الباب
الخامس
العوامل
الذاتية في
انهيار أنظمة
"الخلافة"
أ-
النظام
الأموي
بغض
النظر عن
شرعية النظام
الوراثي القائم
على القوة
والعنف الذي
حمل اسم
"الخلافة"
منذ عهد
معاوية الى
آخر خليفة
عثماني، فان
عملية
الاستخلاف
والعهد الى
الأبناء والإخوة
كانت تسبب على
مدى التاريخ
صراعا بين
الاخوة والأبناء،
وتفجر
الأنظمة
السياسية من
داخلها، كما
كانت تؤدي في
كثير من
الأحيان الى
تبوء رجال لا
يلتزمون
بالدين، أو
أطفال صغار سدة
"الخلافة"
وهو ما كان
يؤدي الى
ضعف السلطة
وتفكك الدولة
واستيلاء
الوزراء
وقادة الجيش
عليها، أو
استقلال
أمراء
الأطراف عن
المركز.[1]
وقد ساهم
النظام
الأموي
الوراثي
المتأزم في
انتحاره
وانهياره، الى جانب
الحركات
الثورية
العديدة التي
انطلقت رداً
على جرائمه
وسياساته
الظالمة
والمنحرفة عن
الدين، والتي
ابتدأت منذ
أول يوم
استولى فيه
على السلطة
ولم تهدأ يوما
حتى قضت عليه.[2]
ب-
النظام
العباسي
ومع انتقال
السلطة الى
العباسيين
واعتمادهم
النظام
الوراثي، تكررت
المظاهر
السلبية التي
كانت ترافق
العهد الأموي،
من الوصية الى
أطفال أو فسقة
أو ضعاف،
واختلاف
الورثة فيما
بينهم الى
حد الاقتتال
الداخلي
وتآمر بعضهم
على بعض.[3]
وإذا
القينا نظرة
خاطفة على
مجمل التاريخ
السياسي
للخلفاء
والسلاطين في
العهد العباسي،
لوجدنا أن
الخلافة
العباسية
قامت كالخلافة
الأموية على
القوة، ولم
تحسب يوما حسابا
للرأي العام
أو الرضا
الشعبي، أو
الاعتماد على انتخاب
الناس، وأنها
فقدت السلطة
لصالح البرامكة
الفرس الذين
سيطروا على
الدولة، ثم
فقدت القوة
لصالح
العساكر
الأتراك
الذين
استقدمهم العباسيون
لحماية
أنفسهم من
الناس،
فاستبد هؤلاء
بهم الى
أن جاءت قوة
أخرى هم البويهيون
فاجتاحوا
الخلافة
وفرضوا على
الخلفاء أن
يفوضوهم
السلطنة أو
بالأحرى
يقوموا
بتغطيتهم شرعيا،
الى أن
جاءت قوة
أخرى، وهي قوة
السلاجقة،
وفرضت نفسها
على مركز
الخلافة ،
وعندما حاول
الخلفاء
العباسيون ان
يستعيدوا
قوتهم كانت
قوة البلاد
الإسلامية قد
ضعفت وتشتت
وتفككت الى
أن انهارت
أمام الموجة
المغولية.
وكان الصراع
الدموي على
السلطة في
داخل الأسرة
العباسية
وخارجها
السبب الأكبر
في انهيار
الخلافة.
لقد كان النظام
الوراثي يشبه
لعبة
اليانصيب،
يعطي حينا
حاكما قوياً،
ولكنه يعطي
معظم الأوقات
حكاما ضعافا
لا يعادلون
صفرا في
الكفاءة السياسية،
وهذا هو سبب
انهيار
الخلافة العباسية
وما سبقها
ولحقها من
أنظمة سياسية
وراثية. فعندما
خرج التتار
في بداية
القرن
السابع
الهجري، كان بإمكان
الدولة
العباسية أن
تستنهض الأمة
وتبني منها
قوة كبرى، لو
كان ثمة خليفة
قوي شجاع
يتحمل
مسئولياته
بكفاءة، وهذا
كان ممكناً لو
كان للأمة
الإسلامية
دور في انتخاب
الخليفة
وتخطيط
استراتيجية
الدفاع. بيد
أن بنية
النظام
السياسي
العباسي
القائمة على
الوراثة،
والخاضعة
لتلاعب
الحاشية، والبعيدة
عن إرادة
الأمة، سمحت
بولادة "خليفة"
ضعيف كالمستعصم،
الذي "كان
ضعيف الرأي
والبصر
بتدبير
الأمور" بدلاً
من عمه (الخفاجي
بن الظاهر
بأمر الله).
وكما يقول السيوطي:
فقد "كان
للمستنصر أخ
يقال له الخفاجي
فيه شهامة
زائدة، وكان
يقول: لئن
وليت لأعبرنَّ
بالعسكر نهر جيحون،
وآخذ البلاد
من أيدي التتار
واستأصلهم،
فلما مات
المستنصر لم
يرَ الدويدار
ولا الشرابي
تقليد الخفاجي
خوفاً منه،
وأقاموا ابنه
أبا أحمد (المستعصم)
للينه وضعف
رأيه، ليكون
لهما الأمر" .[4] وهذا ما
يدل على أن النظام
السياسي
الوراثي
الفاسد هو
الذي جاء بالخليفة
الضعيف في
أيام الأزمة
الكبرى، بعيداً
عن إرادة
الأمة
ورأيها، وهو
الذي سمح بعد
ذلك باستبداد
كبراء الدولة
بالأمر دون
الخليفة، واتخاذهم
قراراً بحل
معظم الجيش مداراة للتتار.[5] وكانت
النتيجة أن
دخل التتار
بغداد في سنة 656
وقتلوا
الخليفة
المستعصم وقضوا
على الخلافة
العباسية. [6]
ج
-
الأنظمة
السياسية
الأخرى
وهكذا
كان الحال في
التجارب
السياسية
الأخرى التي
نشأت في ظل
العباسيين أو خارجهم
كالدولة
الفاطمية
والأموية
الأندلسية والحمدانية
والطولونية
والإخشيدية والمزيدية
والعقيلية
ودول
المرابطين
والموحدين والأدارسة
والأغالبة
والمماليك
وغيرهم.
وقد
مثلت تجربة الطولونيين
أول حكم محلي
حكمت فيه أسرة
حكما مستقلا
عن حكومة
الخلافة
العباسية،
وكان مؤسس هذه
الأسرة أحمد
بن طولون
جنديا تركيا
ابن أحد
الموالي
الذين أهداهم
ملك بخارى
للخليفة
العباسي
المأمون، وقد
جاء الى
مصر نائباً
للحاكم
العباسي فيها
، ولكنه
استأثر
بالحكم في ظل
ضعف الدولة
العباسية، ثم
بسط سلطانه على
الشام بينما
كان
العباسيون
مشغولين
بمقاومة ثورة
الزنج، وحكم
بعد أحمد بن طولون
ابنه خمارويه
، الذي عقد مع
الخليفة
العباسي
المعتضد اتفاقا
يقضي بمنحه هو
وورثته الحكم
في مصر والشام
لمدة ثلاثين
عاما على أن
يؤدي للخليفة
جعلا سنويا
مقداره
ثلاثمائة ألف
دينار. ثم
بدأت الدولة الطولونية
بالأفول.
وتكررت القصة مرة
أخرى مع
الإخشيديين
الذين حكموا
مصر من سنة 323 الى 358 ، بعد
أن عين
الخليفة
العباسي
الراضي عسكريا
تركيا هو محمد
بن طغج
واليا على مصر
ولقبه
بالإخشيد،
فاستقل عن الدولة
العباسية
وولى الأمر
بعده لابنه
علي، الذي كان
صغيرا فسيطر
عليه
عبده كافور،
ثم أعيد الحكم
بعد كافور الى
أحد أحفاد طغج
ولكنه كان
ضعيفا جدا
فتهاوى أمام
احتلال الفاطميين.
أما الحمدانيون
الذين حكموا
الموصل
والجزيرة
وسوريا حوالي مائة
عام من سنة 293 الى سنة 394،
فقد أسسها
الأخوان
الحسين بن حمدان
، القائد
العسكري
العباسي،
وأخوه عبد
الله بن حمدان،
الذي كان
واليا
للعباسيين
على الموصل،
ثم اصبح حاكما
مستقلا،
واتخذ لقب
(ناصر الدولة)
ثم أخذ يوسع
حدوده غربا،
ثم راح أبناؤه
يتداولون
السلطة واحدا
بعد آخر الى
أن سيطر عليهم
أحد الخدم
(لؤلؤ) الذي
خضع لسيطرة
الفاطميين
وأوصى بالحكم
من بعده لبنيه.
وورث الحمدانيين
في الموصل العقيليون
الذين حكموا
من سنة 380 الى
سنة 489 ، وكذلك المرداسيون
الذين حكموا
حلب وشمال
سوريا من سنة 414 الى سنة 482
ثم انتهت
دولتهم بحرب
أهلية تصارع
فيها الأخوة
على السلطة
حتى اجتاحهم العقيليون.
وحكم المزيديون
وسط العراق
(الحلة) من سنة 350 الى سنة 545
ودخلوا في
سلسلة من
التحالفات
والصراعات مع العقيليين
والفاطميين والسلاجقة
والعباسيين
حتى قضى عليهم
العباسيون.
ولم
يعلن أحد من
حكام هذه
الدول الخلافة،
وإنما كانوا
يحكمون
أنفسهم
بأنفسهم في ظل
الخلافة
العباسية، ما
عدا الحكام
الفاطميين
الذين أسسوا
دولتهم في
تونس وقضوا
على الأغالبة
ثم اجتاحوا
الدولة
الإخشيدية في
مصر وزحفوا
على سوريا والحجاز
وكادوا يجتاحون
العراق، فقد
أعلنوا
أنفسهم خلفاء
في مقابل العباسيين،
ربما لأنهم
كانوا ينتمون
لقريش ، أو للعترة
النبوية
الشريفة، في
حين لم يكن
أحد من الحكام
المحليين السابقين
ينتمي اليها،
وقد انتهت
الدولة
الفاطمية بعد
تصارع الأخوة
فيما بينهم،
عندما
اجتاحهم
الأيوبيون الذين
ورثوا دولة الأتابكة
في الشام، وقد
عانت الدولة
الأيوبية من
مرض الحكم ،
بعد وفاة
مؤسسها صلاح
الدين
الأيوبي، حيث
توزعت مملكته
بين أفراد
أسرته ودبت
الخلافات بين
الأمراء
الأيوبيين في
الوقت الذي
كان
الصليبيون
يشنون حملة
جديدة بقيادة
ملك فرنسا
لويس التاسع،
مما سمح
للمماليك
بأخذ زمام
المبادرة
والسيطرة على
الحكم.
وسار "المماليك"
على خطى
أسلافهم
بتوارث
السلطة
والصراع عليها
بين الاخوة
والأعمام
وأبنائهم،
حتى سيطر
عليهم
العثمانيون
في القرن العاشر
الهجري.
د
– العثمانيون
رغم كل
الفتوحات
التي حققها
العثمانيون
في أوربا باسم
الإسلام ، فان
أسلوب
تداولهم للسلطة
كان أبعد شيء
عن الإسلام،
وعن الأعراف
والقوانين
الإنسانية،
وذلك لما
ابتدعه
العثمانيون
من أساليب جديدة
في الحفاظ على
سلطانهم ومنع
التنافس فيما
بينهم على
السلطة، وذلك
بقتل كل
المنافسين
المحتملين
للسلطان، من
أخوة وأبناء
أبرياء يوم
تولي السلطان
الجديد
للعرش، قبل
قيام أولئك
الضحايا بأي
خطوة عملية
مضادة، وزج
الباقي في السجون
أو الأقفاص
العائلية.
وكان القتل أحيانا
يشمل الأعمام
وأولاد
الأخوة، حتى
أصبح ذلك عادة
أو قانونا
رسميا في
البلاط العثماني،
وقد ابتدأ هذا
الإجراء الفضيع
السلطان با
يزيد الأول،
الذي قتل أخاه
بيديه خنقا
سنة 791هـ 1389م ثم تحول الى قانون
ثابت. وبناء
عليه قتل
السلطان محمد
الثالث عام 1595م
تسعة عشر أخا
له وأثنين من
أبنائه، في
يوم توليه للعرش.
وبدلا
من حماية هذا
القانون
للنظام كما
كان يعتقد
العثمانيون،
فانه أصبح في
الواقع سببا
لضعفه
ولإذكاء
الصراع على السلطة،
من قبل الاخوة
والأبناء ،
دفاعاً عن أنفسهم
من القتل
الوقائي.
ومع أن
الدولة
العثمانية تخلت
عن ذلك
القانون
الوحشي فيما
بعد، إلا أن
السلاطين
ظلوا يمارسون
سياسة
العقوبة
الوقائية لمن
يحتملون
إمكانية منافستهم
على السلطة من
أقاربهم،
وذلك باحتجازهم
في البيوت و"الأقفاص"
الخاصة
ومنعهم من
الاتصال
بالعالم
الخارجي،
بحيث لم يكن هؤلاء
- عندما يتسنى
لهم الوصول
الى
السلطة-
يعرفون أي شيء
عن السياسة
والدنيا، غير
الانغماس في
الملذات
والشهوات.
ونظرا
لقيام
الخلافة
العثمانية
على العصبية
القبلية،
وليس
المبدئية،
فقد اتبعوا
كمن سبقهم من
"الخلفاء"
الأمويين
والعباسيين
نظام توريث
السلطة الى
الاخوة
والأبناء،
وكانت نتيجة
ذلك وصول
بعضهم إلى
الخلافة دون
سن البلوغ أو
الرشد.
سيطرة
الإنكشارية
وهذا ما
أضعف
"الخلافة"
العثمانية بصورة
عامة، وسمح
للانكشارية
(الجيش
العثماني
الخاص)
بالوثوب الى
مركز القيادة
والهيمنة على
السلاطين،
بحيث يعزلون
من يريدون
وينصبون من
يريدون من السلاطين،
وهو ما أدخل
البلاد في
دوامة جديدة
من العنف
والصراع.[7]
ولقد
دام هذا
الصراع بين
السلاطين العثمانيين
وجيشهم الخاص
(الانكشارية)
حوالي ثلاثة
قرون (من 1512 الى
1836) واستمر طيلة
حكم ثلاثة
وعشرين
سلطانا عثمانيا
من بايزيد
الثاني الى
السلطان
محمود الثاني
(1808-1839) الذي
استطاع
القضاء عليهم
سنة 1821.[8]
وهو ما أضعف
الدولة
العثمانية
كثيرا ومنعها من
مواصلة
الفتوحات
ومواجهة
التحديات
الخارجية.
يقول الدكتور
قيس جواد
العزاوي:" إن
الشغل الشاغل
الأعظم
لثمانية
سلاطين من أحمد
الثالث (1703 – 1730) حتى
السلطان
محمود الثاني
(1785-1839) انصرف الى
إيجاد طرق
تجري فيها
إصلاحات
عسكرية من
شأنها إضعاف
وإلغاء
الانكشارية.
ولكي يحققوا
ذلك استعانوا
بكل
الإمكانيات
والحيل. بل
أباحوا لأنفسهم
في النهاية
الاستعانة
بالعامل الخارجي،
وذلك
باستجلاب
خبراء
أوربيين
وقبول مساعدات
واستشارات
أوربية للقضاء
على
الانكشارية".[9]
تفويض
الوزارة
والى
جانب قيام
الانكشارية
باغتصاب السلطة
من الخلفاء
العثمانيين،
الذين كانوا
قد اغتصبوها
بدورهم من
الأمة، فقد
كان السلاطين
أنفسهم
يقومون
أحيانا
بتفويض
السلطة الى
الوزراء لكي
ينصرفوا الى
اللهو واللعب
والتمتع
بالشهوات.[10]
وقد كان لهذا
التفويض، أو
الإهمال،
سلبيات خطيرة
أقلها وضع
السلاطين في
عزلة عما يجري
في الدولة إلا
ما ينقل لهم
من وشايات.[11]
وقد
كانت ظاهرة
غياب
السلاطين عن
إدارة
الدولة،
واضحة
للعيان، وهو
ما دفع مستشاراً
للسلطان مراد
الرابع، هو مصطفى
كوجي بيك،
لكي يدق ناقوس
الخطر، وينبه
السلطان الى
أسباب
التقهقر الذي
بدأ يتجلى في
الدولة العثمانية
في وقت كانت
أوربا تنهض
بقوة، وأن يؤلف
"رسالة" يحدد
فيها أسباب
التخلف ويحذر
من غياب
مشاركة
السلاطين في
أعمال
الحكومة والجيش
.[12]
التفكك
والانهيار
وبسبب
النظام
الوراثي، وضعف
السلاطين،
انحط النظام
السياسي
العام في الدولة
العثمانية،
وأصبح أقرب الى نظام
إدارة قرية أو
قبيلة، ومن
هنا بدأ الضعف
يسري اليه
بسرعة. وكما يقول
الدكتور
العزاوي: "فان
التقهقر الذي
بدأ في الدولة
العثمانية، قد
تسارع مع
بداية القرن
السابع عشر،
حين اشتدت
الأزمات
عليها...لكن
تركز السلطة
بيد الباب
العالي وبعض
حاشية
السلطان،
وغياب الأخير
عن ساحة
التأثير والفعل
قد حال دون
قيام حركة
إصلاح جذرية".[13]
إلا أن الدكتور
علي الوردي يلاحظ
ظهور إمارات
الضعف
والانهيار
على الدولة
العثمانية في
القرن السادس
عشر، ويقول:
إنها لم يكن
من المقدر لها
آنذاك أن تبقى
على قيد الحياة
مدة طويلة،
غير أن الذي
أبقاها حية
على الرغم من
وهنها الشديد
هو ما عرف في
التاريخ الحديث
باسم
"المسألة
الشرقية"
وخوف الدول
الكبرى
كبريطانيا
وفرنسا من موتها
قبل أن يتم
الاتفاق
بينهم على
اقتسام
تراثها، مما أبقاها
مدة طويلة
تعالج سكرات
الموت دون أن
تموت.[14]
ونظرا
لاتساع
الدولة
العثمانية،
التي كانت تضم
شعوبا
وقوميات
وأديانا
مختلفة، وعدم
قدرتها على
هضم تلك
البلاد
وإدارتها بشكل
سليم، أو
إقامة علاقات
متوازنة
وعادلة، وكسب
رضا الشعوب
المختلفة،
إضافة الى
ضعفها من
داخلها نتيجة
الصراعات
الدموية على
السلطة، فقد كادت
الدولة
العثمانية
تتهاوى أمام
تمرد أحد
ولاتها، وهو
محمد علي باشا
، حاكم مصر ،
الذي استولى
على مصر
والحجاز
والشام وهزم
الجيش العثماني
في معركة
نصيبين عام 1839
حتى وصل قريباً
من إسطنبول،
مما أثار هلع
العثمانيين، فسارع
السلطان عبد
المجيد
للاستغاثة
بالروس
والإنجليز
والفرنسيين،
فأرسلت روسيا
جيشا وسفنا
حربية الى
إسطنبول
، وقام
الأسطول
الانجليزي
عام 1840 بتدمير
قوات محمد علي
، واحتلال مصر
بعد ذلك.[15]
وعندما
أدرك
العثمانيون
حجم التخلف وعمق
الانهيار،
حاولوا إصلاح
الأمور، فاستعانوا
بالغرب
لتحديث جيشهم
وتقديم
المشورة السياسية
والقضائية
والقروض
الاقتصادية، مما
زاد في أزمتهم
وفتح المجال
أمام تغلغل المستشارين
الأجانب في
دولتهم، حتى
أصبحوا
يشكلون في عهد
السلطان سليم
الثالث قوة
سياسية
داخلية،
ويساهمون في
صناعة القرار
السياسي
للإمبراطورية،
ودفعهم
لإصدار
"تنظيمات"
إصلاحية
علمانية مقتبسة
من القوانين
البلجيكية
والفرنسية والسويسرية،
مما زاد الطين
بلة، وأشاع
الفوضى
والعصيان.[16]
وهذا ما وضع الدولة
العثمانية
رسميا على طريق
نهايتها
كدولة
إسلامية، وسحب
شرعيتها في
أنظار
المسلمين.[17]
دور
الاستبداد في
انهيار نظام
الخلافة
ومع
حدوث التطور
الديموقراطي
في الغرب في
القرون
الأخيرة،
انتبه كثير من
المسلمين الى
أن جذر التخلف
والانحطاط في
الدولة
العثمانية هو
النظام
الاستبدادي،
وأخذوا
يطالبون
بالديموقراطية
كخطوة ضرورية
لمعالجة
الأمراض التي
كانت تفتك
بها، وتهدد
وحدتها. وكان
من بين
المنادين بالديموقراطية
سكان الدولة
من المسيحيين
الأوروبيين
واليهود،
الذين كانوا
يشكلون حوالي أربعين
بالمائة من
السكان،
والذين
تحالفوا مع
الدول الأوربية
، وأشعلوا
عددا من
الثورات
الداخلية،
وهو ما أدى الى
عقد مؤتمر إسطنبول
سنة 1876 للنظر في
أوضاع سكان
الولايات
المسيحية
الخاضعة
للدولة
العثمانية في
أوروبا، ووضع
شروط الصلح
بين الدولة
العثمانية
والصرب. وفي
تلك الأثناء
قام السلطان
العثماني عبد
الحميد
الثاني بالإيعاز
الى رئيس
وزرائه الصدر
الأعظم (مدحت
باشا) بسن
دستور يطمئن
الدول
الأوربية،
ويعدها بضمان
حقوق مساوية
للمسيحيين مع
المسلمين،
دون نظر إلى
ديانتهم.[18]
وكان
ذلك الدستور
أول محاولة
لتطوير الدولة
العثمانية
ديموقراطيا،
فقد قلص ، بالاضافة
الى ذلك، من
صلاحية السلطان،
وفصل بين
السلطات
الثلاث،
وأعطى السلطة
التنفيذية
للصدر الأعظم
(رئيس
الوزراء) ونص
على تشكيل
برلمان وإجراء
انتخابات،
وضمن استقلال
القضاء. [19] ورغم
كل الملاحظات
التي
كانت تؤخذ
على الدستور،
إلا إن الكثير
من دعاة
الإصلاح
اعتبروه خطوة مهمة
جدا على طريق الخروج من
أزمة
الإمبراطورية
العثمانية.[20]
ولكن
السلطان عبد
الحميد تراجع عنه بعد
عام، وأعلن
في 14
فبراير 1878م عن حل
البرلمان تعليق
الدستور الى
أجل غير مسمى.
مما أدى الى
انفصال الأقاليم
المسيحية، وقيام
الدول الأوربية
بشن هجوم واسع
على البلاد
العربية، واحتلال
فرنسا لتونس
(عام 1881) و
بريطانيا لمصر
(عام 1882) ومسقط (عام 1892)
والكويت (عام 1899).
وفي
محاولة منه
لمواجهة الاستعمار
الغربي
والحركة
الديموقراطية
في الداخل،
سعى السلطان
عبد الحميد
لإحياء
الرابطة
الإسلامية، في
داخل الدولة
العثمانية
وخارجها،
وأوفد لذلك
وفوداً إلى
مصر وتونس
والهند وأفغانستان وإندونيسيا
والصين،
للاستغاثة
بالمسلمين ودعوتهم
إلى التضامن والتحالف
ضد الخطر
الأوروبي ،
تحت شعار "الخلافة"
و"الجامعة
الإسلامية".
وأعلن أنه
"خليفة" لكل
المسلمين.
وكان بذلك،
أول سلطان
عثماني يعلن
"الخلافة" رسميا
ويدعو إلى
مبايعته.[21]
وعلى رغم
قيام الخلافة
الإسلامية الأولى
على أساس
الشورى، فان
السلطان عبد
الحميد حاول
تقديم مشروعه بصورة
بعيدة عن الديموقراطية،
واتهام
دعاتها
بالعمل على تقويض
الدولة
العثمانية.[22]
ولم يأخذ بنظره
الدعوات
الإسلامية
الداخلية للإصلاح
الديموقراطي،
التي كان
يقودها علماء
مسلمون
ومصلحون
مخلصون، من
أمثال رفاعة الطهطاوي
وخير الدين
التونسي
وجمال الدين
الأفغاني وعبد
الرحمن
الكواكبي
ومحمد عبده
ومحمد رشيد رضا
وغيرهم وغيرهم.
ولذلك اعتبرت
محاولة
السلطان وضع
شعار الخلافة في
مقابل شعار
الديموقراطية،
محاولة لدفن
الرأس في
الرمال،
وغضاً للبصر عن
عوامل الفساد
والانحطاط
التي كانت
تنخر في جسد
الدولة
العثمانية.
وبقي
السلطان عبد
الحميد
الثاني مصراً
على موقفه
الرافض
للإصلاحات
الديموقراطية،
مدة ثلاثين
عاما، حتى قام
أحد ضباط
الجيش التركي
من جمعية
"الاتحاد والترقي"
وهو (أنور
باشا) بالزحف الى
العاصمة في
خريف عام 1908
وإجبار
السلطان على
إعادة العمل
بالدستور، ثم
قام بعد ذلك
بخلعه (في
نيسان
1909)
وتنصيب أخيه
محمد رشاد
الخامس مكانه.[23]
وزاد
الوضع سوءا
دخول الدولة
العثمانية في
الحرب
العالمية
الأولى، دون
أن يكون لها
فيها ناقة ولا
جمل،
وهزيمتها واحتلال
الحلفاء عاصمتها
(الآستانة)، واستقالة
السلطان محمد
رشاد لصالح
محمد السادس ( 1918
- 1922) الذي وقع
تحت تأثير
المحتلين
وأصبح آلة
بأيديهم.
ولم تمض
الأيام حتى
قام قائد
عسكري هو مصطفى
كمال بالسيطرة
على الدولة وعزل
السلطان محمد
السادس في عام
1922 وتعيين
عبد المجيد
الثاني مكانه.[24]
ووفقا
لشروط الصلح
التي وقعها
كمال مع
المحتلين،
كان عليه أن
يقوم بفصل
السلطنة الزمنية،
عن الخلافة
وتحويلها الى
خلافة دينية
روحية،
وتجريد
الخليفة من
السلطات،
واعتباره
صاحب منصب
ديني وشخصية
روحية فحسب.
وهذا ما قام
به
بعد ذلك
بحوالي عام،
حيث أعلن في
البداية (الجمهورية
التركية) في
ظل الخلافة في
سنة 1923م، ثم قام
بعزل
"الخليفة"
عبد المجيد
الثاني ونفيه الى
الخارج
وإلغاء
الخلافة
نهائيا في 3
مارس 1924م. واتخذ
سلسلة قرارات معادية
للإسلام
كإلغاء الشريعة
الإسلامية
وحذف الإسلام
من دستور
الجمهورية
التركية ،
وتحويل تركيا الى دولة
علمانية لا
دينية.
وبغض النظر عن العوامل الخارجية في سقوط الدولة العثمانية، فقد أكد كثير من المفكرين الإسلاميين، على عنصر الفساد الداخلي الذي كان ينخر "الخلافة" من داخلها، فقال الدكتور مصطفى حلمي:"طرأ الفساد على نظام الخلافة منذ أن جعلت وراثية فخضع أصحابها لعصب