الفصل السابع: تفويض
الوزارة
والسلطنة
أدى
الضعف الذاتي للنظام
العباسي
الناتج عن
الصراع
الداخلي واستخلاف
أطفال أو شباب
لاهين لا
يهمهم سوى الشراب
والغناء
والانغماس في
الملذات،
وفقدان القوة
باستيلاء
الجيش على
الحكام،
واستيلاء
الأمراء على
الأطراف..كل
ذلك أدى إلى
فقدان
العباسيين
لسلطتهم
المطلقة
لصالح
الوزراء
وقادة الجيش،
فظهر نمط جديد
من أشكال
الحكم ، هي
صيغة وزارة
التفويض أو
إمارة
الاستيلاء،
بحيث لم يبق "للخلفاء"
إلا موقع رمزي
صوري لا حول
لهم فيه ولا
طول.
وفي
الوقت الذي
كان الفقه
السني يعطي شرعية
مطلقة
للخلفاء
الذين
استولوا على
السلطة بالقوة
والقهر
والغلبة، أو
ورثوها عن
آبائهم بدون شورى
ولا موافقة
أهل العقد
والحل أو رضا
العامة،
ويوجب على
الأمة طاعتهم
طاعة مطلقة
حتى وإن جاروا
وإن فسقوا أو
انحرفوا عن
الشريعة
الإسلامية، فإن
ذلك الفقه كان
يعترف بالأمر
الواقع ويعطي
الشرعية لمن
غلب على
الخلفاء وسيطر
عليهم واستبد
بالأمر دونهم.
وفي الوقت
الذي كان ذلك الفقه
يرفض أو يتردد
في السماح
للأمة بخلع الحكام
الظلمة، فانه
كان يبادر إلى
إضفاء ثوب الشرعية
على من يقوم
بعزلهم
وخلعهم حتى وإن
كان الخليفة
المعزول
يتمتع
بالصلاح والتقوى
وحب الأمة
ورضاها أو كان
منتخبا منها. وذلك
بعد أن أضحت
فسلفة السلطة
قائمة على القوة
والقوة فقط،
وتهميش
الأبعاد
الأخرى.
وعندما
كان
"الخلفاء"
يتنازلون عن
سلطاتهم أو
يفوضونها لمن
يشاءون لم
يكونوا
بالطبع
يسألون الأمة
أو يستشيرون
أهل الحل
والعقد الذين
لم يكن لهم أي
وجود رسمي،
وإنما كانوا
يتصرفون
بالسلطة
وكأنها ملك شخصي
لهم. فقد قام
هارون الرشيد،
عند توليه
للسلطة،
بتفويض
الوزارة ليحي
بن خالد
البرمكي
تفويضاً
عاماً، وقال
له:"قد قلدتك أمر
الرعية، و
أخرجته من
عنقي إليك،
فاحكم في ذلك
بما ترى من
الصواب، و
استعمل من
رأيت، و اعزل
من رأيت ، و
أمضِ الأمور
على ما ترى".
ودفع إليه
خاتمه. ثم فوض
جعفرَ بن يحيى
الأمورَ كلها الى
أن قتله بصورة
مفاجئة سنة 187.[1]
وعندما
استولى
البويهيون
على الدولة
العباسية،
قام معز
الدولة
بالحجر على
الخليفة
المستكفي، ثم
خلعه من
الخلافة،
وبايع المطيع
بدلا منه.[4] ولم يحض
هذا (الخليفة)
من أمر
الخلافة سوى
بالخطبة يوم
الجمعة. [5]وظل
المطيع خليفة
بالاسم فقط،
إلى أن أجبر
على
الاستقالة
لصالح ابنه الطائع
عبد الكريم.[6]
وقام الطائع
بتتويج عضد
الدولة البويهي
وفوض إليه
السلطة
كاملة، قائلا:"
قد رأيت أن
أفوض إليك ما
وكل الله إلي
من أمور
الرعية في شرق
الأرض
وغربها،
وتدبيرها في جميع
جهاتها سوى
خاصتي
وأسبابي،
فتول ذلك".[7] وبعد
وفاة عضد
الدولة قام
الطائع
بتفويض فخر
الدولة
البويهي تفويضا
كاملا، وجاء
في عهده ما
يلي:" هذا ما
عهد عبد الله
عبد الكريم الطائع
لله أمير
المؤمنين إلى
فخر الدولة...
فقلده الصلاة
وأعمال الحرب
والمعاون
والأحداث
والخراج
والأعشار
والضياع
والجهبذة
والصدقات
والجوالي
وسائر وجه
الجبايات
والعرض والعطاء
والنفقة في
الأولياء
والمظالم
وأسواق
الرقيق
والغيار في
دور الضرب
والطرز والحسبة".[8]
ولما تولى
الخليفة
العباسي
القائم بأمر
الله، كانت
السلطة بيد
جلال الدولة
بن بهاء
الدولة، فقام
القائم
بتفويض الأمر
إليه.
ولم
يكن الأمر
مقتصرا على
البوهيين،
فقد كان الحال
مشابها مع السلاجقة
الذين احتلوا بغداد
في منتصف
القرن الخامس
الهجري، حيث استدعى
(القائم) زعيمهم
طغرلبك وفوضه
تفويضا شاملا
وقال له: "إن
الخليفة قد
ولاك جميع ما
ولاه الله
تعالى من
بلاد".[11]
وكان
الخلفاء
العباسيون
يضطرون أحيانا
إلى تفويض
السلطة إلى
أطفال من
أبناء الأمراء
الحاكمين،
مثلما حدث مع
الخليفة
المقتدي الذي
سلطن الطفل
محمود بن
ملكشاه
السلجوقي، ولم
يكن له من
العمر سوى خمس
سنين، وعندما
خرج عليه أخوه
بركياروق،
وعزله، قام
الخليفة أيضا
بتقليده
السلطنة بدون
نقاش أو تردد.[12] وحدث نفس
الشيء مع
الخليفة
المستظهر
الذي قام
بتقليد
السلطنة إلى
الطفل جلال
الدولة بن
بركياروق،
إلى أن خرج
عليه عمه محمد
، فقلده
الخليفة السلطنة
عوضا عنه.[13]
وهكذا كانت
عملية
التفويض من
الخلفاء ،
سواء
بالوزارة أو
السلطنة أو
إمارة الأمراء
(قيادة
الجيش)، تتم
بالرغم من
إرادتهم، بل انهم
كانوا
يستمدون
منصبهم
بالخلافة من
أولئك
الأمراء
والسلاطين
الذين كانوا
يقبضون على
مقاليد القوة
ويعينون من يشاءون
من الخلفاء
ويخلعون من
يشاءون.
وإذا كان
العباسيون في
العراق يحظون بدرجة
من القوة
أحيانا،
فانهم لم
يحظوا بأي قدر
من السلطة في
دولتهم
الثانية في
مصر، في ظل "المماليك"
حيث لم يكن
"الخلفاء"
إلا رمزا
اسميا أو غطاء
لإضفاء
الشرعية على
حكم
المماليك،
ولذلك كانوا يقومون
بتفويض
السلطة
للمماليك في
أول يوم من
توليهم عرش
"الخلافة".
وكانوا
أحيانا يضطرون
لتقليد
السلطنة
للأمراء
المتصارعين
فيما بينهم
على السلطة،
واحدا بعد
آخر، من وراء
معتقلاتهم في
البروج .[14]
وتكشف فقرة
في وثيقة بيعة
الحاكم بأمر
الله أحمد بن
المستكفي، بعد
خلع ابن عمه
إبراهيم
الواثق،
بواسطة الملك
المنصور أبو
بكر بن الناصر
محمد بن قلاوون
سنة 742، عن طبيعة
عملية
التفويض
القسرية التي
قام بها
"الخليفة" للملك
المنصور، في
أول ساعة من تسلمه
"الخلافة".
حيث جاء فيها: "فوضت
إليك جميع أمر
المسلمين،
وقلدتك ما تقلدته
من أمور الدين".[15]
ورغم أن
عملية
التفويض كانت غالبا
قسرية
وبالتالي
فإنها كانت
غير شرعية،
ومناقضة
بالمرة
لصلاحيات
الإمام
الواسعة
والمطلقة
التي كان
يثبتها الفكر
السياسي السني
للخلفاء، إلا أن
الفقهاء
السنة،
وانطلاقا من
الاعتراف
بسياسة الأمر
الواقع،
كانوا يضفون
عليها ثوباً
من الشرعية،
ويحاولون
تبريرها
بمختلف الطرق.
يقول أبو
الحسن
الماوردي
وأبو يعلى الفراء:"...
فأما الحجر
فهو أن يستولي
عليه من
أعوانه من يستبد
بتنفيذ الأمور
من غير تظاهر
بمعصية ولا
مجاهرة
بمشاقة، فلا
يمنع ذلك من
إمامته ولا
يقدح في صحة
ولايته".[16]
ويقول
الماوردي:"وأما
إمارة
الاستيلاء
التي تعقد عن
اضطرار فهي أن
يستولي
الأمير
بالقوة على
بلاد يقلده الخليفة
إمارتها
ويفوض إليه
تدبيرها
وسياستها،
فيكون الأمير
باستيلائه
مستبدا
بالسياسة
والتدبير،
والخليفة بإذنه
منفذا لأحكام
الدين، ليخرج
من الفساد إلى
الصحة ومن
الحظر إلى
الإباحة...
فجاز فيه مع
الاستيلاء
والاضطرار ما
امتنع في
تقليد
الاستكفاء
والاختيار
لوقوع الفرق بين
شروط المكنة
والعجز".
ويبرر عملية
التقليد
للمستولي القاهر
بالضرورة.[17]
وكذلك يتحدث
الفراء عن
إمارة الاستيلاء،
فيحتم تقليد
المستولي إذا
كملت فيه شروط
الاختيار، ويجيزه
إن لم يكن
كذلك "استدعاء
لطاعته وحسما
لمخالفته
ومعاندته".[18] ولا ينسى
الفراء
التذكير
بضرورة استكمال
القواعد
الشكلية،
كإجراء العقد
باللفظ "لأن
التفويض عقد
والعقود لا
تصح إلا
بالقول"!.[19]
ويعطي
الفراء
صلاحيات
واسعة للوزير المفوض
تشابه
صلاحيات
الإمام،
فيقول:" يجوز لوزير
التفويض أن
يستبد بتقليد
الولاة.. وان يتفرد
بتسيير
الجيوش
وتدبير
الحرب..وان
يتصرف في
أموال بيت
المال بقبض ما
يستحق له ودفع
ما يجب فيه..ويجوز
لوزير
التفويض أن
يوقع عن نفسه
إلى عماله
وعمال
الخليفة،
ويلزمهم قبول
توقيعاته... ويجوز
لوزير
التفويض أن
يستخلف نائبا
عنه".[20]
ولكن إمام
الحرمين
الجويني، استنكر
عملية
التفويض
الكلية
للوزراء
والسلاطين، باعتبارها
تتناقض مع
مهمة الإمامة
الأساسية،
وتؤدي إلى
إنشاء
إمامتين في
وقت واحد وفي
مكان واحد،
وحاول أن يعود
بالواقع قليلا
إلى حالته المثالية
الأولى، فرفض
التفويض المطلق،
لأنه يعني
تنازل الإمام
عن إمامته.[21]
وأجاز
التفويض
المسمى
بالوزارة.[22]
وشن الجويني
حملة شعواء
على التفويض
الكامل،
وقال:إن"ذلك
غير سائغ، وهو
(الخليفة) مؤاخذ
بحق الأمة يوم
القيامة،
ومطالب أو معاتب
معاقب، وإذا
تمادى على ذلك
فقد ينتهي
الأمر إلى
التفسيق".[23]
ولكن
الجويني
تعامل مع
السلاطين
السلاجقة
الذين كانوا
يهيمنون على
الخلافة
العباسية
هيمنة كاملة،
بمنتهى
الشرعية،
وأعطاهم جميع
صلاحيات الخلفاء،
كنصب القضاة والولاة.[24]
وذلك لأنه كان
قد اعترف
بشرعية "من
يستبد
بالاستيلاء والاستعلاء
من غير نصب
ممن يصح نصبه،
إذا استظهر
بالقوة وتصدى
للإمامة ،
ودعا الناس
إلى الطاعة" واعتبره
"إماما حقاً،
وهو في حكم
العاقد
والمعقود له".[25]
وذلك لأن
قاعدة
الإمامة في
نظر الجويني"الاستظهار
بالمنة
والاستنكار
بالعدة والعدد
والقوة".[26] ولم
يكن يحول بينه
وبين
الاعتراف
الكامل بالبويهيين
والسلاجقة
كخلفاء، سوى
أنهم ليسوا من
قريش.
وقد شكل القبول
بالتفويض
علامة على انهيار
الحضارة
الإسلامية.
تماما كما شكل
قيام الجيش الروماني
بنصب الأباطرة،
علامة على
انهيار الإمبراطورية
الرومانية، ولكن
مأساة
الخلافة كانت
أكبر حيث كان
قادة الجيش
ينصبون
أنفسهم ملوكاً
وسلاطين فوق
الخلفاء،
ويستهترون
بالأمة وبإرادتها
ودورها في
الحياة
السياسية.
[2]
-
السيوطي ،
جلال الدين ،
تاريخ
الخلفاء، ص 351
[4]
-
السيوطي ،
تاريخ
الخلفاء، ص 367 – 368
و
القلقشندي، مآثر
الانافة ، ج1 ص
299-301
[5]
-
السيوطي ، تاريخ
الخلفاء، ص 372
[6]
-
القلقشندي، مآثر
الانافة في
معالم
الخلافة، ج1 ص 303
[7]
-
السيوطي ، تاريخ
الخلفاء، ص 377
[8]
-
القلقشندي،
مآثر الانافة
في معالم الخلافة،
ج3 ص 12
[10]
-
السيوطي ،
تاريخ
الخلفاء، ص 380
[11] -
القلقشندي،أحمد
بن عبد الله ،
مآثر الانافة
في معالم الخلافة،
ج1 ص 334 و السيوطي
، جلال الدين
، تاريخ الخلفاء،
ص 380
[12]
-
السيوطي ،
جلال الدين ،
تاريخ الخلفاء،
ص 392
[13]
- المصدر، ص 395
[14]
- المصدر، ص 442
[15]
-
القلقشندي،أحمد
بن عبد الله ،
مآثر الانافة
في معالم
الخلافة، ج 2 ص 242
[17]
-
الماوردي،
الأحكام
السلطانية ، ص
39- 40
[18]
-
الفراء،
الأحكام
السلطانية، ص
45- 46 والقلقشندي
، مآثر
الانافة في
معالم
الخلافة، ج1ص72
[19]
- الفراء،
الأحكام
السلطانية،
ص35 - 36
[20]
- المصدر، ص37 – 40
[21]
-
الجويني،
غياث الأمم ،
ص 129
[22]
- المصدر، ص 130
[23]
- المصدر، ص 204
[24]
- المصدر، ص 244
[25]
- المصدر، ص 217
[26]
- المصدر، ص 220