الفصل الرابع:  الإنقلاب على الخلافة   

 

 

   أسفر  تنازل الإمام الحسن عن الحكم لصالح معاوية بن أبي سفيان، عن نهاية عهد الشورى والخلافة الحقيقية، وبدء قيام الدولة العربية الملكية على أساس القوة والإكراه. ومع أن معاوية أطلق على عهده شعار (الجماعة) إلا انه في الحقيقة لم يمثل الأمة أو الجماعة، ولم يلتزم بتحقيق أهدافها الإسلامية السامية. وقد أعلن معاوية عن ذلك بصراحة عندما وقف في الكوفة وقال لأهلها متحدياً: "يا أهل الكوفة: أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون؟ لكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وانتم كارهون" .[1]

   وبسبب قيام نظامه على القوة المجردة بدلا من الشورى أو الرضا العام ، شعر معاوية بالتحرر من أي التزام تجاه الأمة، لا بالشريعة الإسلامية ولا بالعدل ولا بسنة الشيخين ولا حتى بسيرة عثمان، وقال لأهل المدينة بكل استهتار وتحدٍ: " أما بعد، فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة، ولقد رضيت لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة وأردتها على عمل عمر فنفرت من ذلك نفاراً شديداً، وأردتها مثل ثنيات عثمان فأبت عليّ، فسلكت بها طريقاً لي ولكم فيه منفعة: مؤاكلة حسنة ومشاربة جميلة. فان لم تجدوني خيركم فاني خيرٌ لكم ولايةً. والله لا أحمل سيفي على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يستشفى به القائل بلسانه فقد جعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فاقبلوا مني بعضه، فان أتاكم مني خير فاقبلوه، فان السيل إذا زاد عنّى وإذا قلّ أغنى، وإياكم والفتنة فإنها تفسد المعيشة وتكدر النعمة" .[2]

   وطالب معاوية أهل المدينة بالقبول بالأمر الواقع والتسليم لحكمه، قائلا: " اقبلونا  بما فينا، فان ما وراءنا شر لكم، وان معروف زماننا هذا منكر زمان قد مضى، ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت".[3]

  وأعطى معاوية لنفسه كامل الحق في التلاعب بالمال العام دون رقيب أو حسيب، وذلك بالإغداق على من يواليه وحرمان من يعاديه، وتولية أقاربه وأعوانه البلاد، وإطلاق يدهم في التصرف فيها كما يشاءون. وقد ابتعد معاوية بذلك عن روح الخلافة الإسلامية ومنهجها، كما أبعد المسلمين عن ممارسة دورهم في خلافة الله في الأرض.

   

  حصر الخلافة في بني أمية

 

    وعندما وجد معاوية نفسه عارياً من صفات الخلافة الحقة، وصبغتها الشرعية، وفاقداً لرضا الأمة؛ حاول تأسيس شرعية دستورية جديدة هي العصبية القبلية "القرشية" والتعويض بها عن الشورى المفقودة ومبادئ العدالة الإسلامية. ومع ان الصحابة كانوا يميزون بين المهاجرين من قريش وبين "الطلقاء" الذين ظلوا يحاربون الإسلام والمسلمين حتى فتح مكة، ويرفضون أن يلي أحد من هؤلاء الخلافة.[4] إلا أن معاوية حاول أن يلغي الفارق بينه وبينهم وأن يحشر نفسه معهم باعتباره واحداً من قريش. وقد عبَّر عن نظريته السياسية القائمة على العصبية القرشية، في جلسة جمعته وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، حيث قال: "إنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف لأنهم أهل رسول الله، فلما مضى رسول الله ولّى الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك ولا الخلافة، غير أنهما سارا بسيرة جميلة ، ثم رجع الملك الى بني عبد مناف فلا يزال فيهم الى يوم القيامة، ولقد أخرجك الله يا ابن الزبير وأنت يا ابن عمر (لأنهما ليسا من بني عبد مناف) فأما ابنا عمي هذان (ابن عباس و ابن جعفر) فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله".[5]

    وقد أراد معاوية تطييب خاطر ابن عباس وابن جعفر والاعتراف بحقهما السياسي في الولاية كونهما من بني هاشم وبني عبد مناف، ولكنه في الحقيقة لم يكن يرى لهما أي حق في منافسته على السلطة، وهو الذي قاتل الامام علي وابنه الامام الحسن من أجلها، وانتزعها منهما بالقوة.

   وحاول معاوية إضفاء شرعية دينية مزيفة على "العصبية القرشية" فقال:"... بنى الله هذا الملك على قريش وجعل هذه الخلافة عليهم، ولا يصح ذلك إلا عليهم، فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم بالله، أ فتراه لا يحوطهم وهم على دينه؟ وقد أحاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم؟ ".[6] ولم يكن يجد بأسا في الرواية عن النبي (ص) بـ :"أن هذا الأمر في قريش". [7]

 

تحويل الخلافة الى نظام وراثي

 

  وبعد أن حصر معاوية الملك في قريش، وفي بني أمية بالتحديد، وأقصى المهاجرين والأنصار والعرب وبقية المسلمين، كان من الطبيعي ان يحوِّل الخلافة الى ملك وراثي  قائم على القوة والإكراه، وهو الذي استولى على السلطة بالقوة ، وأن يعهد الى ابنه يزيد، ولم يكن بحاجة الى المغيرة بن شعبة  ليقترح عليه هذا الأمر، فقد كانت كل المؤشرات تصب في هذا الاتجاه.

  وهكذا قرر معاوية العهد الى ابنه يزيد، بغض النظر عن مؤهلاته الشرعية وحب الناس له أو رضاهم به، وبدأ يمهد الجوَّ له بأخذ البيعة له في حياته، خلافا لاتفاقه مع الامام الحسن الذي تنازل له عن الخلافة على أن تعود اليه من بعده. فزار معاوية المدينة سنة خمسين للهجرة ودعا زعماء البيوت القرشية من المهاجرين وهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر فاستشارهم حول العهد الى ابنه يزيد. فرفضوا جميعا ذلك وحذروه ودعوه الى الأخذ بالشورى واختيار الأصلح من الأمة. وقال عبد الله بن عمر:"إن هذه الخلافة ليست بهرقلية ولا قيصرية ولا كسروية يتوارثها الأبناء عن الآباء، ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي".[8] وقال عبد الرحمن بن أبي بكر:" يا بني أمية، إن هذا الأمر كان لرسول الله ، وقد كان في أهله من لو جعله فيه لكان له أهلا ، فلم يفعل، فأعدتموها يا بني أمية أعجمية كلما هلك هرقل قام هرقل!".[9] وطالبه عبد الله بن الزبير باتباع سيرة رسول الله، الذي ترك الناس فاختاروا لأنفسهم بعده من رأوه أهلا لها، أو سيرة أبي بكر الذي نص على رجل مرضي عند الأمة، أو سيرة عمر الذي جعلها شورى في قوم مرضيين معروفين. كما احتجت السيدة عائشة أم المؤمنين على ذلك وقالت له: " قد كان لمن تقدمك بنون ما ابنك مثلهم، فما رأوا في بنيهم ما رأيت".[10]

  ولكن معاوية لم يأبه كثيرا لملاحظاتهم ، وقال لهم:" لستم في زمان أبي بكر وعمر، إنما هم بنو أمية من عصاهم أوجلوه بالسيف"!. وهو ما استفز السيدة عائشة التي ردت عليه قائلة:" إنما هو ملك باطل تجعلونه يا بني أمية فيمن تهوونه".[11]

   وحاول معاوية أن يصور للناس بأن تعيين يزيد من إرادة الله التي لا مفر منها، فكان يقول:" إن أمر يزيد قضاء وقدر وليس للعباد الخيرة من أمرهم".[12]  ولم يجد وسيلة لأخذ البيعة له الا بالقوة.[13] فذهب الى المدينة ليأخذ البيعة لابنه يزيد من أهلها بنفسه.[14]  ومع ذلك لم ينجح في مهمته، وجُوبهَ بمعارضة شديدة ، خاصة من قبل زعماء البيوتات القرشية المهاجرة، فنزل عن المنبر وانصرف الى منزله غاضباً، وأمر حرسه أن يُحضروا هؤلاء النفر الذين أبوا البيعة، وأوصاهم قائلا:"إني خارج العشية الى أهل الشام فأخبرهم أن هؤلاء النفر قد بايعوا وسلموا، فان تكلم أحد منهم بكلام يصدقني أو يكذبني فيه ، فلا ينقضي كلامه حتى يطير رأسه". فحذر القوم ذلك.[15]

   وأرسى معاوية بذلك أخطر انقلاب دستوري في تاريخ المسلمين من نظام الشورى الى نظام الوراثة العائلية ،  اعتمادا على قوة السيف واستناداً الى أعراف النظام القرشي الجاهلي.

 

  وبعد وفاة معاوية، حاول يزيد أن يأخذ البيعة من المسلمين له بالقوة، فكتب الى عامل أبيه على المدينة خالد بن الحكم، يخبره بوفاة أبيه ويطلب منه المبادرة الى إجبار الناس على البيعة له، وأخذ الأيمان المغلظة عليها:"بايع لنا قومنا ومن قبلك من رجالنا.. وليكن أول من يبايعك الحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير، ويحلفون على ذلك بجميع الأيمان اللازمة، ويحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها، وجزية رقيقهم وطلاق نسائهم، بالثبات على الوفاء بما يعطون من بيعتهم".[16]

   ولكن الحسين رفض البيعة ولجأ الى مكة، ثم خرج الى العراق، بعد أن كتب اليه أهله يحثونه على القدوم عليهم. [17] الا أن جيش يزيد قتله في كربلاء مع أهل بيته، في العاشر من محرم سنة 61 للهجرة.[18]

   ولم تلبث المدينة أن ثارت على يزيد، بقيادة عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، واستقل عبد الله بن الزبير بمكة، فأرسل يزيد مسلم بن عقبة اليهم وقال له: "انهض الى ابن الزبير واتخذ المدينة طريقا اليه، فان صدوك أو قاتلوك فاقتل من ظفرت به منهم، وانهبها ثلاثاً... فإذا قدمت المدينة فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك الحرب، فالسيف السيف ، أجهز على جريحهم وأقبل على مدبرهم وإياك أن تبقي عليهم، وان لم يتعرضوا لك، فامضِ الى ابن الزبير".[19]

   ولما كانت المدينة في طليعة الثائرين على يزيد، اشتبك مسلم مع أهلها في حادثة شهيرة تسمى "واقعة الحرة" ودخل بعدها المدينة وأعمل في أهلها السيف، فقتل يومئذ من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس سبعمائة رجل، وسائرهم من الناس عشرة آلاف، سوى النساء والصبيان.[20] وقُتل بها من أصحاب النبي (ص) ثمانون رجلاً، ولم يبق بعد ذلك بدري. ثم انتهبوها ثلاثة أيام.[21]

   ودعا مسلم بن عقبة - الذي أصبح يعرف منذ ذلك اليوم "بمسرف بن عقبة" – الناسَ للبيعة على أنهم خَوَلٌ ليزيد بن معاوية ، يحكم في دمائهم و أموالهم و أهليهم ما شاء، فمن امتنع من ذلك قتله.[22]

  ومضى مسرف بن عقبة ، بعد ذلك، صوب مكة لحرب ابن الزبير ، فمات في الطريق. ومات بعده يزيد بن معاوية، الذي أوصى الى ابنه معاوية الثاني، إلا أن هذا لم يلبث سوى أيام حتى مات أيضا، فانهار النظام الأموي.  واشتعلت الثورات في كل مكان. وكاد الحكم الأموي ينطوي لصالح عبد الله بن الزبير الذي أعلن ثورته في مكة، وامتد حكمه الى الحجاز واليمن ومصر والعراق، وكاد يتم له الأمر ويستقر لولا تمرد الأمويين في الشام، الذين بايعوا كبيرهم مروان بن الحكم، الذي استعاد الشام وأعاد الحياة للدولة الأموية.

   وبعد سقوط نظام الشورى، كان من المتوقع أن يسير مروان على خطى معاوية فيوصي الى ابنه عبد الملك، الذي سيطر على الشام و مصر والعراق، وقضى على دولة عبد الله ابن الزبير في مكة.[23] حيث لم يكن لمنطق القوة أية حدود، ولم يكن يعرف أية حرمات.

 

   ومع كل ذلك لم تكن ثورة أهل الحجاز لتهدأ بهذه السهولة، ولذلك ذهب عبد الملك الى المدينة ووقف فيها مهدداً :" أما بعد فلست بالخليفة المستضعف – يعني عثمان- ولا الخليفة المداهن – يعني معاوية- ولا الخليفة المأفون – يعني يزيد- ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال، ألا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم، تكلفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم، فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم، هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته وموضعه موضعه قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا، ألا وإنا  نحمل لكم كل شيء إلا وثوباً على أميرٍ أو نصب راية، ألا وان الجامعة التي جعلناها في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه، والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه".[24]

وبادر عبد الملك  الى إشاعة مفهوم جديد ومطلق للطاعة ، لا يقف عند الحدود الشرعية ، كما كان يقول الرسول الأعظم (ص) والخلفاء الراشدون، وإنما يمتد ليصبح نوعا صريحا من العبودية للحاكم في مقابل عبودية الله تعالى، وتمثل ذلك بوقوف أحد ولاته وهو خالد بن عبد الله القسري ، في الكعبة وظهره الى البيت الحرام والقول:"والله لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا بنقض هذا البيت حجراً حجراً لنقضته في مرضاته".[25]

  وهذا ما دفع أهل العراق للثورة عليه سنة إحدى وثمانين، بقيادة عبد الرحمن بن الأشعث، الذي بايعه معظم أهل العراق من أهل الكوفة والبصرة، وعلى رأسهم القراء والفقهاء.[26]

  وبعد فشل الثورة، استحل الحجاج دماء العراقيين فقتل منهم مائة وعشرين أو مائة وثلاثين ألف قتيل صبراً، ما عدا من قتل أثناء المعارك.[27] فقد كان القتل الذريع وسيلة الأمويين الوحيدة للسيطرة على الشعوب الرافضة لهم. وقد تجلت هذه السياسة في وصية عبد الملك الى ابنه الوليد ، التي قال فيها:" إذا أنا مت... اخرج الى الناس والبس لهم جلد نمر واقعد على المنبر وادع الناس الى بيعتك، فمن مال بوجهه عنك كذا، فقل بالسيف كذا، وتنكر للصديق والقريب واسمح للبعيد". وأوصاه بالحجاج خيراً "فإنه هو الذي وطَّأَ لكم المنابر وكفاكم تقحم تلك الجرائم".[28] ولما توفي عبد الملك صعد ابنه الوليد‏ المنبر فقال:"‏ ‏.‏.. أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فإن الشيطان مع المنفرد‏.‏ أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ومن سكت مات بدائه". ثم نزل‏. [29]

   وهكذا استمر الأمويون (المروانيون) في توارث الحكم واحدا بعد الآخر، لا يعرفون مبدأ الشورى، ولا صبغة الخلافة، يستعملون أقصى درجات العنف والقوة مع خصومهم ومن يثور عليهم.

   لقد تحول النظام الأموي باستبداده وظلمه، الى طرف نقيض مع مهمة الخلافة التي أوكلها الله للأمة الإسلامية، وقد بلغ التناقض والانفصام بين الأمة وقيمها الإسلامية، وبين الحكام المستبدين حداً كبيراً جداً في عهد الوليد بن يزيد، الذي كان يجاهر بالاستهتار بأحكام الإسلام.[30] مما أحدث صدعاً كبيراً في صفوف العائلة الأموية نفسها، ودعاهم للثورة عليه سنة 126 هـجرية بقيادة يزيد بن الوليد الذي أخذ يدعو الى كتاب الله وسنة نبيه وأن يصير الأمر شورى.[31]  

    وقد حاول يزيد هذا، أن يقوم بعملية إصلاح جذرية في النظام الأموي، ويشيع مفاهيم دستورية جديدة منها حق الأمة في الثورة وخلع الحاكم الظالم، ومسؤولية الحاكم في رعاية العدل، كما جاء في خطبته لدى توليه الخلافة.[32]ولكن محاولته الإصلاحية باءت بالفشل وجاءت متأخرة عشية الثورات الشيعية المختلفة التي كانت تنذر بنهاية العهد الأموي، حيث توفي الوليد بسرعة في ظروف غامضة، ولم يستقر الأمر لخليفته أخيه إبراهيم الذي لم يلبث في السلطة سوى ثلاثة أشهر حتى خلع وقتل، بعد أن خرج عليه مروان الحمار بن محمد بن مروان بن الحكم سنة 127، الذي استمر في الحكم حوالي خمس سنوات، حتى كانت نهايته على يدي القوات العباسية سنة 132 .[33]

   وهكذا انهار النظام الأموي وقام النظام العباسي، ولكن روح الاستبداد استمرت في النظام الجديد الذي سار على خطى سلفه حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، فرفض اعتماد منهجية الشورى وارتكز بدلا منها على القوة والعنف، وواصل نقل السلطة عن طريق الوراثة للأخوة والأبناء، بعيدا عن إرادة الأمة أو رضاها.

   وأدى استيلاء العباسيين على السلطة بالقوة، في ظل عدم وجود دستور يتيح لأهل الحل والعقد، أو ممثلي الأمة، بممارسة دورهم في انتخاب الامام بصورة سلمية، الى احتكار العباسيين للعملية السياسية، وإبعاد سائر الأحزاب عنها، وقمع المعارضة بشدة، ودفع الأمور باتجاه التوتر واللجوء مرة أخرى الى الحل العسكري من أجل التغيير. وهو ما أدخل البلاد في دوامة جديدة من العنف والقمع والثورات المسلحة.

    ومن أجل تثبيت ملكهم كان على العباسيين أن يضحوا بقيم الخلافة الإسلامية، ويسفكوا كثيرا من الدم الحرام، ويرهبوا القريب والبعيد‏.[34]ويعتمدوا النظام الوراثي، بغض النظر عن مؤهلات الورثة السياسية والشرعية أو قبول الأمة بهم. وقضي على الأمة الإسلامية، حسب ذلك النظام ، أن تبايع قسراً شباباً فاسقين وجهلة وطائشين، تحت اسم الخلافة ولكن دون محتواها الحقيقي المتمثل بالعدل والشورى.

 

إضفاء صبغة الخلافة الدينية على الملك

 

 

   اعتبر السلف أو الجيل الإسلامي الأول ، سيطرة معاوية بن أبي سفيان على السلطة بالقوة، وسن نظام الوراثة في الحكم، انقلاباً على أهم مبادئ الخلافة وصفاتها الضرورية، وتحولاً نحو القيصرية والكسروية. فقد كان هناك خيط فاصل بين الخلافة والملك، هو العدل والشورى ورضا الأمة بالإمام، وعندما كان أي حاكم ينتهك هذا الحد ، حتى لو كان منتخباً من الأمة، فانه كان يفتقد صفة الخلافة. فكيف إذا قام حكمه من الأساس على الظلم والقوة والاغتصاب؟

   وقد رأينا الخليفة عمر بن الخطاب كيف كان يتخوف أن ينقلب الى مَلِك! وكيف كان الصحابة ينظرون الى الملك والخلافة ويفرقون بينهما تفريقاً كبيراً.

   ولم يكن مقبولاً ولا معقولاً إطلاق صفة "الخلافة" واسم "الخلفاء" على الحكام الملوك المنقلبين على حقيقة الخلافة،  الذين كانوا يعتمدون على القوة أو الوراثة في وصولهم الى الحكم. ومن هنا كان  أئمة المسلمين الأوائل من السنة والشيعة يعتبرون تلك الأنظمة أنظمة ملكية بحتة وظالمة، وكانوا يقصرون صفة الخلافة على تجربة الخلفاء الراشدين فقط.[35] فقد روى الامام أحمد بن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري حديث "الخلافة ثلاثون سنة". وقام محمد بن عبد الله ذو النفس الزكية بثورة على المنصور، وحظي بدعم الإمام مالك الذي أفتى بعدم صحة طلاق المكره، ليحل الناس من بيعة المنصور التي تمت بالإكراه، وأفتى الامام أبو حنيفة بجواز تقديم الدعم المادي له.

 

    ولم تنشأ فكرة "الخلافة الدينية" أو يتم إطلاقها على "الخلفاء" الأمويين والعباسيين ومن بعدهم، إلا في وقت متأخر في العهد العباسي الثاني، حين حاول بعض الحكام العباسيين إضفاء صبغة شرعية دينية على نظام حكمهم، وقام بعض الفقهاء بالتنظير لهم، واعتبار كل الحكام منذ وفاة رسول الله الى زمانهم "خلفاء" بدرجة أو بأخرى، والقول بضرورة استمرار سلسلة الخلافة الى يوم القيامة.[36]

 

 

   ورغم أن فكرة الخلافة اقترنت بالفكر السياسي السني، إلا ان جذورها كانت شيعية، وذلك بسبب انشقاق العباسيين عن الحركة الشيعية الأولى، وتأثرهم بالفكر الشيعي أو الإمامي الذي كان يضفي الصبغة الدينية على الأئمة من أهل البيت [37]، ومحاولة العباسيين مضاهاتهم لهم، فعلى عكس السلالة الأموية التي استولت على السلطة بالقوة الصريحة، ولم يكن يربطها برسول الله رابطٌ كبيرٌ؛ فان العباسيين كانوا يعتبرون أنفسهم من "أهل البيت". وبالتالي فانهم قريبون جدا من الرسول الأكرم و"عترته". وقد حاول سلفهم الادعاء بوجود نص على جدهم العباس، من الرسول (ص).[38] واستعانوا بأحاديث موضوعة تصور دولة بني العباس وكأنها ذات مسحة دينية.[39] وذهب المنصور الى اعتبار نفسه "سلطان الله في أرضه"!.[40] بينما ذهب المعتضد العباسي الى اعتبار "الخلفاء العباسيين: ورثة خاتم النبيين والقائمين بالدين، والمستحفظين ودائع الحكمة، ومواريث النبوة ".[41]

   وتكرست الصفة الدينية للخلافة العباسية بعد أن فقدت سلطتها وتحولت الى "خلافة رمزية" في ظل سيطرة البويهيين والسلاجقة والأتراك. وقد كان ذلك تطوراً كبيراً، ابتدأه عبد القاهر البغدادي الذي اعتبر "الخلافة والإمامة ركناً من أركان الدين".[42] وجاء الماوردي ليعتبر الخلافة :"مؤسسة ضرورية لا معدى عنها للدين والدنيا" كما يقول الدكتور رضوان السيد.[43] وقام بإضفاء الشرعية على جميع الحكام السابقين من الأمويين والعباسيين الرافضة مثل المنصور والمهدي، والمعتزلة كالمأمون والمعتصم والواثق الذين اضطهدوا أهل السنة والحديث.[44]

   ولكي يضفي الماوردي على الخلافة هالة قدسية ويحولها الى  منصب ديني، قام باختيار الرأي القائل بوجوب الخلافة عن طريق الشرع، وليس العقل. ورفض الرأي القائل بوجوبها عن طريق العقل:"لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم"... وذلك لأن

 الشرع فوض الأمور الى وليه في الدين. كما قال الله عز وجل: ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم..). النساء 59

   وقال الماوردي:"إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا".[45] و"إن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيما خلف به النبوة، وحاط به الملة، وفوض اليه السياسة، ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع فكانت الإمامة أصلا عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالح الأمة حتى استتبت بها الأمور العامة وصدرت عنها الولايات الخاصة".[46]

   وقد أكد أبو يعلى الفراء وجوب الإمامة عن نفس الطريق، وقال بوضوح:إن "طريق وجوبها السمع لا العقل، لأن العقل لا يُعلم به فرض شيء ولا إباحته، ولا تحليل شيء ولا تحريمه".[47]

  وذهب محمد بن عبد الكريم الشهرستاني الى وجوب الإمامة عن طريق السمع، وقال:إن"الدليل الساطع على وجوب الإمامة سمعاً اتفاق الأمة بأسرها من الصدر الأول الى زماننا أن الأرض لا يجوز أن تخلو من إمام قائم بالأمر". عن نهاية الاقدام في علم الكلام

  ثم جاء بعد ذلك إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (419-478هـ) ليؤكد على هذه النظرية حيث قال في تعريف الإمامة:"الإمامة رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، متضمنها حفظ الحوزة ورعاية الرعية وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الحنف والحيف والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين وإيفاؤها على المستحقين".[48] و"إذا تقرر وجوب نصب الإمام، فالذي صار اليه جماهير الأمة: أن وجوب النصب مستفاد من الشرع المنقول، غير متلقى من قضايا العقول...فقد ثبت أنا عرفنا وجوب نصب الإمام من مقتضى الشرع الذي تعبدنا به ...".[49] 

  وتأكيداً لهذا التفسير، قام الإمام القرطبي، صاحب التفسير، باستنباط جذر كلمة "الخلافة" من قوله تعالى:"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة". فقال: هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يُسمع له ويُطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة.

  وأورد التفتازاني حديث (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) كدليل على وجوب الخلافة عن طريق الشرع.[50] 

  وذهب الامام أبو حامد الغزالي الى إضفاء مسحة غيبية على الخلافة، من خلال التأكيد على دور الغيب في نصب الإمام ، حيث قال:إن "انصراف قلوب الخلائق الى شخص واحد ...ليس أمراً اختياريا يُتوصل إليه بالحيلة البشرية، بل هو رزق إلهي يؤتيه إليه من يشاء. فكأنا في الظاهر رددنا تعيين الإمامة الى اختيار شخص واحد ، وفي الحقيقة رددناها الى اختيار الله تعالى ونصبه؛ إلا انه قد يظهر اختيار الله عقيب متابعة شخص واحد أو أشخاص... وهذه نعمة وهدية من الله تعالى، فإذا أتاحها لعبد من عباده وصرف الى محبته وجوه أكثر خلقه، كان ذلك من الله تعالى لطفاً في اختياره لخلافته وتعيينه للاقتداء بأوامره في تفقد عباده، وذلك أمر لا يقدر كل البشر على الاحتيال لتحصيله ". [51]

وعندما تم إضفاء صبغة الخلافة الدينية على تلك الأنظمة المضادة للخلافة، تمت الاستعانة برواية عن عبد الله بن عمر ، أنه قال: خطبنا عمر بالجابية فقال:" أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله فينا".   

  وربما نشأ فكر الخلافة لدى الفقهاء "السنة" كرد فعل في مقابل فكر "الامامة" لدى الشيعة، الذين كانوا يرفضون الاعتراف بشرعية الحكومات العباسية، ويصرون على حصر الشرعية الدستورية بـ "أئمة أهل البيت المعصومين المعينين من قبل الله".

 

  وقد كان إضفاء صبغة الخلافة الدينية على جميع الملوك الذين حكموا  العالم الاسلامي منذ عهد الراشدين، وبغض النظر عن سلوكهم الأخلاقي أو حيازتهم لرضا الأمة، تطوراً جديداً في الفكر السياسي السني الذي لم يعرف مثل هذه النظرية في أيام الامام أحمد بن حنبل ولا في أيام الإمام أبي الحسن الأشعري، الذين كانا يعتقدان بانتهاء الخلافة بتنازل الامام الحسن بن علي لمعاوية، الذي بدأ معه عصر الملك. وأن مدة الخلافة ثلاثون سنة فقط، حسب الأحاديث النبوية التي يرويانها.[52]

 

  وكان ذلك القول أيضا تطوراً في الفكر السياسي العباسي الذي كان، حتى ذلك الوقت، يعتبر الخلافة حقاً طبيعياً وتاريخياً لبني العباس باعتبارهم عترة الرسول، وورثته، وأن الآخرين – ولا سيما الأمويين- قد اغتصبوا هذا الحق منهم.

   وإذا كانت نظرية "الخلافة" لدى العباسيين لم تصل الى مستوى النظريات الثيوقراطية الكنسية في التاريخ المسيحي، فإنها اقتربت لدى بعضهم من نظرية الحق الإلهي، باعتبارها "رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن الرسول (ص)". وأن الخليفة هو أمير المؤمنين يقودهم في الجهاد المقدس كما يؤمهم في الصلاة. ويقول بعض المؤرخين: إن المسلمين اقتبسوا فكرة الحق الإلهي، بعدما اختلطوا بالحضارات المختلفة التي افتتحوا بلادها، فكان من أثر ذلك أن تم التفاعل بين تلك الحضارات والنظرة الثيوقراطية للخلافة. وإلا فإن العباسيين والفقهاء المؤيدين لهم لم يعتمدوا في إضفاء صبغة الخلافة الدينية على الحكام بغض النظر عن منشئهم وسلوكهم، على نص ديني قاطع، وإنما استعانوا ببعض الأحاديث الضعيفة ، أو ما يسمى بأخبار الآحاد، وببعض السوابق التاريخية التي نظَّروا لها تحت مصطلح "الإجماع".

  ولم يقتصر الأمر على إضفاء صبغة الخلافة على الأنظمة اللاشرعية، وإنما تمت تغطية كثير من القوانين الاستبدادية باسم الدين، وبناء فكر سياسي جديد يدعو الجماهير للخنوع والاستسلام ويعطي الحكام صلاحيات ديكتاتورية مطلقة.  

 

تطور مفهوم البيعة

 

    وبعد تحول طبيعة الحكم والخلافة من الشورى الى القوة والقهر والغلبة، حدث تحول كبير في طبيعة البيعة التي كان يقدمها المسلمون في البداية الى الحكام المنتخبين كدلالة على الرضا بهم والالتزام الطوعي بحكمهم، والتعهد بالاستماع اليهم، وعندما ألغيت الشورى، وأصبح الحكم يؤخذ بالقوة، بدأ الحكام المتأمِّرون على الأمة يأخذون البيعة بالقوة والإكراه. وكما يقول ابن خلدون فان الإكراه فيها كان أكثر وأغلب. [53] وبعد أن كانت البيعة تتم بمودة وسرور، ولم يكن الناس بحاجة الى الحلف على البيعة، فان الحكام المتغلبين بالقوة أصبحوا يشكون بوفاء الناس لهم، وغدوا بحاجة لاستحلاف الناس عليها والتأكد من ضمان ولاء الناس لهم. وقد ابتدأ هذا التحول منذ عهد معاوية الذي سيطر على الحكم بالقوة، فكان أول من أخذ البيعة بالإكراه وأول من استحلف على البيعة، ثم تبعه في هذه السنة السيئة ابنه يزيد، وبقية الحكام الأمويين والعباسيين الذين استولوا على السلطة بالقوة.[54]

 ثم تطورت مراتب الحلف. فبعد أن كان معاوية يستحلف الناس بالله، أخذ عبد الملك بن مروان يستحلفهم بالطلاق والعتاق.[55] و"رتب الحجاج بن يوسف الثقفي في أيام عبد الملك بن مروان أيمانا يحلف بها للخليفة عند أخذ البيعة له، وابتديء كتابة البيعات من يومئذ، واستمر ذلك فيما بعده، واختلفت أساليب الكتاب بعد ذلك دولة بعد دولة" كما يقول القلقشندي، الذي يذكر نموذجا لإحدى البيعات القسرية، فيقول: "تفتح البيعة بأن يقال : (تبايع عبد الله أبا فلان فلانا أمير المؤمنين على كذا وكذا ، على أنك لو خالفت في ذلك أو في شيء منه كان لازمك كذا وكذا. مع بسط القول في ذلك بما يناسب المقام وتأكيده بالأيمان المعقدات والآليات المحرجات). وعلى هذا كانت طريقة الأولين في الخلافة الأموية وصدر الخلافة العباسية، ثم يذكر نموذجا آخر فيه تناقض صارخ بين الظاهر والباطن، مثل هذه البيعة التي تؤخذ بالقسر ولكنها تتحدث عن الطوع والرضا، ونسختها كما يلي:

- "تبايع عبد الله أبا فلان فلانا أمير المؤمنين بيعة طوع واختيار، وتبرع وإيثار، وإعلان وإسرار، وإظهار وإضمار، وصحة من غير نغل، وسلامة من غير دغل، وثبات من غير تبديل، ووقار من غير تأويل، واعتراف بما فيها من جمع الشمل واتصال الحبل... على ان عبد الله فلانا أمير المؤمنين عبد الله الذي اصطفاه، وأمينه الذي ارتضاه، وخليفته الذي جعل طاعته جارية بالحق وموجبة على الخلق وموردة لهم مورد الأمن... لا تنقض ولا تنكث ولا تخلف ولا توارى... وعلى ألا ترجع عن شيء من حقوق هذه البيعة وشرائطها... عليك بهذه البيعة التي أعطيت بها صفقة يدك... عهد الله (إن عهد الله كان مسؤولاً)... على أنك تسمع وتطيع... فمتى زلت عن هذه المحجة خافراً لأمانتك ورافعاً لديانتك فجحدت الله ربوبيته وأنكرت وحدانيته وقطعت عصمة محمد ورميت طاعتك وراء ظهرك.. وكل ما حلله الله لك محرم عليك وكل ما تملكه يوم رجوعك عن بذلك من مال موجود ومذخور ومصوغ ومضروب وسارح ومربوط وسائم ومعقول وأرض وضيعة وعقار وعقدة ومملوك وأمة صدقة على المساكين محرم على مر السنين، وكل امرأة لك وأخرى تتزوجها من بعدها طالق ثلاثا بتاتا طلاق الحرج والسنة لا رجعة فيها، وعليك الحج الى بيت الله الحرام ثلاثين مرة حاسراً حافياً وراجلاً ماشياً نذراً لازماً ووعداً صادقاً، ولا قبل الله منك توبة ولا رجعة ولا إقالة عثرة وخذلك يوم الاستنصار.  وهذه اليمين قولك قلتها قولا فصيحا وأخلصت فيها سرك إخلاصا متينا.. وأشهدت الله على نفسك بذلك وكفى بالله شهيدا".[56]

   وبينما كان المواطن العادي المبايِع يحلف اليمين المغلظة على الطلاق والعتاق وغضب الرحمن، فانه لم يكن يأخذ شيئا على الحاكم المبايَع له أن يلتزم بشيء أو أن يسير على خط معين. ولا تتضمن البيعة الإشارة الى الحق في خلع الأمة للامام، إذا خالف الشريعة أو ظلم أو جار في الحكم.[57]

 

 

   ورغم أن هذه البيعات والأيمان كانت تنتهك عبر التاريخ بسهولة، ومن قبل النخب الحاكمة بالخصوص، إلا أنه يمكن تصور تأثيرها السلبي  الكبير في إخضاع الأمة لسلطة الحكام المستبدين، وتكبيلها بتلك القيود والأواصر ، وصرفها عن النقد والمعارضة وأداء دور الخلافة الإلهية في الأرض، بأدوات شرعية كالأيمان والعهود والمواثيق.

   وإذا وضعنا هذه العملية في الإطار السياسي العام الشاذ لأمكننا تصور درجة الاستعباد والعبودية التي وقعت فيها الأمة الإسلامية، التي جاء الإسلام ليحررها ويضع عنها الأغلال التي كانت عليها، فإذا بالحكام المستبدين يصادرون حريتها ويتلاعبون بمقدراتها.  

 

 

 

 



[1] - ابن كثير ، البداية والنهاية ج 8 ص 126

[2] - أحمد بن محمد بن عبد ربه، العقد الفريد ، ج 4 ص 147

[3] - أحمد بن محمد بن عبد ربه، العقد الفريد ، ج 4 ص 147  وقال لوفد عراقي جاءه الى الشام : " الأرض لله ، وأنا خليفة الله. فما أخذت فلي وما تركته للناس فبالفضل مني .. انه لملك آتانا الله إياه".

[4]  - عن عمر بن الخطاب أنه قال: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا ، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء. السيوطي ،  تاريخ الخلفاء، ص 135

[5]  - الدينوري، ابن قتيبة، الامامة والسياسة ج1 ص 174

[6] - الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج2 ص 635

[7] - البخاري ج5 ص13

[8]  - الدينوري،  الامامة والسياسة ج1 ص 149 - 150 

[9]  - الهمداني، القاضي عبد الجبار، تثبيت دلائل النبوة ج2 ص 575  

[10]  - المصدر، ج2 ص 576

[11] - المصدر، ج2 ص 576

[12] - ابن كثير ، البداية والنهاية ج8 ص 126

[13] - الدينوري، الامامة والسياسة ج1 ص 148 وقد روى ابن عبد ربه في "العقد الفريد": "لما أراد معاوية أخذ البيعة لابنه يزيد بعث إلى الأمصار أن يفدوا عليه؛ فوفد عليه من كل مصر قوم ؛ فقام الخطباء فخطبوا، ثم قام يزيد بن المقفع؛ فقال:"أمير المؤمنين هذا". مشيرا إلى معاوية؛ "فإن هلك فهذا". مشيرا إلى يزيد؛ "فمن أبى فهذا". مشيرا إلى سيفه؛ فقال معاوية:"اجلس فإنك سيد الخطباء". أو  أنت أخطب القوم وأكرمهم. 

[14]  - المصدر، ج1 ص  163  

[15]  - المصدر، ج1 ص 163   

[16]  - المصدر، ج1 ص 175    

[17] -  المصدر، ج2 ص 4

[18]  -  لما قتل عبيد الله بن زياد الحسين بن علي عليه السلام و بني أبيه ، بعث برءوسهم إلى يزيد بن معاوية ، فسر بقتلهم أولاً ، و حسنت بذلك منزلة عبيد الله عنده ، ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى ندم على قتل الحسين ، وذلك بعد ان استعظم  الناس قتله، وأخذ يلعن قاتله ابن مرجانة ، ويلقي باللوم عليه ، ويتهمه بزرع العداوة والبغضاء في قلوب الناس ضده. ولكنه لم يتخذ أي إجراء عقابي تجاهه. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، المجلد الثالث، ص 365

[19]  - المصدر، ص 353 و الدينوري، الامامة والسياسة ج1 ص  179   

[20]  - الدينوري،  الامامة والسياسة ج1 ص 184   

[21]  - المصدر، ج1 ص 188 و السيوطي ،  تاريخ الخلفاء، ص 194 – 195  

[22]  - الطبري، تاريخ الأمم والملوك، المجلد الثالث، ص 359  

[23]  - الدينوري،  الامامة والسياسة، ج2 ص 24

[24]  - السيوطي ،  تاريخ الخلفاء، ص 204 

[25]  - الدينوري،  الامامة والسياسة، ج2 ص 42

[26]  - يقدر المؤرخون عدد القراء الذين شاركوا في ثورة  ابن الأشعث بأربعة آلاف قارئ .الطبري، تاريخ الأمم والملوك، المجلد الثالث، ص 640

[27]  - المصدر، ص 648

[28]  - الدينوري،  الامامة والسياسة، ج2 ص 47

[29]  -  تاريخ ابن خلدون

[30]  - يقول الطبري:" لما ولى الخلافة و أفضت إليه، لم يزدد في الذي كان فيه من اللهو و اللذة و الركوب للصيد و شرب النبيذ و منادمة الفساق إلا تمادياً و حداً ...فثقل ذلك من أمره على رعيته و جنده ، فكرهوا أمره". حتى  رماه بنو هشام و بنو الوليد بالكفر و غشيان أمهات أولاد أبيه. تاريخ الطبري ج4 ص  235 - 236

[31]  - تاريخ الطبري ج4 ص245

[32]  - عندما قال:"أيها الناس، والله ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا حرصاً على الدنيا ولا رغبة في الملك... ولكني خرجت غضباً لله ورسوله ودينه داعياً الى الله وسنة نبيه (ص) لما هدمت معالم الهدى وأطفئ نور أهل التقوى وظهر الجبار العنيد (الوليد بن يزيد) المستحل لكل حرمة الراكب لكل بدعة... أيها الناس ان لكم عليّ ان لا أضع حجراً على حجر ولا لبنة على لبنة ولا اكري نهراً ولا اكنزي مالاً ولا أعطيه زوجاً ولا ولداً، ولا انقله من بلدة الى بلدة حتى أسد فقر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يعينهم... فان وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن لم أفِ فلكم أن تخلعوني ، إلا أن تستتيبوني، فان أنا تبت قبلتم مني، فان علمتم أحداً ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل الذي أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته". الطبري: ج4 ص 255 و السيوطي ،  تاريخ الخلفاء، ص 235- 236

[33]  - الدينوري،  الامامة والسياسة، ج2 ص 113 و السيوطي في تاريخ الخلفاء، ص 237

[34]  - كما جاء وصية المنصور لابنه المهدي التي يقول فيها: "اعلـم أن مـن شـدة غضـب اللـه لسلطانـه أمـر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى فـي الأرض فسـاداً مـع مـا ادخـر لـه مـن العـذاب الأليـم فقـال‏:‏ ‏"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتَّلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم، فالسلطـان يـا بنـي حبل الله المتين وعروته الوثقى ودينه المقيم فاحفظه وحصِّنه وذب عنه وأوقع بالملحدين واقمع المارقين منه وقابل الخارجين عنه بالعقاب ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن". تاريخ ابن خلدون ، سنة 158

[35]  - وقد حاول ابن خلدون أن يضفي صفة الخلافة على ملك معاوية، ويختلق التبريرات الواهية لانقلابه على الخلافة، وأصر على حسابه مع الخلفاء الراشدين، مهونا من موضوع الاستيلاء على السلطة بالقوة وإلغاء الشورى، ومع  ذلك فقد اعترف بانقلاب الخلافة بصورة عامة الى الملك فيما بعد، وذهاب معانيها، وتحولها الى ملك بحت أجوف. تاريخ ابن خلدون، المقدمة، ص 107 -  108 و تاريخ سنة 49  ج 2  

[36]  - أعاد بعض الفقهاء النظر الى حكم يزيد بن معاوية فاعتبروه أميرا للمؤمنين، وتوقفوا في لعنه وسبه؟؟؟؟؟ 

[37]  - في رواية للإمامية عن علي بن موسى الرضا أنه قال:"إن الله لم يقبض نبيه (ص) حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شيء بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما تحتاج اليه الأمة.. وأنزل في حجة الوداع (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض (ص) حتى بين لأمته معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم". الصدوق، عيون أخبار الرضا، ج1 ، ص 216

[38]  -  الجويني، غياث الأمم ، ص 60

[39]  - كالحديث الذي رواه الترمذي عن ابن عباس، أن رسول الله (ص) دعا للعباس بدعاء قال فيه: "واجعل الخلافة باقية في عقبه". أو ما رواه أحمد بن حنبل عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال:" يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع الزمان وظهور الفتن، يقال له السفاح".  

[40]  - حيث خطب في يوم عرفة قائلا:" أيها الناس ، إنما أنا سلطان الله في أرضه ، أسوسكم بتوفيقه و تسديده ، و أنا خازنه على فيئه ، أعمل بمشيئته ، و أقسمه بإرادته ، و أعطيه بإذنه ، قد جعلني الله عليه قفلا ، إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم و قسم فيئكم و أرزاقكم فتحني ، و إذا شاء أن يقفلني أقفلني ، فارغبوا إلى الله أيها الناس ، و سلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم به في كتابه ، إذ يقول تبارك و تعالى : (اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام ديناً) أن يوفقني للصواب و يسددني للرشاد ، و يلهمني الرأفة بكم و الإحسان إليكم ، و يفتحني لأعطياتكم و قسم أرزاقكم بالعدل عليكم ، إنه سميع قريب". تاريخ الطبري ج4 ص533

[41]  - تاريخ الطبري،  سنة 284 وقد استند بعض "الخلفاء" في إدعاء الخلافة، الى هذه الآية الكريمة: "قل اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء ، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، انك على كل شيء قدير. ( آل عمران 26) 

[42]  - البغدادي، عبد القاهر، الفرق بين الفرق، ص 309

[43]  - السيد، رضوان، مقدمة قوانين الوزارة للماوردي، ص 13

[44]  - المصدر، ص 15

[45]  - الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ص 5

[46]  - المصدر، ص 3

[47]  - الفراء، أبو يعلى محمد بن الحسين ،الأحكام السلطانية، ص 23

[48]  - الجويني، غياث الأمم ، ص 55

[49]  - المصدر، ص 56

[50]  - السنهوري، فقه الخلافة، ص 81 عن شرح العقائد النسفية ص 142

[51]  - الغزالي، فضائح الباطنية، ص 178 – 179 وفي هذا يقول الشيخ علي عبد الرازق:" ان الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله تعالى وقوته من قوته. ذلك رأي تجد روحه سارية بين عامة العلماء وعامة المسلمين أيضا، وكل كلماتهم عن الخلافة ومباحثهم فيها تنحو ذلك النحو ، وتشير الى هذه العقيدة، وقد جعلوا الخليفة ظل الله تعالى، وأن أبا جعفر المنصور زعم أنه إنما هو سلطان الله في أرضه. وشاع هذا الرأي وتحدث به العلماء والشعراء منذ القرون الأولى. فتراهم يذهبون الى أن الله جل شأنه هو الذي يختار الخليفة ويسوق اليه الخلافة، على نحو ما ترى في قوله: جاء الخلافة أو كانت له قدرا  كما أتى ربه موسى على قدر. وقول الآخر: ولقد أراد الله إذ ولاكها  من أمة إصلاحها ورشادها".  الإسلام وأصول الحكم، ص 155

[52]  - مسند أحمد، 5/220،221 والأشعري: الإبانة عن أصول الديانة، ج1 ص 260

وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وقال الأخير:" حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد ابن جهمان ولا نعرفه إلا من حديث سعيد". ورغم انهم طعنوا في سعيد ابن جهمان هذا...

ياسين، عبد الجواد، السلطة في الإسلام، ص 57

[53]  - مقدمة ابن خلدون ، فصل 29، ص 209 ، الفصل 29 في معنى البيعة.

[54]  - ذكر السيوطي: أنه لما مرض سليمان بن عبد الملك قال لرجاء بن حيوة: من لهذا الأمر بعدي؟ قال: أرى ان تستخلف عمر بن عبد العزيز، قال: أتخوف أخوتي لا يرضون، قال: تولي عمر ومن بعده يزيد بن عبد الملك، وتكتب كتابا وتختم عليه، وتدعوهم الى بيعته مختوما، قال: لقد رأيت، فدعا بقرطاس فكتب فيه العهد ودفعه الى رجاء، وقال: اخرج الى الناس فيبايعوا على ما فيه مختوما، فمن أبى فاضرب عنقه، فبايعوا. تاريخ الخلفاء، ص 211

[55]  - المصدر، ص 187

[56]  - القلقشندي ، أحمد بن عبد الله، مآثر الانافة في معالم الخلافة، ج2 ص 260

[57]  - ولم أجد بيعة تتضمن الاعتراف بحق الأمة في التغيير ومعاقبة الإمام ، إذا أخطأ أو انحرف، سوى بيعة الإمام علي بن موسى الرضا، لدى قبوله ولاية العهد من المامون، عندما قال:"... فان حدتُ أو غيَّرتُ أو بدلتُ كنت للغير مستحقاً وللنكال متعرضاً، وأعوذ بالله من سخطه...". المصدر، ج2 ص 322