و إضافة الى ذلك و حتى لو ثبتت
تهمة الكفر على الحكام الذين لا يعملون بما أنزل الله ، وهو ما كان يعتقده قطاع
كبير من الوهابيين المتقين ، فقد قام رجال المؤسسة الدينية الوهابية بإغلاق أية
نوافذ قد يتسرب منها الفكر الثوري ، وذلك برفض الثورة مطلقاً بحجة العجز عن التغيير أو الخوف من حدوث
ضرر أكبر بسبب الثورة ، وقال المفتي السابق الشيخ عبد العزيز بن باز:
- " أما بعد، فقد قال الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خيراً وأحسن تأويلا) هذه الآية تنص على وجوب طاعة أولي الأمر وهم الأمراء والعلماء وقد جاءت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين أن هذه الطاعة لازمة وهي فريضة في المعروف. النصوص من السنة تبين المعنى وتفيد الآية بأن المراد طاعتهم بالمعروف فيجب على المسلمين طاعة ولاة الأمر في المعروف لا في المعاصي، فإذا أمروا بالمعصية فلا يطاعون في المعصية، لكن لا يأتي الخروج عليهم بأسبابها لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من رأي من أميره شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة فإن من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية). وقال عليه الصلاة والسلام : (على
المرء
السمع
والطاعة
في
ما
أحب
وكره،
في
اليسر
والعسر،
في
المنشط
والمكره،
إلا
أن
يؤمر
بمعصية
الله
فإن
أمر
بمعصية
الله
فلا
سمع
ولا
طاعة) . وسأله
الصحابي:
يا
رسول
الله (لما
ذكر
إنه
يكون
أمراء
تعرفون
منهم
وتنكرون)،
قالوا
فما
تأمرنا؟
قال:أدوا
إليهم
حقهم
واسألوا
الله
الذي
لكم.
قال
عبادة
رضي
الله
عنه: بايعنا
رسول
الله
صلى
الله
عليه
وسلم
على
ألا
ننازع
الأمر
أهله.
قال: إلا
أن
تروا
كفراً
بواحاً
عندكم
من
الله
فيه
برهان.
هذا
يدل
على
أنهم
لا
يجوز
لهم
منازعة
ولاة
الأمور
ولا
الخروج
عليهم
إلا
أن
يروا
كفراً
بواحاً
عندهم
من
الله
فيه
برهان
وما
ذاك
إلا
لأن
الخروج
على
ولاة
الأمور
يسبب
فساداً
كبيراً
وشراً
عظيماً،
فيختل
به
الأمن
وتضيع
الحقوق
ولا
يتيسر
ردع
الظالم
ولا
نصرة
المظلوم،
وتختل
السبل
ولا
تؤمن
فيترتب
على
الخروج
على
ولاة
الأمور
فساد
عظيم
وشر
كبير،
إلا
إذا
رأى
المسلمون
كفراً
بواحاً
عندهم
من
الله
فيه
برهان
فلا
بأس
أن
يخرجوا
على
هذا
السلطان
لإزالته
إذا
كان
عندهم
قدرة،
أما
إذا
لم
تكن
عندهم
قدرة
فلا
يخرجون،
أو
كان
الخروج
يسبب
شراً
أكثر
فليس
لهم
الخروج
رعاية
للمصالح
العامة،
والقاعدة
الشرعية
المجمع
عليها:
أنه
لا
يجوز
إزالة
الشر
بما
هو
أشر
منه،
بل
يجب
درء
الشر
بما
يزيله
أو
يخففه،
أما
درء
الشر
بشر
أكثر
فلا
يجوز
بإجماع
المسلمين، فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفراً بواحاً ويكون عندها قدرة على أن تزيله وتضع إماماً صالحاً طيباً دون أن يترتب على ذلك فساد كبير على المسلمين وشر أعظم من شر هذا السلطان فلا بأس. أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير واختلال الأمن وظلم الناس واغتيال من لا يستحق الاغتيال إلى غير هذا من الفساد العظيم، هذا لا يجوز، بل يجب الصبر والسمع والطاعة في المعروف ومناصحة ولاة الأمور والدعوة لهم بالخير والاجتهاد
في
تخفيف
الشر
وتقليله
وتكثير
الخير، هذا هو الطريق السوي الذي يجب أن يسلك لأن في ذلك مصالح المسلمين عامة، ولأن في ذلك تقليل الشر وتكثير الخير، ولأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شر أكثر، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.
وعلق على دعوة بعض الشباب الى تبني
العنف في التغيير قائلا:
- هذا غلط من قائله، وقلة فهم لأنهم لم يفهموا السنة ولم يعرفوها كما ينبغي وإنما يحملهم الحماس والغيرة لإزالة المنكر على أن يقعوا في ما يخالف الشرع كما وقعت الخوارج والمعتزلة، حملهم حب نصرة الحق أو الغيرة للحق حملهم ذلك على أن يقعوا في الباطل حتى كفروا المسلمين بالمعاصي أو خلدوهم في النار بالمعاصي كما يفعل المعتزلة.
فالخوارج كفروا بالمعاصي وخلدوا العصاة في النار والمعتزلة وافقوهم في العاقبة وأنهم في النار مخلدون فيها، ولكن قالوا في منزلة بين المنزلتين وكله ضلال والذي عليه أهل السنة هو الحق، إن العاصي لا يكفر بمعصيته مالم يستحلها، فإذا زني لا يكفر وإذا سرق لا يكفر وإذا شرب الخمر لا يكفر لكن يكون عاصياً ضعيف الإيمان فاسقاً تقام عليه الحدود. ولا يكفر بذلك إلا إذا استحل المعصية وقال إنها حلال وما قاله الخوارج في هذا باطل، تكفيرهم للناس باطل، ولهذا قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: إنهم يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون إليه يقاتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. هذا حال الخوارج بسبب غلوهم وجهلهم وضلالهم فلا يليق بالشباب ولا غير الشباب أن يقلدوا الخوارج والمعتزلة، بل يجب أن يسيروا على مذهب أهل السنة والجماعة على مقتضى الأدلة الشرعية، فيقفون مع النصوص كما جاءت وليس لهم الخروج على السلطان من أجل معصية أو معاص وقعت منه، بل عليهم المناصحة والمكاتبة والمشافهة بالطرق الطيبة الحكيمة، بالجدال بالتي هي أحسن حتى ينجحوا وحتى يقل الشر ويخف ويكثر الخير. هكذا جاءت النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله عز وجل يقول : (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) فالجواب على الغيورين لله وعلى دعاة الهدى أن يلتزموا بحدود الشرع وأن يناصحوا من ولاهم الله الأمور بالكلام الطيب والحكمة والأسلوب الحسن حتى يكثر الخير ويقل الشر وحتى يكثر الدعاة إلى الله، وحتى ينشطوا في دعوتهم بالتي هي أحسن لا بالعنف والشدة، ويناصحوا من ولاهم الله الأمر بشتى الطرق الطيبة السليمة مع الدعاء للحاكم في ظهر الغيب، أن الله يهديه ويوفقه ويعينه على الخير وأن الله يعينه على ترك المعاصي التي يفعلها وعلى إقامة الحق. هكذا يدعو لله ويضرع إليه أن الله يهدي ولاة الأمور وأن يعينهم على الحق، ومع ذلك يعينهم على ترك الباطل وعلى إقامة الحق بالأسلوب الحسن بالتي هي أحسن. وهكذا مع إخوانه الغيورين ينصحهم ويعظهم ويذكرهم حتى ينشطوا في الدعوة بالتي هي أحسن لا بالعنف والشدة، وبهذا يكثر الخير ويقل الشر ويهدي الله ولاة الأمور للخير والاستقامة عليه وتكون العاقبة حميدة للجميع.
وهابية تحارب
الوهابية
و في هذا الإطار يقوم عدد من
كبار رجال الدين الوهابيين الرسميين (وعلى رأس هؤلاء الشيخ محمد أمان
بن علي الجامي ، استاذ الشريعة في الجامعة الاسلامية في المدينة المنورة ، و الشيخ
ربيع بن هادي عمير المدخلي) بمراقبة الحركات و الأحزاب و المنظمات الوهابية التي
تسعى للإصلاح و قد تخرج عن إطار المؤسسة الرسمية أو تمارس نشاطاً سياسياً مستقلاً
او تقوم بتكفير الحكام الذين لا يعملون بالشريعة الاسلامية ، و محاربتها و تجريدها
من هويتها "السلفية" أو "الوهابية" و يطلقون على أنصارها اسم
"الخوارج" و"الغلاة" [1]،
وهي نفس التهم و الأوصاف التي كانت تواجهها الحركة الوهابية في بداية نشوئها من
قبل خصومها أو من أجهزة الدولة العثمانية الدينية.
يقول الشيخ ربيع المدخلي في مقال
له نشر في موقع (سحاب) على الانترنت بتاريخ 17 رمضان 1422هـ :"الفتن كثيرة ..
ومن
أشد
هذه
الفتن
فتنة
خوارج
العصر
حقاً،
فلهذه
الفتنة
انتشار
واسع
ولها
ضجيج
إعلامي
مزلزل
ومرعب
يعرض
بكل
قوة
في
شتى
الوسائل
، كالكتب
والرسائل
وفي
سائر
وسائل
الإعلام
والتوجيه
فعمّ
شره
و طمّ. وإغراء مادي قد يفوق النوع الأول يغري أخساء النفوس الذين يبيعون دينهم بدنياهم ويشترون الحياة الدنيا بالآخرة فزاد البلاء وعمّ .
هذه الفئة قد أرهقت الأمة بمشاكلها... وأغرقتهم
في
السياسة
الباطلة
بما
فيها
من
أوهام
وأحلام
وتكهنات،
فأساءوا
أيما
إساءة
إلى
الإسلام
والمسلمين
فأفسدوا
خلاصة
شباب
الأمة
و أذكياءها،
فربوهم على بغض أهل السنة وتشويههم وتشويه منهج الله الحق الذي يدعوا إليه أهل السنة والتوحيد،
ويربون
عليه
من
استطاعوا
تربيته
من
أبناء
المسلمين.
تعلق هؤلاء القوم السياسيون بجانب من الإسلام، هو ما سموه بالحاكمية تعلقاً سياسياً فحرفوا من أجل ذلك أصل الإسلام كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وفسروها
بمعنى
لا
يعرفه
الأنبياء
ولا
العلماء
من
الصحابة
فمَن
بعدهم
فقالوا:
إن
معنى
لا
إله
الا
الله
: لا
حاكم
إلا
الله،
والحاكمية
أخص
خصائص
الألوهية،
وشهد
كبراؤهم
أن
الذي
فسر
لا
إله
إلا
الله
قد
بين
معنى
لا
إله
إلا
الله
بياناً
لا
نظير
له
في
هذا
العصر،
وصدقوا
فلم
يسبق
الرجل
إلى
هذا
المعنى
أحد،
لا
الأنبياء
ولا
المصلحون
، ذلك
المعنى
الذي
ضيع
المعنى
الحقيقي
للا
إله
إلا
الله
وجاء
فريق
منهم
لما
لم
يسلم
العلماء
حقاً
بـهذا
التفسير
فقالوا:
إن
التوحيد
أربعة
أقسام،
رابعها
توحيد
الحاكمية.
وهي
لعبة
سياسية
من
جملة
ألاعيبهم
وحيلهم
على
الأمة
يريدون
تخدير
من
استطاعوا
من
الشباب
السلفي
حتى
إذا
سلموا
بهذا
التقسيم
واطمأنوا
إليه
جعلوا
الحاكمية
هي
المعنى
الأول
والأخير
للا
إله
إلا
الله".
وينفي المدخلي إخراج
العلماء لموضوع (الحاكمية) عن أنواع التوحيد، ويقول أنهم أدخلوها في توحيد الربوبية، وبعضهم في توحيد الألوهية.
ثم يقول رداً على كاتب
إصلاحي سمى نفسه بـ: (الموحد) وألّف كتابا تحت عنوان: (تنقيح المناهج من بدع الخوارج) :" لقد أبرز هذا الكاتب حقيقة مذهب القطبية من تكفيره للأمة وعلى رأسهم سادة العلماء ابن باز وإخوانه. وكشف حقيقة ما يخفيه كل قطبي ماكر من تكفير الأمة والعلماء، ثم يسترون ذلك بتقيتهم المشابهة للتقية الباطنية، فيظهرون للناس أنهم لا يكفرون وأنهم يحاربون التكفير ومذهب الخوارج وأنهم هم أهل السنة والجماعة، فلو كانوا في حقيقتهم كما يظهرون لما تباكى عليهم هذا الخارجي التكفيري المحترق، ولقد شهد عليهم بالخروج وبرر خروجهم بأنهم رأوا الكفر البواح الصراح، وأنهم دعاة حق وتوحيد وإيمان.
إن مذهب سيد قطب واضح وضوح الشمس في تكفير المجتمعات الإسلامية منذ قرونها الأولى، وأنه يكفر بالجزئية وبالمعاصي وبالعادة والتقاليد، والقوم يقدسونه ويقدسون كتبه ومنهجه وينشرونه بكل حماس ونشاط، ويربون عليه أتباعهم، وعليه يوالون وعليه يعادون، ومع ذلك كله يتظاهرون بعدم التكفير. وهم يركضون بمنهج سيد قطب الغالي في التكفير في مشارق الأرض ومغاربـها، وما هذا الرجل التكفيري الصريح وأمثاله إلا ثمرة من ثمرات جهودهم القوية المتوصلة على وجه البسيطة.
...يتضح
من
حرب
هذا
الرجل
وأمثاله
على
من
يسمونهم
بالجامية
والمدخلية
أنهم
يقصدون
السلفيين
في
كل
أقطار
الأرض
وعلى
رأسهم
علماء
المملكة
العربية
السعودية،
وعلى
رأس
الجميع
ابن
باز
والعثيمين
والفوزان".
وهكذا صب كلُ ذلك التنظير
الذي قام به كبار علماء المؤسسة الدينية الوهابية ، في مصلحة النظام الاستبدادي
المطلق ، والابتعاد عن الشورى ، وأدى الى تضخيم دور الحاكم على حساب الشعب والحركة
الوهابية والمؤسسة الدينية نفسها. [2]
[1]
-
ويطلقون عليهم أيضا اسم "القطبيين" نسبة الى سيد قطب ، وذلك لأنه
قال في كتابه (في ظلال
القرآن) ما يلي: إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة، ولا مجتمع مسلم قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي (ج 4 ص 212) وقال: قد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن لا إله إلا الله دون أن يدرك مدلولها ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها... وقال: البشرية بجملتها بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات لا إله إلا الله بلا مدلول، ولا واقع، وهؤلاء أثقل إثماً وأشد عذاباً يوم القيامة، لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد من بعد ما تبين لهم الهدى، ومن بعد أن كانوا في دين الله (ج2 ص 1057).
[2] - يقول أحد الوهابيين
الاصلاحيين في أحد مواقع الانترنت
عن رجال المؤسسة الدينية: "في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ فكر مريض أطلق عليه الفكر المدخلي أو الجامي نسبة إلى مؤسسه ، أو جماعة المدينة نسبة إلى مكان نشأتهم . .. بقصد ضرب الصحوة الإسلامية والحركات الجهادية في كل العالم تحت مسمى السلفية والدين وأقوال العلماء الأوائل ... فكان من أفكارهم وسمومهم تعطيل الجهاد ولا جهاد اليوم فكلها رايات عمياء ولا إمام ، ولا أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر إلا إذا أذن السلطان صاحب المنكر ، وفي طاعة الحاكم بأمر القانون طاعة لله وله بيعة في الأعناق وإن تخلى عن شريعة الله واستبدل بالإيمان كفرا ، ولا نُصحَ إلا همسا وسرا ، ولا كفر إن نقض المرء إيمانه بناقض قولي او عملي إلا إذا استحل ذلك في قلبه ، وكل الناس عندهم على غير هدى السلف إلا هم ، وكل البشر جاهل ولا عالم إلا هم . وليس ثمة أحد أصابه هذا الفيروس إلا تجهم وجهه لأخوانه وساءت أخلاقه وغلظ قوله ، وانبطح للوالي وصار دابة تركب وبساطا يفترش . جردوا الدين من روحه ومضمونه وجعلوه طلاسم ومناسبات ففصلوا السياسة عن الدين وألغوا الأمر بالمعروف والجهاد والنصح للأمة وإحيائها بعد موات ، وعطلوا أحكام الله على من وجبت بحقه من الكفر والفسق والبدعة" .