الباب
الأول
الفصل
الثاني: الثغرات
الدستورية في تجربة
الصحابة السياسية
أثبتنا
في الصفحات
الماضية نظرة
الصحابة الى
الخلافة
بأنها وكالة
ونيابة عن الأمة،
وأنها كانت
ذات طبيعة
مدنية وليست
دينية. وبما
أن المجال
السياسي كان
إنسانيا فقد
كان قابلا
للتطور نحو الأفضل
أو التدهور
نحو الأسوأ. وقد
حاول الصحابة
أن يجتهدوا
ويجيبوا على
كثير من
الأسئلة التي
واجهتهم. وقد
نجحوا في بعض
الأمور
وفشلوا في
بعضها الآخر.
1
- حصر الخلافة
في قريش
من
الأمور التي
فشل الصحابة
في حلها ، هي
مكانة قريش
ودور الأنصار ،
فضلاً عن بقية
المسلمين من
العرب وغيرهم،
في الحياة
السياسية، أي في
الترشح
لمنصب
الإمامة، و
المساهمة في
ترشيح الامام،
والحق في
المشاركة
بالشورى في
جماعة أهل الحل
والعقد.
فقد حاول
الأنصار في
البداية الاستئثار
بالسلطة
وانتخاب
أحدهم لمنصب الامام، مما
أدى الى
احتجاج
المهاجرين
عليهم بمكانة
قريش لدى
العرب. حيث قال
أبو بكر يوم
السقيفة:" إن
هذا الأمر لا
تدين العرب
فيه إلا لهذا
الحي من قريش".[1] وأيده
في ذلك عمر بن
الخطاب الذي
قال:" إنه
والله لا يرضى
العرب أن
تؤمركم
ونبيها من
غيركم، ولكن
العرب لا ينبغي
أن تولي هذا
الأمر إلا من
كانت النبوة
فيهم وأولوا
الأمر منهم،
لنا بذلك على من
خالفنا من
العرب الحجة
الظاهرة
والسلطان المبين.
من ينازعنا سلطان
محمد وميراثه؟
ونحن أولياؤه
وعشيرته، إلا
مدلٍ بباطل أو
متجانف
لإثم أو متورط
في هلكة".[2]
ورغم
انتخاب أبي
بكر للخلافة ،
إلا انه ظل متردداً
في الأمر.
وقال عند
وفاته:"وددت أني
سألت (الرسول) فيمن
هذا الأمر،
فلا ينازع
الأمر أهله..
وددت أني
سألته هل
للأنصار في
هذا الأمر
نصيب فنعطيهم إياه".[3]
ومع أن المهاجرين
وَعَدوا
الأنصار بدور
الوزارة
والاستشارة، كما
قال أبو بكر:"ليس
بعد المهاجرين
الأولين أحد
عندنا بمنزلتكم،
فنحن الأمراء
وأنتم
الوزراء، لا نفتات دونكم
بمشورة ولا
تنقضي دونكم
الأمور".[4] إلا
إن المهاجرين
القرشيين
سيطروا بصورة
كاملة على
الأمور فيما
بعد، ولم
يستوزروا
الأنصار، ولم
يستشيروهم في
كثير من
الأمور
المهمة ، ولم يدخلهم
عمر في
(الشورى) التي
انتخبت عثمان،
واقتصرت على
شيوخ
المهاجرين.
ومن
الأمور التي
أثارت جدلا
بين الصحابة، عهدُ
أبي بكر إلى
عمر من بعده
بالخلافة. حيث
كان من
المفترض حسب
المبدأ الذي
تحدثنا عنه في
الصفحات السابقة،
وهو حق الأمة
في اختيار
إمامها، أن
يترك أبو بكر
الأمر للأمة
لكي تختار من
تريد، أو يشكل
مجلساً للشورى
من أهل الحل
والعقد
لينتخب الإمام
من بعده. ولكنه
اجتهد في آخر
يوم من حياته
وشاء أن يعين
عمر خليفة من
بعده.
وعلى
رغم أن أبي بكر
كان يعتقد أن
الأمر من حق
الأمة،[5] إلا أنه عهد
الى عمر
بن الخطاب من
بعده. وهنا ينقل
المؤرخون
صوراً
متناقضة حيث
يقول بعضهم إنه
فرضه على
المسلمين
فرضاً، بينما
يقول بعض آخر
إنه استشارهم
وأخذ رضاهم.
يقول
ابن قتيبة
الدينوري
و القاضي
الهمداني والشهرستاني
: إن أبا بكر
دعا عثمان بن
عفان وقال له
اكتب:"بسم
الله الرحمن
الرحيم، هذا
ما عهد أبو بكر
بن أبي قحافة
في آخر عهده
من الدنيا
خارجا منها،
وعند أول عهده
بالآخرة
داخلا فيها،
حين يؤمن
الكافر ويوقى
الفاجر ويصدق
الكاذب: إني
استخلفت بعدي
عمر بن
الخطاب، فان
بَرَّ و عدل
فذلك ظني به
ورأيي، وان
بدَّل وجار
فلكل امرئ ما
اكتسب،
والخير
أردتُ، ولا
أعلم الغيب،
وسيعلم الذين
ظلموا أي
منقلب
ينقلبون".[6]
وقد
أثار قرار أبي
بكر هذا
معارضة بعض المهاجرين
والأنصار،
فدخلوا عليه
وقالوا: نراك
استخلفت
علينا عمر،
وقد عرفته،
وعلمت بوائقه
فينا وأنت بين
أظهرنا، فكيف
إذا وليت عنا
وأنت لاقٍ
الله عز وجل
فسائلك، فما
أنت قائل؟ وقال
له طلحة: وليت
علينا فظاً
غليظاً؟ فقال
أبو بكر: لئن
سألني الله لأقولن:
استخلفت
عليهم خيرهم
في نفسي.[7] ثم أرسل الى عمر
فقال: أحبك
محبٌ، وأبغضك
مبغضٌ،
وقديما يُحَب
الشر ويُبغض
الخير. فقال
عمر: لا حاجة
لي بها، فقال
أبو بكر: لكن
بها اليك
حاجة.[8]
بينما
يقول السيوطي:
لما ثقل أبو
بكر أشرف على
الناس من كوة،
فقال: أيها
الناس، إني قد
عهدت عهداً، أفترضون
به؟ فقال
الناس: رضينا
يا خليفة رسول
الله، فقام
علي، فقال: لا
نرضى إلا أن
يكون عمر،
قال: فإنه عمر.[9]
وإذا
صحت الرواية
الأولى، يمكن
القول بأن
البيعة تمت
بعيداً عن
أجواء
الشورى،
وخلافاً لوعد
أبي بكر للأنصار
بأن لا يتم
أمرٌ دون
استشارتهم،
فضلا عن المهاجرين
الذين كانوا
يشعرون أنهم
أولى بالسلطة
من غيرهم،
وأنهم أهل
الشورى.[10] وبغض
النظر عن
الحجة التي
ساقها أبو بكر
لتبرير قرار
العهد من
إرادة الخير
للمسلمين،
فان مبدأ الشورى
كان يقتضي
استشارة
زعماء
المهاجرين
والأنصار قبل
اتخاذ ذلك
القرار، فضلا
عن تشكيل مجلس
للشورى، كما
فعل عمر من
بعد، وإيكال
المسؤولية له
لانتخاب
خليفة جديد.
ولذلك فان
كثيراً من
الفقهاء
الدستوريين
وخاصة
المحدثين ومنهم
ابن تيمية،
يقولون إن
خلافة عمر لم
تنعقد بالعهد
من أبي بكر، وإنما
تمت بالبيعة
التي أعقبت
وفاته، وإن
عملية العهد
لم تكن إلا
ترشيحاً
واقتراحاً
وليست فرضاً
وتعييناً.[11]
ورغم ان الأمر
كان موضوعاً
سياسياً وليس
أمراً شرعياً،
فربما اعتبر بعضهم
طاعة أبي بكر
في موضوع
العهد الى
عمر جزءا من الطاعة
الواجبة للإمام،
في ظل غياب
دستور واضح
يرسم نظام
الشورى، أو
يمنع من العهد
بصراحة.[12] وما زاد
الأمور
غموضاً هو أن
ذلك التعيين
كان خارج حدود
صلاحيات
الخليفة في الأمر
والنهي، أو
حدود الطاعة
له في الأمور
الشرعية، وإنما
يتعلق بأمر
عرفي ومدني ،
أو بأساس
موضوع الولاية،
وهو أمر لم
يتم الحديث
عنه لدى
انتخاب أبي
بكر، ولم يكن
داخلاً ضمن
عقد البيعة.
ولقد كانت
(آية الطاعة)
تتحدث عن وجوب
طاعة أولي
الأمر، وتأمر
المسلمين
بالرجوع الى
الله
والرسول، في
حالات النزاع
والاختلاف بينهم
وبين أولي
الأمر، ولم
تكن هنالك
مشكلة في هذه
الحدود المعروفة،
ولكن المشكلة
كانت تكمن
فيما إذا كان
الخلاف في أمر
سكت عنه الله
والرسول
وأوكل أمره الى الناس
مثل موضوع
انتقال
السلطة
وكيفية تولي الحكم،
حيث لا نصَ
شرعياً حول
الموضوع،
فكيف يُحل
النزاع؟ والى
من يرجع؟ الى
الحاكم؟ أو الى
الأمة؟
ويبدو أن
معارضة
الصحابة
لتعيين عمر
كانت معارضة
شخصية
بالنسبة له، أكثر
مما كانت
لأساس مبدأ
العهد
والتعيين، إذ
تركزت
الاحتجاجات
على شخصية عمر
ولم تستنكر
مبادرة أبي
بكر الى
التعيين.[13] وقد رضي
الصحابة بعمر
بن الخطاب
وبايعوه
طوعاً لا
كرهاً وأحبوه
فيما بعد.[14]
وفي
الحقيقة يمكن
القول إن دستور
الحكم في ذلك
العصر كان
مؤقتاً ، أو
كان يكتب بالتدريج
من وحي
الثقافة
السياسية
القائمة تلك
الأيام والتي
كانت مزيجا من
المفاهيم القبلية
العربية
والمبادئ
والقيم
الإسلامية،
ولم تكن هناك
جهة واضحة
ومحددة
لكتابته، وإنما
كان يخضع
لإرادة
الحاكم
واجتهاده بدرجة
كبيرة.[15]
وإذا كان
تعيين أبي بكر
لعمر مغايراً
لما فعله
النبي الأكرم
(ص) من ترك الأمر
للمسلمين
وعدم تحديد
شخص معين،
ومغايراً
كذلك لطريقة
انتخاب أبي بكر
في السقيفة، فانه
كان أيضا
مغايراً
للعادات
الملكية العربية
التي كانت
تقضي بالوصية إلى
الأخوة والأبناء
وحصر الملك في
العائلة
القريبة، إذ أوصى
أبو بكر إلى
رجل بعيد عنه
نَسَبيا، وإن
كان من قريش
إلا أنه لم
يكن من قبيلته
تيم.
ومن
الأمور التي
يمكن التوقف
عندها أيضاً،
موضوع
استخلاف عمر
زعماء
المهاجرين
الستة (علي بن
أبي طالب سيد
بني هاشم،
وعثمان بن
عفان شيخ بني
أمية، وطلحة
بن عبيد الله
كبير بني تيم،
والزبير بن
العوام زعيم
بني أسد، وسعد
بن أبي وقاص،
وعبد الرحمن
بن عوف
رأسي بني
زهرة). والطلب
منهم اختيار
واحد منهم
للإمامة، مع
استثناء
الأنصار
والتأكيد على
أن ليس لهم من
الأمر شيء.[16]
ورغم
إيمان عمر
مبدئيا بحق
الأنصار في
تولي الخلافة،
وكذلك جواز
تولي حتى سالم
مولى حذيفة،
كما مرَّ
سابقاً، فانه
يلاحظ أن وصية
عمر بتشكيل
مجلس الشورى
جاءت لتبعد
الأنصار عن المشاركة
في الشورى،
سواء في
الترشيح أو
الانتخاب،
وتقلص دورهم
على الشهادة
والمراقبة فقط.[17]
وكان
ذلك خلاف
الاتفاق الذي
جرى بين أبي
بكر وعمر وأبي
عبيدة
وزعماء
الأنصار في
سقيفة بني ساعدة،
حيث وعدوهم
بحفظ حق
الشورى لهم،
وعدم قطع أي
أمر بدون
استشارتهم.[18]
وبغض
النظر عن
مبررات
الوصية
بالشورى
للمهاجرين
فقط، فان قرار
عمر بن الخطاب
هذا كشف عن
تمتع الخليفة
بصلاحية
كبيرة في
اتخاذ
القرارات
الدستورية
كيفما يشاء،
حيث كان
بإمكانه
تعيين من يريد،
ولكنه رفض
ذلك، كما كان
بإمكانه
اللجوء الى
الصمت وعدم
الوصية الى
أي أحد، كما
فعل رسول الله
(ص)، وكان
بإمكانه الوصية
الى
المهاجرين أو
الأنصار أو
الموالي، أو
إقصاء أي فريق
منهم وتحديد
دورهم في
الحياة
السياسية وفي عملية
اختيار
الخليفة
الجديد.
وبكلمة أخرى:
كان كتاب
الدستور
مفتوحاً،
وقلمه بيد عمر
يكتب فيه ما
يشاء. ولم يكن -
على ما يبدو-
يلقى أية معارضة
من أي فريق ،
حيث لم يذكر
التاريخ : أن
الأنصار
احتجوا على
قرار عمر
بإقصائهم أو
حصر عملية
الشورى
بالمهاجرين
فقط. وكان الأنصار
والمهاجرون
قد غابوا
دستورياً عن
عملية تعيين
عمر بن الخطاب
خليفة لأبي
بكر ولم يحتجوا
أو يعترضوا
كثيراً. ولولا
مبادرة عمر الى إحياء
الشورى لكان
موضوع العهد
أو التعيين يصبح
سنة ثابتة لدى
المسلمين في
وقت مبكر.
وعلى
أية حال، فقد
كان تشكيل
مجلس الشورى
خطوة دستورية
متطورة، ولكن
في حدود عملية
انتخاب
الخليفة
الجديد فقط. وقد
قام المجلس
بهذه المهمة
وانتخب عثمان
بن عفان
وانتهى دوره
بعد ذلك. في
حين كان يفترض
فيه أن يواصل
أعماله في
مراقبة
الحاكم
ومحاسبته ونقده
وعزله عند
الضرورة. وبالرغم
من أنه لم يكن
يمثل إلا
فريقا من
أقطاب قريش
وهم المهاجرون،
إلا انه كان
يحظى باحترام
سائر الصحابة
والمسلمين
ويتواصل معهم
ويعبر عن ضميرهم
وآمالهم
ومصالحهم. ولو
كان مجلس
الشورى استمر
في العمل لكان
مثَّل أول
مؤسسة
دستورية تشريعية
(ديموقراطية)
تحافظ على
سلامة الدولة
الإسلامية
وتحفظ الأمن
والسلام
والوحدة
للمسلمين،
ولكن مجلس
الشورى مع
الأسف قام
بمهمة اختيار
الخليفة
الجديد، وذهب
كل واحد من
أعضائه الى
بيته، رغم
احتفاظ
الزعماء
الخمسة
الباقين منفردين
بدور كبير في
قيادة
المجتمع
الإسلامي
ومراقبة
الأحداث
والتأثير
فيها بشكل أو
بآخر.
4-
العودة الى
الاستبداد
وبسبب
غياب مؤسسة
الشورى التي
تراقب الحاكم وتحاسبه
وتعزله،
اضطربت
العلاقة بين
الأمة والإمام
في عهد عثمان
بن عفان، وذلك
عندما أخذ
يولي أقاربه
على الأمصار ممن
لم يكن له مع
النبي صحبة،
ويؤثرهم على
غيرهم.[19] ويغدق
عليهم من
أموال
المسلمين
بدون استحقاق،
حتى أنه أعطى
خمس أفريقيا
كله لمروان
بن الحكم.[20] ويتساهل
في تطبيق
الحدود
الشرعية
عليهم. [21] بالرغم من
أنه كان قد
أعطى عهداً
لعبد الرحمن
بن عوف
بالالتزام
بسيرة
الشيخين. [22]وهو
ما أدى الى
تفشي الفساد
في الدولة الاسلامية.
ومع أن
كل ذلك كان
متوقعاً
وطبيعياً، الا أن
المشكلة كانت
تكمن في عدم
وجود مؤسسة
دستورية
كمجلس
الشورى، للتعامل
مع ذلك
الانحراف، ومقاومة
الفساد،
ومعالجته
بشكل سلمي.
5- عدم
وجود محكمة
دستورية
وعندما
بدأ المسلمون
ينتقدون
عثمان
ويعارضوه،
أخذ يطالبهم بالسكوت
والطاعة. وصعد
على المنبر
وقال:"أما
والله يا معشر
المهاجرين
والأنصار،
لقد عبتم لي
أشياء ونقمتم
أموراً قد
أقررتم لابن
الخطاب
مثلها، ولكنه وَقَمكم
(قهركم)
وقمعكم ، ولم
يجترئ أحد
يملأ بصره منه
ولا يشير
بطرفه اليه،
أما والله
لأنا أكثر من
ابن الخطاب
عدداً، وأقرب
ناصراً وأجدر
.. أتفقدون من
حقوقكم شيئاً؟
فمالي لا أفعل
في الفضل ما
أريد؟ فلِمَ
كنت إماماً
إذاً؟ أما
والله ما عاب
عليَّ منكم أحدٌ
أمراً أجهله،
ولا أتيت الذي
أتيت إلا وأنا
أعرفه".[23]
وإذا صح
هذا النص فانه
يكشف عن رؤية
عثمانية خاصة
للمال العام
مختلفة عن
نظرة سلفيه
أبي بكر وعمر،
وعن فهم واسع
لصلاحيات
الحاكم يحق له
على ضوئها
التصرف
بالمال كيفما
يشاء، وإعطائه
بحق أو بدون
حق. ويكشف
أكثر من ذلك
عن محاولة من عثمان
لصياغة واقع
دستوري جديد
وتحديد
العلاقة بينه
وبين الناس حسبما
يشاء دون سماح
لأي أحد
بالمعارضة أو
النقد أو
المحاسبة. وقد
ضرب عمار بن
ياسر لأنه قدم
له كتابا ينتقد
فيه بعض
أعماله، حتى
أغشي عليه
وفتق بطنه.[24]
وعندما
ساءت الأمور
لم يجد كبار
الصحابة من
أقطاب الشورى
الذين
انتخبوا
عثمان ، مثل طلحة
والزبير، الا
الاستغاثة
بالجماهير
المسلمة في
مصر والاستنجاد
بهم من أجل
الضغط على
عثمان.[25] ولقيت
استغاثتهم
صدى لدى أهل
مصر الذين
جاءوا الى
المدينة
يطالبون بعزل
عاملهم عبد
الله بن أبي
سرح، فعزله
عثمان وولى
مكانه محمد بن
أبي بكر.[26] ولكنهم في
طريق عودتهم الى مصر
وجدوا مع غلام
لعثمان كتابا
موقعا بخاتمه الى عبد
الله بن أبي
سرح يأمره بقتل
محمد وعدد من
أصحابه وقطع
أيديهم،
والبقاء في
عمله. مما
دفعهم الى
العودة الى
المدينة
والمطالبة
باستقالة
عثمان.[27] وانظم اليهم وفد
من أهل
العراق، بعد
أن قاموا بإخراج
والي عثمان
سعيد بن العاص
من الكوفة،
وتعيين أبي
موسى الأشعري
مكانه واليا عليهم.
ورغم قيام
كبار الصحابة بدور
المحكمة بين
الثوار
وعثمان،
والتحقيق في
قضية الكتاب
المزور
المختوم
بخاتم
الخليفة، والذي
تبرأ منه
عثمان ونفى
علمه به،
والحكم بتسليم
مروان
المتهم
بتزوير
الخاتم
لمعاقبته،
إلا أنه لم تكن
توجد أية
محكمة
دستورية أو
سلطة قضائية
عليا تبت في
الأمر وتعاقب
المجرم وتفرض
الحكم
القضائي على
الخليفة، مما
دفع الثوار الى
المطالبة
باستقالة
عثمان أو
القصاص منه.
ولكن
عثمان رفض
الاستقالة،
وقال:"... قد كان
قبلي خلفاء،
ومن يتول
السلطان يخطئ
ويصيب، فلم يستقد من
أحد منهم، وقد
علمت أنهم
يريدون بذلك
نفسي، وأما أن
أتبرأ من الأمر
، فان يصلبوني
أحب الي
من أن أتبرأ
من جُنة الله
تعالى
وخلافته...
فاتقوا الله فإني
لا أرضى لكم أن
تنكثوا عهد
الله".[28]
وبغض
النظر عن
مبررات عثمان
بعدم
الاستقالة[29]، فإن من
الواضح وصول
الأزمة
السياسية الى
طريق مسدود، وتطور
الأحداث
باتجاه
الفتنة بسبب
عدم وجود سلطة
قضائية أو
دستورية عليا
تستلم زمام
الأمور وتحل
المشكلة.[30]
[1] - قال ابن
إسحاق: انما
كانت العرب
تتربص
بالإسلام أمر
هذا الحي من قريش
وأمر النبي (ص)
وذلك ان
قريشا كانوا امام
الناس
وهاديهم وأهل
البيت والحرم
وصريح ولد إسماعيل
وقادتهم ولا
ينكرون لهم،
وكانت قريش هي
التي نصبت
لحربه وخلافه
فلما استفتحت
مكة ودانت
قريش ودخلها
الإسلام عرفت
العرب انهم لا
طاقة لهم
بحربه
وعداوته
فدخلوا في
دينه أفواجا
يضربون اليه
من كل وجه.
تاريخ ابن
خلدون ج2 ص 51
[2] - قال أبو
بكر:" ليس بعد المهاجرين
الأولين أحد
عندنا
بمنزلتكم،
فنحن الأمراء
وأنتم
الوزراء، لا نفتات دونكم
بمشورة ولا
تنقضي دونكم
الأمور". الدينوري، الإمامة
والسياسة، ج1
ص 12 - 17
[3] - سنن
الترمذي ج4 ص 503
وسنن ابن ماجة
ج2 ص 900 باب ما جاء
في الخلافة
[4] - الدينوري، الإمامة
والسياسة، ج1
ص 12 - 17
[5] - حيث
اشتهر عنه
قوله:" إن الله
ردَّ عليكم
أمركم
فأمّروا
عليكم من
أحببتم". وقد
قدم استقالته
عدة مرات
وقال:"أقيلوني..أقيلوني" وهو
ما أثار العجب
لدى الامام
علي بن أبي
طالب الذي
قال:"فيا
عجباً.. بينا
هو يستقيلها
في حياته إذ
عقدها لآخر
بعد وفاته".
نهج البلاغة،
الخطبة الشقشقية.
[6] -
الهمداني،
القاضي عبد
الجبار، المغني
في التوحيد
والإمامة، ج20 قسم 2 ص 5 - 7
[7] -
الشهرستاني،
محمد بن عبد
الكريم، الملل
والنحل، ص 18 و الدينوري،
الإمامة
والسياسة، ج1
ص 25
[8] - الدينوري،
الإمامة
والسياسة، ج1
ص 25
[9] - السيوطي
،
تاريخ
الخلفاء، ص 78
[10] - فقد
وعد أبو بكر
الأنصار في
سقيفة بني ساعدة
قائلا:" ليس
بعد المهاجرين
الأولين أحد
عندنا
بمنزلتكم،
نحن الأمراء
وأنتم
الوزراء، لا نفتات دونكم
بمشورة ولا
تنقضي دونكم الأمور".
[11] -
يقول ابن تيمية إن
مبايعة عمر
لأبي بكر
واستخلاف أبي
بكر لعمر لم
يكن في
الحالتين إلا ترشيحا،
ولو قُدِّر أن
الصحابة لم
ينفذوا عهد
أبي بكر في
عمر لم يصر إماما...
ولو أن أبا
بكر بايعه عمر
وطائفة وامتنع
سائر الصحابة
من بيعته لم
يصر إماما
بذلك، وإنما
صار إماما
بمبايعة
جمهور الناس...
وأما عهده إلى
عمر فتم بمبايعة المسلمين
له بعد موت
أبي بكر فصار
إماما. (منهاج
السنة ج1 ص 142) والمنتقى
من ميزان
الاعتدال،
للذهبي، ص 62-63
[12] - وقد أخرج أحمد والبيهقي في دلائل النبوة: قال: لما ظهر علي يوم الجمل قال: أيها الناس، إن رسول الله (ص) لم يعهد الينا في هذه الإمارة شيئا، حتى رأينا من الرأي ان نستخلف أبا بكر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم ان أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر، فأقام واستقام حتى ضرب الدين ب