الفصل السادس:  الطاعة المطلقة للإمام، وتحريم الثورة والخروج

 

    بعد تبني الفكر السياسي السني لنظرية السلطة المطلقة، كان لا بد ان يتبنى الوجه الآخر لها وهي الطاعة المطلقة من قبل الأمة للإمام بغض النظر عن التزام الإمام بالشريعة الإسلامية أو وفائه بشروط عقد الإمامة، وخاصة بعد القبول بطريقة الاستيلاء على السلطة بالقوة والقهر والغلبة. وكان ذلك -كما قلنا - بناء على تفسير مطلق لآية الطاعة :"يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم". النساء 59 .

   وشكل هذا الموقف السني انقلابا على الموقف الإسلامي الأول الرافض للطاعة المطلقة، والقائل بجواز الثورة والخروج عند انحراف الحاكم، وجاء معتمدا على أحاديث ضعيفة تخالف العقل والقرآن والأحاديث الصحيحة الثابتة. ولذلك فقد تمسك بعض فقهاء أهل السنة بالموقف النسبي، ورفضوا الطاعة المطلقة للحاكم الظالم الفاسق، ولكن موقفهم تضاءل أمام التيار العام الذي دعا للاستسلام للطغاة.

 

أ- الطاعة النسبية  

 

   يحفل التراث السني بروايات تنسجم مع الموقف الإسلامي الأول القاضي بالطاعة النسبية للحاكم كالحديث الذي أخرجه البخاري عن نافع عن عبد الله بن عمر عن النبي (ص) انه قال: "السمع والطاعة على المرء فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".[1] والحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله:" انه سيلي أمركم من بعدي رجال يطفئون السنة ويحدثون البدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، قال مسعود: كيف بي إذا أدركتهم؟ قال: ليس يا ابن أم عبد طاعة لمن عصى الله. قالها ثلاث مرات".[2] ونحوه ما رواه عبادة بن الصامت قال:" سيليكم أمراء بعدي، يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله".[3]  وهي روايات تؤكد موضوع الطاعة النسبية، وحق الأمة بخلع الإمام إذا ما انحرف عن العدل أو الالتزام بالشريعة الإسلامية.[4] وقد بنى أبو يعلى الفراء موقفه على أساس تلك الأحاديث وألغى حق الطاعة للإمام إذا أخل بحقوق الأمة وخرج عن شروط الإمامة، بحيث أدى الى جرح عدالته. [5] وأجاز الإمام الرازي للرعية عزل الإمام، وليس العلماء فحسب، إذا أقدم على المحظور.[6] وأوجب ابن حزم قيام الأمة بعزل الإمام بالقوة، وعدم جواز طاعته إذا ما خالف الشرع. وعدَّ الأئمة الثلاثة أبا حنيفة ومالكا والشافعي بأنهم ممن يرى سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإنكار منكرات الأئمة الظلمة. [7] وقال الحافظ ابن حجر:"إن الخروج بالسيف على أئمة الجور مذهب للسلف قديم".[8] وذهب أبو بكر الجصاص والقاضي البيضاوي الى اشتراط التزام الأئمة بالعدل والصلاح، وعدم صلاحية الفاسق للإمامة.[9]

  وفي الحقيقة إن كثيرا من الفقهاء السنة كانوا يؤمنون بضرورة الطاعة النسبية للإمام، ويقولون بوجوب عزل الإمام المنحرف، ولكنهم لم يكونوا يملكون الآلية السليمة لتنفيذ هذا القرار، ولذلك كانوا يضطرون للتراجع عن رأيهم الأول أمام ضغط الواقع والخوف من الفتنة. كما فعل ابن حزم الأندلسي الذي نصح بالتريث وعدم المبادرة إلى خلع الإمام الظالم الفاسق بسرعة قبل التمكن من إزالة ظلمه، وإقامة الحد عليه. [10]  وكما فعل القاضي عبد الرحمن الإيجي الذي أعطى للأمة حق خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه، كما كان لهم نصبه وإقامته، ولكنه دعا لاحتمال أدنى المضرتين، إذا تسبب الخلع في فتنة.[11]  

    وكان إمام الحرمين الجويني يشترط العدالة والتقوى والورع في الإمام.[12] ويؤكد حق الأمة في خلع الإمام الفاسق وانخلاعه.[13] ولكنه يقف عاجزا أمام تعنت الإمام الفاسق، فيقترح استبداله إذا كان في ذلك مصلحة وعليه قدرة. حيث يعترف بواقع فسق كثير من الأئمة وعدم القدرة أو المصلحة على استبدالهم كل يوم و"استحالة استمرار مقاصد الإمامة مع المصير إلى أن الفسق يوجب انخلاع الإمام على الإطلاق" ويتأرجح بين التمسك بقرار العزل الذي قد يكلف كثيرا من الدماء، وبين التسليم للأمر الواقع الذي يناقض الهدف من دور الإمام وهو خلافة الله في الأرض وإقامة الشرع والحق والعدل، فيحاول القياس والترجيح ببعض المرجحات، ويفرق بين اشتراط العدالة في بدء تعيين الامام، وبين انحرافه في المستقبل. كما يفرق بين الذنوب الشخصية والأخطاء السياسية الكبرى .[14] وكذلك يفرق بين ارتكاب الإمام للهنات والصغائر ، وبين التمادي في الفسوق والعصيان والعدوان وظهور الفساد وتعطل الحقوق والحدود، ووضوح الخيانة وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور ، وتعطيل الثغور، وما الى ذلك، فيوجب الخلع والانخلاع في الحالة الثانية فقط.[15] ويستعين ببعض الأخبار التي تؤيد التسامح مع الأئمة الفساق.[16]

   ونظراً لغياب دور أهل الحل والعقد أو المؤسسات الدستورية والقضائية التي تقوم بالتغيير ، يقترح الجويني تعيين إمام جديد في مقابل الإمام الظالم الفاسق، إذا أمكن تجنب الدماء.[17]

 

   ورغم تحدث الماوردي عن اشتراط الطاعة للإمام بقيامه بحقوق الأمة، وعدم تغير حاله بالفسق الذي يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، وقوله بخروج الفاسق من الإمامة وعدم عودته اليها إذا تاب إلا بعقد جديد.[18] فانه يَعتبِر "وليَ الأمر الإمامَ المتأمرَ مفوضاً إليه من الشرع، ومفروضاً من الله، سواء كان براً أو فاجراً".[19]

 

  ب - الطاعة المطلقة

 

   لقد تغير الموقف الإسلامي الأول، الذي كان يلتزم به الصحابة والتابعون والسلف الأول، مع تفشي الأحاديث (الضعيفة أو الموضوعة) التي تدعو الى طاعة الإمام بصورة مطلقة، إلا في حالة كفر الإمام البواح.  وهذه بعضها :

  -  عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ عن رسول الله (ص) أنه ‏قال:" ‏من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية ومن خرج من أمتي يضرب برها وفاجرها لا ‏ ‏يتحاشى  ‏من مؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس من أمتي".

   -  وعن أبى هريرة عن النبي (ص) انه قال:"إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء وكلما هلك نبي خلفه نبي، وانه لا نبي بعدي، وانه سيكون خلفاء فتكثر ، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فُوا لهم ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم الذي جعل الله لهم ، فان الله سائلهم عما استرعاهم".[20]

 - وعن أبى هريرة: أن رسول الله (ص) قال:" الجهاد واجب مع كل أمير براً كان أو فاجراً".[21]

 - وعن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول:"تفرقت بنو إسرائيل على سبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسايرها في النار. فقلت ولتزيد هذه الأمة عليهم واحدة، فواحدة في الجنة وسايرها في النار، فقلت: فما تأمرني؟ قال: عليك بالسواد الأعظم، قال فقلت: في السواد الأعظم ما قد ترى، قال:السمع والطاعة خير من الفرقة والمعصية".[22]

  - وعن عبادة بن الصامت: قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله.

   - وعن عبد الله بن عمر عن النبي انه قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".

  - وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله (ص):"إنها ستكون بعدي أثرة، وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم".

  - وعنه  (ص) : انه سيكون عليكم أئمة تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد بريء، ومن كره فد سلم، ولكن من رضي وتابع، فقيل : يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا.

  - وعن حذيفة اليمان: قال قلت: يا رسول الله، إنا كنا بشرٍ فجاء الله بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟قال : نعم، قلت: هل من وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم، قلت : هل وراء ذلك الخير شر؟ قال نعم، قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان انس. قلت: كيف اصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع.

   - وعن عوف بن مالك الأشجعي، قال: سمعت النبي (ص) يقول: خياركم أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله تعالى ولا ينزعن يدا من طاعة.

  - وعن وائل بن حجر قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله فقال: يا رسول الله إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض، ثم سأله في الثانية أو الثالثة ، فقال :"اسمعوا وأطيعوا ، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم".[23] 

 

  وقد روى الكثير من هذه الأحاديث البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجة وأبو داود. وبناءً عليها قال الإمام أحمد بوجوب السمع والطاعة لـ"أمير المؤمنين البر والفاجـر ومن ولي الخلافة، واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن تغلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمِّي أميرُ المؤمنين" واعتبر ذلك ركناً من أركان "السنة والجماعة". وقال:"من خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلاقة، بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج غليه لأجد من الناس. فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق".[24]

   وقد رفض الإمام أحمد الخروج على الخلفاء العباسيين المعتزلة (المأمون والمعتصم والواثق) الذين كانوا يضطهدون أهل الحديث، ويقولون بخلق القرآن ، مما كان يعده أحمد كفراً.[25] وأوصى فقهاء بغداد، الذين اجتمعوا اليه وشكوا تفاقم الحال من القتل والتعذيب، بعدم الخروج أو شق عصا المسلمين، والاكتفاء بالاستنكار بالقلب.[26]  

   وكان أحمد قد ورث ذلك الموقف السياسي من عدد من أئمة أهل الحديث السابقين كسفيان الثوري.[27] وشيخه علي بن المديني.[28]

   ولم يكتفِ أئمة أهل السنة باتخاذ موقف الطاعة المطلقة من الحكام الظلمة، وإنما أضفوا عليه ثوبا شرعيا، ورفعوه الى مستوى المسائل العقدية، الفارقة بين السنة والبدعة، وقد تبعهم في ذلك فقهاء آخرون. منهم الامام  أبو الحسن الأشعري (260-324هـ) بعد تخليه عن الاعتزال واقترابه من السنة (أهل الحديث) حيث وقف في طليعة المتكلمين القائلين بالطاعة المطلقة، وأعلن يوم تحوله في مسجد البصرة:"نرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين بإنكار الخروج بالسيف وترك القتال في الفتنة".[29] 

  ومنهم الإمام أبو جعفر الطحاوي (239-321هـ) الحنفي الذي اقترب من المذهب السني (الحنبلي) ، ثم أضفى على مسألة الطاعة المطلقة طابع العقيدة ، بقوله:"لا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمرنا، وإن جاروا، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة". ومع انه استثنى من ذلك الأمر بالمعصية فقط، إلا انه أضاف:"وندعو لهم بالصلاح والمعافاة ... فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً، ونحن برءاء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه... ونتبع السنة والجماعة، ونتجنب الشذوذ والخلاف والفرقة، والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما".[30]

   وقد اعتبر الطحاوي الخروج  على الحاكم الظالم، نوعا من  مخالفة الجماعة، و"من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".[31]  ثم جاء ابن أبي العز الحنفي وشرح "العقيدة الطحاوية" وعززها بمزيد من الروايات التي  توجب "السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة".[32] رغم أن الطاعة في المعروف للحاكم الظالم تعزز من سيطرته وتؤدي الى مزيد من الظلم.

   ومع مرور الزمن وانتشار المذهب السني تكرس هذا الاتجاه السلبي ، فقال أبو بكر احمد بن إبراهيم الإسماعيلي ( 277- 361): إن أئمة أهل الحديث لا يرون الخروج على أئمة الجور بالسيف ولا قتال الفتنة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل.[33] واتخذ أبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم ، وأبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر ، وأبو بكر الخلال موقفا مماثلاً وقالوا:"لا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يداً من طاعة، ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة".[34] وقال إمام أهل السنة في القرن الرابع، البربهاري:"ليس في السنة قتال السلطان، فان فيه فساد الدنيا والدين، ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي، وقد شق عصا المسلمين، وخالف الآثار ، وميتته ميتة جاهلية".[35] وقال القاضي عياض :إن رأي "جمهور أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أن الإمام لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك بل يجب وعظه وتخويفه".[36] 

   وقد اعتبر البربهاري مجرد الدعاء على السلطان الظالم خروجاً عن السنة.[37] وقال:" أُمرنا أن ندعو لهم بالصلاح ، ولم نؤمر أن ندعو عليهم وإن ظلموا وجاروا، لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم ، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين".[38]

  وكان ابن زمنين الأندلسي يعتبر "السلطان ظل الله في الأرض" ويقول:إن السمع والطاعة لولاة الأمر واجب، سواء كانوا بررة أو فجرة، وعليهم ما حملوا وعلى رعاياهم ما حملوا من السمع والطاعة لهم.[39]   

  وقام الامام أبو حامد الغزالي بتبرير موقف الطاعة المطلقة للأئمة الفاسقين الظلمة، فقال:"لا يظن ظان أنا نشترط في الإمامة العصمة فان العلماء اختلفوا في حصولها للأنبياء، والأكثرون على أنهم لم يعصموا من الصغائر. ولو اعتبرت العصمة من كل زلة لتعذرت الولايات وانعزلت القضاة، وبطلت الإمامة...وإن ذلك غير قادح في أصل الإمامة بحال من الأحوال".[40]

    وقال النسفي:إن الحاكم لا ينعزل بالفسق. ثم جاء التفتازاني ليبرر قوله هذا بانتشار الفسق والجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين. ويدعي انقياد السلف لهم، وعدم الخروج عليهم، و"لأن العصمة ليست بشرط للإمامة ابتداء فبقاء أولى".[41]

   وبعد قول "أهل السنة" بوجوب الطاعة للحاكم الظالم أو الفاسق، فيما عدا الأمر بالمعصية، بغض النظر عن كيفية استيلائه على السلطة ، بالطرق الشرعية أم بغيرها، أغلقوا الباب أمام تغيير الحاكم المنحرف، وقال الباقلاني في التمهيد: "قال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء مما يدعو إليه من معاصي الله. واحتجوا في ذلك بأخبار كثيرة متظافرة عن النبي (ص) وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمة وإن جاروا واستأثروا بالأموال".[42] وقال :" إن حدوث الفسق في الامام بعد العقد له لا يوجب خلعه، وان كان مما لو حدث عند ابتداء العقد لبطل العقد له".[43]

   وادعى النووي الإجماع على وجوب الطاعة المطلقة للحكام، وحرمة قتالهم والخروج عليهم، وإن كانوا فسقة ظالمين.[44]

   وقد التزم ابن تيمية بالموقف السني العام القائل بوجوب الطاعة للحاكم الفاسق الظالم، ما عدا الأمر بمعصية الله. ولم يجز مقاتلته بالسيف "كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي (ص) لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فيدفع أعظم الفسادين بالتزام الأدنى". [45]  ورغم أن ابن تيمية كان يعتقد بأن "الولاة نواب الله على عباده، ووكلاء العباد على نفوسهم" ويطالبهم بالالتزام بالأمانة والعدل.[46] إلا أنه كان يطالب الناس بدفع الحقوق للسلاطين وإن كانوا ظالمين.[47] ويوجب الطاعة للحكام الذين يأخذون البيعة كرها وقسراً. "لأن ما كان واجباً بدون اليمين فاليمين تقويه، لا تضعفه، ولو قد أن صاحبها أكره عليها".[48]    

   ومن هنا اتخذ ابن تيمية موقفا سلبيا من ثورة أهل المدينة ضد يزيد بن معاوية، والتي  اعتبرها خروجا عن طاعة ولي الأمر، ونقضا لبيعته، ولم يتوقف عند فسق يزيد ولا الدماء الزاكية التي أسالها في كربلاء أو في واقعة الحرة.[49]

   وقد حاول ابن القيم الجوزية، أن يبرر موقفه الرافض للثورة والخروج، بالفتن التي أعقبت الثورات في التاريخ، ودعا الى "الاصطبار ، والقيام بأضعف مراتب الإنكار".[50] كما أوصى  أحمد بن عبد الله القلقشندي (ت 821 هـ) الرعية "بلزوم الطاعة للخليفة ، ما لم يخالف أمر الشرع، سواء كان عادلا أو جائرا"..[51]

    بينما حاول بعض الفقهاء تبرير الظلم بالعقاب من الله، ودعوا الى الصبر على الحاكم الظالم، طمعا في الأجر والثواب  والمغفرة من الله - كما قال ابن الأزرق (في بدائع السلك)- "فان الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل".[52]  وذلك في موقف مشابه لبابوات الكنيسة الذين كانوا يوصون رعاياهم بالصبر والصلاة انتظاراً للفرج من عند الله، في مقابل ظلم الأمراء.[53]