الفصل
الرابع: الإنقلاب
على الخلافة
أسفر تنازل
الإمام الحسن
عن الحكم
لصالح معاوية
بن أبي سفيان،
عن نهاية عهد
الشورى
والخلافة
الحقيقية،
وبدء قيام
الدولة العربية
الملكية على
أساس القوة
والإكراه. ومع
أن معاوية
أطلق على عهده
شعار
(الجماعة) إلا
انه في
الحقيقة لم
يمثل الأمة أو
الجماعة، ولم
يلتزم بتحقيق
أهدافها
الإسلامية
السامية. وقد
أعلن معاوية
عن ذلك بصراحة
عندما وقف في
الكوفة وقال
لأهلها
متحدياً: "يا
أهل الكوفة:
أتراني
قاتلتكم على
الصلاة والزكاة
والحج، وقد
علمت أنكم
تصلون وتزكون
وتحجون؟ لكني
قاتلتكم
لأتأمر عليكم
وعلى رقابكم،
وقد آتاني
الله ذلك
وانتم
كارهون" .[1]
وبسبب
قيام نظامه
على القوة
المجردة بدلا
من الشورى أو
الرضا العام ،
شعر معاوية بالتحرر
من أي التزام
تجاه الأمة،
لا بالشريعة
الإسلامية
ولا بالعدل
ولا بسنة
الشيخين ولا
حتى بسيرة
عثمان، وقال
لأهل المدينة
بكل استهتار
وتحدٍ: " أما
بعد، فإني
والله ما
وليتها بمحبة
علمتها منكم
ولا مسرة
بولايتي،
ولكني
جالدتكم
بسيفي هذا
مجالدة، ولقد
رضيت لكم نفسي
على عمل ابن
أبي قحافة وأردتها
على عمل عمر
فنفرت من ذلك
نفاراً شديداً،
وأردتها مثل
ثنيات عثمان
فأبت عليّ، فسلكت
بها طريقاً لي
ولكم فيه
منفعة: مؤاكلة
حسنة ومشاربة
جميلة. فان لم
تجدوني خيركم
فاني خيرٌ لكم
ولايةً. والله
لا أحمل سيفي
على من لا سيف
له، وإن لم يكن
منكم إلا ما
يستشفى به
القائل
بلسانه فقد جعلت
ذلك دبر أذني
وتحت قدمي،
وإن لم تجدوني
أقوم بحقكم
كله فاقبلوا
مني بعضه، فان
أتاكم مني خير
فاقبلوه، فان
السيل إذا زاد
عنّى وإذا قلّ
أغنى، وإياكم
والفتنة فإنها
تفسد المعيشة
وتكدر
النعمة" .[2]
وطالب
معاوية أهل
المدينة
بالقبول بالأمر
الواقع
والتسليم
لحكمه، قائلا:
" اقبلونا بما
فينا، فان ما
وراءنا شر
لكم، وان
معروف زماننا
هذا منكر زمان
قد مضى، ومنكر
زماننا معروف
زمان لم يأت".[3]
وأعطى معاوية
لنفسه كامل
الحق في
التلاعب
بالمال العام
دون رقيب أو
حسيب، وذلك
بالإغداق على
من يواليه
وحرمان من
يعاديه،
وتولية
أقاربه
وأعوانه
البلاد،
وإطلاق يدهم
في التصرف
فيها كما
يشاءون. وقد
ابتعد معاوية
بذلك عن روح
الخلافة
الإسلامية ومنهجها،
كما أبعد
المسلمين عن
ممارسة دورهم
في خلافة الله
في الأرض.
وعندما
وجد معاوية
نفسه عارياً
من صفات
الخلافة
الحقة،
وصبغتها
الشرعية،
وفاقداً لرضا
الأمة؛ حاول
تأسيس شرعية
دستورية
جديدة هي
العصبية
القبلية
"القرشية" والتعويض
بها عن الشورى
المفقودة
ومبادئ العدالة
الإسلامية.
ومع ان
الصحابة
كانوا يميزون بين
المهاجرين من
قريش وبين
"الطلقاء"
الذين ظلوا
يحاربون
الإسلام
والمسلمين
حتى فتح مكة،
ويرفضون أن
يلي أحد من
هؤلاء
الخلافة.[4]
إلا أن معاوية
حاول أن يلغي
الفارق بينه
وبينهم وأن يحشر
نفسه معهم
باعتباره
واحداً من
قريش. وقد عبَّر
عن نظريته
السياسية
القائمة على
العصبية
القرشية، في
جلسة جمعته
وعبد الله بن
عباس وعبد
الله بن جعفر
وعبد الله بن
عمر وعبد الله
بن الزبير،
حيث قال: "إنما
كان هذا الأمر
لبني عبد مناف
لأنهم أهل
رسول الله،
فلما مضى رسول
الله ولّى
الناس أبا بكر
وعمر من غير معدن
الملك ولا
الخلافة، غير أنهما
سارا بسيرة
جميلة ، ثم
رجع الملك الى
بني عبد مناف
فلا يزال فيهم
الى يوم
القيامة، ولقد
أخرجك الله يا
ابن الزبير
وأنت يا ابن
عمر (لأنهما ليسا
من بني عبد
مناف) فأما
ابنا عمي هذان
(ابن عباس و
ابن جعفر)
فليسا
بخارجين من
الرأي إن شاء
الله".[5]
وقد أراد
معاوية تطييب
خاطر ابن عباس
وابن جعفر
والاعتراف
بحقهما
السياسي في
الولاية كونهما
من بني هاشم
وبني عبد
مناف، ولكنه
في الحقيقة لم
يكن يرى لهما
أي حق في
منافسته على
السلطة، وهو
الذي قاتل الامام
علي وابنه
الامام الحسن
من أجلها،
وانتزعها
منهما بالقوة.
وحاول معاوية
إضفاء شرعية
دينية مزيفة
على "العصبية
القرشية"
فقال:"... بنى
الله هذا
الملك على قريش
وجعل هذه
الخلافة
عليهم، ولا
يصح ذلك إلا عليهم،
فكان الله
يحوطهم في
الجاهلية وهم
على كفرهم
بالله، أ
فتراه لا
يحوطهم وهم
على دينه؟ وقد
أحاطهم في
الجاهلية من
الملوك الذين
كانوا يدينونكم؟
".[6] ولم يكن
يجد بأسا في
الرواية عن
النبي (ص) بـ :"أن
هذا الأمر في
قريش". [7]
تحويل
الخلافة الى
نظام وراثي
وبعد أن
حصر معاوية
الملك في
قريش، وفي بني
أمية
بالتحديد، وأقصى
المهاجرين
والأنصار
والعرب وبقية
المسلمين،
كان من
الطبيعي ان
يحوِّل
الخلافة الى
ملك وراثي قائم
على القوة
والإكراه،
وهو الذي
استولى على
السلطة
بالقوة ، وأن
يعهد الى ابنه
يزيد، ولم يكن
بحاجة الى
المغيرة بن
شعبة
ليقترح عليه
هذا الأمر،
فقد كانت كل المؤشرات
تصب في هذا
الاتجاه.
وهكذا
قرر معاوية
العهد الى
ابنه يزيد،
بغض النظر عن
مؤهلاته
الشرعية وحب
الناس له أو
رضاهم به،
وبدأ يمهد
الجوَّ له
بأخذ البيعة
له في حياته،
خلافا
لاتفاقه مع
الامام الحسن
الذي تنازل له
عن الخلافة
على أن تعود
اليه من بعده.
فزار معاوية المدينة
سنة خمسين
للهجرة ودعا
زعماء البيوت القرشية
من المهاجرين
وهم عبد الله
بن عباس وعبد
الله بن جعفر
وعبد الله بن
عمر وعبد الله
بن الزبير
وعبد الرحمن
بن أبي بكر
فاستشارهم
حول العهد الى
ابنه يزيد.
فرفضوا جميعا
ذلك وحذروه
ودعوه الى الأخذ
بالشورى
واختيار
الأصلح من
الأمة. وقال
عبد الله بن
عمر:"إن هذه الخلافة
ليست بهرقلية
ولا قيصرية
ولا كسروية
يتوارثها
الأبناء عن
الآباء، ولو
كان كذلك كنت
القائم بها
بعد أبي".[8] وقال
عبد الرحمن بن
أبي بكر:" يا
بني أمية، إن
هذا الأمر كان
لرسول الله ،
وقد كان في
أهله من لو
جعله فيه لكان
له أهلا ، فلم
يفعل،
فأعدتموها يا
بني أمية
أعجمية كلما
هلك هرقل قام
هرقل!".[9] وطالبه عبد
الله بن
الزبير باتباع
سيرة رسول
الله، الذي ترك
الناس
فاختاروا
لأنفسهم بعده
من رأوه أهلا
لها، أو سيرة
أبي بكر الذي
نص على رجل
مرضي عند
الأمة، أو سيرة
عمر الذي جعلها
شورى في قوم
مرضيين
معروفين. كما
احتجت السيدة
عائشة أم
المؤمنين على
ذلك وقالت له: "
قد كان لمن
تقدمك بنون ما
ابنك مثلهم،
فما رأوا في
بنيهم ما
رأيت".[10]
ولكن
معاوية لم يأبه
كثيرا
لملاحظاتهم ، وقال
لهم:" لستم في
زمان أبي بكر
وعمر، إنما هم
بنو أمية من
عصاهم أوجلوه
بالسيف"!. وهو
ما استفز
السيدة عائشة التي
ردت عليه
قائلة:" إنما
هو ملك باطل
تجعلونه يا بني
أمية فيمن
تهوونه".[11]
وحاول
معاوية أن يصور
للناس بأن
تعيين يزيد من
إرادة الله
التي لا مفر
منها، فكان
يقول:" إن أمر
يزيد قضاء
وقدر وليس
للعباد
الخيرة من
أمرهم".[12] ولم
يجد وسيلة
لأخذ البيعة
له الا بالقوة.[13] فذهب الى
المدينة
ليأخذ البيعة
لابنه يزيد من
أهلها بنفسه.[14] ومع
ذلك لم ينجح
في مهمته،
وجُوبهَ بمعارضة
شديدة ، خاصة
من قبل زعماء
البيوتات القرشية
المهاجرة، فنزل
عن المنبر
وانصرف الى
منزله غاضباً،
وأمر حرسه أن
يُحضروا
هؤلاء النفر
الذين أبوا
البيعة، وأوصاهم
قائلا:"إني
خارج العشية
الى أهل الشام
فأخبرهم أن
هؤلاء النفر
قد بايعوا وسلموا،
فان تكلم أحد
منهم بكلام
يصدقني أو
يكذبني فيه ،
فلا ينقضي
كلامه حتى
يطير رأسه".
فحذر القوم ذلك.[15]
وأرسى معاوية
بذلك أخطر
انقلاب
دستوري في
تاريخ
المسلمين من
نظام الشورى
الى نظام
الوراثة
العائلية ، اعتمادا
على قوة السيف
واستناداً
الى أعراف
النظام القرشي
الجاهلي.
وبعد
وفاة معاوية،
حاول يزيد أن
يأخذ البيعة
من المسلمين
له بالقوة،
فكتب الى عامل
أبيه على
المدينة خالد
بن الحكم،
يخبره بوفاة
أبيه ويطلب
منه المبادرة
الى إجبار
الناس على
البيعة له،
وأخذ الأيمان
المغلظة
عليها:"بايع
لنا قومنا ومن
قبلك من
رجالنا..
وليكن أول من
يبايعك
الحسين وعبد
الله بن عمر
وعبد الله بن
عباس وعبد
الله بن جعفر
وعبد الله بن الزبير،
ويحلفون على
ذلك بجميع
الأيمان
اللازمة،
ويحلفون
بصدقة
أموالهم غير
عشرها، وجزية
رقيقهم وطلاق نسائهم،
بالثبات على
الوفاء بما
يعطون من
بيعتهم".[16]
ولم
تلبث المدينة
أن ثارت على
يزيد، بقيادة
عبد الله بن
حنظلة الغسيل
الأنصاري، واستقل
عبد الله بن
الزبير بمكة،
فأرسل يزيد مسلم
بن عقبة اليهم
وقال له: "انهض
الى ابن
الزبير واتخذ
المدينة طريقا
اليه، فان
صدوك أو
قاتلوك فاقتل
من ظفرت به
منهم، وانهبها
ثلاثاً... فإذا
قدمت المدينة
فمن عاقك عن
دخولها أو نصب
لك الحرب،
فالسيف السيف
، أجهز على
جريحهم وأقبل
على مدبرهم وإياك
أن تبقي
عليهم، وان لم
يتعرضوا لك،
فامضِ الى ابن
الزبير".[19]
ولما كانت
المدينة في
طليعة
الثائرين على
يزيد، اشتبك
مسلم مع أهلها
في حادثة
شهيرة تسمى
"واقعة
الحرة" ودخل
بعدها
المدينة
وأعمل في أهلها
السيف، فقتل يومئذ
من قريش
والأنصار
والمهاجرين
ووجوه الناس
سبعمائة رجل، وسائرهم
من الناس عشرة
آلاف، سوى
النساء
والصبيان.[20] وقُتل بها
من أصحاب
النبي (ص)
ثمانون رجلاً،
ولم يبق بعد ذلك
بدري. ثم
انتهبوها
ثلاثة أيام.[21]
ودعا
مسلم بن عقبة -
الذي أصبح
يعرف منذ ذلك
اليوم "بمسرف
بن عقبة" –
الناسَ
للبيعة على
أنهم خَوَلٌ
ليزيد بن
معاوية ، يحكم
في دمائهم و
أموالهم و
أهليهم ما شاء،
فمن امتنع من
ذلك قتله.[22]
ومضى
مسرف بن عقبة
، بعد ذلك،
صوب مكة لحرب
ابن الزبير ،
فمات في
الطريق. ومات
بعده يزيد بن
معاوية، الذي
أوصى الى ابنه
معاوية الثاني،
إلا أن هذا لم
يلبث سوى أيام
حتى مات أيضا،
فانهار النظام
الأموي. واشتعلت
الثورات في كل
مكان. وكاد
الحكم الأموي
ينطوي لصالح
عبد الله بن
الزبير الذي
أعلن ثورته في
مكة، وامتد
حكمه الى
الحجاز
واليمن ومصر
والعراق،
وكاد يتم له
الأمر ويستقر
لولا تمرد
الأمويين في
الشام، الذين
بايعوا كبيرهم
مروان بن
الحكم، الذي
استعاد الشام
وأعاد الحياة
للدولة
الأموية.
وبعد
سقوط نظام الشورى،
كان من
المتوقع أن
يسير مروان
على خطى معاوية
فيوصي الى
ابنه عبد
الملك، الذي
سيطر على
الشام و مصر
والعراق،
وقضى على دولة
عبد الله ابن
الزبير في
مكة.[23] حيث لم يكن
لمنطق القوة
أية حدود، ولم
يكن يعرف أية
حرمات.
ومع كل
ذلك لم تكن
ثورة أهل
الحجاز لتهدأ بهذه
السهولة،
ولذلك ذهب عبد
الملك الى
المدينة ووقف
فيها مهدداً :"
أما بعد فلست
بالخليفة
المستضعف –
يعني عثمان-
ولا الخليفة
المداهن –
يعني معاوية-
ولا الخليفة
المأفون –
يعني يزيد-
ألا وإن من
كان قبلي من
الخلفاء كانوا
يأكلون
ويطعمون من
هذه الأموال،
ألا وإني لا
أداوي أدواء
هذه الأمة إلا
بالسيف حتى
تستقيم لي
قناتكم،
تكلفوننا
أعمال
المهاجرين ولا
تعملون مثل
أعمالهم، فلن
تزدادوا إلا
عقوبة حتى
يحكم السيف
بيننا
وبينكم، هذا
عمرو بن سعيد
قرابته
قرابته
وموضعه موضعه
قال برأسه هكذا
فقلنا
بأسيافنا
هكذا، ألا
وإنا نحمل
لكم كل شيء
إلا وثوباً
على أميرٍ أو
نصب راية، ألا
وان الجامعة
التي جعلناها
في عنق عمرو
بن سعيد عندي،
والله لا يفعل
أحد فعله إلا
جعلتها في
عنقه، والله
لا يأمرني أحد
بتقوى الله
بعد مقامي هذا
إلا ضربت
عنقه".[24]
وبادر
عبد الملك الى إشاعة
مفهوم جديد
ومطلق للطاعة
، لا يقف عند
الحدود
الشرعية ، كما
كان يقول الرسول
الأعظم (ص)
والخلفاء
الراشدون، وإنما
يمتد ليصبح
نوعا صريحا من
العبودية
للحاكم في
مقابل عبودية
الله تعالى،
وتمثل ذلك
بوقوف أحد ولاته
وهو خالد بن
عبد الله
القسري ، في
الكعبة وظهره
الى البيت
الحرام والقول:"والله
لو علمت أن
عبد الملك لا
يرضى عني إلا
بنقض هذا
البيت حجراً
حجراً لنقضته
في مرضاته".[25]
وهذا ما
دفع أهل
العراق
للثورة عليه سنة
إحدى
وثمانين،
بقيادة عبد
الرحمن بن
الأشعث، الذي بايعه
معظم أهل
العراق من أهل
الكوفة
والبصرة،
وعلى رأسهم
القراء
والفقهاء.[26]
وبعد فشل
الثورة،
استحل الحجاج
دماء
العراقيين فقتل
منهم مائة
وعشرين أو
مائة وثلاثين
ألف قتيل
صبراً، ما عدا
من قتل أثناء
المعارك.[27] فقد كان
القتل الذريع
وسيلة
الأمويين
الوحيدة
للسيطرة على
الشعوب
الرافضة لهم.
وقد تجلت هذه
السياسة في
وصية عبد
الملك الى
ابنه الوليد ،
التي قال
فيها:" إذا أنا
مت... اخرج الى
الناس والبس
لهم جلد نمر
واقعد على المنبر
وادع الناس
الى بيعتك،
فمن مال بوجهه
عنك كذا، فقل
بالسيف كذا،
وتنكر للصديق
والقريب
واسمح للبعيد".
وأوصاه بالحجاج
خيراً "فإنه
هو الذي وطَّأَ
لكم المنابر وكفاكم
تقحم تلك
الجرائم".[28] ولما
توفي عبد
الملك صعد
ابنه الوليد
المنبر فقال:"
... أيها
الناس عليكم
بالطاعة ولزوم
الجماعة فإن
الشيطان مع
المنفرد. أيها
الناس من أبدى
لنا ذات نفسه
ضربنا الذي
فيه عيناه ومن
سكت مات بدائه".
ثم نزل. [29]
وهكذا استمر
الأمويون
(المروانيون)
في توارث الحكم
واحدا بعد
الآخر، لا
يعرفون مبدأ
الشورى، ولا
صبغة
الخلافة،
يستعملون
أقصى درجات العنف
والقوة مع
خصومهم ومن
يثور عليهم.
لقد
تحول النظام
الأموي
باستبداده وظلمه،
الى طرف نقيض
مع مهمة
الخلافة التي
أوكلها الله
للأمة
الإسلامية، وقد
بلغ التناقض
والانفصام بين
الأمة وقيمها
الإسلامية،
وبين الحكام
المستبدين
حداً كبيراً جداً
في عهد الوليد
بن يزيد، الذي
كان يجاهر
بالاستهتار
بأحكام
الإسلام.[30] مما
أحدث صدعاً
كبيراً في
صفوف العائلة
الأموية
نفسها، ودعاهم
للثورة عليه
سنة 126 هـجرية
بقيادة يزيد
بن الوليد
الذي أخذ يدعو
الى كتاب الله
وسنة نبيه وأن
يصير الأمر
شورى.[31]
وقد
حاول يزيد
هذا، أن يقوم
بعملية إصلاح
جذرية في
النظام
الأموي،
ويشيع مفاهيم
دستورية جديدة
منها حق الأمة
في الثورة وخلع
الحاكم
الظالم،
ومسؤولية
الحاكم في
رعاية العدل،
كما جاء في خطبته
لدى توليه
الخلافة.[32]ولكن
محاولته
الإصلاحية
باءت بالفشل
وجاءت متأخرة
عشية الثورات
الشيعية
المختلفة
التي كانت
تنذر بنهاية
العهد
الأموي، حيث
توفي الوليد
بسرعة في ظروف
غامضة، ولم
يستقر الأمر
لخليفته أخيه
إبراهيم الذي
لم يلبث في
السلطة سوى
ثلاثة أشهر
حتى خلع وقتل،
بعد أن خرج
عليه مروان الحمار
بن محمد بن
مروان بن
الحكم سنة 127،
الذي استمر في
الحكم حوالي
خمس سنوات،
حتى كانت
نهايته على
يدي القوات
العباسية سنة 132
.[33]
وهكذا
انهار النظام
الأموي وقام
النظام
العباسي،
ولكن روح
الاستبداد
استمرت في النظام
الجديد الذي سار
على خطى سلفه
حذو النعل
بالنعل
والقذة
بالقذة، فرفض
اعتماد منهجية
الشورى
وارتكز بدلا
منها على
القوة والعنف،
وواصل نقل
السلطة عن
طريق الوراثة
للأخوة
والأبناء،
بعيدا عن
إرادة الأمة
أو رضاها.
وأدى
استيلاء
العباسيين
على السلطة بالقوة،
في ظل عدم
وجود دستور
يتيح لأهل
الحل والعقد،
أو ممثلي
الأمة،
بممارسة
دورهم في
انتخاب الامام
بصورة سلمية،
الى احتكار
العباسيين للعملية
السياسية،
وإبعاد سائر
الأحزاب عنها،
وقمع
المعارضة
بشدة، ودفع
الأمور
باتجاه التوتر
واللجوء مرة
أخرى الى الحل
العسكري من
أجل التغيير.
وهو ما أدخل
البلاد في
دوامة جديدة
من العنف
والقمع
والثورات
المسلحة.
ومن
أجل تثبيت ملكهم
كان على
العباسيين أن
يضحوا بقيم
الخلافة
الإسلامية،
ويسفكوا
كثيرا من الدم
الحرام،
ويرهبوا
القريب
والبعيد.[34]
ويعتمدوا
النظام
الوراثي، بغض
النظر عن مؤهلات
الورثة
السياسية
والشرعية أو
قبول الأمة
بهم. وقضي على
الأمة
الإسلامية،
حسب ذلك
النظام ، أن
تبايع قسراً
شباباً
فاسقين وجهلة
وطائشين، تحت
اسم الخلافة
ولكن دون
محتواها
الحقيقي
المتمثل
بالعدل
والشورى.
إضفاء صبغة الخلافة
الدينية على
الملك
اعتبر السلف
أو الجيل
الإسلامي
الأول ، سيطرة
معاوية بن أبي
سفيان على
السلطة
بالقوة، وسن
نظام الوراثة في
الحكم،
انقلاباً على
أهم مبادئ
الخلافة وصفاتها
الضرورية،
وتحولاً نحو
القيصرية والكسروية.
فقد كان هناك
خيط فاصل بين
الخلافة والملك،
هو العدل
والشورى ورضا
الأمة بالإمام،
وعندما كان أي
حاكم ينتهك
هذا الحد ،
حتى لو كان
منتخباً من
الأمة، فانه
كان يفتقد صفة
الخلافة. فكيف
إذا قام حكمه
من الأساس على
الظلم والقوة
والاغتصاب؟
وقد
رأينا
الخليفة عمر
بن الخطاب كيف
كان يتخوف أن
ينقلب الى
مَلِك! وكيف
كان الصحابة
ينظرون الى
الملك
والخلافة
ويفرقون
بينهما تفريقاً
كبيراً.
ولم يكن
مقبولاً ولا
معقولاً
إطلاق صفة
"الخلافة"
واسم
"الخلفاء"
على الحكام
الملوك
المنقلبين
على حقيقة
الخلافة، الذين
كانوا
يعتمدون على
القوة أو الوراثة
في وصولهم الى
الحكم. ومن
هنا كان
أئمة
المسلمين
الأوائل من
السنة
والشيعة يعتبرون
تلك الأنظمة
أنظمة ملكية
بحتة وظالمة،
وكانوا
يقصرون صفة
الخلافة على
تجربة
الخلفاء
الراشدين فقط.[35] فقد
روى الامام
أحمد بن حنبل
والإمام أبو
الحسن
الأشعري حديث
"الخلافة
ثلاثون سنة".
وقام محمد بن
عبد الله ذو
النفس الزكية
بثورة على المنصور،
وحظي بدعم
الإمام مالك
الذي أفتى بعدم
صحة طلاق المكره،
ليحل الناس من
بيعة المنصور
التي تمت بالإكراه،
وأفتى الامام
أبو حنيفة
بجواز تقديم الدعم
المادي له.
ولم
تنشأ فكرة
"الخلافة
الدينية" أو يتم
إطلاقها على
"الخلفاء"
الأمويين
والعباسيين
ومن بعدهم،
إلا في وقت
متأخر في
العهد
العباسي
الثاني، حين
حاول بعض الحكام
العباسيين
إضفاء صبغة
شرعية دينية
على نظام
حكمهم، وقام
بعض الفقهاء
بالتنظير لهم،
واعتبار كل
الحكام منذ
وفاة رسول
الله الى زمانهم
"خلفاء"
بدرجة أو
بأخرى،
والقول بضرورة
استمرار
سلسلة
الخلافة الى
يوم القيامة.[36]
ورغم أن فكرة الخلافة اقترنت بالفكر السياسي السني، إلا ان جذورها كانت شيعية، وذلك بسبب انشقاق العباسيين عن الحركة الشيعية الأولى، وتأثرهم بالفكر الشيعي أو الإمامي الذي كان يضفي الصبغة الدينية على الأئمة من أهل البيت [37]، ومحاولة العباسيين مضاهاتهم لهم، فعلى ع&