الفصل الرابع : شرط القرشية

 

  بعد حدوث الانقلاب السياسي ضد الخلافة، وتحول الحكم الى نظام عسكري وراثي يقوم على العهد والاستخلاف،وإلغاء إرادة الأمة عبر تهميش أهل الحل والعقد، كان لا بد أن تصبح العصبية القبلية (القرشية) أساس الحكم، والشرط الأهم للخلافة، حتى لا يطمع فيها طامع من عامة الناس. 

  وهنا قام الفكر السياسي السني بحصر السلطة في قبيلة معينة واشتراط القرشية في الإمام، استنادا الى أحاديث ضعيفة منسوبة الى الرسول الأعظم (ص). فقد روى البخاري عن معاوية  أنه سمع النبي يقول: "إن هذا الأمر في قريش".[1] وروى هو ومسلم  عن عبد الله بن عمر أن  النبي (ص) قال:"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان".[2] وروى أحمد في مسنده: أن النبي قال:"الأئمة من قريش ما حكموا فعدلوا، ووعدوا فوفوا، واسترحموا فرحموا".[3] وأخرج الترمذي: عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) قال:"الملك في قريش والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة". وروى عن عمرو بن العاص:"قريش ولاة الناس في الخير والشر الى يوم القيامة".[4] وهو ما أخرجه البزاز عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله: "الأمراء من قريش، أبرارها أمراء أبرارها، وفجارها أمراء فجارها".[5] وروى القاضي الهمداني عن النبي (ص) أنه قال: إن "هذا الأمر لا يصلح إلا في هذا الحي من قريش" و"قدموا قريشاً ولا تقدموها". [6]

 

  واستند الفقهاء السنة أيضا إلى قول أبي بكر يوم السقيفة:"إن هذا الأمر لا تدين العرب فيه إلا لهذا الحي من قريش". الذي رووه بعدة صيغ. فقد روى أبو الحسن الأشعري قصة السقيفة وعزا سبب انصراف الأنصار عن زعيمهم سعد بن عبادة، وانقيادهم لأبي بكر الى حديث رواه عن النبي (ص)  أن "الإمامة في قريش".[7] وادعى ابن حزم وجود التواتر على هذه الرواية.[8] بينما قال الهمداني إن الحديث "خارج من باب خبر الواحد الى الكثرة".[9] في حين اعتبر الشهرستاني القول بنفي القرشية بدعة لا يقربها السلف.[10] 

   وبالإضافة الى ادعاء التواتر على حديث القرشية، ادعى الفقهاء السنة حصول الإجماع حول الموضوع.[11]

   وبناء على ذلك قال أحمد بن حنبل: "الخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن ينازعهم ولا يخرج عليهم، ولا نقر لغيرهم بها الى قيام الساعة".[12] وقال ابن حزم الأندلسي:" لا تحل الخلافة إلا لرجل من قريش صليبة".[13]

  وقد تضخم شرط القرشية في فترة لاحقة، حتى أصبح لدى كثير من الفقهاء الشرط الأول لقيام الخلافة، بغض النظر عن صفة الشورى أو العدل.[14]حتى قال الامام أبو حامد الغزالي إنه "لم يرد النص من شرائط الإمامة في شيء إلا في النسب".[15] وذهب النووي بعيدا في اشتراط القرشية، فأوجب البحث عن كناني، إذا لم يوجد قرشي مستجمع الشروط، وإلا فرجل من ولد إسماعيل.[16]  

 

نفي التواتر

   وليس من الواضح كيف قال علماء أهل السنة بالإجماع حول شرط القرشية، وهم يروون في كتبهم (البخاري ومسند أحمد وغيرهما) أن عمر قال:"إن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة، استخلفت معاذ بن جبل". ومعاذ لا نسب له في قريش؟ وكيف عملوا بتلك الروايات الضعيفة المناقضة للقرآن الكريم الذي يقول "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" أو الأحاديث الصحيحة مثل "إن الله أذهب عنكم عصبية الجاهلية وفخرها بالآباء، أنتم بنو آدم وآدم من تراب" وأحاديث أخرى.[17]      ولذلك فقد شكك ابن حجر، في دعوى الإجماع.[18] ونفاه الجويني.[19] وأسقط ابن العربي شرط القرشية تماماً. وذهب التفتازاني والكمال ابن أبي شريف (من فقهاء الحنفية) الى إمكانية تعيين غير القرشي في حالة الضرورة، والحكم بصحة ولايته .[20] 

   وبعد سقوط الخلافة العباسية وانحلال العصبية القرشية، تجرأ الفقهاء الأحناف على تبني رأي إمامهم أبي حنيفة، فظهر في الشام نجم الدين إبراهيم بن علي الحنفي الطرسوسي (720هـ – 758هـ) ليتجاوز حديث "الأئمة من قريش" من دون ضرورة، اعتمادا على فتوى أبي حنيفة وحديث آخر للنبي (ص)يقول:"أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة ، وإن تأمر عليكم عبد حبشي".[21] ودعا بصراحة الى الإقرار بشرعية الحكام غير العرب، وحاول إقناع السلاطين الأتراك بتبني المذهب الحنفي لأنه لا يشترط القرشية.[22]  

 

   ورغم تسرب السلطة من أيدي الخلفاء العباسيين، وسيطرة الملوك والسلاطين الأتراك والفرس (البويهيين) والسلاجقة و"المماليك" عليهم [23] كما في العهد العباسي الثاني في بغداد، وفي الدولة العباسية الثانية في مصر، فإن الفكر السياسي السني ظل مصراً على شرط القرشية في الامام، في ظاهرة غريبة وفريدة من تناقض الفكر السياسي مع الواقع.[24]

 



[1]  - البخاري ج5 ص13  

[2]  - البخاري ج 5 ص 13 و مسلم – كتاب الإمارة – باب الناس تبع لقريش، ص 480

[3]  - أخرجه الامام أحمد وأبو يعلي في مسنديهما والطبراني. السيوطي ،  تاريخ الخلفاء، ص 10

[4]  - سنن الترمذي كتاب الفتن – باب ما جاء أن الخلفاء من قريش الى ان تقوم الساعة 4/503  وهذا الحديث يناقض ما أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني والبزاز عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (ص) :"أسرع الناس فناء قريش". إسماعيل، يحيى، منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ص 276

[5]  - السيوطي ، جلال الدين ، تاريخ الخلفاء، ص 10

[6]  - الهمداني، القاضي عبد الجبار، المغني في التوحيد والامامة، ج20 ص234 وأخرج الشيخان والدارمي وأحمد والبيهقي عن معاوية :"أن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه في النار ما أقاموا الدين". وأخرج الطبراني عن ثوبان قال: قال رسول الله (ص):" استقيموا لقريش ما استقاموا لكم فإذا لم تفعلوا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فان لم تفعلوا فكونوا حينئذ زارعين أشقياء تأكلون من كد أيديكم". إسماعيل، يحيى، منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ص 270 – 274

 

[7]  - الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 2 و الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، ص 16

[8]  - وقد ادعى الشيخ رشيد رضا الإجماع على شرط القرشية، فقال:"أما الإجماع على شرط القرشية فقد ثبت بالنقل والفعل... وحسبنا من قوة حديث "الأئمة من قريش" من حيث الرواية قول الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند ذكره في المناقب من صحيح البخاري ما نصه:" قد جمعت طرقه عن نحو أربعين صحابيا لما بلغني أن بعض فضلاء العصر ذكر أنه لم يُروَ إلا عن أبي بكر الصديق. وذكر الحافظ أن لفظ أبي بكر لسعد بن عبادة في السقيفة في مسند أحمد: والله لقد علمت يا سعد أن رسول الله (ص) قال وأنت قاعد:"قريش ولاة هذا الأمر" فقال له سعد: صدقت. وأضاف الشيخ رشيد رضا: وما صح دليله وأجمعت عليه الأمة أو سوادها الأعظم في خير القرون لا نقبل رأيا ولا بحثا في نقضه، وإلا لم يبق لنا شيء من ديننا. (الخلافة أو الإمامة الكبرى ، ص 60 – 61 و ص 64) 

[9]  - الهمداني، القاضي عبد الجبار، المغني في التوحيد والامامة، ج20 ص234

[10]  - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، ص 16

[11]  - حيث قال النووي:" هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، فكذلك من بعدهم". إسماعيل، يحيى، منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ص 274 وقد استند القاضي عبد الرحمن الإيجي على حديث "الأئمة من قريش" وادعى القطع عليه لعمل الصحابة به وإجماعهم عليه.الإيجي، المواقف ، ج 3 ص 585 وانظر أيضا:الهمداني، المغني في التوحيد والامامة، ج20 ص 236

[12]  - انظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 1/26

[13]  - ابن حزم، المحلى 8/ 420، 421   راجع أيضا: ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، المجلد الأول، ص 196  

[14]  - يقول الدكتور عبد الله الدميجي:" أجاز أهل السنة والجماعة إطلاق كلمة (خلفاء) على من جاءوا بعد الخلفاء الراشدين وان كانوا ملوكا بشرط كونهم من قريش... وان كان فيهم بعض الانحراف والتقصير في بعض واجبات الدين بشرط القرشية، لأنهم لم يكونوا يطلقون الخلافة على من ليس بقرشي، ولذلك سموا زعماء العثمانيين بالسلاطين ولم يسموهم الخلفاء". الدميجي، عبد الله ، الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، ص 40

[15]  - الغزالي، فضائح الباطنية، ص 191

[16]  - النووي، روضة الطالبين

[17]  -  فقد روى البخاري من طريق أبي هريرة مرفوعا "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه". وروى أحمد عن النبي:"كان هذا الأمر في حمير، فنزعه الله منهم ، وصيره في قريش، وسيعود اليهم". وقال ابن حجر تعليقا على هذا الحديث بأن "سنده جيد، وهو شاهد قوي لحديث القحطاني، فان حمير يرجع نسبها الى قحطان". ياسين، عبد الجواد، السلطة في الإسلام، ص 434

[18]  -  ابن حجر، فتح الباري ، ج3، ص 119  عن ياسين، عبد الجواد، السلطة في الإسلام، ص 318

[19]  - الجويني، غياث الأمم ، ص 93

[20]  - راجع:تقريب المرام للتفتازاني، ص 323  و المسامرة على المسايرة للكمال ، ص 290 – 292 

[21]  - الطرسوسي، تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك ، ص 28 

[22]  - المصدر، ص 20

[23]  - ولم يذكر التاريخ أن أحدا من الفقهاء السنة احتج على ذلك ماعدا ما ينقل عن العز بن عبد السلام الذي تجرأ وحكم "بأن تصرف العبد باطل وان كان حاكما" وأمرَ، كحلٍ للأزمة القائمة، ببيع أمراء الدولة الأيوبية في مصر "المماليك" (الأسياد في الواقع) لأنه لا يصح شرعا تصرفهم إلا إذا اعتقوا، فحكم ببيعهم وإدخال أثمانهم الى بيت مال المسلمين (...) . الدميجي، عبد الله ، الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، ص 242- 243

[24]  - وقد ادعى الشيخ رشيد رضا الإجماع على شرط القرشية، فقال:"أما الإجماع على شرط القرشية فقد ثبت بالنقل والفعل، رواه ثقاة المحدثين واستدل به المتكلمون وفقهاء مذاهب السنة كلهم... وأما الأحاديث في ذلك فكثيرة مستفيضة في جميع كتب السنة وقد أخرجوها في كتب الأحكام وأبواب الخلافة أو الإمارة والمناقب وغيرها ولم يقع خلاف في مضمون مجموعها بين أهل السنة من عرب ولا عجم ... وما صح دليله وأجمعت عليه الأمة أو سوادها الأعظم في خير القرون لا نقبل رأيا ولا بحثا في نقضه، وإلا لم يبق لنا شيء من ديننا".  الخلافة أو الإمامة الكبرى ، ص 60 – 61 و ص 64