اذن فقد أقام ابن سعود دولته
على القوة والقهر والغلبة و من هنا فقد أضفى عليها طابعاً شخصياً باعتباره فاتحا ومقاتلا ومالكا
للسلطة و البلاد والعباد ، وقد قال بصراحة :" أما الولاية وبلدانها و أرضها
فهي لله ثم لي".[1]
ولذلك لم يؤسس أنظمة دستورية أو مؤسسات عامة لإدارة السلطة في البلاد ، فضلا عن توزيعها
بين مراكز قوى متعددة ، أو السماح للشعب أو لما تبقى من الوهابيين بممارسة الحق في
المشاركة السياسية.
لقد أثرت
الطريقة التي تم عبرها الوصول إلى السلطة والمحافظة عليها ، في بنية النظام
السعودي وطبيعة علاقته مع الشعب ، و بما أنها كانت عبر القوة المسلحة و الاحتلال
العسكري ، فان علاقة النظام مع المواطنين كانت قائمة على القوة ، و بما ان النظرية الدينية التي تم
توظيفها في عملية التأسيس كانت هي (الوهابية) التي تكفّر عامة الناس ، فقد كانت
علاقة النظام السعودي مع المواطنين قائمة على الشك و الإقصاء و رفض المشاركة
السياسية. وقد انعكست هذه العلاقة السلبية – كما رأينا - حتى على أفراد الحركة
الوهابية الذين تعرضوا في وقت متأخر إلى عملية تصفية و تدجين و إقصاء عن الحياة
السياسية.
و على رغم قيام الدولة السعودية
الثالثة في أجواء الحركة الدستورية و الديموقراطية التي عمت العالم الإسلامي
حينذاك ، وأدت إلى سن الدستور في كل من الدولة العثمانية و ايران عام 1906 و 1908م
ومتابعة الملك عبد العزيز لأنباء
تلك الحركة الدستورية و وعوده بإقامة نظام الشورى [2]،
فانه أقام دولته على أساس من
الاستبداد الشخصي المطلق ، وجمع بين يديه كل السلطات الدستورية والتشريعية و القضائية
و التنفيذية.[3] مع انه
كان قد اعتبر هذا النوع من العلاقة
بين الحاكم والأمة ، والذي كان معمولاً به أيام الدولة العثمانية ، نوعا من
الاستعباد المرفوض الذي يتنافى مع التوحيد .[4] ولكنه لم يجد مانعا من ممارسته مع
رعيته.[5]
و كان من الطبيعي ان يتم احتكار
السلطة في العائلة المالكة بشكل مطلق ، وان يرفض الاعتراف بحق الشعب في السلطة او
في كونه مصدرا لها . حيث لم يعد موضوع "حق" آل سعود في الملك محلاً
للنقاش أو التساؤل. بل ولا مدى صلاحيات الملك أو كيفية نصبه وعزله موضعاً للحوار
بين الناس الذين يجب عليهم التسليم والطاعة. وبما أن عملية السيطرة على مختلف
المناطق السعودية كانت قد تمت عبر الفتح والاحتلال العسكري ، فقد كان التعامل مع
المواطنين يتسم بنوع من الاستعلاء والاستعباد والغرور ، الذي تمثل في إضفاء اسم
العائلة (السعودية) الحاكمة على الوطن والمواطنين في نجد والأحساء وحائل و عسير
والحجاز. وانتهاج النظام السعودي سياسة استبدادية مطلقة واعتبار الثروة الوطنية
والبلاد والعباد ملكا شخصيا.[6]
مائة عام من
الوعود الديموقراطية العقيمة
وبالرغم من ذلك فان النظام
السعودي ، ونظرا لشعاراته الاسلامية ، وانتشار المشاعر الديموقراطية في العالم ،
كان يشعر بنقص كبير و أزمة شديدة في العلاقة بينه وبين المواطنين التواقين للحرية
والعدالة والشورى والمشاركة السياسية.ولذلك كان يحاول ان يجاري تلك المشاعر وأن
يضفي على نفسه مسحة ديموقراطية. وقد قال الملك عبد العزيز بن سعود : " يدعي
البعض أن الحرية من أوضاع الأوربيين ، والحقيقة أن القرآن الكريم قد جاء بالحرية
التامة الكافلة لحقوق الناس جميعا ، وجاء بالإخاء والمساواة المطلقة التي لم تحلم
بها أمة من الأمم". و " إن
الناس الذين لا نشك أن الله عالم بقلوبهم
، وأنهم أعداء بعضهم لبعض كما قال الله تعالى (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) قد بلغوا
بالشورى مراتب عالية في الدنيا ، ونحن المسلمون أمرنا الله بالمشورة ، والمشورة
لها أساس ، وهو النصح بالتزام الحق". و " أما السير على غير المشورة ،
فهو مجلبة للنقص والهوى ، هوى النفس ".[7]
ولأن النظام السعودي كان يشعر في
قرارة نفسه ان الارتكاز على القوة فقط ، يعطي الآخرين الحق في اللجوء اليها والعمل
من أجل الاطاحة بالنظام ، فقد كان يحاول أيضا ان يكتسب الشرعية الدستورية من خلال
التظاهر بالعمل بالشريعة الاسلامية ، وأخذ البيعة من المواطنين وإقامة بعض مظاهر
الشورى أو الديموقراطية ، أو الوعد بتحقيقها.
و قد قدم ابن سعود جزءاً من
تلك الوعود الديموقراطية الى سكان
الحجاز المرعوبين من التطرف الوهابي ، قبيل و أثناء عملية الاجتياح ، حيث أصدر
منشوراً بتاريخ 22 صفر 1343-1924 يعد فيه المسلمين ، وأهل الحجاز بالخصوص ، بأن
تكون الحجاز ومكة للمسلمين عامة وأن يكون أمر الحرمين الشريفين شورى بين المسلمين
. ويقول :"إنما أنا وكيل عن المسلمين في طرد الهاشميين ليقرروا مصير الحجاز
بحرية" [8]. ثم أصدر منشورا آخر في 24 ديسمبر1925 – 1344 ، أكد فيه: أن مستقبل
البلاد لا بد لتقريره من مؤتمر إسلامي يشترك المسلمون فيه جميعا لينظروا مستقبل
الحجاز ومصالحه. وقال:" لقد أبرقنا لكافة المسلمين في سائر الأنحاء أن يرسلوا
وفودهم لعقد مؤتمر إسلامي عام يقرر شكل الحكومة الذي يرونه صالحا لأحكام الله في
هذه البلاد المطهرة".[9]
ولكن ابن سعود تراجع عن فكرة المؤتمر الإسلامي ، بعد فتح مكة ، وعين نفسه ملكاً
على الحجاز .[10] ومع ذلك ظل يدعو إلى عقد مجلس شورى
من أهل الحجاز لإدارة بلادهم ، وقال في خطابه أمام قيادات مكة:" لا أريد
ان استأثر بالأمر في بلادكم دونكم وإنما أريد مشاورتكم في جميع الأمور" وطلب
من الحاضرين أن يجتمعوا لانتخاب من يمثلهم في مجلس الشورى الأهلي . ثم قال في
افتتاح مجلس الشورى الذي تم تشكيله بالفعل قبل أن تسقط مدينة جدة:" لقد أمرت
أن لا يُسَنَّ نظام في البلاد ويجري العمل به قبل أن يعرض على مجلسكم من قبل
النيابة العامة وتنقحونه بمنتهى
الحرية".[11]
ولكن تلك الوعود الديموقراطية
سرعان ما ذهبت أدراج الرياح ، وتبين أنها لم تكن سوى دعوات تكتيكية من أجل تطييب
خاطر الحجازيين وتسهيل فتح بلادهم ، حيث لم يفِ عبد العزيز بأي من وعوده بأن يقرر الحجازيون مصيرهم بحرية، وبأن
يكون أمر الحرمين الشريفين شورى بين المسلمين. وألغى المؤتمر الإسلامي مباشرة بعد
احتلال مكة ، ولم يسمح لمن حضر من الوفود المدعوة بالنظر في مستقبل الحجاز ، ولا
تقرير شكل الحكومة في بلاد الله المطهرة.
وعيّن نفسه ملكاً على الحجاز . ومع أنه كان قد طلب ، بعد سقوط مكة
، من أعيان الحجاز تنظيم قائمة بأسماء أعضاء مجلس الشورى ، وأنهم اجتمعوا بناء على
ذلك وانتخبوا ثلاثة عشر شخصا برئاسة الشيخ عبد القادر الشيبي ، الا أن ابن سعود لم
يسمح لذلك المجلس بالانعقاد و لا مرة واحدة.
وبعد ذلك بعام قام عبد العزيز
بتشكيل مجلس آخر باسم (مجلس الشورى) برئاسة
نائب الملك : الأمير فيصل وعضوية 12 شخصا معينا . وأصدر في 21/5/1345هـ (1926م)
(التعليمات الأساسية للحجاز)
لتكون دستورا للدولة الحجازية ، التي أصبحت ضمن الدولة السعودية ، نصت المادة
الثانية منها على أن الدولة العربية الحجازية دولة ملكية شورية اسلامية مستقلة في داخليتها وخارجيتها.
ونصت المادة الرابعة على تشكيل مجالس شورى في مكة والمدينة وجدة. وفي التاسع من
محرم 1346 اصدر ابن سعود مرسوما ملكيا يتعلق بنظام مجلس الشورى ويؤكد على ان المجلس يتألف من ثمانية أعضاء نصفهم
تختارهم الحكومة بعد استشارة أهل الفضل والخبرة والنصف الآخر تختارهم الحكومة بمعرفتها
، ويكون برئاسة الأمير فيصل (النائب العام) ، وللملك الحق في حل مجلس الشورى وتغيير أعضائه أو عزلهم. وفي عام 1347
شكل مجلس شورى جديد مع تغيير طفيف في عدد الأعضاء الذي أصبح مفتوحا بإرادة الملك.
وهكذا شكلت مجالس أخرى للشورى في الحجاز كل سنتين حتى عام 1372 ولكنها كلها كانت
أشبه بالحكومات المعينة منها بمجالس الشورى .
وعلى مستوى المملكة العربية
السعودية أصدر الملك عبد العزيز في
سنة 1932 مرسوما بتكليف مجلس من
الوكلاء لوضع نظام أساسي (أي دستور) للمملكة، ونظام لتوارث العرش ، ونظام لتشكيلات
الحكومة وعرضها عليه لاستصدار أوامره فيها. وكان المرسوم يتضمن تشكيل جمعية
مندوبين.[13] وهو ما يعبر
عن شعور النظام بالحاجة الى تشكيل قاعدة جديدة للشرعية الدستورية كبديل عن قاعدة
القوة والقهر والغلبة. ولكن لم يتم ترجمة ذلك المرسوم الى واقع. وهكذا ظل النظام السعودي محافظاً على طابعه الاستبدادي
المطلق.
وعندما توفي الملك عبد العزيز و ورثه ابنه الأكبر سعود أخذ
يتصرف مثله كحاكم مطلق ، مما ولد أزمة في داخل العائلة المالكة ، ودفعهم للاختلاف
فيما بينهم ، حيث انشق عدد من أبناء الملك عبد العزيز (فواز وبدر وعبد المحسن
وسعد) بقيادة الأمير طلال عام
1958 وطالبوا بوضع دستور يحفظ
الحرية والحقوق للمواطنين ، وإقامة مجلس
للشورى في ظل الملكية.[14]فعين
الملك سعود أخاه فيصلا رئيساً للوزراء ووضع نظاماً لمجلس الوزراء أعطاه دور السلطة
التشريعية. وأعلن انه سيضع دستورا للبلاد ، وشكل لجنة حكومية لصياغته .[15]
الا أن الأيام والسنون مرت دون أن ترى البلاد الدستور الموعود.
وعندما تولى الأمير فيصل رئاسة
مجلس الوزراء للمرة الثانية ، أعلن في 3/6/ 1382 بأن الحكومة قد وضعت برنامجا إصلاحيا و قال
:" إن الوقت قد حان لإصدار نظام أساسي للحكم مستمد من كتاب الله وسنة رسوله
وسيرة الراشدين ، يضع في وضوح كامل المبادئ الأساسية للحكم وعلاقة الحاكم بالمحكوم
وينظم سلطات الدولة المختلفة وعلاقة كل جهة بالأخرى وينص على الحقوق الأساسية
للمواطن ومنها حقه في التعبير عن رأيه في حدود العقيدة الإسلامية والنظام العام.
وان نظام الشورى الإسلامي يجب أن يتم إحياؤه من جديد ليسهم أهل الحل والعقد في
بناء الدولة ومراقبة أعمال السلطة ".[16]ولكن
هذا الإعلان بقي مجرد حبر على ورق ولم يتم الوفاء به في ذلك الوقت.
وقد أدت الأزمة الدستورية بين الملك
سعود ونائبه فيصل ، إلى قيام مجلس غير رسمي وغير معلن وليس منتخبا من أية جهة ، عرف
باسم (مجلس أهل الحل والعقد) وكان يتألف من حوالي 68 أميرا بالاضافة الى 12 شخصاً من
كبار رجال الدين ، وهو الذي قام باتخاذ القرار بعزل الملك سعود.[19]
وقد كشفت الطريقة التي تم عزل
الملك سعود فيها عن فوضى دستورية خطيرة ، حيث تمت عملية التغيير استنادا الى
معادلات القوة في داخل العائلة المالكة ، وفي ظل غياب دستور واضح يحدد صلاحيات
الملك ومسؤولياته ، ويرسم العلاقة بينه وبين الأمراء والوزراء ورجال الدين وعامة
فئات الشعب ، ويعين الجهة الشرعية التي تتولى محاسبة الملك وعزله.
وبعد ان أصبح فيصل ملكاً قام
بتعديل نظام مجلس الوزراء بحيث اصبح كما يلي:" المادة السابعة: مجلس الوزراء
هيئة نظامية[20]، يرأسها
مجلس الوزراء وتصبح قراراته نهائية بعد تصديق جلالة الملك عليها".[21]ونظرا
لشعور الملك فيصل بفقدان النظام للشرعية الدستورية وَعَدَ المواطنين بإصدار دستور يتضمن
إقامة مجلس شورى ويكفل الحقوق الأساسية للمواطنين .[22]
ولكن الملك فيصل
قتل عام 1975 دون أن يقوم بأية خطوة في هذا الاتجاه.
وفي ذلك الوقت أعلن الأمير فهد ولي
العهد ورئيس الوزراء ، عن إيمانه بالديموقراطية الإسلامية وقال:"إن الشورى هي
إحدى أسس الديموقراطية الحقيقية". ووعد بقرب صدور نظام مجلس الشورى.[23]
ولكن النظام السعودي استمر
كما هو عليه ، إلى أن حدثت حركة جهيمان العتيبي في الحرم المكي عام 1979 ، فتذكر
الملك خالد موضوع الشورى وأمر بتشكيل لجنة لإعداد مشروع الدستور.[24]
ثم عاد الملك فهد من بعده ليصرح
عام 1984 لصحيفة (الصنداي تايمز) بعزمه على تأسيس مجلس الشورى خلال ثلاثة أو أربعة
شهور ، وان جميع أعضائه سيعينون مباشرة من الحكومة ، وبعد سنتين سيعطي الشعب حق
انتخاب نصف أعضائه انتخابا مباشرا عن طريق مجالس المقاطعات ، وفي مرحلة لاحقة سيتم
انتخاب بعض أو معظم أعضاء البرلمان بالانتخاب المباشر من قبل المواطنين وسيكون
المجلس برلمانا كغيره من برلمانات العالم ، وأنه سيكون أداة للتعبير عن الرأي
ووسيلة لمراقبة تنفيذ سياسة الدولة وضمانا لمساهمة الشعب في الحكم.[25]
ومضت شهور وسنوات لم
يحدث خلالها شيء إلى أن حدثت مناسبة عاصفة وهي حرب الخليج الثانية عام 1991 وما
أعقبها من حدوث امتعاض ومعارضة داخل السعودية ، تمثل بتقديم مذكرات للنصيحة من قبل
بعض المواطنين الى الحكومة ، فقام الملك فهد بتاريخ 1 / 3 / 1992 بالإعلان عن الأنظمة الثلاثة : (النظام
الأساسي للحكم، ونظام مجلس الشورى، ونظام المناطق أو المقاطعات). وتشكيل مجلس
للشورى مؤلف من 60 عضوا معينا.
وقد نصت غالبية بنود النظام
الأساسي على إعطاء صلاحيات واسعة للملك، بحيث يصبح هو المحور الأول والأخير للحياة
السياسية وصاحب الدور المطلق فيها
من خلال:
1 ـ اختيار وإعفاء ولي العهد (المادة 5).
2
ـ رئاسة السلطات الثلاث، التنفيذية، والتشريعية، والقضائية ، (المادة 44).
3
ـ تعيين وإقالة القضاة و تنفيذ الأحكام القضائية (المادة 50 والمادة 52).
4
ـ رئاسة مجلس الوزراء وتعيين وإقالة الوزراء، وحل وتشكيل الوزارة (المادة 56 و
57).
5
ـ تعيين وإقالة أعضاء مجلس الشورى، وحل المجلس، وتعيين بديل له (المادة 68).
6-
إصدار الأنظمة والمعاهدات، والاتفاقيات الدولية والامتيازات وتعديلها أو إلغائها
(المادة 70).
7-
إصدار الميزانية العامة للدولة (المادة 76).
8-
الإنفاق من الأموال العامة خارج المقرر في ميزانية الدولة (المادة 73).
9-
تعديل النظام الأساسي (المادة 83).
10-
الفصل في الخلاف بين مجلس الشورى ومجلس الوزراء (المادة 17 ـ نظام مجلس الشورى).
11-
تعيين أمراء المناطق ونوابهم ومحافظي المحافظات وأعضاء مجالس المناطق وعزلهم
(المادة 4 ، 10 ، 16 ، 20 ، نظام المناطق).
وفي الوقت الذي أعطى النظام
الأساسي للملك تلك الصلاحيات الواسعة ، لم يشر أبدا إلى واجباته ، ولم يسمح
بإخضاعه لأي نظام محاسبة أو مساءلة . مما كرس الانفراد المطلق للملك في الحياة
السياسية ، وحافظ على صيغة النظام الملكي المطلق التي كانت قائمة فعلا منذ تأسيس
النظام السعودي في مطلع القرن العشرين.
ولم يوضح النظام الأساسي طريقة عزل الملك في حالات العجز أو سوء
التدبير أو الانحراف ، حتى من قبل العائلة المالكة أو مجلس أهل الحل والعقد ، في
حين كان يفترض بالنظام الأساسي الجديد أن يوضح طريقة العزل والجهة المسؤولة للقيام
به ، كأن يكل الأمر إلى مجلس الشورى ، كما هو الحال في معظم دول العالم ، أو مجلس
أهل الحل والعقد ، أو حتى العائلة المالكة. ولكن النظام الأساسي أهمل الحديث عن
هذا الموضوع الحيوي وتركه لمعادلات القوة في المستقبل.
ومع انه نص في المادة الثامنة على أن يقوم الحكم على أساس
الشورى ، وصدر نظام خاص بذلك ، الا ان المجلس الذي تمخض عنه كان مجلساً معيناً
وليس منتخباً . ومع ذلك فان النظام لم يعطه حق التشريع وإنما التوصية بالقوانين فقط. كما جاء في المادة السابعة عشرة
من نظام مجلس الشورى التي تقول : "ترفع قرارات مجلس الشورى الى رئيس مجلس الوزراء ويحيلها
الى مجلس الوزراء للنظر فيها ، فان اتفقت وجهات نظر المجلسين صدرت بعد موافقة
الملك عليها ، وان تباينت وجهات النظر فللملك إقرار ما يراه".[26]
ولا يضمن نظام مجلس الشورى
أية حصانة سياسية لأعضاء المجلس ، وإنما يلحقهم وظيفياً بنظام الخدمة المدنية،
الأمر الذي يسمح للسلطة باتخاذ إجراءات إدارية ضد أي أحد منهم ، ومحاكمتهم
ومعاقبتهم ، مما يفقد المجلس الحرية والاستقلالية والقدرة على
التصدي للسلطة التنفيذية أو محاسبتها.[27]
وفي الوقت
الذي يطلب نظام الحكم من المواطنين مبايعة الملك
على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره (المادة 9) ، ويدعو إلى تربية
الأبناء على طاعة الملك (المادة
التاسعة) فانه لا يعطي الأمة الحق في انتخاب الملك ولا عزله بالطبع ، كما يتجنب الاعتراف الصريح بالحقوق
الأساسية للمواطنين ، خصوصا حرية العقيدة وحرية الرأي والتعبير ، وحقهم في
المشاركة السياسية عبر تشكيل الأحزاب أو النقابات.[28]
وفي مقابل ذلك ينص
النظام الأساسي على إلحاق وسائل الإعلام المحلية بالدولة، ويفرض عليها الالتزام
بسياساتها (المادة 39) . مما يعني مصادرة حرية المواطنين في التعبير عن
آرائهم في القضايا التي لا تنسجم مع
السياسات الحكومية.
ويؤكد النظام الأساسي أن لا دور
للشعب في تعديل أية مادة من مواد النظام ،
وإنما يجري ذلك بنفس الطريقة التي تم بها إصداره ، أي بالإرادة الملكية. كما
هو صريح المادة (83) .
و لقد تكرر في النظام
الأساسي النص على استناد الحكم إلى
كتاب الله تعالى وسنة رسوله كما في المادة (1 ، 5 ، 6 ، 7) وغيرها من المواد ،
ولكنه لم يوضح النصوص التي يستند إليها في طبيعته الوراثية وحصر الحكم في العائلة
السعودية ، كما جاء في المادة رقم (5).
ومع كل ذلك فقد وصف الملك فهد
النظام الأساسي والنظام الجديد لمجلس الشورى ، بأنه يقوم على أساس الاسلام ويشكل
استجابة لقول الله عز وجل: (وأمرهم شورى بينهم) وأنه تحديث وتطوير لما هو قائم
" ولقد ذكرنا من قبل في مناسبات كثيرة أن البلاد شهدت قيام مجلس الشورى منذ
وقت طويل ، وخلال هذه المدة استمرت الشورى في البلاد بصيغ متعددة متنوعة ، فقد دأب
حكام المملكة على استشارة العلماء وأهل الرأي ، كلما دعت الحاجة الى ذلك... ومن
رحمة الله بالناس : أنه تعالى لم يشرع شكلاً واحداً لتطبيق الشورى ، بل جعل الشورى
وصورتها لاجتهاد المسلمين في كل زمان ومكان".[29]
وعلى اية حال لم يفلح النظام
الأساسي الذي قدمه الملك فهد ، في تلبية حاجة المواطنين للديموقراطية ، وخاصة لجهة
الانتخابات المباشرة لأعضاء مجلس الشورى .[30]
وكان أشبه ما يكون بالمنحة المحدودة القابلة للسحب في أية لحظة [31]،
وذلك بسبب إيمان النظام السعودي
بحقه المطلق باحتكار السلطة التي أستولى عليها بقوة السيف ، ورفضه الاعتراف بحق
الشعب في السلطة أو كونه مصدرا لها . ولذلك فقد تم استبعاد أية فكرة للتصويت على النظام الأساسي من قبل الشعب
عبر الاستفتاء العام أو مناقشته عبر مجلس شورى منتخب . ولا يزال النظام السعودي
يرفض إجراء أية انتخابات برلمانية او رئاسية أو أخذ رأي الشعب في تعيين الملك
القادم ، ويواصل استمراره على أساس القوة والقهر والغلبة ، مع أخذ البيعة من الناس
بشكل صورى لا يقدم ولا يؤخر.
ولا حاجة للقول إن الفكر الوهابي
السياسي يتبنى بشكل كامل النظام السعودي كما هو ، ويتفق في إعطاء الحاكم الصلاحيات
المطلقة على حساب الشعب الذي يشكك في الهوية الاسلامية للكثير من أفراده وطوائفه وتياراته وأحزابه. وإنه يرفض المس
بهيكلية النظام الأساسية لجهة توزيع السلطة خوفا من فقدان السلطة التي تم إحرازها
عن طريق الفتح والقهر والغلبة.
[1] - التويجري ، عبد
العزيز: لسراة الليل هتف الصباح ، ص 466
[3] -
بايع
أهل الحجاز ابن سعود يوم 25 جمادى الثانية 1344 (10 يناير 1926) على أن يكون ملكا
على الحجاز بشرط أن يكون الحجاز للحجازيين وان يكون أهله هم الذين يقومون بإدارة
شوؤنه ، وان تكون مكة المكرمة عاصمة للحجازيين. كشك
، محمد جلال : السعوديون والحل الإسلامي
ص 532
[4]
- فقد قال في استقبال الأمير وحيد
الدين حفيد السلطان عبد الحميد ، في
الرياض في 9 ذي الحجة 1349 هـ – 1931 : "إن أعظم من حاربنا هم أجداد هذا
الرجل ، ولم يقاتلونا إلا لأننا امتنعنا أن نقول للسلطان بأننا عبيد أمير المؤمنين
، لا .. لا .. لسنا عبيدا إلا لله تعالى". كشك ، محمد جلال: السعوديون والحل الإسلامي
435
[5] - يقول الكاتب النمساوي
المسلم الذي رافق ابن سعود ، محمد أسد: "إن ابن سعود لم يحقق آمال العرب
والمسلمين ، فبينما زادت قوته و توطدت ، و اتضح أن ابن سعود لم يكن أكثر من ملك
يهدف إلى ما هو ليس أسمى و أرفع من أهداف الكثيرين من الحكام مطلقي السلطة من قبله
في الشرق... و هو لم يفعل شيئا بسبيل بنيان مجتمع تقدمي عادل. و عندما سئل مرة
لماذا لم يحاول أن يقيم دولته على أسس أقل شخصية ليتمكن أبناؤه من أن يرثوا بناء
حكوميا منظما ، أجاب:" لقد أسست مملكتي بسيفي و جهودي فليبذل أبنائي جهودهم
الخاصة من بعدي". كشك ، محمد جلال : السعوديون والحل الإسلامي 68
[6] - يكاد يجمع المؤرخون على أن عبد العزيز بن
سعود كان يحكم المملكة العربية السعودية حكما شخصيا ويدير الأمور وكأنها شأنا من
شؤونه المنزلية ، إلى أن توفي عام 1953م ، وكمثال على ذلك ، يشير المؤرخون إلى
أسلوب تعاطي الملك مع الثروة الوطنية
الهائلة التي كان ينظر إليها كثروة شخصية و لم يكن يفرق بينها وبين أمواله الخاصة .
وكانت أول ميزانية قدمتها السعودية في عام 1958-1959 وقد خصص للعرش 17% من الميزانية لإنفاقها وفق رغبات الملك
بالإضافة إلى 19% من الميزانية وضعت تحت بند (نفقات أخرى) لتنفق حسب الرأي الشخصي
للملك. / أنور عبد الله ، العلماء والعرش ،ص 94 وكشك ، السعوديون والحل الإسلامي ص
72
وقد
ذكر الأمير الوليد بن طلال لصحيفة نيويورك تايمز في 30/11/2001 أن الأمراء السعوديين
يحصلون عند ولادتهم على مرتب سنوي قدره 180 ألف دولار .
[7]
- كشك ، السعوديون والحل الإسلامي 37-38
[8] - كشك ، السعوديون والحل
الإسلامي 526-527
[9] - كشك ، السعوديون والحل
الإسلامي 528
[10] - كشك ، السعوديون والحل
الإسلامي 69
[11] - كشك ، السعوديون والحل
الإسلامي 39
[14] - القحطاني ، فهد: صراع الأجنحة ،ص92
[15]
- القحطاني ، فهد: صراع الأجنحة ، ص 94
[17]
- القحطاني ، فهد: صراع الاجنحة ، ص 112
-113
[18]
- عبد الله ، أنور : العلماء والعرش ص 43 ملحق
رقم 4
[19] - وهو الآن يضم حوالي
مائة أمير ينتمون الى آل عبد الرحمن آل سعود وعدد من ممثلي الفروع الصغيرة التابعة
الى العائلة الحاكمة ، بالاضافة الى خمسين عضوا من العائلات الأرستقراطية التي
ترتبط بشكل وثيق مع آل سعود ، مثل الجلوي والسديري وثنيان وآل الشيخ. وهناك أيضا
بعض العلماء البارزين وبعض الأمراء الكبار المؤثرين. ويبدو أن معيار العضوية في
"أهل الحل والعقد" يرتبط بكفاءة الأصل والعمر والتميز والقيادة حسب
التقاليد البدوية. يماني ، مي: هويات متغيرة ، ص 67
[20] - أي تشريعية
، بالمصطلح السعودي
[21]
- القحطاني ، فهد : صراع الأجنحة ، ص 142
[22] - الياسيني ، أيمن :
الإسلام والعرش ، 166
[23] - مجلة الأسبوع العربي بتاريخ
12/5/1975
[24] - الياسيني ، أيمن :
الإسلام والعرش ، 203
[25] - القحطاني ، فهد : صراع الأجنحة ، ص 234
[27]
- يقول الدكتور أحمد بن باز: تنص المادة السادسة
من نظام مجلس الشورى على أنه :" إذا أخل عضو المجلس بواجبات عمله ، يتم
التحقيق معه ومحاكمته وفق قواعد وإجراءات تصدر بأمر ملكي". وقد صدر أمر ملكي
يحدد قواعد التحقيق والمحاكمة لعضو مجلس الشورى وإجراءاتها ، وينص على معاقبته
بإحدى العقوبات التالية: أ- توجبه اللوم كتابة. ب – حسم مكافأة شهر. ج – إسقاط العضوية. مع امكانية رفع الدعوى
العامة أو الخاصة على العضو./ النظام السياسي والدستوري للمملكة العربية السعودية
، ص 228
[28] - كانت قد صدرت في عام
1965 م عدة مراسيم ملكية تحرم تشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية والتظاهر والإضراب
عن العمل ، وتعتبر الانتماء إلى أي حزب أو الدعوة إليه جريمة ضد أمن الدولة ، وتنص على معاقبة كل من يثبت بحقه
ارتكاب الجرائم الموصوفة بعقوبات تتراوح بين السجن والنفي والإعدام.
[29]
- آل سعود ، فيصل : رسائل أئمة دعوة التوحيد
، ص 178 - 179 وقد صدق الملك في ذلك
فان الله تعالى لم يشرع شكلا واحدا للشورى ، وقد اختلف الفقهاء المسلمون تاريخيا حول
الزامية الشورى للحاكم أو عدمها ، ولكن المشكلة تكمن في مصادرة الحكام لحق الأمة
وحق الفقهاء في الاجتهاد ومحاولة فرض آرائهم على الجميع بالقوة ، ورفض مشاريع
الشورى الحقيقية التي تجمع عليها عامة المسلمين ، بالاضافة الى التشكيك بهوية
المسلمين واتهامهم بالكفر والشرك وحصر صفة (التوحيد والاسلام) في فئة صغيرة من
الناس.
[30] - فقد دعا الأمير الوليد
بن طلال ، في حوار أجرته معه صحيفة نيويورك تايمز ، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، إلى
إجراء انتخابات لمجلس الشورى السعودي ، مشيرا إلى انه " كلما تم ذلك بسرعة
كان أفضل ، بالنسبة للمملكة. وأنه
إذا سمح للناس بالحديث بحرية و المشاركة بقدر أكبر في العملية السياسية ، فسيكون
بالإمكان احتواءهم وجعلهم جزءا من العملية" . وقال الوليد إن فكرة الانتقال
التدريجي إلى ديمقراطية محدودة تطرح للحوار العلني داخل دوائر الأسرة المالكة، رغم
أنها لا تطرح للنقاش في وسائل الإعلام السعودية من صحف أو تلفزيون، التي تخضع
لرقابة الدولة أو ملكيتها.