الباب الرابع:  الفكر السياسي السني

 

تغطية الاستبداد

 

 

 

 قام الفكر السني الذي تأسس على أصلي الحديث والإجماع، بعملية تاريخية كبرى هي تغطية الاستبداد وتخدير الأمة وتبرير الأمر الواقع، ومكافحة الفكر الثوري الشعبي الطامح بالعدل والشورى والمشاركة السياسية. وعندما نقول "الفكر السني" فلا نقصد بالطبع فكر الامام أبي حنيفة النعمان أو المعتزلة الأوائل الذين كانوا على خصام شديد مع "أهل الحديث" الذين شكلوا النواة الأولى للفكر السني، فقد كان الإمام أبو حنيفة رائدا في المقاومة والمناداة بالشورى، وقد توفي في السجن لتأييده ثورة إبراهيم أخي النفس الزكية. وكذلك كان المعتزلة في طليعة من نظّر الى مبدأ الشورى وطالب به.[1] وإن كان المعتزلة والأحناف قد دخلوا تحت عباءة "السنة" في القرون التالية، وتأثروا ببعض أفكارهم. وقد قلنا فيما سبق بأن المعتزلة والامام أبا حنيفة كانوا من أشد الناس رفضا للحديث (السنة) الا السنة العملية والمتواتر من الحديث، وهو قليل جدا. كما انهم لم يكونوا يقدسون جميع الصحابة، أو يقولون بعدالتهم بصورة مطلقة، وبالتالي فانهم لم يكونوا يأخذون بكل أحاديثهم بصورة مطلقة، وإنما كانوا يعرضون الحديث على العقل والقرآن، على العكس من "أهل الحديث".[2]

 

التنظير لحكومة القهر والقوة والغلبة

 

ومن هنا وقع أهل الحديث أو "أهل السنة" في شراك الاستبداد الذي كان يفرش ظلاله القاتمة على الأمة الاسلامية، وقاموا بإضفاء صبغة الخلافة على الأنظمة المضادة لها في الواقع، كما أنتجوا فتاوى تحث على الطاعة والتسليم لمن يغلب على السلطة بالقوة والقهر، وتحرم الثورة عليهم.

 

  وقد لعب المنبعان التشريعيان الجديدان اللذان يشكلان الأصلين الأساسيين في المذهب السني وهما (السنة والإجماع) دورا كبيرا في بناء الفكر السياسي السني، وإنتاج فكر الاستبداد.  وإذا كان يوجد في طيات ذلك الفكر حديث عن الشورى فإنما كان بسبب امتزاج المعتزلة والأحناف والأشاعرة في صفوف "أهل السنة" وإلا فقد قام الفكر السياسي السني منذ البداية على نظرية النص والإجماع، وتبرير سيطرة معاوية على المسلمين بالقوة.

  لقد كان "أهل الحديث" يؤمنون بأن الخليفة الأول أبا بكر استمد شرعيته من النص عليه من قبل الرسول (ص) وكذلك عمر الذي نص عليه أبو بكر، والذي نص على أعضاء الشورى الستة الذين انتخبوا عثمان. وقد عبر ابن قتيبة الدينوري (213-276)  في وقت مبكر عن هذه النظرية في كتابه (الإمامة والسياسة) الذي وضعه للرد على الشيعة بمنهج أهل الحديث .[3] وأخرج ابن حبان: أنه لما بنى رسول الله المسجد وضع في البناء حجرا وقال لأبي بكر: ضع حجرك الى جانب حجري، ثم قال لعمر:ضع حجرك الى جنب حجر أبي بكر، ثم قال لعثمان:ضع حجرك الى جنب حجر عمر، ثم قال: هؤلاء الخلفاء بعدي. وفي رواية:هؤلاء ولاة الأمر بعدي.[4]

  وعُرف هذا المذهب الذي تزعمه بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد، بالمذهب "البكري".[5] 

   وربما كان أشهر من تبنى هذا الرأي "السني" بصراحة هو ابن حزم الأندلسي ( 384 - 456 ) الظاهري، الذي ذهب في كتابه (الفصل بين الملل والنحل) الى:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصَّ على استخلاف أبي بكر بعده على أمور الناس نصاً جلياً‏".‏ واستشهد برواية تقول بأن امرأة قالت: يا رسول الله، أ رأيتَ أن رجعتُ ولم أجدك؟ كأنها تريد الموت، قال:" فأتِ أبا بكر". واعتبر ذلك  نصاً جلياً على استخلاف أبي بكر. كما استشهد برواية أخرى "أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لعائشة رضي الله عنها في مرضه الذي توفي فيه عليه السلام :" لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك فاكتب كتاباً وأعهد عهداً لكيلا يقول قائل أنا أحق، أو يتمنى متمنٍ ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" أو "ويأبى الله والنبيون إلا أبا بكر". ثم قال ابن حزم:" فهذا نص جلي على استخلافه (عليه الصلاة والسلام) أبا بكر على ولاية الأمة بعده‏".‏[6]

  ولم يتوقف ابن حزم عند نص النبي المدعى على أبي بكر، وإنما نظَّر لمسألة قيام الإمامة على أساس العهد والنص من كل إمام الى الإمام الذي يليه، ورفض الإجماع أو اشتراط أي عدد في اختيار الامام الجديد وبيعته‏‏. واحتج لذلك بإجماع الصحابة على انعقاد الإمامة بواحد.‏وقال: ‏"‏وجدنا عقد الإمامة يصح بوجوه أولها وأفضلها وأصحها أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان يختاره إماماً بعد موته، وسواء فعل ذلك في صحته أو في مرضه وعند موته إذ لا نص ولا إجماع على المنع من أحد هذه الوجوه ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر وكما فعل أبو بكر بعمر وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز. وهذا هو الوجه الذي نختاره ونكره غيره لما في هذا الوجه من اتصال الإمامة وانتظام أمر الإسلام وأهله ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى ومن انتشار الأمر وارتفاع النفوس وحدوث الأطماع‏. وليس عندنا في هذا الوجه إلا التسليم لما أجمع عليه المسلمون حينئذ".[7]

  ومع إيمان "أهل الحديث" بنظرية النص، كان عليهم أن يتخلوا عن نظرية الشورى، وذلك بتفسير آية "وأمرهم شورى بينهم". الشورى 38، باستشارة الحاكم لأهل الحل والعقد، وعدم صرفها الى وجوب انتخاب الحاكم على أساس الشورى والرضا العام، والقول باستحباب المشورة أيضا، وليس وجوبها على الإمام. وقد مال معظم فقهاء أهل السنة ومفسروهم الى هذا الرأي ما عدا فئة قليلة كابن عطية والفخر الرازي اللذين ذهبا الى وجوب الشورى.  

   وقد اضطر أهل السنة للحديث عن الشورى تحت ضغط الجدل مع الشيعة الامامية.[8] فقد تحدث كثير من الكتاب السنة عن الشورى، ولكن ليس كطريق وحيد للإمامة، وإنما كصورة أولية مثالية تاريخية، في مقابل دعوى الشيعة الإمامية بوجود النص على الإمام علي بن أبي طالب وأهل بيته، من قبل الرسول، وليس النص من قبل أي حاكم على آخر. وعندما كانوا يؤكدون على الاختيار كأساس للخلافة فانهم لم يكونوا يعنون به الاختيار العام وحق الأمة في انتخاب الإمام، وإنما اختيار أبي بكر من قبل أهل السقيفة، ثم اختيار أية جماعة – مهما قلَّت - لأي حاكم فيما بعد.[9]

   ويمكن مشاهدة الاتجاه نحو (الاختيار) لدى أبي بكر الباقلاني (الأشعري)[10] وكذلك لدى الفقيهين الدستوريين الشهيرين الماوردي (الأشعري) والفراء (الحنبلي) في كتابيهما المتشابهين في الاسم والمضمون: (الأحكام السلطانية) حيث قال الماوردي:" الإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل...".[11] و"إن أهل الاختيار تقوم بهم الحجة وببيعتهم تنعقد الخلافة".[12]  بينما قال الفراء  بأن انعقاد الإمامة باختيار أهل الحل والعقد، لا يتم إلا بجمهور أهل الحل والعقد. ورغم كون الفراء حنبليا إلا انه عبر بوضوح عن ميل كبير الى الاختيار أو الإجماع، واستند الى رواية عن الإمام أحمد بن حنبل انه قال:"الامام الذي يجتمع عليه كلهم يقول هذا إمام". وعلق عليها قائلا:"ظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم".[13] وهكذا قال النووي:" تنعقد الإمامة بالبيعة، والأصح بيعة أهل الحل والعقد الذين يتيسر اجتماعهم".[14]  

 

  وفي الحقيقة إن هذا الفكر المؤيد للاختيار، كاد يقارب الفكر الإسلامي الأول الذي كان يرفع شعار الشورى، وربما كان يشكل امتداداً لفكر المعتزلة عبر خلفهم الأشاعرة، الذين أكد أحد أقطابهم وهو الماوردي:"أن الإمامة حق المسلمين جميعا، وأنها عقد بينهم وبين الإمام".[15] ولكن اندماج الفقهاء السنة بالنظام العباسي القائم ، في القرن الخامس، دفعهم للمزج بين نظرية الشورى أو الاختيار وبين نظرية القوة والقهر والغلبة، وقد اضطر الماوردي للتحدث بلغتين في وقت واحد، حيث ذهب في البداية الى وجوب قيام أهل الاختيار بانتخاب إمام للأمة.[16] وضرورة تجنب الإكراه والإجبار في البيعة " لأنها عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار".[17] ورفض عقد الإمامة إلا بالرضا والاختيار.[18]

   ثم تخلى عن مبدأ الشورى ، وأخذ ينظِّر  لشرعية العهد من السابق للاحق، حيث اعتبر العهد أحد طريقين للإمامة، الى جانب الاختيار. إضافة الى تفريغ مفهوم أهل الحل والعقد من محتواه، بتقليص عدد أهل الشورى الى واحد أو أثنين أو ثلاثة. وقد اعتبر الماوردي في كتاب " أدب الدنيا والدين": السلطانَ القهري، قاعدة من القواعد الست التي يتم بها صلاح الدنيا وانتظام أحوالها والتئام أمرها.

 

   وكذلك فعل أبو يعلى الفراء الذي اشترط مشاركة جمهور أهل الحل والعقد في صحة انعقاد الإمامة، ولكنه أضاف الى الاختيار العهد كطريق ثانٍ، ثم أجاز طريقاً ثالثاً هو القهر والغلبة.[19]

   ونكاد نجد نفس الموقف لدى إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني (419-478 هـ)  الذي كان يعتقد من ناحية أن "الإمام نائب عن المسلمين أجمعين". [20] أو " أنه نائب عن كافة أهل الإسلام".[21] ويقول:"إن الاختيار من أهل الحل والعقد هو المستند المعتقد، والمعول المعتضد".[22] ومن ناحية أخرى لم يكن يشترط رضاهم في انتخاب الإمام.[23] وقال:"إن بايع رجل واحد مرموق كثير الأتباع والأشياع مطاع في قوم ، وكانت بيعته تفيد ما أشرنا اليه (من الشوكة) انعقدت الإمامة".[24]  وصحح إمامة من يستولي على السلطة بشوكته حتى إذا لم يكن منتخبا من أحد، فقال:" من يستبد بالاستيلاء والاستعلاء من غير نصب ممن يصح نصبه، فإذا استظهر المرء بالعدد والعدد ، ودعا الناس الى الطاعة... فان لم يكن في الزمان من يستجمع صفات أهل الاختيار، وكان الداعي الى اتباعه على الكمال المرعي، فإذا استظهر بالقوة وتصدى للإمامة، كان إماما حقاً، وهو في حكم العاقد والمعقود له".[25] وقام الجويني بالاعتراف بحكومة الأمر الواقع، فقال:"إذا استقل فرد الزمان بعدة لا تصادم، واستطالت يده الطولى على الممالك عرضاً وطولاً، واستتبت الطاعة، وأمكنت الاستطاعة، فقيامه بمصالح أهل الإيمان بالسيف والسنان، كقيام الواحد من أهل الزمان بالموعظة الحسنة باللسان".[26]

  ونجد نفس الموقف أيضاً لدى أبي حامد الغزالي الذي يطرح نظرية (الاختيار) ولكنه يعود ليفسرها ويقول بأن المقصود بـ: (الاختيار) ليس "اعتبار كافة الخلق" بل " إنما الغرض قيام شوكة الامام بالأتباع والأشياع". ويبرر ذلك بمراعاة الصفات والشروط في السلاطين تشوفاً الى مزايا المصالح، وتجنب القطع ببطلان الولايات خوفاً من بطلان المصالح رأسا، والنظر الى الأمر الواقع "بأن الولاية الآن لا تتبع إلا الشوكة، فمن بايعه صاحب الشوكة فهو الامام".[27] 

   واكتفى الغزالي بتعيين الامام بواسطة شخص واحد إذا حصلت له الشوكة، واعتبر نجاحه نصباً غيبياً من الله تعالى، ورزقاً إلهياً يؤتيه من يشاء. وقال:"إن الإمامة عندنا تنعقد بالشوكة، والشوكة تقوم بالمبايعة، والمبايعة لا تحصل إلا بصرف الله تعالى القلوب قهراً الى الطاعة والموالاة. وهذا لا يقدر عليه البشر".[28]

  واعتبر الغزالي السلطة القهرية، إحدى طرق الحكم الثلاثة، إضافة الى النص والتفويض من رجل ذي شوكة، وقال:"لو لم يكن بعد وفاة الامام إلا قرشي واحد مطاع متبع فنهض بالإمامة وتولاها بنفسه ونشأ بشوكته وتشاغل بها واستتبع كافة الخلق لشوكته وكفايته وكان موصوفا بصفات؛ قد انعقدت إمامته ووجبت طاعته فانه تعين بحكم شوكته وكفايته وفي منازعته إثارة الفتن".[29] وأضاف:"إن السلطان الظالم الجاهل مهما ساعدته الشوكة وعسر خلعه وكان في الاستبدال به فتنة ثائرة لا تطاق وجب تركه ووجبت الطاعة له".[30]

 

    وهذا ما يدل على أن التحدث عن الشورى والاختيار لم يكن جدياً لدى عامة المفكرين والفقهاء من أهل السنة، الذين أجازوا انتقال السلطة بواسطة العهد والنص، والاستيلاء عليها بالقوة. وإذا كان البعض منهم يتحدث على استحياء عن الشورى، فان البعض الآخر لا يشير اليها من قريب أو بعيد، ويتحدث مباشرة عن شرعية الاستيلاء على السلطة بالقوة، أويكتفي باشتراط كون المتغلب من قريش. فقد روي عن الامام الشافعي أنه كان يقر بشرعية كل قرشي يغلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجتمع الناس عليه.[31]  كما روي عن أحمد بن حنبل ما يدل على أن الإمامة تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر الى العقد. حيث قال في رواية عبدوس ابن مالك العطار:" ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمِّي (أميرُ المؤمنين) فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً" وقال في رواية أبي الحرث - في الامام يخرج عليه من يطلب الملك ، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم-: " تكون الجمعة مع من غلب". واحتج بموقف ابن عمر الذي صلى بأهل المدينة في زمن الحَرَّة، وقال:" نحن مع من غلب".[32] 

   وقد أجاز ابن حزم الوثوب على السلطة من أي قرشي، في حالة عدم عهد الامام السابق"فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم". وأجاز لأي رجل "صالح" الوثوب على السلطة والسبق اليها بأخذ البيعة ولو من رجل واحد، ولو بطرفة عين "فالحق حق الأول وسواء كان الثاني أفضل منه أو مثله أو دونه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: فوا بيعة الأول فالأول، من جاء ينازعه فاضربوا عنقه كائناً من كان".[33]

    ونظراً لإيمان أهل السنة بشرعية الاستيلاء على السلطة بالقوة، فقد طرحوا "الإجماع" كبديل عن الشورى، وفرغوا شعار "الاختيار" من محتواه بحيث أصبح يشمل الأنظمة العسكرية القائمة على القهر والغلبة. ومن هنا قام الشهرستاني بإضفاء الصفة الشرعية على حكم معاوية وعموم الأمويين، رغم استيلائهم على السلطة بالقوة، وقال: إن "الاختلاف في الإمامة على وجهين، أحدهما: القول بأن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار، والثاني: بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين، فمن قال إن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار قال بإمامة كل من اتفقت عليه الأمة أو جماعة معتبرة من الأمة...وقال بإمامة معاوية وأولاده وبعده مروان وأولاده".[34]

   ورغم إيمان أئمة المذهب السني الأوائل (كأحمد بن حنبل والأشعري) بانقطاع الخلافة بعد الراشدين وانقلابها الى ملك، كاد الراغب الأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل ، أن يضفي صفة الخلافة على كل من تولى أمر المسلمين، بغض النظر عن طريقة استيلائه على السلطة، ولكنه توقف، وفوض أمورهم الى الله، ودعا الى تصحيح أخكامهم وعقودهم وإظهار الطاعة لهم، لقوله تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) واعتبر ذلك "جزءاً من عقيدة المسلم ، المأثورة عن أئمة الإسلام كمالك بن أنس والليث بن سعد والأوزاعي وسفيان الثوري وابن عيينة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من الأئمة الأخيار".[35]

  وبعد سقوط معيار العدل والشورى والرضا من الأمة، للحكم على شرعية الإمام، اعتمد بعض الفقهاء على مسألة السبق للبيعة، بناء على حديث (فوا للأول فالأول) لإضفاء الشرعية على عدد من الحكام الذين استولوا على السلطة بالقوة، وسلبها من آخرين. كما فعل الذهبي والسيوطي اللذان صححا "خلافة" يزيد بن معاوية، ولم يعترفا بشرعية عبد الله ابن الزبير إلا بعد موت يزيد، وسلبا الشرعية من مروان بن الحكم لأنه خرج على إمام قائم هو ابن الزبير، ورفضا الاعتراف بشرعية الوصية الى ابنه عبد الملك، ولم يعترفا به الا  بعد مقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين.[36] وذلك بغض النظر عن طريقة وصول كل منهم الى السلطة بالقوة وأخذ البيعة بالإكراه.

 

   وذهب بعض الفقهاء كالكمال بن الهمام، الى قبول إمامة التغلب بالقوة، للضرورة، فقال في (المسايرة):" والمتغلب تصح منه هذه الأمور للضرورة كما لو لم يوجد قرشي عدل أو وجد ولم يقدر على توليته لغلبة الجورة".[37]  وأضاف:" لو تعذر وجود العلم والعدالة فيمن تصدى للإمامة – بأن تغلب عليها جاهل بالأحكام أو فاسق – وكان في صرفه إثارة فتنة لا تطاق حكمنا بانعقاد إمامته كي لا نكون كمن يبني قصراً ويهدم مصراً، وإذا قضينا بنفوذ قضايا أهل البغي في بلادهم التي غلبوا عليها لمسيس الحاجة فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند لزوم الضرر العام بتقدير عدمها. وإذا تغلب آخر على ذلك المتغلب وقعد مكانه انعزل الأول وصار الثاني إماما". وقال السعد في (شرح المقاصد):"مبنى ما ذكر في باب الإمامة على الاختيار والاقتدار. وأما عند العجز والاضطرار، واستيلاء الظلمة والكفار والفجار، وتسلط الجبابرة الأشرار، فقد صارت الرئاسة الدنيوية تغلبية، وبنيت عليها الأحكام الدينية المنوطة بالإمام ضرورة، ولم يعبأ بعدم العلم والعدالة وسائر الشرائط، والضرورات تبيح المحظورات".[38]

  ولئن كان بعض الفقهاء يبرر قبول الأمر الواقع ، بصورة استثنائية، بالعجز عن تغييره، فان هذا الموقف أصبح هو الموقف العام للفكر السياسي السني في العصور المتأخرة. وربما كان أبرز من اشتهر في ذلك قاضي القضاة في القاهرة في عصر المماليك بدر الدين محمد بن إبراهيم ابن جماعة (639-733) الذي قرر في كتاب (تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام) مبدأ القهر والغلبة، بصراحة وقوة، فقال:"إن خلا الوقت عن إمام فتصدى لها من هو ليس من أهلها وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف انعقدت بيعته ولزمت طاعته لينتظم شمل المسلمين وتجمع كلمتهم، ولا يقدح في ذلك كونه جاهلا أو فاسقا، في الأصح، وإذا انعقدت شوكة الإمامة بالشوكة والغلبة لواحد ثم قام آخر فقهر الأول بشوكته وجنوده انعزل الأول وصار الثاني إماما لما قدمناه من مص&#