الفصل الثالث : العهد والاستخلاف

 

   بعد الاعتراف بشرعية الاستيلاء على السلطة بالقوة، وتفريغ دور أهل الحل والعقد من مضمونه الحقيقي، تم تسديد ضربة قاصمة لمبدأ الشورى بإضفاء الشرعية على قانون العهد والنظام الوراثي، الذي حول الخلافة الإسلامية الى هرقلية وكسروية. وقد استند الفقهاء والمتكلمون السنة في فتواهم بجواز العهد، الى تجربة الخلفاء الراشدين، وقيام أبي بكر بالعهد الى عمر بن الخطاب، وقيام معاوية بالعهد الى يزيد، وكذلك فعل بقية الخلفاء الأمويين والعباسيين، معتبرين ذلك سابقة دستورية حظيت بالإجماع من المسلمين يجوز تكرارها في أي وقت. ورغم معارضة العهد لمبدأ سلطان الأمة على نفسها وحقها في انتخاب من تشاء، إلا أن الفقهاء اعتبروا العهد من السابق الى اللاحق جزء من صلاحية الامام وحقوقه الواسعة  بغض النظر عن طريقة وصوله الى السلطة.

  وفي الوقت الذي يفتقد الفقهاء السنة أي دليل شرعي من الكتاب أو السنة في قولهم بجواز العهد؛ فانهم يعتمدون على إجماع الصحابة، الذي يشكل لديهم مصدراً من مصادر التشريع. وقد حكى هذا "الإجماع" كثير من العلماء فقال الماوردي:"أما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته" و "جاز أن ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد اليه، وان لم يستشر فيه أحداً من أهل الاختيار" واستشهد بعهد أبي بكر الى عمر ، وبعهد عمر الى أهل الشورى الستة. ثم ذكر اختلاف العلماء حول شرط الرضا المسبق في لزوم البيعة "لأنها حق يتعلق بهم فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم". وقال بضرس قاطع:"الصحيح: إن بيعته منعقدة، وإن الرضا بها غير معتبر، لأن بيعة عمر لم تتوقف على رضا الصحابة، ولأن الامام أحق بها فكان اختياره فيها أمضى، وقوله فيها أنفذ".[1]

   وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم:" إن المسلمين أجمعوا على الخليفة إذا حضرته مقدمات الموت، وقبل ذلك، يجوز له الاستخلاف ويجوز له تركه".  

   وقال إمام الحرمين الجويني:إن"أصل تولية العهد ثابت قطعاً مستندٌ الى إجماع حملة الشريعة، فان أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عهد الى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ولاه الإمامة بعده، لم يُبدِ أحد من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم نكيراً، ثم اعتقد كافة علماء الدين تولية العهد مسلكا في إثبات الإمامة في حق المعهود اليه المولَّى، ولم ينفِ أحد أصلها، وإن كان من تردد وتلبد ففي صفة المولِّي أو المولَّى، فأما أصل العهد فثابت باتفاق أهل الحل والعقد...فالمقطوع به أصل التولية: فانه معتضد متأيد بالإطباق والوفاق والإجماع الواجب الاتباع، وفي الإجماع بلاغ في روم القطع وإقناع... فإذا كانت الإمامة تنعقد باختيار واحد أو جمع من المختارين كما سبق تفصيله، فالامام .. أولى بأن ينفذ توليته ويعمل خيرته".[2]

    وقال ابن حزم:" واتفقوا أن للامام أن يستخلف.. ولم يختلف في جواز ذلك لأبي بكر عنه أحد، وإجماعهم هو الإجماع". واعتبر هذه الطريقة أحسن الطرق وأفضلها "كما فعل رسول الله بأبي بكر، وكما فعل أبو بكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز". وقال:"هذا الوجه الذي نختاره ونكره غيره ... وليس عندنا في هذا الوجه إلا التسليم لما أجمع عليه المسلمون حينئذ".[3]

   وإذا كان ابن حزم يقول بجواز الاستيلاء على السلطة بالقوة، وبعقد الإمامة من واحد لواحد، فقد كان من الطبيعي أن يقول بشرعية العهد من الامام السابق للاحق.[4]

   واختلف الفقهاء حول اشتراط حصول الرضا من جماعة المسلمين على المعهود اليه، أو عدم ذلك؟ فقال معظمهم بانعقاد الإمامة بالعهد، بغض النظر عن رضا جماعة المسلمين. وقد بنوا موقفهم هذا على أساس "الإجماع" والقول بجواز عقد الإمامة برجل واحد، فكيف إذا كان هو الامام. وقال الباقلاني:"إن العهد تم بمحضر من الصحابة والمسلمين، فأقروه جميعا وصوبوا رأيه، ولو كان ذلك خطأ في الدين لراجعوه فيه. والدليل على ذلك أن المراجعة انصرفت الى صفة من يعهد اليه بقول القائل (أتولي علينا فظا غليظا؟) ولم تكن منصبة على صحة العهد نفسه. فهم يجمعون على صحة العهد من الامام الى غيره، فالعهد ليس إذاً خطأ في الدين، لأن الأمة لن تجتمع في عصر الصحابة ولا في غيره من العصور على خطأ".[5]

 وقد دافع القاضي الهمداني عن هذا الرأي فقال:"إن إمامة عمر صحت بتفويض أبي بكر اليه، وإن ذلك أحد الوجوه التي بها يصير الامام إماما، وإنه إن لم يزد في القوة على اختيار الخمسة لم ينقص عنه... وإن ذلك لا يتعلق برضا جماعة من المسلمين".[6] وأشار الى قول أبي بكر عند عهده الى عمر: "استخلفت عليكم خيركم في نفسي، فكلكم ورم انفه من ذلك" الذي يدل على عدم رضا الصحابة به.  وقال:"لو كان أبو بكر ولاه من غير جمع ورضا، لا يمتنع أن يصير إماما ويلزم الناس الرضا به، فمن يكره إمامته يصير عاصيا".[7] واستشهد بالإجماع المتأخر الذي حصل على الرضا بإمامة عمر، و"إن إجماعهم على ذلك يكشف عن صحة الطريق الذي صار به إماما".[8]  واختار الماوردي عدم الحاجة الى رضا أهل الاختيار في لزوم العهد للأمة. [9]  واحتج النووي بالإجماع على جواز العهد، وعدم اشتراط رضا المسلمين.[10] كما رفض الجويني اشتراط رضا الأمة في تولية المعهود اليه، وقال:"إذا ولّى الامام ذا عهد ، فهل يتوقف تنفيذ عهده على رضا أهل الاختيار في حياته أو من بعده؟ ذكر بعض المصنفين في اشتراط ذلك خلافا، والذي يجب القطع به أن ذلك لا يشترط، فإنا على اضطرار نعلم أن أبا بكر رضي الله عنه لما ولى عمر لم يعدم (لم يقدم) على توليته مراجعة واستشارة ومطالعة، وإذا  مضى فيه ما حاوله لم يسترض أحدا من أهل الاختيار ، على توافر المهاجرين والأنصار. نعم روي أن طلحة رضي الله عنه قال لأبي بكر: لقد استخلفت علينا فظا غليظا، فقال أبو بكر، وهو يجود بنفسه: أجلسوني، فأجلس رضوان الله عليه، وقال: لئن سألني ربي عن تفويضي أمور المسلمين الى عمر لأقولنَّ: استخلفت على أهلك خير أهلك".[11]

  ولم يكتفِ القلقشندي ، باعتبار العهد طريقا من طرق انعقاد الإمامة، وعدم اشتراط رضا الأمة، وإنما أضاف الى ذلك جواز إكراه المعهود اليه، وذكر أن عمر رفض أن يقبل عهد أبي بكر فتهدده بالسيف!.[12]

 

  وفي الحقيقة لم يعترض على العهد إلا أنصار الشورى من أوائل المعتزلة، الذين قرءوا عملية العهد من أبي بكر الى عمر بشكل مختلف وقالوا إنه لم يقع إلا بعد رضا الأمة.[13] ونسب الشوكاني هذا القول الى الأشاعرة أيضا.[14] وربما كان يقصد أوائلهم المتأثرين بسلفهم المعتزلة، قبل أن ينخرطوا في تيار أهل السنة السياسي. كما رفض أبو يعلى الفراء (الحنبلي) انعقاد الإمامة بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين. [15] وهو ما ذهب اليه ابن تيمية، الذي اشترط بيعة جمهور الأمة في انعقاد الإمامة ، وقال:" إنما صار (عمر) إماما لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما.. وإن عثمان لم يصر إماما باختيار بعضهم بل بمبايعة الناس له".[16]

 

تفاصيل قانون النظام الوراثي

 

  وبينما اشترط بعض الفقهاء (كالماوردي) العدالة والبلوغ في المعهود اليه وقت العهد.[17]لم يولِ بعضٌ آخر هذا الشرط كثيرَ اهتمام، في الوقت الذي كان الخلفاء أنفسهم لا يلتزمون به ، ويورثون أبناءهم أو إخوانهم الخلافة وهم فسقة أو أطفال. خلافا لقول رسول الله (ص):" من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين".[18]       

  

  وذكر الماوردي اختلاف العلماء في مسألة  العهد الى الوالد أو الولد، واشتراط مشاورة أهل الاختيار، أم لا؟ واختار القول بالصحة والجواز في تفرد الامام بالعهد الى الأخوة والأقارب من العصبة والمناسبين " لأنه أمير الأمة نافذ الأمر لهم وعليهم فغلب حكم المنصب على حكم النسب.. وصار فيها كعهده بها الى غير ولده ووالده"..[19]

   وعلى قاعدة أن الخلافة حق الامام وليست حق الأمة، مضى الفقهاء السنة يفصلون بقية القوانين المتعلقة بالنظام الوراثي. فقد ألغى الماوردي حق الأمة في تعيين مجلس للشورى، وأعطى هذا الحق كله للامام الذي يحق له تحديد عددهم ومهمتهم.[20] وكذلك فعل الجويني .[21] ورغم أن هذه مسألة دستورية فرعية تفصيلية، تعود أساساً للأمة لكي تبت فيها ، إلا أن الفقه السني كان يعطي كل الحق للامام، ولذلك كان يعيد اليه البت في كل الأمور. ومع ذلك فقد كان بعض الفقهاء يتوقفون أحيانا في مسائل تعود للامام العاهد أو المعهود اليه، مثل الإقالة والاستقالة. فقد ذهب الماوردي والنووي والقلقشندي ، الى انه لا يجوز للامام العاهد عزل ولي العهد، ما دام متصفا بصفات الإمامة "لأنه مستخلف لولي العهد في حق المسلمين، فلا يكون له عزله، كما ليس لأهل الحل والعقد عزل من بايعوه". وقالوا:" لو عزل العاهد ولي العهد، وعهد الى ثان لم يصح عهد الثاني، ويبقى الأول على عهده، ولو خلع نفسه بعد العهد الى الثاني فلا بد من استئناف العهد اليه".[22].. وذهب القلقشندي الى عدم جواز استقالة ولي العهد، فقال:"قد صرح أصحابنا الشافعية بأنه لا يجوز لولي العهد ان يستبد بعزل نفسه، فلو استعفى من عهده لم يبطل عهده بمجرد الاستعفاء، فلو أعفاه الامام نُظر فان وجد غيره ممن يقوم مقامه صح إعفاؤه حينئذ، وان لم يوجد غيره لم يصح إعفاؤه".[23]

   وأجاز الماوردي والفراء العهد لاثنين أو ثلاثة. وأوجبا انتقال الخلافة الى الثلاثة على الترتيب. مستشهدين في ذلك بفعل النبي في مؤتة، وبعمل الخلفاء في الدولتين الأموية والعباسية من دون إنكار أحد من علماء العصر.[24] ورغم أن العهد الى الأبناء المتعددين كان كثيرا ما يفضي الى نزاعات دموية بين الاخوة ، كما حدث في حرب الأمين مع المأمون والمنتصر مع إخوانه، فان الفقهاء اعتمدوا على سيرة الخلفاء وسكوت العلماء.

    ووقع الفقهاء في أزمة دستورية في حالة عهد الامام السابق الى عدد من الأشخاص، ومحاولة الخليفة اللاحق تغيير ذلك العهد، وذلك لاعتقادهم بأن كلمة الخليفتين واجبة الطاعة، فقد أفتوا في البداية بوجوب تنفيذ العهد كما هو، وأعطوا للخليفة الجديد سلطة واسعة وحقا في تغيير ذلك العهد. وفي حين  قال بعض الفقهاء بعدم جواز تغيير العهد السابق أو عزل أحد إلا بعد ترضيته، قال جمهور الفقهاء  بجواز عدول من أفضت اليه الخلافة من أولياء العهد، أن يعهد بها الى من يشاء ويصرفها عمن كان مرتبا معه، فإذا أفضت الخلافة منهم الى أحدهم على مقتضى الترتيب صار أملك بها بعده في العهد بها الى من شاء لأنه قد صار بإفضاء الخلافة اليه عامّ الولاية نافذ الأمر فكان حقه فيها أقوى وعهده بها أمضى.[25] وكان الفقهاء يلاحظون في ذلك عمل عدد من الخلفاء الذين انقلبوا على اخوتهم أو أقاربهم وعزلوهم من الخلافة. ولذلك جاءت فتاواهم متأثرة بمنطق القوة والواقع أكثر مما هي متأثرة بمنطق الحق. وقد مال الجويني الى الموقف الثاني، ورفض حق الامام في تولية عدد من ولاة العهود في المستقبل، وأعطى الحق لولي العهد الأول إذا ما اصبح إماما أن يلغي وصية العاهد، والعهد لمن يحب من جديد.[26]

   والغريب أنه في حين أجاز الفقهاء للخليفة الجديد أن يغير العهد، ويعزل من يريد من أولياء العهد الآخرين، لم يسمح الفقهاء لأهل الشورى والاختيار أو الأمة ان ترفض أحداً من أولياء العهد أو تختار غيرهم بحجة "أن العهد نص لا يستعمل الاختيار إلا مع عدمه".[27] ومن هنا قال القلقشندي:"اعلم انه إذا عهد لاثنين فأكثر لم يجز لأهل الحل والعقد...أن يختاروا واحدا غيرهم، بل لو نص على أهل الاختيار لم يصح الاختيار من غير من نص عليه، لأن ذلك من حقوق خلافته".[28]

 

 



[1]  - الماوردي، الأحكام السلطانية ، ص 11 – 12

[2]  - الجويني، غياث الأمم ، ص 123

[3]  - الفصل بين الملل والنحل 4/169

[4]  -  المصدر، 4/169

[5]  - حلمي ، مصطفى، نظام الخلافة في الفكر الإسلامي، ص 47

[6]  - الهمداني، القاضي عبد الجبار، المغني في التوحيد والامامة، ج20 ص 252  

[7]  - المصدر، ج20  قسم 2 ص 5 - 7

[8]  - الهمداني، القاضي عبد الجبار، المغني في التوحيد والامامة، ج20  قسم 2 ص 5 - 7

[9]  - الماوردي، الأحكام السلطانية ، ص 12  والقلقشندي ، مآثر الانافة في معالم الخلافة، ج1ص 51

[10]  - النووي في (مغني المحتاج) ج4 ص 131

[11]  - الجويني، غياث الأمم ، ص 125

[12]  - القلقشندي،أحمد بن عبد الله ، مآثر الانافة في معالم الخلافة، ج1 ص 48

[13]  - كأبي علي الجبائي الذي قال: إن الامام لا يصير إماما بالعهد، إلا إذا اقترن به رضا الجماعة ، وإن العهد من أبي بكر وقع بالرضا. الهمداني، القاضي عبد الجبار، المغني في التوحيد والامامة، ج20 ص 252  

[14]  - الدميجي، عبد الله ، الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، ص 190

[15]  - الفراء، الأحكام السلطانية، ص31

[16]  - ابن تيمية،  منهاج السنة ج1 ص 142         

[17]  - الماوردي، الأحكام السلطانية ، ص 12

[18]  - ابن تيمية: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ص 9 و10  وفي محاولة لتبرير هذه الأزمة، أعطى الدكتور مصطفى حلمي للامام سلطة واسعة في حياته وبعد مماته، مفترضا حسن النية في العاهد والمعهود اليه، وحتَّم رضا الأمة بأي اختيار من قبل الامام وثقتها به،  وذلك تبعاً لابن خلدون الذي يرفض اتهام الإمام بتفضيل ذوي القربى، ويفترض به الأمانة وعدم الخروج عن الحدود التي الزم بها نفسه أثناء حياته.  نظام الخلافة في الفكر الإسلامي، ص49

[19] - وقد ذهب الى ذلك أيضا أبو الحسن الأشعري  والقلقشندي " لأن الامام أحق بها، فكان اختياره فيها  أمضى وأنفذ". الماوردي، الأحكام السلطانية ، ص 12 والأشعري، مقالات الاسلاميين ج2 ص 16و137 والقلقشندي ، مآثر الانافة في معالم الخلافة، ج1ص 51

[20]  - الماوردي، الأحكام السلطانية ، ص 14

[21]  - الجويني، غياث الأمم ، ص 127

[22]  - القلقشندي ، مآثر الانافة في معالم الخلافة، ج1ص 73

[23]  - المصدر، ج1ص 73

[24]  - الماوردي، الأحكام السلطانية ، ص 15 و الفراء، الأحكام السلطانية، ص 32 و القلقشندي ، مآثر الانافة في معالم الخلافة، ج1ص5

[25]  - الماوردي، الأحكام السلطانية ، ص 16 و القلقشندي ، مآثر الانافة في معالم الخلافة، ج1ص58

[26]  - الجويني، غياث الأمم ، ص 129

[27]  - الماوردي، الأحكام السلطانية ، ص 16