الخاتمة

نحو خلافة ديموقراطية  

 

      لم يكن الفكر السياسي السني يوما فكر الجماهير "السنية" المسلمة، وإنما كلام الفقهاء المتحالفين مع الأنظمة المستبدة، والنخب الثقافية المحيطة بها، وذلك لأن الجماهير تبحث دائما عن الحرية والعدالة والمشاركة السياسية، وهو ما لا يوفره ذلك الفكر الذي يدعو الى الخنوع وتقبل الظلم والطاعة للحكام المستبدين الذين يستولون على السلطة بالقوة والقهر والغلبة. ولكن الفكر السياسي السني شهد خلال القرن الماضي، وخاصة بعد سقوط "الخلافة العثمانية" ثورة داخلية تمثلت في الدعوة الى الديموقراطية ورفض الاستبداد، والتخلي عن مصادر التشريع "السنية" المسئولة عن إنتاج الفكر الاستبدادي والترويج له، بحيث لم يعد الفكر السني يحمل من نفسه سوى الاسم. ولم تعد تربطه أية رابطة بذلك الفكر القديم.

  وبكلمة أخرى.. لم يعد الفكر السياسي السني "سنيا" وإنما أصبح "ديموقراطيا" وهناك فرق كبير بين الأثنين، لا يدركه إلا من يتمسك بأصوله السنية، وهم  فئة من السلفيين الذين يعلنون عداءهم للديموقراطية بكل قوة، ويتهمون الدعاة المسلمين لها بالكفر والشرك والإلحاد. اعتقاداً منهم بوجود نظام سياسي "إسلامي" فريد ومتميز هو نظام "الخلافة". وتناقضه مع الديموقراطية.

   وفي الحقيقة إنهم ينسجمون مع أنفسهم في رفض الديموقراطية، ولكنهم يخطئون في اعتبار الفكر السياسي الذي يحملونه باسم "الخلافة" بأنه يمثل الاسلام، أو يشكل الفكر السياسي الإسلامي. والمشكلة بدأت وتبدأ لديهم من قراءتهم لتجربة الخلفاء الراشدين، والتصور خطأً بأنها كانت تجربة دينية، في حين إنها كانت – كما رأينا في الفصل الأول- تجربة مدنية عقلية عرفية. وإن صفة الخلافة الراشدة التي اكتسبها الخلفاء الراشدون كانت نابعة من ذواتهم وأخلاقهم وإيمانهم، ولم تكن صفة لنظامهم السياسي وطريقتهم في تداول السلطة أو علاقتهم الخاصة مع الناس. وإنها لذلك لم تكن تجربة مثالية نموذجية فوق إنسانية، يجب الاقتداء بها كما يقتدى بالأنبياء والرسل. بل كانت تعاني من بعض الأخطاء والثغرات التي أدت الى انهيارها بعد أقل من نصف قرن من قيامها.

  وربما يعود الارتباك في فهم تجربة الخلفاء الراشدين، الى الارتباك في فهم تجربة الرسول الأعظم محمد (ص) السياسية، حيث جمع بين الدين والدولة، وأقام مجتمعا سياسيا وخاض الحروب وجاء بشريعة وقوانين ودعا الى تنفيذها. وكل ذلك يتطلب قيام سلطة سياسية تخلفه في إمامة المسلمين وتطبيق الدين. وهذا صحيح فإن كثيرا من أمور الدين تتوقف على السلطان. ولكن هذا شيء  واعتبار "الخلافة" نظاما دينيا يشكل امتدادا للرسالة، أو جزء ضروريا منها، شيء آخر. فإن الرسول لم يتحدث أبدا  عن النظام السياسي الذي يخلفه، ولا عن الشخص الذي يخلفه، وإنما ترك ذلك للمسلمين لكي يختاروا نظامهم السياسي في كل زمان ومكان، ويطبقوا الدين بأنفسهم. وهذا ما لم يدركه الشيعة الإمامية الذين قالوا بضرورة النص والوصية وتعيين الإمام الخليفة من رسول الله، وبأن الإمامة امتداد للنبوة، وهي دينية مقدسة لا دخل للناس فيها ولا في اختيار الإمام.

  وفي حين يرفض الفكر السياسي السني نظرية الإمامة الشيعية ويؤكد أن الامامة نيابة عن الأمة، فإنه يعود فيضفي على "الخلافة" هالة دينية، ويدعي أنها جزء من الإسلام. ولعله يقع في هذه الأزمة نتيجة قول بعض المتكلمين بوجوب قيام الإمامة، سمعاً وليس عقلا.

  لا يمكن بالطبع محاكمة الفكر السياسي السني على أنه فكر واحد مبتلور بصورة واحدة، فقد نشأ هذا الفكر عبر قرون، وضم تيارات عديدة، وتطور من حال الى حال. وما كان مقبولا له في يوم أصبح مرفوضا منه في يوم آخر، وبالعكس. إلا أن ما يبرر وضع مجموعة من الأفكار والنظريات والقوانين تحت عنوان (الفكر السياسي السني) هو استنادها الى أصول "أهل السنة" وعلى رأسها "السنة والإجماع".

  وقد استعرضنا في الفصل الثالث جوهر "أهل السنة" وقلنا إنهم أساساً "أهل الحديث" الذين ولدوا في القرن الثاني الهجري، ورفعوا شعار "السنة" في مقابل "أهل الرأي" من المعتزلة والاحناف الذين لم يكونوا يقبلون الا السنة العملية والمتواتر من الحديث، على العكس من "أهل الحديث" الذين كانوا يتوسعون في تقبل الأحاديث المنسوبة الى النبي، والتي كان يكتنفها الكثير من الشكوك. وقد أدت الأحاديث الضعيفة التي كانوا يعتمدونها الى إضفاء الثقة على كل صحابي، وتقبل روايته، مما وسع أكثر دائرة الأحاديث المقبولة لديهم ورفض أية مناقشة علمية فيها، بالرغم من مخالفة بعضها للقرآن والعقل والعلم والمتواتر من الحديث. ثم أدى ذلك بأهل السنة الى تأسيس أصل جديد هو أصل "الإجماع" واعتباره مصدرا تشريعيا جديدا الى جانب القرآن والسنة. انطلاقا من حجية عمل الصحابة، وإضفاء الشرعية الدينية النموذجية على كل ما يقومون به.

  وأضحى هذان الأصلان السنيان: "السنة (بالمعنى الواسع للأحاديث) والإجماع" لدى كثير من أهل السنة، أقوى من الأصلين الأساسيين للدين، وهما القرآن والسنة النبوية، حيث أصبحت (السنة) حاكمة على الكتاب، وأصبح (الإجماع) أقوى من النص، أو حاكما على الحديث.  وقد توسع علماء أهل السنة في استخدام (الإجماع) في الأمور المختلفة حتى كاد يطغى على المصدرين الأساسيين (القرآن والسنة) ويصبح المصدر الأول للدين. وبالرغم من أن موضوع الحكم كان موضوعاً دنيوياً عرفياً عقلياً متروكا للناس، ولم يكن أمراً دينياً منصوصاً عليه في القرآن الكريم أو السنة النبوية، إلا ان تأصيل (الإجماع) فتح بابا واسعا لإدخال السياسة في الدين، وتغطية أنظمة الاستبداد المضادة للخلافة، وإضفاء الصبغة الشرعية عليها.

  وهكذا قام الفكر السياسي السني بالخلط بين الخلفاء الذين كانوا يتبعون الحق والعدل ويحترمون إرادة الأمة، وبين الحكام الذين كانوا يستولون على السلطة بالقوة ويفسدون في الأرض.وإطلاق صفة الخلافة عليهم، بالرغم من وجود أحاديث نبوية تقصر الخلافة على فترة محدودة (ثلاثين عاما).

  وبينما كان الامام أبو حنيفة يقول بأن الخلافة لا تكون إلا بإجماع المسلمين ومشورتهم، وكانت المعتزلة تذهب الى أن الإمامة اختيار من الأمة ، وأنها عقد يقوم  على البيعة الطوعية والرضا العام؛ أخذ أهل السنة يعترفون بشرعية الاستيلاء على السلطة بالقوة وحكومة الأمر الواقع، كما قال أحمد بن حنبل:"من غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمِّي (أميرُ المؤمنين) فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً" . 

  وبعد سقوط معيار العدل والشورى والرضا من الأمة، للحكم على شرعية الإمام، صحح بعض الفقهاء ، كالذهبي والسيوطي "خلافة" يزيد بن معاوية. وأفتى آخرون بصحة إمامة الفاسق الجاهل. وقالوا:"من اشتدت وطأته وجبت طاعته".

   وقد دخل مبدأ القوة في العقل السياسي (السني) بحيث صار التغلب هو الأصل والطريق الوحيد للرئاسة. وجرى تفريغ شعار الشورى من محتواه، وذلك بتحويل عملية انتخاب الإمام عبر أهل الحل والعقد، إلى عملية مسرحية هزيلة، لا تعبر عن حقيقة إرادة الأمة ، وإنما فقط عن إرادة الحاكم المتغلب. واكتفى بعض الفقهاء في عملية انتخاب الامام، بمبايعة الواحد أو الأثنين أو العدد القليل، وعدم الحاجة للإجماع، استناداً إلى تجربة الصحابة، أو ما عرف بـ"الإجماع".  

    وقام الفكر السياسي السني بتسديد ضربة قاصمة لمبدأ الشورى بإضفاء الشرعية على قانون العهد والنظام الوراثي، استناداً الى إجماع الصحابة، وقيام أبي بكر بالعهد الى عمر بن الخطاب، وقيام معاوية بالعهد الى يزيد،  واعتقادا منهم بأن العهد من السابق الى اللاحق جزء من صلاحية الامام وحقوقه.    وقال الماوردي:"أما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته". وقال النووي:"إن المسلمين أجمعوا على جواز الاستخلاف". 

  وقام الفكر السياسي السني بحصر السلطة في قبيلة معينة واشتراط القرشية في الإمام، استنادا الى أحاديث ضعيفة منسوبة الى الرسول الأعظم (ص):"أن الأئمة من قريش". وادعى حصول التواتر على صحة هذا الحديث، بالإضافة الى حصول "الإجماع" حول الموضوع. وظل الفكر السياسي السني مصراً على شرط القرشية، رغم تسرب السلطة من أيدي الخلفاء العباسيين، في عهود مختلفة، وسيطرة الملوك والسلاطين الأتراك والفرس والسلاجقة و"المماليك" عليهم، في ظاهرة غريبة وفريدة من تناقض الفكر السياسي مع الواقع.

 

 

 

 

   وقد واكب الفكر السياسي السني ، الواقعَ السياسي الذي كان يتجه نحو الديكتاتورية الشاملة، فقام بتضخيم دور الإمام ومنحه صلاحيات واسعة، في مقابل سلب كل دور للأمة في صنع القرار أو إدارة عجلة الدولة، حتى كاد يقترب من القول بعصمة الإمام، حيث قام الفقهاء والمحدثون باستيراد أحاديث من تجربة الرسول السياسية وتركيبها على نظام الخلافة المستبدة، بالرغم من عدم التزام كثير من الخلفاء بالشريعة الإسلامية، أو استيلائهم على السلطة بطرق غير شرعية، كالحديث الذي رواه البخاري عن أبى هريرة عن النبي (ص): أنه قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني). وقال الماوردي:"إذا استقرت الخلافة لمن تقلدها إما بعهد أو اختيار... فعلى كافة الأمة تفويض الأمور العامة اليه من غير افتيات عليه ولا معارضة له". واتخذ الفقهاء من ممارسات الخلفاء السابقين المطلقة أساسا قويا لإدعاء (الإجماع) والانطلاق منه للتنظير لشرعية الإطلاق في ممارسة السلطة ومنح الخلفاء صلاحيات واسعة في مختلف المجالات التشريعية والتنفيذية والقضائية.   

   وقام الفكر السياسي السني بإلغاء دور الشورى، في عملية اتخاذ الامام للقرارات، حيث مال عموما   الى القول بأن الشورى مستحبة ومعلمة وليست ملزمة للإمام، حتى لو كان مجيئه للسلطة بغير شورى أو انتخاب من الأمة ، وإنما عن طريق القهر والغلبة، أو العهد من الإمام السابق.  

    وفي إطار الصلاحيات المطلقة التي أعطاها الفكر السياسي السني للإمام، سمح له بفرض اجتهاداته وآرائه السياسية والفلسفية والكلامية والتاريخية والفقهية على الأمة، أو تبني المدارس المذهبية المختلفة وفرضها على الناس ، بدل أن يترك للعلماء والجماهير حرية التفكير والانتقاء والالتزام بما يشاءون من نظريات وأفكار. وهو ما خلق حالة من الاستبداد الثقافي والديكتاتورية الفكرية، وقضى على الحوار العلمي الهادئ.

  وفي مقابل الصلاحيات المطلقة التي أعطاها الفكر السياسي السني للإمام، قام بفرض الطاعة المطلقة على الأمة، وحرم الخروج على الإمام بغض النظر عن التزامه بالشريعة الإسلامية أو وفائه بشروط عقد الإمامة. وأضفى بعض الفقهاء على مسألة الطاعة للإمام ثوبا شرعيا وعقديا، واعتبروها علامة فارقة بين السنة والبدعة، وحرم بعضهم حتى الدعاء على السلطان الظالم. وجاءوا بأحاديث كثيرة، كما ادعوا "الإجماع" على وجوب الطاعة المطلقة للأمراء.

  وفي الوقت الذي كان الفقه السني يعطي شرعية مطلقة للخلفاء الذين استولوا على السلطة بالقوة،  ويوجب على الأمة طاعتهم حتى وإن جاروا وإن فسقوا أو انحرفوا عن الشريعة الإسلامية، فإن ذلك الفقه كان يعترف بالأمر الواقع ويعطي الشرعية لمن غلب على الخلفاء وسيطر عليهم واستبد بالأمر دونهم.    

   وبعد تغييب الأمة الإسلامية وإبعادها عن المشاركة السياسية، روَّج الفكر السياسي السني لثقافة  الخنوع، وهي الثقافة التي عرفت بعقيدة القدر والجبر، التي قام بنشرها بهدف تخدير الجماهير المسلمة، ودفعها للرضوخ والخضوع للأنظمة الديكتاتورية.

 

  وقد انعكس الفكر الاستبدادي على النظام السياسي (العسكري الوراثي) الذي كان يتلفع بثياب "الخلافة" فأدى الى تفشي الصراعات الداخلية في قلب العوائل الحاكمة، وضعف "الخلفاء" واستعانتهم بالجيوش الأجنبية من العبيد (المماليك والانكشارية) وتفويضهم السلطة للوزراء وقادة الجيش، والانغماس في حياة اللهو، والهزيمة أمام الأعداء.

   ومع حدوث التطور الديموقراطي في الغرب في القرون الأخيرة، انتبه كثير من المسلمين الى أن جذر التخلف والانحطاط في دولة "الخلافة" العثمانية هو النظام الاستبدادي، وأخذوا يطالبون بالديموقراطية كخطوة ضرورية لمعالجة الأمراض التي كانت تفتك بها، وتهدد وحدتها. ولكن السلطان عبد الحميد الثاني رفع شعار "الخلافة" في مواجهة الديموقراطية، ولم يأخذ بنظره الدعوات الإسلامية الداخلية للاصلاح الديموقراطي، التي كان يقودها علماء  مسلمون ومصلحون مخلصون، حتى قام الجيش التركي بعزله، ثم إلغاء الخلافة نهائيا بعد ذلك.

   وبغض النظر عن دور الحلفاء المحتلين في سقوط الدولة العثمانية، فقد أكد كثير من المفكرين الإسلاميين، على عنصر الاستبداد الذي كان ينخر "الخلافة" من داخلها. ولذلك نشأت حركة إسلامية تطالب بإعادة بناء الدولة الإسلامية على أساس الشورى والعدل. ولم تكن ترى في المباديء الديموقراطية ما يخالف الإسلام. ولكن الفكر السياسي السني القائم على الحديث والإجماع، رفض الانفتاح على الديموقراطية، وأصر على التمسك بنظام الخلافة الاستبدادي، كما كتبه الفقهاء السنة عبر القرون. واعتبر نظرية "الخلافة" جزءا لا يتجزء من المذهب السني، أو عموده الفقري ومحوره المهم ، وأوجب إقامة الخلافة كأحد فروض الدين الأساسية بل الفرض العام الأكبر، ولم يستسلم لقرار الإلغاء، وصمم على إعادة الخلافة في أقرب وقت وفي أي مكان.    

  وإذ لم ينجح "أهل السنة" في تحقيق هذا الهدف بشكل كامل حتى الآن، فإنهم نجحوا في إقامة بعض الأنظمة ذات الميول الإسلامية هنا وهناك، وتعاملوا معها بنفس الثقافة السياسية القديمة التي تعطي للحاكم صلاحيات مطلقة، بغض النظر عن طريقة وصوله الى السلطة، أو كيفية ممارسته لها. ومع أنهم لم يطلقوا عليها صفة "الخلافة" إلا أنهم تعاملوا معها كما تعامل أئمة السنة الأوائل مع الأنظمة القائمة في تلك الأيام.

 

  وكما كان سقوط "الدولة العثمانية" مناسبة لانطلاق حركة إعادة الخلافة، فقد كان أيضا مناسبة لانطلاق حركة نقدية واسعة للفكر السياسي السني، ومراجعة مفرداته المختلفة، بدءا من "إسلامية نظام الخلافة" ومرورا بالعلاقة بين الدين والسياسة، وانتهاء بالفكر الاستبدادي المطلق، وبناء فكر سياسي جديد يقوم على الديموقراطية.

   وكان من الواضح اختلاف الفكر الديموقراطي الإسلامي اختلافا جذريا عن فكر دعاة إعادة "الخلافة" كما كانت عليه في التاريخ، بل إنه يشكل ثورة على الفكر السياسي السني. وذلك لأنه يعتبر الحكم مدنيا وينزع الهالة الدينية عن السلطة، وينفي وجود نص على الخلافة من الرسول (ص) ويفتح الباب أمام المسلمين لاستيراد أفضل النماذج السياسية (الديموقراطية) من مختلف التجارب الإنسانية العالمية.  ولم يستطع الفكر الديموقراطي الإسلامي الوصول الى هذه النتيجة (الديموقراطية) إلا بعد محاولات جريئة قام بها قادة النهضة الإصلاحية لمراجعة أصول المذهب السني التي أنتجت وتنتج ذلك الفكر الاستبدادي، وهي "السنة" و"الإجماع" والعودة الى القرآن الكريم والعقل.

   فقد قام كثير من العلماء المتأخرين بإعادة النظر في بعض أحاديث البخاري ومسلم، ولاسيما الأحاديث السياسية التي تشكل قاعدة الاستبداد في الفكر السياسي السني، والتي تأمر بطاعة الحاكم الظالم الفاسق وتحرم الثورة. وتحديد "السنة" بالسنة العملية والصحيح الثابت من الحديث فقط.

  ورفضوا الأخذ بحديث الآحاد - إذا ما خالف العقل أو القرآن أو العلم - مهما بلغت درجته من الصحة في نظر المحدثين. كما رفضوا مساواة السنة بالقرآن، أو هيمنتها عليه، وشنوا حملة نقدية ضد كتب الحديث مثل البخاري ومسلم. وانتقدوا قواعد الجرح والتعديل السلفية، التي تقوم على نقد الإسناد أكثر مما تقوم على نقد المتن. ورفضوا أصلا مهما من أصول المذهب السني، وهو (عدالة جميع الصحابة) الذي تسبب في تمرير كثير من الأحاديث الضعيفة في المجال السياسي.

  كل ذلك يدل على حدوث ثورة عقلية إسلامية ضد الفكر السياسي السني، وأصوله التشريعية، وهو ما يثبت حدوث تطور جوهري في صفوف أبناء "المذهب السني" بعيداً عن مناهج "أهل الحديث" (أو الحنابلة أهل السنة المحض). واقترابهم من خط الجيل الإسلامي الأول، جيل الثوار المعتزلة والإمام أبي حنيفة النعمان.

  وقد أدت هذه الثورة الإسلامية الديموقراطية الى إعادة تفسير مصطلح "الخلافة" تفسيرا شعبيا ديموقراطيا، وذلك بالقول: إن الخلافة الحقيقية الكبرى هي خلافة الإنسان لله في الأرض، وخلافة الأمة الإسلامية، وإن الخلافة بمعنى الإمامة هي الخلافة الصغرى الخاصة، التي تستمد معناها وشرعيتها من تفويض الأمة للخليفة من أجل تنظيم وترشيد وقيادة وإنجاز مهام الخلافة نيابة عن الأمة. أي أنها تأتي في طول الخلافة الكبرى، وليس في عرضها أو في مقابلها.

   وإن من سمات الخلافة العظمى العبودية لله عز وجل، والاعتراف بسيادته العليا في المجتمع، والتي تعني رفض العبودية لأي إنسان في الأرض، أي تحرير الإنسان وممارسته لسيادته على نفسه ، وشعوره  بالحرية وبإنسانيته وبدوره في الحياة وبحقه في التعبير عن نفسه وعن آرائه، وقيامه بمسئولياته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورعاية المجتمع، انطلاقا من حديث "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". وكذلك حق الإنسان المسلم، والأمة بصورة عامة، في المشاركة السياسية وتولي المسؤوليات العامة ، عبر الانتخاب والمراقبة والمحاسبة والمشاورة، والحق في التجمع والتنظيم والمنافسة السياسية ، والمعارضة للحاكم ونقده وإسقاطه عبر الطرق السلمية أو العسكرية.

  والخلافة بهذا المعنى أقرب ما تكون الى النظام الديموقراطي الذي يقوم على قاعدة "حكم الشعب بالشعب ومن أجل الشعب". والذي يتضمن عمليةَ انتخاب الإمام من قبل الأمة، ومجلساً للشورى بصلاحيات ملزمة، وقضاءً مستقلاً، وحريات عامةً، وتعدداً حزبياً، وحقاً بالنقد والمعارضة، وتبادلاً للسلطة بشكل سلمي.

    وهذا ما أكده الفكر الإسلامي الديموقراطي الحديث، الذي جمع بين الاثنين واتجه نحو الالتزام بمبدأ "الخلافة الديموقراطية". أي خلافة الأمة وليس خلافة الحكام. أو الخلافة الحقيقية وليس  "الخلافة" الصورية المعادية للشورى ، والتي همشت الأمة الإسلامية عبر التاريخ وسلبتها حقوقها الشرعية ومنعتها من أداء دور الخلافة لله في الأرض. وقد انفتح التيار الإسلامي الحديث على كلمة "الديموقراطية" الغربية ، تأكيداً منه على جواز استعارة الآليات الإدارية السياسية من الحضارات الأخرى وعدم تعارضها مع الإسلام الذي أسس القيم والقوانين الأخلاقية ، ولم يقدم نظاما سياسيا مفصلا، وإنما ترك ذلك لتطور العقل الإنساني ومراعاة الظروف في كل زمان ومكان.

 

أحمد الكاتب

 

 

 

 

هذا الكتاب

هل يمكن الجمع بين الخلافة والديموقراطية؟

هذا سؤال أشغل المسلمين طويلاً، فأجاب بعضهم بنعم، وأجاب بعضهم بلا..

بعض الذين أجابوا بـ:"لا" تركوا الإسلام، وتمسكوا بالديموقراطية.

وبعضهم تجنب الديموقراطية وتمسك بالإسلام.

ولكن.. هل حقاً يتناقض الإسلام مع الديموقراطية؟

أم يتناقض مع الفكر الخاص الذي يحمله هؤلاء عن الإسلام؟

وهل الإسلام يتفق مع الاستبداد ليتناقض مع الديموقراطية؟

هذا الكتاب  يحاول الجمع بين الديموقراطية والإسلام.

بل يقول: إن الديموقراطية من صميم الإسلام، لأنه يأمر بالعدل والشورى.

ويدعو إلى قيام خلافة شعبية ديموقراطية.