رسالة مفتوحة
إلى مقتدى الصدر، في عزلته للعبادة والدرس والتفكير:
الطائفية تهدد
الوحدة والتحرير والديموقراطية
الأخ العزيز
المجاهد السيد مقتدى الصدر حفظه الله
السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته
نحييكم على قراركم الشجاع بالاعتزال المؤقت للعبادة والدرس والتفكير،
الذي اتخذتموه في الآونة الأخيرة، رغم الضغوط السياسية
والعسكرية الهائلة التي يتعرض لها تياركم الصدري في العراق، وذلك من أجل رفد حركتكم
بالمزيد
من العلم والروح
الإيمانية
والنضج والتخطيط لكي تكونوا أقدر على قيادة الساحة وتوجيه الأحداث في
المستقبل.
وبالرغم من أن هذا القرار الشجاع قد يكلفكم كثيرا في معارك السياسة
اليومية، إلا أنه وبلا شك سوف يشد من عضدكم في المدى البعيد،
ويوفر عليكم كثيرا من الأخطاء والمشاكل في المستقبل. وبهذه المناسبة
نود أن
نقدم لكم بعض الملاحظات الأخوية الصادقة التي نرى أنها تصب في تحقيق
هدفكم النبيل
"الحصول على الاجتهاد". لقد استمعت إليكم كثيرا ، وخاصة إلى مقابلتكم الأخيرة مع الأستاذ غسان
بن جدو على قناة الجزيرة في 29 /3/ 2008 ورأيتكم تعبرون بوضوح
عن همَّين رئيسيين يشغلان تفكيركم وهما تحقيق الوحدة في العراق وطرد
المحتلين الأجانب وتحقيق الاستقلال في ربوع عراقنا الحبيب. فقد قلتم عن الاحتلال إنه
احتلال، ولن يسمى تحريرا، وإن العراق لا يزال محتلا، وذهب الشيطان الأصغر (صدام) وجاء
الشيطان الأكبر (الاحتلال)، وأعلنتم بوضوح أنكم مع المقاومة المسلحة لتحرير
العراق، وقلتم بأن جيش المهدي قادر على تحرير العراق، ودعوتم المؤتمر الإسلامي
والجامعة العربية إلى الاعتراف بشرعية المقاومة التي تخوضونها منذ الغزو حتى الآن. وفي محاولة منكم
لتجاوز
آثار الفتنة الطائفية التي حدثت في العراق بعد تفجير مرقد الإمامين
العسكريين في سامراء، في شباط 2006 وما قيل عن تورط التيار
الصدري فيها، عبرتم عن استنكاركم لما حدث، وقلتم :" كانت هناك ردة فعل شعبية بعد
تفجير سامراء، ولا بد أن نفتح صفحة جديدة، ونسعى لتحرير العراق، ونحن أخوة". وقلتم
:" أنا مستعد لأفعل أي شيء لتحقيق هدف الوحدة" ورفضتم أي اعتداء على أي سني
وأي شيء يؤدي إلى الطائفية، وحذرتم من المحتل الذي يسعى لإبعاد السنة عن الشيعة
والشيعة عن السنة، وقلتم: إن هناك خطة طائفية مقيتة يجب أن يزيلها التيار الصدري، وإن
هناك خطة لتقسيم العراق، ودعوتم التيار الصدري للوقوف في وجه التقسيم. ولا شك أنكم تدركون
أن الفتنة الطائفية عقبة أمام التحرير، إذ لا يمكن طرد المحتل من دون جبهة عراقية
شعبية متحدة، في الوقت الذي يقوم المحتل باللعب على الوتر الطائفي وتخويف كل طائفة
من الأخرى، واستغلال كل مجموعة ضد المجامع الأخرى. وإذا كان للمحتل دور كبير في
تأجيج الطائفية واستغلالها، فلا شك أن للعراقيين أنفسهم دور فيها أيضا، وهي ليست وليدة
اليوم بل إن لها جذورا فكرية في عمق التاريخ العراقي والإسلامي، وربما كان لكل
طائفة أو مجموعة دور في إشعال الفتنة من خلال العنف والإرهاب والقتل والثأر والانتقام
ومحاولة السيطرة على البلد وعلى الطوائف الأخرى وإقصائها، وبالتالي فإن حل
المشكلة الطائفية يكمن في التوافق السياسي بين الطوائف على أساس العدل والشورى،
بعيدا عن المحتل، كما يكمن في الحوار الداخلي وتذويب العقد التاريخية
والتخلي عن الخرافات والأساطير التي تعكر صفو العلاقات الأخوية بين المسلمين، وتشعل
الأحقاد ونيران الفتنة الدائمة. إن من يراجع تاريخ
ما يسمى بالخلافة الأموية والعباسية والعثمانية، والفكر السياسي الذي أنتجته
يشاهد بوضوح ملامح الاستبداد والديكتاتورية التي كانت تعطي الحاكم صلاحيات واسعة
مطلقة، وتغلق الأبواب أمام حركة النقد والمحاسبة والمعارضة والتغيير السلمي، وتضطر
المصلحين للتمرد والثورة واللجوء إلى السلاح، وهو ما أدخل الأمة الإسلامية في
دوامة من العنف وسلسلة طويلة من الصراعات والانقلابات. وقد كان أئمة أهل البيت أول من رفع شعار
الشورى ودعا إلى الإصلاح السلمي والتغيير الهادئ، وحضَّ الأمة على تحمل مسؤولياتها
في المشاركة السياسية وممارسة حقها في انتخاب الإمام، وقد رفض الإمام علي بن
أبي طالب أن ينظر المسلمون إليه .. أو يعاملوه على أساس أنه معصوم، وطالبهم بنقده
ومعارضته فيما لو أخطأ، وحذر شيعته قائلا: " لا تكلموني بما تُكلم به الجبابرة، ولا
تتحفظوا مني بما يُتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا
تظنوا بي استثقالاً في حقٍ قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي لما لا يصلح لي ، فانه
من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه .. فلا
تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل ، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك
من فعلي ، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني . فإنما أنا وأنتم عبيد
مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من أنفسنا". (الكليني: روضة الكافي، ص 292 والمجلسي: بحار
الأنوار ج74 ص 309)
ولكن، ولسوء الحظ، فقد تعرض خط أهل البيت، إلى مؤامرات عديدة أبعدت
الشيعة عن مبدأ الشورى، ودفعتهم للإيمان بنظريات استبدادية
وفرضيات أسطورية ما أنزل الله بها من سلطان، كنظرية الإمامة الإلهية لأهل البيت
القائمة على العصمة والنص والوراثة، وفرضية ولادة ووجود الإمام الثاني عشر في أواسط
القرن الثالث الهجري، وغيبته واستمرار حياته منذ ذلك الحين إلى يومنا الحاضر،
والى أن يظهر في المستقبل. وهو ما أدى إلى تكَّون الطائفة "الاثني عشرية"
في القرن الرابع الهجري، بعد أن كان الشيعة يمثلون طليعة الأمة الإسلامية في التغيير
والثورة والإصلاح والمناداة بالشورى والعدل، ولم يكونوا يشكلون طائفة ميتة في مقابل
الطوائف
الأخرى.
إن من يراجع تاريخ الشيعة في القرون الأولى يجد أنهم كانوا يكنون
احتراما كبيرا للصحابة والشيخين الجليلين أبي بكر وعمر (رض) ولكن إيمانهم بنظرية
النص في الإمامة من الله، وحصر الحكم في سلالة معينة، أدى بهم إلى رفض مبدأ
الشورى وحق الأمة في اختيار الإمام، وقد انعكس ذلك في قراءتهم التاريخية لما جرى بعد
وفاة رسول الله (ص) من بيعة لأبي بكر، واعتبار ذلك "اغتصابا" للسلطة من
الإمام علي (ع)، واتخاذ موقف سلبي من الصحابة الذين بايعوا أبا بكر وعمر من بعده. وبالطبع فإن
الشيعة لم يستطيعوا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وتنصيب الإمام علي خليفة
مباشرة بعد الرسول، ولكنهم استطاعوا أن يزرعوا الحقد عليهم في قلوب المسلمين، بما حملوا
من حقد في قلوبهم ضد الصحابة، وهو ما أشعل فتنة مستمرة بين المسلمين، تمثلت
في موقف الكراهية للشيعة ومناصرة أعدائهم الظالمين مثل صدام حسين. ولم يستفد الشيعة
من تلك
النظرية (الإمامة الإلهية لأهل البيت) عبر التاريخ سوى الغياب عن
مسرح التاريخ أو ممارسة الاستبداد فيما بينهم، حيث أدت تلك النظرية
المثالية الوهمية التي وصلت إلى طريق مسدود بوفاة الإمام الحسن العسكري دون خلف،
إلى افتراض وجود ولد له بعد وفاته، هو "الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري"
خلافا لكل الأدلة الشرعية والقانونية والتاريخية التي كانت تحتم الاعتراف بوصية
الإمام العسكري الأخيرة والتي لم يشر فيها إلى وجود ولد له لا في السر ولا في العلن. وأدى ذلك
الافتراض الفلسفي الوهمي بوجود ولد للإمام العسكري، إلى تكبيل الشيعة ومنعهم من القيام
بالثورة أو العمل السياسي إلا تحت راية الإمام المهدي ، كما يقول الحديث: "كل
راية قبل راية المهدي هي راية ضلالة وصاحبها طاغوت يعبد من دون الله". ولأن القيام بأي
نشاط سياسي وصولا إلى الثورة وتأسيس الدول يقتضي انتخاب الشيعة لإمام يقودهم،
وهذا الإمام سيكون غير معصوم ولا معين من قبل الله، وبالتالي فسوف يضطرون لقبول
إمام عبر الشورى، وهذا يخالف نظرية الإمامة الإلهية التي تشترط العصمة والنص في
الإمام.
وهذا ما انعكس سلبا على حياة الشيعة عبر التاريخ، حيث انعزلوا عن
المشاركة السياسية وحتى عن المطالبة بحقوقهم، وسيطر عليهم تيار "الحجتية" الذين
كانوا يحرمون أي نشاط سياسي في عصر "الغيبة" ولذلك منعت
الحوزة العلمية "الصامتة" ومراجع الدين في النجف خلال الستينات حزب الدعوة من
العمل السياسي في مواجهة الحكومات العسكرية الظالمة ومنها حكومة البعث، ومنعته من
السعي لإقامة حكومة إسلامية في العراق بحجة انتظار الإمام المهدي "الحي المراقب
للأحداث، والمكلف من الله بإقامة تلك الحكومة". (راجع مذكرات السيد مهدي الحكيم،
ومذكرات محمد صالح الأديب، أحد الأعضاء المؤسسين لحزب الدعوة) ولكن الشيعة،
لحسن الحظ، شهدوا في العقود الأخيرة ثورة فكرية تمثلت في
نظرية "ولاية الفقيه" التي قادها الإمام الخميني الذي نجح في إسقاط نظام الشاه
وإقامة نظام الجمهورية الإسلامية محله، وكذلك في حركة والدكم الشهيد السيد محمد
محمد صادق الصدر، الذي قاد ثورة ضد الحوزة "الصامتة" أو "الحجتية"
ودعا إلى الحوزة "الناطقة" (أي السياسية الثائرة)، ولم يكن يستطيع
ذلك لو ظل متشبثا بالفكر الانعزالي السلبي الذي يدعو إلى انتظار الإمام المهدي،
حسب تفسير "الحجتية" الذين كانوا يحرمون الثورة وإقامة الدولة في عصر "الغيبة". وبلغت الثورة
الشيعية
الفكرية قمتها في تبني الحركة الإسلامية العراقية المعاصرة والمرجعية
الرشيدة في النجف لنظرية الحكم الديموقراطي في العراق
الجديد، بعد سقوط نظام صدام حسين. حيث لم يعد الشيعة يلتزمون عمليا باشتراط العصمة أو
النص في الإمام (أي الرئيس)، ولا يشترطون حتى كون الإمام من السلالة العلوية
الحسينية ، وتجاوزوا حتى نظرية "ولاية الفقيه". ولم يعودوا يشترطون في الإمام أو
الرئيس سوى الالتزام بالقانون والانتخاب عبر صناديق الاقتراع. وهو ما قربهم كثيرا من
إخوانهم "السنة" الذين تخلوا بدورهم عن نظام الخلافة الاستبدادي، وآمنوا سويا بالنظام
الديموقراطي، الذي يقوم على العدل والشورى والمساواة بين الجميع. واعتقد أيضا أنكم
تؤمنون
بقوة بهذا التطور الكبير الذي حصل في الفكر السياسي الشيعي المعاصر. كانت هذه مقدمة
ضرورية
للقول بأن تحرير العراق لن يحصل إلا بالوحدة، والوحدة لن تتحقق إلا
بالديموقراطية، كما ان الديموقراطية الحقيقية لن تقوم إلا في ظل
الاستقلال والإرادة الوطنية الحرة. وإذا كان الشعب العراقي اليوم يعاني من
أزمة ثلاثية الأبعاد تتمثل في الاحتلال والفتنة الطائفية والديموقراطية
المنقوصة، فلا بد أن نفكر بعمق بحل هذه الأزمة، من أجل العمل على تجاوزها في
المستقبل. وذلك لأن الحلول العاطفية الترقيعية السريعة لن تحل مشكلة جذرية مزمنة في
واقعنا. ومن هنا أدعوكم ، وأنتم تقررون الاعتزال المؤقت من أجل مزيد من العلم
والعبادة والتفكير، والحصول على درجة الاجتهاد، أن تقوموا بدراسة التراث الطائفي الموروث
السني والشيعي، وتفتشوا عن العناصر الإيجابية التي يزخر بها ذلك التراث، كما
تضعوا إصبعكم على العناصر السلبية الدخيلة التي مزقت المسلمين وخدرتهم وغيبتهم عن
المشاركة السياسية الفاعلة، وتزيلوا الخرافات والأساطير التي تسربت إلى تراث أهل البيت،
والتي عكرت علاقات الشيعة بغيرهم من المسلمين، وأدعوكم بصراحة وصدق وإخلاص إلى دراسة
نظرية "الإمامة الإلهية" القائمة على العصمة والنص والوراثة، وفرضية ولادة
ووجود الإمام الثاني عشر "محمد بن الحسن العسكري" وما ترتب عليها من فرضيات أخرى
كدعوى النيابة الخاصة للسفراء الأربعة، أو فرضية النيابة العامة للفقهاء عن
الإمام المهدي الغائب، تلك الفرضية التي أعطت الفقهاء أو مدعي الفقه أحيانا، سلطة
ديكتاتورية واسعة سمحت لهم بفرض أنفسهم على الأمة ، ومصادرة حقها بالمعارضة والنقد
والاحتجاج، تحت دعوى " الراد عليهم كالراد علينا ، والراد علينا كالراد على الله". وقد اضطر فقهاء
النهضة
الشيعية المعاصرة، ومن جملتهم المرحوم والدكم إلى مراجعة مفهوم
الانتظار السلبي للإمام المهدي الغائب، والقول بفكرة "التمهيد
للظهور" ولكنهم وقعوا في مطب فكرة أسوء هي "الولاية العامة على الناس". وذلك
لأنهم لم يراجعوا مسألة وجود "الإمام الثاني عشر الغائب" نفسه، ولا نظرية "الإمامة
الإلهية" التي اعتبروها من "المسلمات" و "الضروريات"
والبديهيات" التي لا يجوز المساس بها، كما لم يراجعوا شرعية المرجعية
الدينية وحدود صلاحياتها، وكأنها من دعائم وأصول المذهب الشيعي، رغم أنها نشأت في
القرون الأخيرة بهذه الصورة، ثم اكتسبت هالة مقدسة وضعتها فوق النقد والحساب، وكان
يفترض بفقهاء النهضة أن يقوموا بدراسة مسألة ولادة "الإمام الثاني عشر" بدقة
ويجتهدوا فيها ، ويتأكدوا بصورة يقينية فيما إذا كان حقيقة تاريخية أم فرضية فلسفية
وهمية، لم يظهر منها أي أثر طوال اثني عشر قرنا، ولم يوجد عليها أي دليل، قبل أن
يدعوا النيابة الخاصة أو العامة عنه. ونظراً لأهمية الموضوع،
وارتباط البحث حول "الإمام الثاني عشر" بالموقف من الديموقراطية،
فقد أرسلت إلى والدكم الشهيد السيد محمد الصدر (رحمه الله)، قبل خمسة عشر عاما (سنة 1413
/1993) رسالة طلبت فيها منه أن يجتهد بعمق في مسألة وجود الإمام المهدي، ولا
يعتبرها
"من الضروريات في المذهب الاثني عشري ، التي لا حاجة لبحثها ". (كما قال في كتابه الغيبة الصغري). ولا يعتبر مسألة ضبط (السفراء الأربعة) والإيمان
بصحة دعواهم
" من المسائل الضرورية الواضحة في المذهب، التي لا يحتاج إلى تجشم العناء في
إثبات
ذلك".(كما قال أيضا في
مقدمة
كتابه الآنف) وذلك لأنه لا يجوز التقليد والاعتماد على آراء العلماء
السابقين بدعوى
"الضرورة"
أو
"التواتر"
أو
"الشهرة"
سواء في أساس الموضوع أو في الأمور التفصيلية منه. وهذا ما اعتاد على القيام به عامة "الفقهاء"
الذين يبذلون جهودا كبيرة للاجتهاد في مسائل الطهارة والنجاسة والصلاة
والصوم، وسائر الأحكام الفرعية، ولكنهم يتجنبون الاجتهاد في موضوع الإمامة ووجود
الإمام الثاني عشر، بعد أن يعتبروا ذلك من الأمور العقائدية الضرورية والبديهية
والمسلمة، التي لا يجوز الاقتراب منها، في حين أنها أولى من غيرها من الفروع بالاجتهاد
والنظر وإعادة التفكير، وذلك لما لها من علاقة وثيقة بالحياة السياسية والموقف
من الديموقراطية والاستبداد. فإذا كانت نظرية الإمامة صحيحة، ولا بد من اشتراط
العصمة والنص في الإمام، ولا بد من كونه من السلالة العلوية الحسينية، وعدم جواز الشورى
والانتخاب، وكان الإمام الثاني عشر مولودا وموجودا، فلا بد من انتظاره فعلا – كما
يقول الحجتية- ويحرم القيام بأي نشاط سياسي في عصر "الغيبة". وإذا كان هذا
الانتظار السلبي مرفوضا، ولا بد من الثورة وتأسيس الدول في هذا العصر، فلا بد أن تكون
نظرية الإمامة باطلة وغير قابلة للتنفيذ. وإذا كانت نظرية الإمامة وفرضية وجود
الإمام الثاني عشر غير صحيحتين فلا بد من سحب البساط من تحت المرجعية الدينية، وعدم
إضفاء أية هالة قدسية عليها بحجة "النيابة العامة عن الإمام المهدي". وهذا ما يفتح
الطريق أمام حرية الشعب باختيار الإمام الذي يريد ، والنظام السياسي الذي يريد،
والانتماء للحزب السياسي الذي يريد، وهو ما تحقق في الدستور العراقي الجديد
الديموقراطي، الذي اشترك الشيعة والسنة في صياغته وإقراره. وساهمتم أنتم في مناقشته وإعداده
والتوقيع عليه، والانخراط في الحياة السياسية على ضوئه. ولكن ما أعاق المضي قدما في المسيرة
الديموقراطية هو تمسك البعض بالفكر السياسي القديم "المرجعي الديني" الذي يعطي الفقيه
ولاية عامة أو مطلقة على الناس ويحد من ممارستهم لحقوقهم الديموقراطية
والتمتع بحرياتهم السياسية. وربما كان تأسيس "جيش المهدي" جزءا من ذلك، مع أنكم أعلنتموه
في مواجهة قوات الاحتلال، وأعطيتموه مهمة تحرير العراق. ولا اعتراض على ذلك،
بل إن هذه المهمة مهمة نبيلة وعظيمة ونرجو ان يوفقكم الله ويوفق جيش المهدي لها،
ولكن الإشكال في الموضوع هو أنكم أضفيتم على "جيش المهدي" الذي تسلمتم قيادته،
صفة عقائدية مقدسة، وقلتم إنه جيش المصلح الذي سيظهر في آخر الزمان، وإنكم لا
تستطيعون حله، وعلى كل مسلم أن يطيع الإمام المهدي. وبالرغم من عدم استطاعة أي أحد التأكد من
ارتباط الجيش بالإمام المهدي – على فرض وجوده – فإنكم وضعتم أنفسكم بموضع
النائب للإمام، وأصبح الجيش جيشكم، وقمتم بإدارته بصورة فردية وفوقية، ولم
تسمحوا للجماهير الشيعية المنخرطة في هذا الجيش بالمشاركة في صنع القرار السياسي
والعسكري للجيش والتيار الصدري عموما، وهو ما انعكس سلبا على علاقة الكوادر القيادية
"الصدرية" معكم، حيث كثرت في الآونة الأخيرة الانشقاقات الداخلية، والخروج على
قيادتكم، وتأسيس الأحزاب الجديدة.إن من حقكم في النظام الديموقراطي تأسيس الأحزاب،
وإن من حقكم وواجبكم المبادرة إلى المقاومة ضد الاحتلال، ولا يحتاج ذلك إلى حصولكم
على درجة "مجتهد" ولا إلى وكالة من أي أحد، كما يقول أنصار المرجعية الدينية و"ولاية
الفقيه". وإذا كنتم تنهمكون الآن في الدراسة العلمية من أجل التعمق والاجتهاد في
الدين ، فلا بأس بذلك، وليكن اجتهادكم منصبا على الطائفية والمهدوية
والمرجعية والديموقراطية. وليكن بحثكم مركزا على العقيدة والأصول قبل الفروع الجزئية، وليكن
درسكم عميقا في القرآن الكريم والحديث والأصول وعلم الرجال والتاريخ والكلام. وأما إذا كنتم
تسعون إلى
حل "النقص" الذي تشعرون به بعدم حصولكم على درجة "مجتهد"
أو لقب "آية الله" من أجل تعزيز قيادتكم "الدينية" والسيطرة
أكثر على التيار الصدري والساحة العراقية، فإن الأمر قد يعيدكم ويعيدنا إلى الوراء والتقهقر عن
المسيرة الديموقراطية، ولا يساهم في حل الأزمات الكبرى التي يعاني منها العراق،
وخصوصا الفتنة الطائفية. إن الشعب العراقي يريد فقها جديدا
وفقهاء جددا يتعاملون مع قضاياه الأساسية بروح العصر، وليس بعقلية التاريخ القديمة،
وبروح الوحدة والمحبة والحرية، وليس بروح التعصب والاستبداد والطائفية المقيتة.
وينتظر منكم أن تقوموا بثورة ثقافية على الثقافة السلبية الاستبدادية
المتسللة باسم التشيع والدين.ونرجو أن تكونوا ممن يقتدى به في الحاضر
والمستقبل.
والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاتهأخوكم
أحمد الكاتب1/4/ 2008