الأصول
التشريعية للمذهب
السني
رأينا في
الفصول
السابقة أن
القرآن الكريم
والسنة
النبوية لم
يتحدثا عن
تفاصيل النظام
السياسي بعد
الرسول (ص) وأن
نظام الخلافة
في عهد
الراشدين ولد
بناء على
العرف والعقل،
وأنه كان
مدنيا ولم يكن
دينيا. كما
رأينا أيضا
كيف اكتست
الأنظمة
الجائرة
والمستبدة
التي اغتصبت
السلطة فيما
بعد، هالة الخلافة
الدينية دون
حق.
وقد تمت
عملية إضفاء
صبغة الخلافة
على الأنظمة
المضادة لها،
وتغطية
سلوكها الاستبدادي،
عبر أصلين
تشريعيين
جديدين، غير
الكتاب
والسنة، هما:
1-
"الأحاديث"
المنسوبة الى
الرسول محمد (ص)،
أو ما يسمى
بـ"السنة".
2-
"الإجماع".
والمقصود من
"السنة" هنا
ليس هي السنة
النبوية
العملية
الثابتة
والمتواترة،
التي أجمع على
قبولها جميع
المسلمين من
مختلف الطوائف،
وإنما
"الأحاديث"
الضعيفة
والمتناقضة،
وأخبار
الآحاد
المشكوك
بصدورها عن
النبي، والتي
كانت تنتشر
وتتكاثر في
القرون الثلاثة
الأولى وبلغت
مئات الألوف،
والتي أعطت "المذهب
السني" اسمه
ومعناه.[1]
وكان
الأخذ بهذا
الأصل في
البداية مقتصراً
على "أهل
الحديث" أو
الحنابلة
فقط، كما كان
عنوان (أهل
السنة) كان
مقتصراً
عليهم، ولم
يكن يشمل جميع
المذاهب التي
حملت اسم
"السنة" فيما
بعد،
كالأحناف
(أصحاب الإمام
أبي حنيفة) [2] والمعتزلة "أهل
الرأي" الذين
كانوا
يعتمدون على
القرآن
والسنة العملية
المتواترة
فقط،
ويتحفظون على
الانفتاح الواسع
على أخبار
الآحاد.[3] إذ لم
يدخل هؤلاء في
إطار (أهل
السنة) إلا في
القرن الخامس
الهجري على
يدي الخليفة
العباسي القادر.
إذن فإن
المقصود من
(السنة) هي
أخبار الآحاد
التي كان يتداولها
"أهل الحديث"
والحنابلة
بالدرجة
الأولى.[4]
المذهب
الحنبلي
وقد اشتهر الإمام
أحمد بن حنبل (164 ـ 241 هـ ) كزعيم
لأهل السنة،
لما قام به من
تأسيس لأصول
المذهب. وما اتخذه
من
موقف رافض وشديد
لمدرسة
الفقهاء
والمجتهدين
والمعتزلة، حيث
ذهب الى التمسك
بالحديث كما
هو (وقد روى
حوالي أربعين
ألف حديث في
مسنده)
معتبراً ذلك
من السنة، ورافضاً
أي جدل أو
نقاش في
الأحاديث ،
فضلاً عن
ردها، معتبراً
ذلك بدعة
مخالفة
للسنة، فقال
في رسالته في (أصول
السنة):" أصول
السنة عندنا: التمسك
بما كان عليه
أصحاب الرسول (صلى
الله عليه
وسلم) والاقتداء
بهم ، وترك
البدع. وترك
الخصومات
والجلوس مع
أصحاب
الأهواء وترك
المراء
والجدال
والخصومات في
الدين. والسنة
عندنا آثار
رسول الله (صلى
الله عليه
وسلم) وليس
في السنة قياس،
ولا تضرب لها
الأمثال، ولا
تدرك بالعقول
والأهواء.
إنما هو
الاتباع وترك
الهوى". وأشار
أحمد الى
أهمية "التصديق
بالأحاديث
فيه،
والإيمان بها.
لا يقال: لِمَ؟
و كيف؟، إنما
هو التصديق
والإيمان بها.
ومن لم يعرف
تفسير
الحديث،
ويبلغه عقله؛
فقد كفي ذلك
وأحكم له؛
فعليه
الإيمان به والتسليم
له". ثم طالب
بالتسليم
للأحاديث
التي اعتبرها
صحيحة، وقال:"لا
يكون صاحبه -
وإن كان
بكلامه سنة- من
أهل السنة حتى
يدع الجدال
ويسلِّم،
ويؤمن
بالآثار...والحديث
عندنا على ظاهره،
كما جاء عن
النبي (صلى
الله عليه
وسلم) والكلام
فيه بدعة.
ولكن نؤمن به كما
جاء على
ظاهره. ولا
نناظر فيه
أحداً ".
وقد رفض الامام
أحمد بن حنبل
القياس
والعمل
بالرأي، وذهب الى تفضيل
الأحاديث
المرسلة
والضعيفة على
الرأي، واعتبار
ذلك أصلا من
أصول السنة.
وحسبما يقول ابنه
عبد الله: أنه
سمع أباه يقول:"
الحديث
الضعيف أحب
إليَّ من
الرأي". فسأله عن
الرجل يكون
ببلد لا يجد
فيه إلا صاحب
حديث لا يعرف
صحيحه من سقيمه،
وأصحاب رأي،
فتنزل به
النازلة. فقال
أحمد بن حنبل:
"يسأل أصحاب
الحديث، ولا
يسأل أصحاب
الرأي. ضعيف الحديث
أقوى من
الرأي".[5]
ورغم
وجود شكوك حول
صحة كثير من
الأحاديث،
وبالخصوص
أخبار
الآحاد،
وبالأخص الأحاديث
المناقضة
للعقل
والقرآن، فان
أهل الحديث (أو
أهل السنة، أي
الحنابلة)
أطلقوا على كل
ما وصل اليهم
من أحاديث اسم
(السنة) إذا صح
السند لديهم، ورفضوا
دراسة متنها
وتنقيحها على
هذا الأساس.[6]
وفي هذا يقول أحد أعمدة
المذهب
الحنبلي وهو الامام البربهاري:"اعلم
رحمك الله: أنه
ليس في السنة
قياس، ولا
يضرب لها
الأمثال، ولا
تُتبع فيها
الأهواء، وانما
هو التصديق
بآثار رسول
الله (ص) بلا
كيف ولا شرح ، ولا
يقال: لم؟
وكيف؟
والكلام
والخصومة
والجدال
والمراء
محدث، يقدح
الشك في
القلب، وإن
أصاب صاحبه
الحق والسنة".[7]
" واعلم – رحمك
الله – أن
الدين إنما
جاء من قبل
الله تبارك
وتعالى، لم يوضع
على عقول
الرجال
وآرائهم،
وعلمه عند
الله وعند
رسوله، فلا
تتبع شيئا بهواك،
فتمرق من
الدين، فتخرج
من الإسلام...".
"واعلم رحمك
الله أن من
قال في دين
الله برأيه وقياسه
وتأويله من
غير حجة من
أهل السنة
والجماعة فقد
قال على الله
ما لا يعلم".[8]
ويحذر
من الكلام
وأصحاب
الكلام
والجدال
والمراء
والقياس والمناظرة
في الدين،
ويقول:"إن
استماعك
منهم، وإن لم
تقبل منهم،
يقدح الشك في
القلب، وكفى
به قبولاً
فتهلك. وعليك
بالأثر
وأصحاب الأثر
والتقليد،
فان الدين إنما
هو التقليد ،
يعني للنبي (ص)
وأصحابه
رضوان الله
عليهم
أجمعين، ومَن
قبلنا لم
يدَعونا في
لبس ، فقلدهم
واسترح ، ولا
تجاوز الأثر
وأهل الأثر".[9]
ويضيف:"لا
يخرج أحد من
أهل القبلة من
الإسلام، حتى
يردَّ آية من
كتاب الله عز
وجل، أو يرد
شيئا من آثار
رسول الله (ص).
وإذا فعل شيئا
من ذلك فقد
وجب عليك أن
تخرجه من
الإسلام".[10]
"وإذا سمعت
الرجل يطعن
على الآثار
ولا يقبلها، أو
ينكر شيئا من
أخبار رسول
الله (ص)
فاتهمه على الإسلام،
فانه رجل رديء
القول
والمذهب ، وإنما
طعن على رسول
الله
وأصحابه؛
لأنه إنما عرفنا
الله وعرفنا
رسوله وعرفنا
القرآن وعرفنا
الخير والشر
والدنيا
والآخرة
بالآثار، وإن
القرآن الى
السنة أحوج من
السنة الى
القرآن".[11]
"وإذا سمعت
الرجل يطعن
على الآثار،
أو يرد الآثار،
أو يريد غير
الآثار
فاتهمه على
الإسلام، ولا
تشك أنه صاحب
هوى مبتدع. وإذا سمعت
الرجل تأتيه
بالأثر فلا
يريده ،
ويُرِد القرآن،
فلا شك أنه
رجل قد احتوى
على الزندقة ،
فقم من عنده
ودعه".[12]
"وكل ما سمعت
من الآثار مما
لم يبلغه
عقلك، نحو قول
رسول الله (ص)
:"قلوب العباد
بين إصبعين من
أصابع
الرحمن"
وقوله:" ان
الله تبارك
وتعالى ينزل الى سماء
الدنيا،
وينزل يوم
عرفة، وينزل
يوم القيامة،
وجهنم لا يزال
فيها مطرح
حتى يضع عليها
قدمه، وقوله
خلق الله آدم
على صورته،
وقول النبي: رأيت
ربي في أحسن
صورة " وأشباه
هذه الأحاديث
، فعليك
بالتسليم
والتصديق
والتفويض،
لا تفسر شيئا
من هذه بهواك،
فان الإيمان
بهذا واجب،
فمن فسر شيئا
من هذا بهواه
أو رده فهو جهمي".[13]
وهكذا يقول ابن
زمنين
الأندلسي:"اعلم
رحمك الله أن
السنة دليل
القرآن،
وأنها لا تدرك
بالقياس ولا
تؤخذ
بالعقول، وإنما
هي في الاتباع
للأئمة ولما
مشى عليه جمهور
هذه الأمة".[14]
السنة
حاكمة على
الكتاب
وبينما
كان أهل الرأي
يعتبرون
القرآن
المصدر الأول
والأساس
للتشريع، ويرفضون
تخصيص عموم
القرآن
بأخبار
الآحاد، كان
"أهل الحديث"
يضعون أخبار
الآحاد في موازاة
القرآن أو
أعلى منه. وذلك
لأنهم نظروا الى (السنة)
باعتبارها
نصا مكافئاً
للقرآن، من
حيث وجوب
العمل
بكليهما،
فهما معا
جزءان أو
قسمان كلاهما
يتمم الآخر،
ويجمعهما معا
اسم النصوص
الموحى بها
والتي يرجع اليها
أولاً في
إثبات أحكام
الشريعة. وحسبما
يقول الامام
الغزالي في (المستصفى):"إن
الكل من عند
الله. إن كلام
الله واحد
وليس بكلامين،
أحدهما قرآن
والآخر ليس
بقرآن.
الاختلاف بينهما
بالعبارة
فقط، فربما
عبر الله
بكلامه بلفظ
منظوم يأمرنا
بتلاوته
فيسمى قرآناً،
وربما عبر
بلفظ غير
منظوم فيسمى
سنة، والكل مسموع
من الله، وإن
الناسخ هو
الله في كل
حال".[15]
وحسبما يقول
القاضي عبد
الجواد ياسين،
فان الفقه
السلفي، كان
يعتبر السنة في
مرتبة
القرآن،
فكلاهما وحي
ألقي في روع
النبي (ص) ومن
ثم فإذا حدث
تعارض ظاهري
بين نص سني ونص
قرآني، وجب أن
تجري عليه
القواعد التي
يتم بها رفع
التعارض بين
نصين
قرآنيين، حيث
لا فرق بين
هذين الضربين
من التعارض،
ومن بين هذه
القواعد
تخصيص العام
أو تقييد
المطلق أو حمل
الخاص على
العام أو حمل
المطلق على
المقيد.[16]
وأن أخبار
الآحاد تملك
صلاحية تخصيص
العام الوارد
في القرآن،
لأن دلالة
العام في
القرآن
"ظنية" وليست
قطعية في دخول
أفراد العام
جميعا في معنى
العموم.
وبالتالي فان
أخبار الآحاد
يمكن أن تخصص
عموم القرآن،
من منطلق أن
الظني يملك
صلاحية تخصيص
الظني.[17]
وبلغ التطرف
لدى بعض أهل
الحديث شأواً
بعيداً،
بوضعهم أخبار
الآحاد في
منزلة أعلى من
القرآن الكريم،
وذلك بقولهم
إن السنة
حاكمة على
القرآن، و إنها
تخصص عموم
القرآن، ولو
كانت أخبار
آحاد. في حين لا
يعارض القرآن الأحاديث
ولا يخصصها. ولذلك
رفض الإمام
أبو بكر الآجري
معارضة
الأحاديث
بالقرآن،
وأنكر ذلك
وحذر منه أشد
التحذير.[18] واعتبر
من يقول به "خارجا
عن ملة
الإسلام ،
وداخلا في ملة
الملحدين ".[19] واشتهر عن
يحيى بن كثير
قوله:" السنة
قاضية على
الكتاب، وليس
الكتاب قاضٍ على
السنة".[20] وقال الامام البربهاري:"إن
القرآن الى
السنة أحوج من
السنة الى
القرآن".[21]
ولكن عندما
سئل الامام
أحمد بن حنبل عن
معنى قول
"السنة قاضية
على الكتاب"
ما تفسيره؟
تردد وقال:" ما
أجرؤ على هذا
أن أقول، لكن
السنة تفسر
القرآن، ولا
ينسخ القرآن
إلا القرآن". وقال
ابنه عبد الله
: سألت أبي:
أتقول في
السنة تقضي على
كتاب الله؟
قال:قد قال
ذلك قوم، منهم
مكحول
والزهري. قلت
لأبي: فما
تقول أنت؟
قال: أقول إن
السنة تدل على
معنى الكتاب.
وكان جواب
أحمد هذا - في
الحقيقة- غامضاً
، ولذلك ترك الباب
مفتوحاً أمام
أبي عمر بن
عبد البر
ليفسره
بقوله:"يريد أنها
تقضي عليه
وتبين المراد
منه". أي بما
ينسجم مع
نظرية يحيى بن
كثير والتي تحرَّج
الامام
أحمد من البوح
بها بصراحة.[22]
وقد أكد المحدث
المعاصر ناصر
الدين
الألباني، مقولة
"السنة
حاكمة على
كتاب الله" وقال:"يجب
اعتبار
الكتاب
والسنة مصدراً
واحداً لا فصل
بينهما أبدا".[23]
عدالة
الصحابة
ونتيجة
لذلك
الانفتاح
الواسع على
الأحاديث،
وقبولها بغض
النظر عن
معارضتها
للقرآن، وقع
"أهل السنة"
(وبالدرجة
الأولى
الحنابلة أهل
الحديث) ضحية
أحاديث تضفي
صفة قدسية على
عموم
الصحابة، مثل: "أصحابي
كالنجوم
بأيهم
اقتديتم
اهتديتم".[24]
وذلك بالرغم
من تناقض
نظرية عدالة
الصحابة مع
القرآن
الكريم، الذي
يربط الدرجة العليا
لأي إنسان
بالعمل
الصالح حتى لو
كان أقرب
المقربين من
الرسول، أو
الرسول نفسه.[25]
وهذا
ما ساعد على
تقبل كثير من
الأحاديث
الضعيفة
وتصديق كل ما
يأتي من أولئك
الرواة من
الصحابة
"الذين لا
يمكن أن
يكذبوا"
واعتبار كل
أحاديثهم جزء
من السنة النبوية.
كما ساهم في
تضخيم صورة
جميع الصحابة
في الأذهان،
فبعد أن كان المسلمون
ينظرون اليهم
بنسبية،
وكُلاً على
حدة، أتخذ الامام
أحمد بن حنبل
(زعيم أهل
السنة في
القرن الثالث
الهجري) موقفاً
جديداً من
الصحابة، حيث
أخذ ينظر اليهم
نظرة واحدة
ورفعهم جميعا فوق
مستوى النقد، الى
درجة تقارب
العصمة
والقدسية،
ورفض استماع أي
نقد لهم حتى
لو كان صحيحاً
وثابتاً،
وفضل إغلاق
باب التاريخ
دونهم، محتجا
بعدم الرغبة
في الخوض في
شؤونهم.
واعتبر موقفه
هذا من
الصحابة جزءاً
من السنة، وأي
مخالفة له
خروجا عنها
وسقوطا في
البدعة. وما
زاد الطين بلة
هو تعريف أحمد
للصحبةَ
تعريفاً
جديداً ، حيث اعتبر
"كل من صحبه
سنة أو شهراً
أو يوماً أو
ساعة أو رآه
فهو من أصحابه".
ورفض أحمد بن
حنبل - بعد
إيمانه
بعدالة جميع
الصحابة-
انتقادات
الفقهاء
السابقين مثل الامام
أبي حنيفة
وغيره لبعض
الصحابة كأبي
هريرة وكعب
الأحبار وعبد
الله بن عمرو
بن العاص،
واعتبر كل ما
ورد عنهم من
حديث صحيحاً
غير قابل للشك
والتجريح. [26] وافترض الآلوسي
توبة من ابتلي
من الصحابة
بفسق قبل
موته، ببركة
نور الصحبة.
ثم استنتج صحة
روايته عن
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم .[27] وقال حمد
بن عبد الله ابراهيم الحميدي:"عقيدة
أهل السنة
والجماعة أن
الصحابة رضوان
الله عليهم
كلهم عدول فلا
يسأل عن عدالة
أحد منهم بعد
تعديل الله عز
وجل وتعديل
رسوله ، ويكفي
في هذه
المنزلة
منزلة الصحبة
المنزلة
العالية
الشريفة".[28]
وقد حصل
بذلك نوع من
الدور،
فأحاديث الصحابة
جميعا صحيحة،
بناء على
أحاديثهم
التي توحي
بعدالتهم
جميعا. وبالتالي
فان كل ما ورد
عنهم صحيح.
سنة
الصحابة
وتبعاً
لقولهم
بعدالة
الصحابة وتصحيح
جميع
الروايات
الواردة عن
طريقهم، تطور
موقف "أهل
السنة" من
الصحابة،
وخصوصا
الخلفاء الراشدين،
درجة أخرى،
بحيث اعتبروا
سنة الصحابة
جزءاً من سنة
رسول الله (ص) فقد رووا عن النبي (صلى
الله عليه
وسلم) أنه
قال:" عليكم
بسنتي وسنة
الخلفاء
الراشدين
المهديين من
بعدي عضوا
عليها
بالنواجذ
وإياكم ومحدثات
الأمور فإن كل
محدثة بدعة
وكل بدعة
ضلالة". و"ستفترق
أمتي على ثلاث
وسبعين فرقة
كلها في النار
إلا واحدة –
وهي الجماعة –
قيل يا رسول
الله من هم؟
قال: ما أنا
عليه اليوم
وأصحابي".
ورووا عن عرباض
بن سارية
السلمي، أنه
قال:
وعظنا رسول
الله (ص) موعظة
دمعت منها
الأعين ووجلت
منها القلوب.
قلنا يا رسول
الله: إن هذه موعظة
مودع فبما
تعهد إلينا؟
قال:"قد
تركتكم على
البيضاء
ليلها
ونهارها لا
يرجع عنها
بعدي إلا هالك
ومن يعش منكم
فسيرى
اختلافا
كثيرا فعليكم
بما عرفتم من
سنتي وسنة
الخلفاء
الراشدين
المهديين عضو
عليها
بالنواجذ...".[29]
وبناء
على ذلك قال
الخليفة عمر
بن عبد العزيز
في خطبة له :" ألا
إن ما سنَّ
رسول اللّه (ص) وصاحباه
فهو دين نأخذ
به وننتهي إليه،
وما سنَّ
سواهما فإنا
نرجئه". وقال أحمد بن
حنبل:"إن أصول
السنة عندنا: التمسك
بما كان عليه
أصحاب رسول
الله (ص) والاقتداء
بهم وترك
البدع".[30]
وكان الامام
الشافعي يفضل
إجماع
الصحابة، أو
أحدهم على غيرهم،
ويقول عند ذكر
الصحابة رضوان الله
عليهم:"هم
فوقنا في كل
علم واجتهاد
وورع وعقل
وأمر استُدرك
أو استُنبط،
وآراؤهم لنا
أجمل وأولى بنا
من آرائنا
عندنا
لأنفسنا...
فهكذا نقول:
إذا اجتمعوا
أخذنا
باجتماعهم، وان
قال أحدهم ولم
يخالفه غيره
أخذنا بقوله، وان
اختلفوا
أخذنا بقول
بعضهم ولم يخرج
عن أقاويلهم
كلهم".[31]
وقال في كتاب (الأم)
:" ما كان
الكتاب
والسنة
موجودين
فالعذر على من
سمعهما مقطوع
إلا
باتباعهما،
فإذا لم يكن كذلك
صرنا الى
أقاويل أصحاب
الرسول أو واحدهم.
وكان قول
الأئمة أبي
بكر وعمر
وعثمان وعلي رضوان
الله عليهم
أحب الينا
إذا صرنا الى
التقليد...
ثم قال: فإذا
لم يوجد عن
الأئمة فأصحاب
رسول الله (ص)
في الدين في
موضع الأمانة
أخذنا
بقولهم، وكان
إتباعهم أولى
بنا من إتباع
مَن بعدهم،
والعلم طبقات:
الأولى :
الكتاب والسنة
إذا ثبتت
السنة.
والثانية: الإجماع
مما ليس في
كتاب ولا سنة.
والثالثة بعض
أصحاب النبي
(ص) ولا نعلم له
مخالفا فيهم.
والرابعة:
اختلاف أصحاب
الرسول.
والخامسة:
القياس على
بعض هذه
الطبقات. ولا
يصار الى
شيء غير
الكتاب
والسنة وهما
موجودان،
وإنما يؤخذ
العلم من
أعلى".[32]
واعتبر الامام
البربهاري
الالتزام
بسنة الصحابة
جزءاً من
الالتزام بالسنة.[33]
كما فعل ابن
رجب الحنبلي،
الذي قال:إن"سنة
الخلفاء
الراشدين
متبعة كاتباع
السنة".[34]
وحسبما
يقول الشيخ
محمد أبو
زهرة:" فان
التابعين
كانوا يأخذون رأي
الصحابي –
سواء أكان
مجمعا عليه أم
غير مجمع عليه
– على أنه سنة،
لا على أنه
مجرد رأي، فأقوال
الصحابة سنة
عندهم يجب
اتباعها، ولو
كان أساسها
الظاهر الاستنباط
المجرد،
وكذلك جاء من
بعدهم
الفقهاء
المجتهدون،
فاعتبر
أكثرهم رأي
الصحابي حجة
يجب الأخذ
بها...وقال ابن
القيم في بيان
قوة رأي
الصحابي:" ان
الصحابي إذا
قال قولاً أو
حكم بحكم أو
أفتى بفتيا،
فله مدارك
ينفرد بها
عنا، ومداركه
نشاركه فيها،
أما ما يختص
به فيجوز أن
يكون سمعه من
النبي شفاها،
أو من صحابي
آخر عن رسول
الله..".[35]
وهكذا
اعتبر
الدكتور عبد
الله الدميجي
سنة الخلفاء
الراشدين
واجبة
الاتباع كسنة
الرسول،
وقال:" هذا أمر
صريح منه (ص)
بوجوب الالتزام
بسنته وسنة الخلفاء
الراشدين، ومن
سنتهم
الطريقة التي
تمت توليتهم
بها".
وأضاف:"هذا نص
صريح في وجوب
الاقتداء
بأبي بكر وعمر
رضي الله
عنهما، ومن
ذلك الاقتداء
بهما في طريقة
تعيين
الخليفة. ومن
جاء من بعدهم
من الخلفاء
الراشدين لا
يخرج عن
طريقتهما في التعيين...
كما قال شيخ
الإسلام ابن
تيمية: أمر – أي
النبي- باتباع
سنة الخلفاء
الراشدين،
وهذا يتناول
الأئمة
الأربعة، وخص
أبا بكر وعمر
بالاقتداء
بهما، ومرتبة المقتدى
به في أفعاله
وفيما سنه
للمسلمين فوق
سنة المتبع
فيما سنه فقط".[36]
إذن فإن
المذهب السني
لم يتوقف عند
سنة الرسول
العملية، كما لم
يتوقف عند
السنة القولية
، وإنما أضاف
إليها سنة
الصحابة. وإذا
علمنا بأن
الرسول
الأعظم لم
يتحدث كثيرا
عن النظام السياسي
يتضح لنا بأن
الفكر
السياسي
السني يعتمد
في تغطيته
لممارسات
الحكام
الأمويين و
العباسيين،
بدرجة رئيسية
على سنة
الصحابة أكثر
مما يعتمد على
السنة
النبوية.
2- أصل
"الإجماع"
وقد تفرع من
أصل "الحديث"
وما استتبعه
من الإيمان
بعدالة
الصحابة وسنة
الصحابة أو
سنة الشيخين،
أصلٌ ثانٍ
اعتبره البعض
العمود
الفقري للمذهب
السني، وهو
أصل
"الإجماع"
الذي عده كثير
من "أهل
السنة" مصدراً
رئيسياً ثالثاً
للتشريع ،
بالإضافة الى
الكتاب
والسنة.[37]
وقد حاول بعض أئمة السنة تأصيل مبدأ الإجماع، على أساس القرآن الكريم، كالامام الشافعي الذي اعتمد على تفسير آية: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا). النساء 115 أو كالآمدي (551-631 هـ) الذي استدل بعدة آيات أخرى رأى أنها تدل على أصل الإجماع.[38] وقال :إن الله عدَّل الصحابة وجعلهم حجة على الن