الباب الأول

الفصل  : الإمام علي ونهاية عهد الخلفاء الراشدين

 

   كانت الثورة على عثمان، في جوهرها ثورة الأنصار والعرب والموالي في مصر والعراق والحجاز ضد هيمنة قريش، خصوصا بعد أن استفزهم صعود "الطلقاء" وغلبتهم على المهاجرين من قريش. وكانت أيضا تجسيداً لشهادة الأمة وحضورها وقيامها بدورها ضد قرار التهميش والإقصاء. وهذا ما يفسر مبادرة الثوار لانتخاب خليفة جديد بأنفسهم، حيث أخذ شعار الشورى يرتفع بعد مقتل عثمان، ويتسع ليشمل جميع المهاجرين والأنصار والجماهير العربية المسلمة، ولم يعد أمر انتخاب إمام جديد للمسلمين يقتصر على نخبة معينة من المهاجرين القرشيين، أو عدد من بقايا الشورى التي عينها عمر بن الخطاب. 

   ورغم أن الامام علي لم يشارك بفعالية في التحريض على عثمان وقيادة الثورة، مثلما فعل صحابيان آخران عضوان في الشورى العمرية، وهما طلحة والزبير، إلا أن أنظار الجماهير الثائرة اتجهت صوب علي، وطوقت منزله ثلاثة أيام مطالبة إياه بتولي السلطة، بحيث لم يجد الزبير بن العوام بداً من الوقوف في المسجد ليقول:" أيها الناس إن الله قد رضي لكم الشورى، فأذهب بها الهوى، وقد تشاورنا فرضينا علياً فبايعوه...".

   ولكن عليا أمسك يده قائلا: "ليس ذلك إليكم وإنما هو لأهل الشورى وأهل بدر". وفي رواية أخرى قال:" .. هذا للمهاجرين والأنصار ، من أمّره أولئك كان أميرا".

   وبما أن طلحة والزبير كانا يحتلان موقعا قياديا في حركة الثورة على عثمان ، وكانا من زعماء المهاجرين (القرشيين) ومن بقايا مجلس الشورى المؤهلين لتولي الخلافة حسب العرف العمري ، فقد مشى علي اليهما فعرض عليهما البيعة ، وقال: من شاء منكما بايعته. فقالا: لا.. الناس بك أرضى.

   ويقال هنا إن  طلحة والزبير قالا له: نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الأمر. فقال: لا ، ولكنكما شريكان في القوة والاستعانة، وعونان على العجز والأود.[1]

   وبغض النظر عن شخصية الامام علي وحقيقة أهداف طلحة والزبير من عرض المشاركة في الحكم، يبدو أن اقتراحهما هذا كان محاولة لتطوير النظام السياسي الإسلامي من الحكم الفردي المطلق الى الحكم الشوري، الملتزم بإرادة الأمة، خاصة بعد تجربة حكم عثمان المريرة التي قادت للثورة والفتنة، إلا أن الامام علي رأى في ذلك الاقتراح محاولة من الصحابيين طلحة والزبير لتحديد صلاحياته وعرقلة برامجه الإصلاحية التي يفكر بها. وربما كان رفض الامام ينصب على تمتعهما لوحدهما بامتياز خاص في المشاركة بالحكم أو الإلزام بالشورى، ولو كان اقتراحهما موسعا بحيث يشمل مجموعة من زعماء المهاجرين والأنصار وقريش والعرب وعامة المسلمين لربما قبله الامام علي، ولسجل المسلمون بذلك خطوة هامة ورائدة نحو بناء مؤسسة الشورى وتعزيز نظامهم السياسي الذي كان يعاني من أزمة داخلية متفجرة لم تلبث أن قضت عليه ومهدت لتحوله الى ملك عضوض.

   وعلى أية حال فقد رفض الامام علي ذلك العرض وقال:" دعوني والتمسوا غيري ... واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغِ الى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً".[2]

   وعندما قبلوا شروطه، وأصروا على اختيارهم له، قال الامام علي :" فان أبيتم ..فان بيعتي لا تكون سراً، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين..ولكن اخرج الى المسجد فمن شاء أن يبايعني فليبايعني.[3] و إن كرهني رجل واحد من الناس لم ادخل في هذا الأمر".

 

   كان من الواضح أن فهم الامام علي الدستوري يقوم على اشتراط الرضا العام والبيعة بالاختيار وليس بالإكراه والعنف، وعندما تحقق من حصول ذلك، قَبِل البيعةَ وأصبح أميراً للمؤمنين.

   ولكن طلحة والزبير اللذين قادا الثورة على عثمان، كانا يأملان ، وقد أفضت الخلافة الى علي، أن يكون لهما دور مشارك في السلطة معه، وأن يتمتعا بحصة مالية متميزة، كما كان حالهما في عهد عمر وعثمان، إلا أن الامام علي بدأ ، منذ أول يوم، يعاملهما كعامة الناس في العطاء والشورى ويساوي بينهما وبين غيرهما من المسلمين، مما أثار امتعاضهما ودفعهما لمفاتحته في الموضوع، فقال لهما:"والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها، وحملتموني عليها، فلما أفضت إليّ نظرت الى كتاب الله وما وضع لنا، وأمرنا بالحكم به فاتبعته، وما استن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاقتديته، فلم احتج في ذلك إلى رأيكما، ولا رأي غيركما، ولا وقع حكم جهلته، فأستشيركما وإخواني من المسلمين، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما، وأما ما ذكرتما من أمر الأسوة، فان ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي، ولا وليته هوى مني، بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله قد فرغ منه، فلم أحتج إليكما فيما قد فرغ الله من قسمه، وأمضى فيه حكمه، فليس لكما، والله ، عندي ولا لغيركما في هذا عتبى".[4]

   وعندما يئس طلحة والزبير من أن يكون لهما وضع مميز في ظل خلافة علي، بدءا في التفكير بالخروج عليه، وادعيا أن بيعتهما كانت تحت الضغط والإكراه، ثم نكثا بها وقادا جيشا من أعوانهما الى البصرة.

   وفيما كان الامام علي يتفاوض مع طلحة والزبير ثم يشتبك مع أتباعهما في البصرة، كان زعيم الطلقاء معاوية بن أبي سفيان في الشام، يحرض ضد أمير المؤمنين ويشكك ببيعته ، رافعا شعار الشورى وقميص عثمان ، فقد كتب الى أهل مكة والمدينة الرسالة التالية: "انما نطلب بدم عثمان فنقتلهم بكتاب الله ، فان دفعهم الينا كففنا عنه، وجعلناها شورى بين المسلمين، على ما جعلها عمر بن الخطاب، فأما الخلافة فلسنا نطلبها". كما كتب رسالة خاصة الى عبد الله بن عمر يحرضه على الخروج ويعده بالخلافة، قائلا: " إني لست أريد الإمارة عليك، ولكني أريدها لك، فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين".[5] وكتب أيضا الى سعد بن  أبي وقاص (أحد أقطاب قريش المهاجرين الستة): " إن أحق الناس بنصرة عثمان أهل الشورى، والذين أثبتوا حقه واختاروه على غيره، وقد نصره طلحة والزبير وهما شريكاك في الأمر والشورى ونظيراك في الإسلام، وخفّت لذلك أم المؤمنين، فلا تكرهن ما رضوا ولا تردن ما قبلوا، فإنما نردها شورى بين المسلمين".[6]

   وأثار معاوية عدة نقاط، كتبرير لتمرده على الامام علي، هي: الطلب بدم عثمان، وحقه في الشورى، وعدم إلزامية البيعة له وهو في الشام.  فرد عليه الامام علي برسالة تضمنت الإشارة الى تلك النقاط، جاء فيها:" أما بعد.. فان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار إذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا، وان طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي فكان نقضهما كردهما، واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعرض فيهم الشورى... إنها بيعة واحدة لا يثنى فيها النظر ولا يستأنف فيها الخيار".[7]

   وقال علي في رسالة أخرى له:"لعمري، لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى يحضرها عامة الناس، فما الى ذلك سبيل، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها، ثم ليس للشاهد أن يرجع، ولا للغائب أن يختار". [8]

 

    استشهد الامام علي بالعرف الدستوري الذي استقر منذ انتخاب أبي بكر، وهو حق أهل المدينة باختيار الامام ولزوم بيعتهم لأهالي سائر الأقطار، ولم يكن هذا العرف وحياً منزلاً وإنما كان من وحي الظروف ووسائل المواصلات وشروط سلامة الدولة الحديثة، رغم وجود إمكانية لتطويره في تلك الأيام أو في المستقبل ، وذلك بانتخاب ممثلين لزعماء القبائل والمدن والأقاليم المختلفة، ودعوتهم للاجتماع في المدينة، أو إرسال مندوبين عنهم، أو قيامهم باختيار الامام التالي قبل وفاة الامام السابق، ولكن التطور الدستوري أو الوعي السياسي ، والظروف الخاصة في تلك الأيام، لم تكن تسمح، أو تعرف هذا الأسلوب من الاتفاق العام بين جميع المدن والأقاليم على بيعة الامام الجديد، وانما كانت توكل أمره الى أهل العاصمة: المدينة المنورة. ولذلك فقد استشهد الامام علي ببيعة الخلفاء السابقين كسوابق دستورية متعارف عليها، رافضا حق الغائبين بالرفض.

   ولكن معاوية كان يشكك  بحق المهاجرين من قريش بحجة اشتراكهم في قتل عثمان، ويدعي عودة الحق الى قريش الشام (قريش مكة الطلقاء) ويحاول حشر نفسه في أهل الشورى في محاولة منه لاستعادة الحق القرشي التاريخي في الملك، فكتب الى علي:" لعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت بريء من دم عثمان، كنت كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين، وخذلت عنه الأنصار... وقد أبى أهل الشام إلا قتالك، حتى تدفع اليهم قتلة عثمان، فإذا دفعتهم كانت شورى بين المسلمين، وقد كان أهل الحجاز (المهاجرون) الحكامَ على الناس وفي أيديهم الحق، فلما تركوه صار الحق في أيدي أهل الشام". فكتب اليه الامام علي: " ما أمرتُ فيلزمني خطيئة عثمان، ولا قتلتُ فيلزمني قصاص القاتل. أما قولك إن أهل الشام هم الحكام على الناس ، فهات رجلا من قريش الشام (الطلقاء) يُقبل في الشورى أو تحل له الخلافة، فان سميت ، كذبك المهاجرون والأنصار، وإلا أتيتك به من قريش الحجاز (المهاجرين)..".[9]

 

    وكان الامام علي هنا يشير في رسالته الجوابية هذه الى مسألة  دستورية مهمة وجديدة اكتسبت شرعيتها من الرسالة الإسلامية التي نسفت الأعراف الجاهلية السابقة ، و هي حق المهاجرين والأنصار في اختيار الامام، وعدم صلاحية الطلقاء (أهل مكة الذين عفا عنهم الرسول الأكرم بعد الفتح) في المشاركة في الشورى أو تولي الخلافة. وهذه مسألة كانت مفهومة أيضا في ظل ظروف تأسيس الدولة الإسلامية الأولى، وتمثل انقلابا على النخبة السياسية الأموية التي اعتبرها الامام علي معادية له وللنخبة الرسالية (المهاجرين والأنصار). ولكنها كانت مسألة دستورية مؤقتة لا يمكن ان تكتسب صفة الدوام بعد وفاة المهاجرين والأنصار والطلقاء. وإلا فان الحق في الشورى والإمامة هو حق عام لكل المسلمين، ولا يقتصر على  قبيلة أو فئة معينة وإنما يتأطر فقط بأطر القيم والمبادئ الإسلامية. 

   وحين يئس معاوية من استجابة الامام علي لمطالبه، طرح فكرة الاستقلال بالشام، وقال لأحد الوسطاء :" أكتب الى علي  أن يجعل لي الشام ومصر جباية، فان حضرته الوفاة لم يجعل لأحد من بعده في عنقي بيعة، وأسلم اليه هذا الأمر، وأكتب له بالخلافة". وكتب اليه مرة أخرى:" سألتك ألا يلزمني لك طاعة ولا بيعة، فأبيت ذلك عليّ، فأعطاني الله ما منعت، وإني أدعوك الى ما دعوتك اليه أمس.. ونحن بنو عبد مناف، ليس لبعضنا على بعض فضل".[10]

   لقد كان معاوية يرفض  الشورى العامة التي يشترك فيها الأنصار أو عامة الناس، ويحاول حصر العملية في إطار ضيق يقتصر على قادة قريش ، كما يبدو من عبارته: "جعلناها شورى بين المسلمين، على ما جعلها عمر بن الخطاب" تمهيداً لإدخال نفسه بينهم باعتباره من قريش، ثم السيطرة على قريش باعتباره من بني عبد مناف، كما قال للإمام علي.

   وعندما رفض الامام علي هذا الطلب أيضا، أعلن معاوية نفسه خليفةً وأخذ البيعة لنفسه من أهل الشام، في الوقت الذي كان يوجد فيه خليفة شرعي لعامة المسلمين في الحجاز ومصر والعراق واليمن وسائر البلاد.[11] وهو ما اعتبر انتهاكا خطيراً لعرفٍ ، أو قانونٍ دستوري إسلامي آخر يحرم قيام خليفتين في وقت واحد.[12] مما أدى الى إشعال نيران حرب داخلية ضروس بين المسلمين، استمرت سنوات وقضت على أكثر من مائة ألف مسلم من الطرفين.

   وقد ظل الامام علي مصراً على التمسك بحقه في الخلافة ورفض مقترحات معاوية، ومن قبله طلحة والزبير وعائشة، بالتنازل عن السلطة وإعادة الأمور شورى من جديد، وكاد يربح الحرب في صفين، ولكنه واجه في نهايتها وبعد رفع معاوية للمصاحف، معارضة داخلية اضطر معها لإيقاف الحرب وقبول الهدنة و التحكيم. 

   قام الإمام خطيباً فقال: " أيها الناس، إني لم أزل من أمري على ما أحب حتى قدحتكم الحرب، وقد والله أخذت منكم وتركت، وهي لعدوكم أنهك، وقد كنت بالأمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً، وكنت ناهياً فأصبحت اليوم منهياً، فليس لي أن أحملكم على ما تكرهون.. ".[13]

  بقبول الامام علي للتحكيم عادت عجلة الأحداث الى الوراء، والى ما كان يطرحه طلحة والزبير ومعاوية، من دعوة الى الشورى القرشية ونقض بيعة الامام علي نفسه، وتقدمت حظوظ معاوية وأصحابه من قريش. وفي عشية التحكيم قال الأحنف بن قيس (أحد أصحاب الامام) لأبي موسى الأشعري (ممثل الإمام في لجنة التحكيم):" .. إن لم يستقم لك عمرو على الرضا بعلي، فخيِّره أن يختار أهل العراق من قريش أهل الشام  من شاءوا، فانهم إن يولوا الخيار يختاروا من يريدون، فان أبى فليختر أهل الشام من قريش أهل العراق (المهاجرين) من شاءوا، فان فعلوا كان الأمر بيننا".[14] ولكن الحكمين (أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص) اتفقا على خلع علي ومعاوية، وانتخاب رجل محايد من قريش هو عبد الله بن عمر.[15] وعندما صعدا الى المنبر ليعلنا قرارهما خلع أبو موسى الامام علي، ونكث ابن العاص بوعده فأقرَّ معاوية. وهذا ما أفشل عملية التحكيم ودفع قسما من أصحاب علي الى المطالبة بإلغاء الهدنة والمبادرة الى قتال معاوية، واتهام الامام علي بالكفر لقبوله التحكيم. وهو ما فجر معركة داخلية بين الامام علي و"الخوارج" في النهروان.

  وبينما كان الامام علي يستعد للحرب مع معاوية، بعد انقضاء الهدنة، ضربه عبد الرحمن بن ملجم (أحد الخوارج) وهو يؤدي صلاة الفجر في شهر رمضان سنة أربعين للهجرة. وبوفاته اهتزت دولة الخلافة، وقويت أسهم معاوية. وظهرت أولى بوادر الانهيار عند بيعة الامام الحسن بن علي، وذلك عندما جاءه الناس ليبايعوه فاشترط عليهم قائلا:" تبايعون لي على السمع والطاعة، وتحاربون من حاربت وتسالمون من سالمت". فلما سمع الناس ذلك منه ارتابوا وأمسكوا أيديهم، وقبض هو يده، فأتوا الحسين ، فقالوا له: ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك، وعلى حرب المحلين الضالين أهل الشام، فقال الحسين: معاذ الله أن أبايعكم ما كان الحسن حياً. فانصرفوا الى الحسن ، فلم يجدوا بداً من بيعته، على ما شرط عليهم.[16]

  وبقية القصة معروفة، وهي اتفاق الامام الحسن مع معاوية وتنازله له عن الخلافة.

  وقد تخلى الحسن بذلك عن كل الاعتراضات الدستورية التي كان يأخذها الامام علي على معاوية من أنه من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعقد معهم الشورى وتحذير الناس من استيلائه على السلطة، حتى رفض أن يقرَّه والياً أو يقبل به منافساً أو يتعايش معه مهادناً، فإذا بالحسن يسلمه السلطة كاملة ويأمر شيعته بالتسليم له وتقديم البيعة له، بالرغم من أن الحسن كان لا يزال يحتفظ بأكثر من مائة ألف مقاتل.

   وشكل تنازل الحسن لخصمه وخصم أبيه اللدود معاوية بن أبي سفيان، صدمة عنيفة لأصحابه.[17]

   كما شكل سابقة دستورية ، قُتل عثمان ولم يُقدم عليها. ولم يستشر فيها الامام الحسن أحداً ممن بايعه من  المسلمين، معتمدا على فهم خاص له عن حق الامام المطلق في اتخاذ أي إجراء الى درجة تسليم السلطة الى عدو محارب. وربما كان الامام الحسن يبرر ذلك بالشرط العام الذي أخذه على المسلمين لدى البيعة بأنهم يحاربون من يحارب ويسالمون من يسالم. ويقال إنه صعد الى المنبر، ثم قال: "أيها الناس .. كانت لي في رقابكم بيعة، تحاربون من حاربت وتسالمون من سالمت، وقد سالمت معاوية وبايعته فبايعوه، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع الى حين، وأشار الى معاوية".[18]

   ويقال أيضا:إن الامام الحسن اشترط على معاوية أن تعود الخلافة شورى بعد وفاته، وانه أخذ عليه أن لا يعهد لأحد من بعده.[19] أو إنه اصطلح مع معاوية على أن له الإمامة ما كان حيا، فإذا مات فالأمر للحسن.[20]

   وقد أثارت هذه الخطوة (التنازل) عددا من الأسئلة حول بعض المفاهيم الدستورية السائدة لدى الخلفاء الراشدين، وفيما إذا كانت شرعية مقدسة غير قابلة للتعديل أوالتبديل؟ أم انها نابعة من وحي الظروف والأعراف والتقاليد والاجتهادات الخاصة؟ وبالتالي فانها قابلة لأي تغيير أو تبديل أو اتفاق جديد؟  فإذا جاز للحسن أن يسلم السلطة بالكامل الى معاوية فقد كان يجوز للامام علي لو أراد أن يُبقي معاوية على الشام، أو أن يرفعه الى مصاف الشورى ويغض الطرف عن كونه من الطلقاء. وبما أن كثيرا من الصحابة كان يتطلع الى الخلافة، فربما كان من الأفضل لسلامة النظام أن يعاد النظر في فقرة أخرى من تلك المفاهيم والقوانين الدستورية المطبقة في تلك الأيام كاستمرارية الخليفة في الحكم الى آخر يوم من وفاته، إذ كان يمكن تعديل هذا القانون الى فترة مؤقتة كأن تكون خمس سنوات أو عشر سنوات، بحيث تسمح لكل طالب سلطة أن ينتظر دوره وأن يعتمد على حظوظه في مجلس الشورى، وكان يمكن أيضا عقد مجلس شورى لا يقتصر على المهاجرين أو قريش فقط وإنما يضم الأنصار وجميع العرب والمسلمين ويكون مفتوحا أمام أي راغب في تولي المناصب العامة ، تماما كما هو الحال في البلاد الديموقراطية. ولم يكن هناك أي مانع شرعي من تطوير النظام السياسي الإسلامي القائم على العرف القبلي، خاصة وان النبي الأكرم (ص) لم يرسم بهذا الشأن أي أمر محدد وإنما ترك ذلك للمسلمين.

 

  إن النتيجة التي أسفرت عنها الفتنة الكبرى التي ابتدأت بالثورة على عثمان، وبعد حوالي خمس سنوات، هي العودة الى نقطة الصفر، وسيطرة الأمويين الطلقاء على السلطة، وإقامة نظام جديد وضع خاتمة لعهد الخلفاء الراشدين، واتسم بفقدان الشورى وغلبة الاستبداد. وقد أكدت تلك النتيجة أن نظام الخلافة الدستوري ، لم يكن قويا ولا سليما بما فيه الكفاية بحيث يصمد أمام الهزات الداخلية فيحتوي المعارضة ويحافظ على نفسه من الانحراف والانهيار، أو يضمن انتقال السلطة من خليفة الى آخر بشكل سلس يحافظ على حالة الاستقرار السياسي ، ويحافظ بالتالي على استمراريته وبقائه.  

 

   وهذا ما يؤكد أن نظام الخلافة لم يكن نظاما دينيا مثاليا مقدسا، كما أصبح  في نظر البعض فيما بعد، وإنما كان نظاما إنسانيا يتحرك في إطار العقل والعرف والمصالح العامة والخاصة.



[1]  - الامام علي، نهج البلاغة،كلمات قصار، رقم 202

[2]  - الامام علي، نهج البلاغة، خطبة رقم 92

[3]  - الطبري ج3 ص 450

[4]  - الامام علي، نهج البلاغة، من كلام له رقم 205

[5]  - الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة ج1 ص89   

[6]  - المصدر، ج1 ص 90   وطلب معاوية من أبي هريرة وأبي الدرداء أن يذهبا الى الامام علي ويطلبا منه أن يدفع إليهما قتلة عثمان ليجعلها شورى.

[7]  - المصدر، ج1 ص 85  

[8]  - الامام علي، نهج البلاغة، خطبة رقم 173

[9] - المصدر، ج1 ص91 وقد أكد هذا المعنى عبد الله بن عباس في جوابه لمعاوية حيث قال: ان الخلافة لا تصلح إلا لمن كان في الشورى، فما أنت والخلافة، وأنت طليق الإسلام، وابن رأس الأحزاب وابن آكلة الأكباد من قتلى بدر. المصدر،  ج1 ص 100 

[10]  - المصدر، ج1 ص86 و 103

[11]  - المصدر،ج1 ص 74  

[12] - وهناك حديث ينسب النبي الأكرم يقول فيه:إذا بويع لخليفتين فاضربوا عنق الثاني.

[13]  - المصدر، ج1 ص 104

[14]  - المصدر، ج1 ص 116