحمن عام 1308هـ ان يقوم بانقلاب على ابن الرشيد و يستعيد إمارته المفقودة و لكنه فشل فلجأ الى الكويت التي كانت لا تزال تخضع للحكم العثماني .

    و هكذا انتهى حكم آل سعود في دولتهم الثانية نتيجة لصراعاتهم الداخلية المريرة القائمة على أساس القوة و الغلبة ، وفي غياب الشورى أو أي دور للأمة أو لأهل الحل و العقد ، أو أي دستور ينظم طريقة توارث السلطة .[14]

 



[1]  - ابن بشر: عنوان المجد ، ج 1 ص 442

[2]  - ابن بشر: عنوان المجد ، ج 1 ص 442

[3]  - ابن بشر:عنوان المجد ، ج2 ص 28

[4]  - ابن بشر : عنوان المجد ، ج2 ص 113

[5]  -  لما علم آل الشيخ بعملية الاغتيال ، جلسوا في المسجد فلم يخرجوا منه حتى أرسل اليهم مشاري يدعوهم ، فأبوا أن يأتوا اليه الا بالأمان ، فكتب لهم بالأمان ، فأتوا اليه وطلب منهم المبايعة ، فبايعوه. كما يقول ابن بشر في عنوان المجد ، ج2 ص 100

[6]  - ابن بشر:عنوان المجد ، ج2 ص 100

[7] - الحصين ، أحمد: دعوة الامام .. سلفية لا وهابية ص 231

 

[8]  - كتب أهل (الحوطة) الى خالد بن سعود :" ان كان الأمر لك ، ولا يأتينا في ناحيتنا عسكر من الترك فنحن رعايا لكم ، وان كان الأمر للترك فنحن لهم محاربون".( ابن بشر: عنوان المجد ، ج2 ص 147)

[9]  -"توحدت القرى النجدية وقامت ضده ثورات بزعامة عبد الله بن ثنيان بن سعود ، تريد التحرر من حكم الأتراك والمصريين ، وتبغي المحافظة على الدين الاسلامي الصحيح على طريقة الامام محمد بن عبد الوهاب ". الحصين ، أحمد: دعوة الامام .. سلفية لا وهابية ، ص 233

[10]  -  ابن بشر: عنوان المجد ، ج2 ص 199

[11] - الحصين ، أحمد: دعوة الامام .. سلفية لا وهابية ، ص 233

[12] - ابن بشر: عنوان المجد ، ج2 ص 208

[13] - الحصين ، أحمد: دعوة الامام .. سلفية لا وهابية ص 235

 

[14]  - يقول أحمد الحصين: " ومن الجدير بالملاحظة أن آل رشيد استولوا على نجد وقضوا على حكم آل سعود من دون معركة ، وكان من أهم أسباب نجاحهم النزاعات الداخلية والحروب الدامية بين أفراد العائلة الواحدة الطامعين بالامامة ، مما أضعف ولاء السكان للدعوة ورجالها". ( دعوة الامام .. سلفية لا وهابية ص 237)