الفصل الخامس : نشوء السلطة المطلقة

 

   مع تبني الفكر السياسي السني لنظرية القهر والغلبة، وجواز الاستيلاء على السلطة بالقوة، وجواز العهد والاستخلاف بعيدا عن إرادة الأمة أو رضا أهل العقد والحل، وتقليص عدد أهل الحل والعقد الى أصغر رقم، وتهميش دورهم، كان لا بد أن يفتح الباب أمام قيام ديكتاتورية مطلقة، لا مكان فيها للشورى مع الحاكم المستبد المطلق، والاقتراب عمليا من القول بعصمة الإمام، ووجوب طاعته في كل شيء.

   فقد واكب الفقهاء والمتكلمون السنة ، الواقعَ السياسي الذي كان يتجه نحو الديكتاتورية الشاملة، وقاموا بتضخيم دور الإمام ومنحه صلاحيات واسعة، في مقابل سلب كل دور للأمة في صنع القرار أو إدارة عجلة الدولة، لاسيما بعد تحول الخلافة في العصر العباسي الى مسألة دينية ، حيث قام الفقهاء  والمحدثون باستيراد أحاديث من تجربة الرسول السياسية وتركيبها على نظام الخلافة ، بالرغم من عدم التزام كثير من الخلفاء بالشريعة الإسلامية، أو استيلائهم على السلطة بطرق غير شرعية، كالحديث الذي رواه البخاري عن أبى هريرة عن النبي (ص): أنه قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني).

  وعلى رغم وجود تفاسير عديدة لآية الطاعة:"يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" بأن المقصود من أولي الأمر: العلماء، أو الأمراء، أو خصوص الأمراء الذين كان يعينهم الرسول الأكرم في حياته.[1] وأن الطاعة لأولي الأمر هي في حدود الكتاب والسنة، ومشروطة بالعدل والتقوى، فان الفقهاء السنة حددوا المعنى بالأمراء، ومنحوهم سلطة مطلقة في الإدارة والتنفيذ والتشريع والقضاء وإعلان الحرب والسلم، بغض النظر عن التزامهم بالعدل أو الشورى. وقال الماوردي:"إذا استقرت الخلافة لمن تقلدها إما بعهد أو اختيار... فعلى كافة الأمة تفويض الأمور العامة اليه من غير افتيات عليه ولا معارضة له ليقوم بما وكل اليه من وجوه المصالح وتدبير الأعمال".[2] وكذلك قال الكمال بن الهمام في (المسايرة في شرح المسايرة):"للإمام استحقاق تصرف عام على المسلمين".[3]  (راجع أيضا  القرافي في (الأحكام) ص93)

   وبناء على ذلك اعتبر مؤسس حزب التحرير تقي الدين النبهاني:"رئيس الدولة هو الدولة" وأنه يملك جميع الصلاحيات التي تكون للدولة.[4] وأعطاه حق سن الدستور والقوانين، وأوجب طاعته ظاهرا وباطنا على كل فرد من الرعية.[5] وقال الدكتور محمود الخالدي:"الخليفة هو رئيس الجهاز السياسي والتشريعي والقضائي، وبيده مقاليد كل شيء. وهو صاحب الحق في عزل القاضي كما له الحق في التولية، والشورى غير ملزمة له".[6]   

   وكانت نظرية الإطلاق في صلاحيات الإمام تقوم على أمرين هما: الدمج بين السلطات وفردية القرار، حسبما كان معمولاً به في التجارب التاريخية منذ عهد الراشدين والى نهاية العهد العثماني. وقد اتخذ الفكر السياسي السني من ممارسات الخلفاء السابقين المطلقة أساسا قويا لإدعاء (الإجماع) والانطلاق منه للتنظير لشرعية الإطلاق في ممارسة السلطة ومنح الخلفاء صلاحيات واسعة في مختلف المجالات التشريعية والتنفيذية والقضائية.[7]   

 

  وقد أغفل الفقهاء السنة هنا كون السلطة منبثقة أساساً من الأمة، وأنها صاحبة السلطان الحقيقي، وأن الخلفاء نوابها ووكلاؤها. وبالتالي فان للأمة الحق في تحديد السلطة أو تقسيمها، أو تفويضها لهم بشروط. وانساق الفقهاء مع قوانين الطوارئ التي سنها الحكام في أجواء التنافس على السلطة بين الأحزاب والقبائل والشعوب والطوائف، وادعوا (الإجماع) على نموذج الحكم المطلق.[8]

 

  ورغم وجود خلفاء أو رؤساء في الدول الإسلامية لا يلتزمون بالشرع الحنيف، ويشربون الخمرة ويسفكون الدم الحرام، ويتبعون الهوى؛ فقد ساوى الفكر السياسي السني بين أولئك الحكام وبين الرسول الأكرم المعصوم الذي كان ينزل عليه الوحي، وجعل كلامهم وقرارهم بمثابة قرار الرسول، وأوجب على الأمة طاعتهم كطاعة الرسول. وقال: إن الحكم الذي يتبناه الخليفة هو حكم الله المتعلق في حق جميع المسلمين.[9]   

   وقام الفكر السياسي السني بإلغاء دور الشورى، في عملية اتخاذ الامام للقرارات، حيث مال عموما – ما عدا بعض الفقهاء - الى القول بأن الشورى مستحبة ومعلمة وليست ملزمة للإمام، حتى لو كان مجيئه للسلطة بغير شورى أو انتخاب من الأمة ، وإنما عن طريق القهر والغلبة، أو العهد من الإمام السابق. وذلك انطلاقا من المساواة بين الإمام، أي إمام، وبين النبي الأكرم الذي يأمره الله تعالى بالشورى في قوله (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله). وذلك بعد تفسير الآية بعدم إلزامية الشورى للرسول، وبحقه وحريته في التصرف خلافا لرأي جماعة الشورى، والتوكل على الله إذا ما عزم على رأي خاص به. وكذلك عدم الزاميتها  للامام، مما يجيز للأمام، أي إمام، أن يستعلي على الشورى ويستبد برأيه في مقابل الأمة، حتى مع وجود شبهة الفسق والجهل والهوى والخيانة في الإمام.

  وفي معرض تبريره لرفض إلزامية الشورى للإمام، يتساءل الدكتور عبد الله الدميجي:"كيف يأمرنا الله بطاعة الخليفة، وتقضي الشورى بمخالفته؟".[10]  ويقول:"إن الكثرة ليست مناطا للصواب ولا دليلا قاطعا أو راجحا عليه، إذ أن صواب الرأي أو خطأه يستمدان من ذات الرأي لا من كثرة أو قلة القائلين. فالإسلام لا يجعل  كثرة العدد ميزانا للحق والباطل كما تفعله الديموقراطيات الحديثة، ومبدأ الأكثرية هذا مبدأ غير إسلامي".[11] ويضيف:" على الإمام أن يعمل رأيه ثم يعزم على ما يؤديه اليه اجتهاده، وينبغي له في مثل هذا الحال أن يستنير بآراء العلماء وذوي الخبرة ويستشيرهم... ولا بأس أن يجعل المرجح هو رأي الأغلبية، أما إذا أصر على رأيه فعلى الرعية الطاعة والانقياد له في غير معصية".[12]

   ومع أن رأي الإمام لا يتمتع دائما بدليل قوي، ومن ثم لا ينطبق مع الشرع أحياناً، فان بعض المفكرين والفقهاء السنة يرفضون اللجوء الى إرادة الشعب، أو رأي الأغلبية، بحجة أن السيادة في الحياة الإسلامية للشرع وليست للشعب، وبالتالي فانه لا يلزم الإمام التقيد بالشورى. ويعطونه  الحق المطلق في تنفيذ القوانين التي يسنها. ويستشهدون على ذلك بموقف أبى بكر عند عزمه على قتال المرتدين، واعتراض عمر والصحابة عليه ثم خضوعهم له.[13]

 

 تبني المذاهب

 

   وفي إطار الصلاحيات المطلقة التي أعطاها الفكر السياسي السني للإمام، سمح له بفرض اجتهاداته وآرائه السياسية والفلسفية والكلامية والتاريخية والفقهية على الأمة، أو تبني المدارس المذهبية المختلفة وفرضها على الأمة ، بدل أن يترك للعلماء والجماهير حرية التفكير والانتقاء والالتزام بما يشاءون من نظريات وأفكار. وهو ما خلق حالة من الاستبداد الثقافي والديكتاتورية الفكرية، وقضى على الحوار العلمي الهادئ.

   فقد ذهب أبو علي (الجبائي المعتزلي) الى : أن للامام أن يجمع الناس على شيء من الدين من دون الحاجة الى أخذ رضاهم، وأن الامام إذا فعل شيئاً صار كأنه فعله عليه السلام.[14] وأعطى الإمام النووي الحق للإمام بتشريع مسائل عبادية، كإيجاب صوم ثلاثة أيام في الاستسقاء. وقال ابن أبي العز:"دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، أن ولي الأمر.. يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم لرأيه".[15] ومع أن العبادات التي هي علاقة بين العبد وخالقه، ليست من رعاية الشؤون العامة، ولا تدخل في مهمات الإمام السياسية، ولا يجوز فيها الابتداع، فقد ذهب بعض الفقهاء الى " أن له أن يتبنى من الأحكام الشرعية ما شاء ، ويسن من القوانين ما أراد، لأن الخليفة هو المسؤول عن رعاية مصالح المسلمين العامة".[16] وقال إبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون (توفي سنة 799هـ -1397م) : ان من تصرفات الحاكم: الفتاوى في العبادات وغيرها.[17]

   وفي الحقيقة ان مذهب الإطلاق في صلاحيات الإمام، ينسجم مع الدور الذي رسمه الفكر السياسي للامام، وهي حراسة الدين والدنيا، ورعاية مصالح المسلمين العامة، وافتراض كون الامام أعلم وأتقى الناس، ولذلك فله الحق بتبني ما يشاء من أحكام وقوانين وأفكار.

  وكان ابن المقفع قد اقترح على الخليفة العباسي المنصور أن يضع تقنينا لأحكام الفقه، ويجعله موحدا في جميع أنحاء الدولة الإسلامية، وأشار في كتابه "الصحابة" الى ان الحاكم ينبغي أن يجمع أهل العلم ويستشيرهم ويحفزهم على كتابة قانون أساسي للدولة، وان يجعل للسلطان نصيبا في التشريع بحيث لا يصبح مثلا قانون إلا بموافقة السلطان، فكره الفقهاء منه هذا الرأي وأنكروه إنكارا شديدا. وخضع الخليفة لرأيهم، ولم يأخذ برأي ابن المقفع.[18] ولكن المنصور دعا الإمام مالك بن أنس ، الى أن يؤلف كتابا في الفقه (الموطأ) ليفرضه على بقية الناس، إلا أن الامام مالك استهجن هذه الفكرة ورفضها أيضا.

   وبعد ذلك بحوالي نصف قرن، قام الخلفاء العباسيون (المأمون والمعتصم والواثق) بتبني الفكر الاعتزالي، وبالخصوص القول بخلق القرآن، ومحاسبة من يرفض ذلك من العلماء، ومعاقبتهم الى حد القتل والتعذيب.

   ثم قام المتوكل بتبني مدرسة أهل الحديث، وتبني مذهب الشافعي، في عملية انقلاب كبرى على المعتزلة.

  ولأن الخلفاء كان لهم حق تبني ما يشاءون من مذاهب حسب قانون الصلاحيات المطلقة، فقد كانوا ينقلبون أحيانا على المذهب الرسمي أو الشعبي ويعلنون تأييد ما يحلو لهم من أفكار ومواقف، سواء بالنسبة للأحداث التاريخية أو بالنسبة الى المذاهب الفكرية والفقهية. وهذا ما خلق مشكلة في تبنى بعض الحكام لمواقف فكرية أو فقهية تعارض السنة، أو الرأي العام الإسلامي، مما شكل خطراً كبيرا على المجتمع الإسلامي، والانحراف به من موقع الإمامة. ولذلك رفض بعض الفقهاء كالجويني وابن تيمية تدخل الإمام في الشئون الفقهية والفكرية والتفسير والحديث.[19]

  

تحديد مدة الرئاسة، والإقالة والاستقالة

 

   يعالج الفكر السياسي السني عددا من المواضيع الأخرى المتعلقة بصلاحيات الإمام المطلقة، فيرفض مثلا تحديد مدة الرئاسة في فترة زمنية محدودة. ويبني موقفه هذا، على الإجماع التاريخي منذ عهد الخلفاء الراشدين.[20] ومع ان إمام الحرمين الجويني كان يؤمن بأن "الإمامة نيابة عن الأمة وأهل الإسلام"[21] إلا انه كان يعتقد أيضا بأن الإمامة عقد لازم ، فإذا انتخب أهل الحل والعقد الإمام فلا يحل لهم بعد ذلك أن يخلعوه، إذا كان الإمام محافظا على صفات الأئمة ، باتفاق الأمة.[22] ومن هنا فلم يخطر على باله، خاصة في تلك العصور الوسطى، أن يحدد فترة معينة للإمامة، وإنما كان يفترضها مستمرة الى حين وفاته.

  ولم يعتمد الجويني في رأيه هذا على القرآن الكريم أو السنة النبوية ، وإنما احتج باتفاق الأمة، أو الإجماع.

  وقد تبعه كثير من الكتاب السنة المعاصرين، كالدكتور عبد الله الدميجي والدكتور محمد الصادقي عفيفي.[23] ورغم أن كاتبا كالدكتور محمود الخالدي يعطي الامام صلاحيات مطلقة في التشريع، إلا أنه يرفض تغيير هذا القانون حتى من قبل رئيس الدولة.[24] ويعتبر مسألة تحديد فترة الرئاسة من المحدثات الفكرية المرفوضة والمردودة بنص حديث السيدة عائشة عن رسول الله (ص) " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وذلك بعد أن يعد الخلافة من الأمور الدينية التي لا يجوز فيها الابتداع. [25]

 



[1] - قال الطبري في تفسيره: اختلف أهل التأويل في أولي الأمر الذي أمر الله بطاعتهم في هذه الآية فقال بعضهم: هم الأمراء، نقلا عن أبى هريرة، وعن ابن عباس : أنها نزلت في رجل بعثه النبي على سرية، وعن ميمون بن مهران، قال: أصحاب السرايا، وقال زيد: قال أبى: هم السلاطين. وقال آخرون: هم أهل العلم والفقه...وقال آخرون: هم أصحاب محمد...وقال آخرون: هم الأمراء والعلماء وأهل الحل والعقد.وقال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: (هم الأمراء). الخالدي ، معالم الخلافة في الفكر السياسي الإسلامي، ص 389 – 402

[2]  - الماوردي، الأحكام السلطانية ، ص 17 يقول الدكتور رضوان السيد:إن الماوردي كان:"يحاول أن يدعم نظريته في الخلافة والخليفة بنصوص وشروط تجعل من الخليفة حاكما مطلقا رغم أنه وصل الى الحكم بالاختيار. إن إطلاق يده في التصرف نابع من كونه منفِّذاً للشرع المعصوم. وهكذا يخرج عن نطاق رقابة الرأي العام ويفقد الجميع سلطاتهم أو مسؤولياتهم الى جانبه حتى العلماء من بينهم يصبحون ولا حيلة لهم". مقدمة قوانين الوزارة للماوردي، ص 13

[3]  - الخالدي ، معالم الخلافة في الفكر السياسي الإسلامي، ص 388

[4]  - النبهاني، مشروع الدستور الإسلامي، المادة 39

[5]  - الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ص 117

[6]  - الخالدي، معالم الخلافة، ص 325 وأضاف:" إن الخلافة رئاسة وإمارة وولاية في عموم شؤون وأمور ومصالح المسلمين...ولا يمكنه القيام بواجباته إلا بإصدار الدستور وسن القوانين وتبني الأحكام ورسم الأساليب من الناحية الإدارية وما شاكل ذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". المصدر، ص 389 – 402

[7] - وقد ترسخت الديكتاتورية في الفكر السياسي السني المعاصر مع نمو الفكر الشمولي الذي يعتقد بأن "الإسلام لم يترك مسألة تتعلق بنظام الحكم إلا وجاء بما ينظمها". وان "القول بأن الشرع إنما أتى بخطوط عريضة وترك التفصيلات للعقل البشري لينظمها، افتراء على الإسلام والشريعة". كما يقول الدكتور الخالدي في  معالم الخلافة، ص 77

[8]  - الخالدي ، معالم الخلافة في الفكر السياسي الإسلامي، ص 388 

[9]  - يقول الدكتور الخالدي: "جاءت الآيات والأحاديث تنص بصراحة على طاعة ولي الأمر وحرمة مخالفة أمره وجعل الشرع طاعة الحكام من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله.. فكان رئيس الدولة هو صاحب الصلاحية في إلزام الأمة بما يتبناه من أحكام ودستور وقوانين وتجب طاعته". ويضيف:"إذا تبنى رئيس الدولة حكما شرعيا صار هذا الحكم وحده الحكم الشرعي الواجب العمل به، واصبح حينئذ قانونا نافذا وجبت طاعته على كل فرد من الرعية ظاهرا وباطنا. ولا يجوز لأحد ان يعمل بغير ما تبناه الخليفة من أحكام، حتى ولو كانت هذه الأحكام شرعية، استنبطها أحد المجتهدين، لأن حكم الله تعالى المتعلق في حق جميع المسلمين أصبح ذلك الحكم الذي تبناه الخليفة...وذلك ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة". المصدر ، ص 389 – 402

[10]  - الدميجي، عبد الله ، الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، ص 459

[11]  - المصدر، ص 460

[12]  - المصدر، ص 463

[13]  - يقول الدكتور الخالدي:" إن رئيس الدولة هو صاحب الصلاحية في إصدار القرار وجعله ملزما بقوة القانون، فالله سبحانه يقول: (فإذا عزمت فتوكل على الله) بعد قوله (وشاورهم في الأمر) حيث جعل الأمر يرجع اليه بعد التشاور ، لينفذ ما يعزم عليه هو لا أهل الشورى. وعليه فان رئيس الدولة هو الذي يتخذ القرار في النهاية وفق ما رجح عنده من الدليل ، فيعطي الرأي الأقوى دليلا قوة الإلزام ووجوب التنفيذ إذا تبناه فيصير  قانونا يجب على المسلمين كافة طاعته في ذلك". معالم الخلافة، ص 450   ومن الجدير بالذكر أن فخر الدين الرازي كان يعتقد ان ظاهر الأمر للوجوب وان قوله تعالى "شاورهم" يقتضي الوجوب. وكذلك المحدثون (من أمثال: محمد عبده ورشيد رضا وعبد القادر عودة، وأبو زهرة ومحمود شلتوت وعبد الكريم زيدان وعبد الحميد إسماعيل الأنصاري وضياء الدين الريس ويعقوب المليجي وغيرهم) فان غالبيتهم يرونها للوجوب. وكان أبو الأعلى المودودي قد ذهب في البداية الى أن من حق الأمير أن يخالف رأي الأكثرية ولا يلتزم برأيهم، حتى إذا أجمع أهل الشورى على رأي معين. ثم تراجع عن هذا الرأي. راجع كتاب (نظام الحياة في الإسلام، ص 36) وكتاب (الحكومة الإسلامية، ص 94).[13]

[14]  -  الهمداني، القاضي عبد الجبار، المغني في التوحيد والامامة، ج20  قسم 2 ص 53

[15]  - شرح العقيدة الطحاوية ص 376

[16]  - الخالدي، معالم الخلافة، ص 450

[17]  - ( تبصرة الحكام ج1 ص 79)

[18]  - السنهوري، فقه الخلافة، ص 309

[19]  - الجويني، غياث الأمم ، ص 153 و ابن تيمية، الفتاوى ج3 ص 28

[20]  - يقول الدكتور الخالدي:" انه اقتراح مرفوض شرعا، لمخالفته لإجماع الصحابة الذي انعقد على ان الخليفة يبايع مدى الحياة ما دام يحكم بما تضمنه عقد البيعة. والاقتراح بالنص على تحديد فترة حكم الخليفة هو رأي مأخوذ من الفكر الديموقراطي الغž