المقدمة
بسم
الله الرحمن
الرحيم
بين
الخلافة
والديموقراطية
بعيدا عن
ضجيج الصراع
الطائفي
وغبار المعارك
المذهبية
الملتهبة أو
المؤججة بين
الشيعة والسنة
في هذه
الأيام، يطرح
هذا السؤال
نفسه: هل يوجد
أي معنى حقيقي
وواقعي
للعناوين
الطائفية
القديمة؟
وماذا يميز
الشيعة عن
السنة؟ وهل ما
يفرقهم اليوم
أكثر مما يجمعهم؟
وما هو جوهر
الخلاف
بينهم؟ ومن
يقف وراء
تأجيج الصراع
بين الطوائف؟
هل هي المصالح
الشعبية
المتناقضة؟
أم الأنظمة
السياسية المتصارعة
والمعادية
لشعوبها؟
وباختصار: هل
المعركة
الطائفية
حقيقية؟ أم
وهمية؟ وهل
ثمة شيعة وسنة
في الواقع؟أم
مجرد أسماء
جوفاء؟
يعتقد
الكاتب أن
الصراع
الطائفي مفتعل
بدوافع جديدة
خارجية لا
علاقة لها
بالخلاف
القديم الذي
مزق المسلمين إلى
شيعة وسنة،
وأن الطوائف الإسلامية
كلها مرت
بتطورات
فكرية
سياسية
جذرية لم يعد
لعناوينها
القديمة أي
معنى أو علاقة
باسمها
السابق،
وبالتالي فان
الطوائف
الإسلامية
باتت اليوم
أقرب إلي
بعضها البعض
أكثر من أي
وقت مضى.
ويكفي أن يتعرف
كل فريق
على
التطورات
الجذرية التي
حدثت في نفسه
وفي الفريق
الآخر، حتى
يدرك عبثية
الأسماء
التاريخية
المفرقة،
ويتعرف على
حجم النقاط
المشتركة
الجامعة.
لقد قلت
في دراسة
سابقة عن
(تطور الفكر السياسي
الشيعي): إن
الشيعة
الإمامية لم
يعد لهم وجود،
بعد حصول تطور
جذري كبير لدى
الشيعة وتخليهم
عن أهم أعمدة
الفكر الإمامي
وهو اشتراط
العصمة والنص
والسلالة
العلوية الحسينية
في الإمام،
وقبولهم
بالنظام الديموقراطي.
وأود القول
هنا في هذه
الدراسة: أن
السنة أيضا لم
يعد لهم وجود،
بعد قبولهم
بالنظام
الديموقراطي،
وتخليهم عن
نظام الخلافة ومعظم
فقرات الفكر
السياسي
السني، الذي
تشكل في أيام
الخلافة
العباسية
وامتد إلي
أيام الخلافة
العثمانية.
ولا سيما بعد
حصول الثورة العلمية
النقدية ضد
أصول المذهب
السني القديم
كالأحاديث
الضعيفة
الدخيلة في
"السنة" وأصل
"الإجماع".
وهذا ما يؤكد
اتفاق
المسلمين جميعا
حول فكر سياسي
واحد هو الفكر
الديموقراطي،
وابتعادهم عن
العوامل
والنظريات
السياسية
التي كانت
تفرق بينهم،
حيث كان يذهب
الشيعة الإمامية
إلي كون
الإمامة (أو
الخلافة)
تنحصر في "أهل
البيت" وكان
أهل السنة
يذهبون إلي
كون الإمامة
في ولد بني
العباس، أو
العثمانيين
فيما بعد.
ولما
كان الخلاف
السياسي هو
أهم وأكبر
خلاف بين
الشيعة
والسنة، فإن
الاتفاق فيما بينهم
اليوم على
نظام سياسي
واحد يؤكد زوال
ذلك الخلاف
وعدم وجود أي
خلاف جوهري ما
عدا بعض
القشور
والشعارات
والعناوين
الوهمية، أو
الاختلافات
الفقهية
الجزئية. ومن
المعلوم أن
الاختلافات
الفقهية
موجودة في
داخل مذهب، بل
بين كل فقيه
وفقيه،
ولكنها لا
تشكل أي مبرر
جدي
للاختلاف،
خصوصا مع
الالتزام
بآلية ديموقراطية
كمجلس
النواب، لسن
القوانين، وتشكيل
لجان نيابية
أو مجالس
فقهية مشتركة
لبحث وإقرار
أي قانون
جديد.
وقد
تعززت الوحدة
الإسلامية
بين بقايا
الطوائف
الإسلامية
الشيعية
والسنية، مع ظهور
تيار ثقافي
تجديدي يدعو إلي
العودة إلي
القرآن
الكريم
والسنة
النبوية الثابتة
المتواترة،
وترك المنابع
الثقافية والأصول
التشريعية
المختلف
حولها، مثل
أخبار الآحاد
المنسوبة إلي
النبي أو إلي
أهل البيت أو
الصحابة. وذلك
لأن العودة إلي
القرآن
والسنة تعني
العودة إلي
الإسلام بدون
أطر طائفية،
وهو ما يتلخص
بعقيدة
التوحيد
والإيمان
بالآخرة
والنبوة،
وبممارسة
أركان
الإسلام من
الصلاة
والصوم والحج
والزكاة،
وتجنب
المحرمات والالتزام
بأحكام
الشريعة. وهذه
كلها أمور متفق
عليها بين كل
الطوائف
بصورة عامة،
ولم يكن الخلاف
يوما يدور
حولها، ولكن
حول الأنظمة والمذاهب
السياسية،
التي تحولت
لدى البعض إلي
مستوى
"العقيدة"
وفرقت بينهم
وبين
الآخرين، واعتمدت
بدرجة كبيرة
على الأحاديث
المزيفة والموضوعة،
فإذا تم
التخلي عن هذه
الأحاديث والعودة
إلي القرآن
والسنة
العملية
الثابتة، فلن
تبقى أية
مذاهب ولا
عقائد خاصة.
وفي
الحقيقة إن
تلك المذاهب والعقائد
الطائفية
كانت ولا تزال
تشكل عائقا
أمام التطور
الديموقراطي
في العالم
الإسلامي،
وإن بصورة
محدودة، وذلك
لأنها تقدم
نفسها على أنها
تمثل الإسلام
وترفض
الانفتاح على
أي فكر إنساني
جديد بحجة
التعارض مع
الإسلام. في
حين لا يوجد
في الواقع أي
تعارض بين
الفكر الإنساني
كالديموقراطية
وبين
الإسلام،
وإنما يوجد
بينها وبين
النظريات المبتدعة
باسم الإسلام.
لقد كان
الشيعة
يرفضون
الديموقراطية
ردحا من الزمن
بدعوى تناقض
الديموقراطية
مع نظرية الإمامة
القائمة على
العصمة والنص
والسلالة
العلوية. ولا
يزال البعض من
الشيعة يرفض
الديموقراطية
حتى بعد تطور
الفكر
السياسي
الشيعي
وقبوله
بنظرية ولاية الفقيه،
بحجة تناقض
هذه النظرية
مع الديموقراطية،
ويطالب
بالتراجع عن
الانتخابات
الرئاسية
والنيابية في
الجمهورية
الإسلامية الإيرانية،
بل وحذف
"الجمهورية"
من عنوان إيران.
وما ذلك إلا
اعتقادا من
ذلك البعض
بتمثيل
الإمامة أو
نظرية ولاية
الفقيه
للإسلام.
وكذلك كان البعض
من أهل السنة
يرفض
الديموقراطية
ولا يزال
بدعوى تناقض
الديموقراطية
مع نظرية
الخلافة
التاريخية،
اعتقادا منه
بأن هذه
النظرية تمثل
النظام
السياسي في
الإسلام.
ولكن هل
تمثل تلك
النظريات
السياسية
الإسلام حقا؟
وهل يوجد في
الإسلام نظام
سياسي معين؟
وهل
يوجد تناقض
بين الإسلام
والديموقراطية؟
وهل الجمع
بينهما يؤدي إلى
الشرك والكفر
بالله؟
لقد
أدرك الشيعة
خطأ النظرية
الإمامية
بسبب عقمها
وعجزها عن
توفير إمام حي
معصوم منصوص
عليه من الله
يقوم
بقيادتهم
اليوم ويشكل
لهم حكومة معاصرة،
فبادروا
بأنفسهم إلى
انتخاب إمام
عادي (أو فقيه
معادل) من
بينهم، وأخذوا
بالنظام
الديموقراطي.
ولكن أهل
السنة كانوا
يمتلكون
نظاما سياسيا
قائما هي
"الخلافة
العثمانية".
وعندما أحسوا
بضعفها في
أواسط القرن
التاسع عشر، بادر
الكثير منهم إلى
محاولة
إصلاحها،
ومعالجة
ظاهرة الاستبداد
التي كانت
تتصف بها، وإدخال
بعض الآليات
الديموقراطية
عليها كإجراء
الانتخابات
وسن الدستور
(كما حدث سنة 1876)
ولكنهم
انقسموا بعد
ذلك إلى
فريقين، فريق يرفض
الديموقراطية
رفضا مطلقا،
ويعتبرها أساس
البلاء. كما
فعل السلطان عبد
الحميد
الثاني الذي
ألغى الدستور
وحل البرلمان
المنتخب، بعد
سنة من
إقراره، وفريق
يصر
بالمطالبة
بالديموقراطية،
ويعتبرها خشبة
النجاة
بالنسبة إلى
الدولة
العثمانية، إلى
أن قضى هذا
الفريق على
الدولة
العثمانية،
وأقام دولة
علمانية في
تركيا ودول
أخرى مشابهة في
العالم
الإسلامي.
إلا أن
الفريق الأول
لم يستسلم
تماما، وأخذ
يعمل منذ ذلك
الحين على
إعادة
الخلافة من
جديد، وهو إن
لم ينجح في
هدفه هذا حتى
الآن، بعد
مرور حوالي
مائة عام على
سقوط الخلافة
العثمانية،
غير أنه نجح
في إقامة دول
محلية ترفع
شعار
الإسلام، هنا
وهناك، وتعامل
مع حكام هذه
الدول على
أساس الفكر
السياسي الذي
كان يتعامل به
مع "الخلفاء"
السابقين. ولا
يزال بعض
الحركات
الإسلامية
التي نشطت
لإعادة
الخلافة،
يستخدم ذلك
الفكر في دعم ظاهرة
الاستبداد في
العالم الإسلامي،
ومحاربة
الديموقراطية
بحجة أنها كفر
وشرك بالله
ومناقضة
للإسلام. وفي
الوقت الذي
كان فيه بعض المفكرين
المسلمين
يرفض الظلم
والاستبداد
ويدعو إلى
الشورى، فإن
دعاة الخلافة
كانوا
يعتقدون أن
الصيغة الاستبدادية
لنظام
الخلافة، كما
حدثت في التاريخ،
صيغة شرعية
يقرها
الإسلام
وتشكل أصلا من
أصوله.
وهذا ما
شكل عقبة أمام
التطور
الديموقراطي
في العالم
الإسلامي، وهدد ويهدد
الإنجازات
الديموقراطية
الضئيلة
والمتواضعة
التي تحققت
حتى الآن.
وقد اعتمد
الرافضون
للديموقراطية،
بدرجة كبيرة،
على دعوى
شمولية
الإسلام
لكافة جوانب
الحياة،
ووجود نظام
سياسي إسلامي
هو نظام
الخلافة، وأن الديموقراطية
من صنع البشر. وأن
النظام
الديمقراطي يتضمن
الشرك بالله
تعالى، لأنه يجعل
السيادة
والتشريع
للشعب،
خلافاً لنظام
الحكم في الإسلام،
الذي يجعل
السيادة
والتشريع لله.
وأن تقاطع الديموقراطية
مع نظام
الشورى
الإسلامي في بعض
النقاط لا
يعني
تطابقهما في
كل شيء، أو
جواز إطلاق
صفة
الديموقراطية
على الإسلام،
وذلك لاختلاف
النظامين في
نقاط كثيرة تجعل
كلا منهما
نظاما
متميزاً لا
علاقة له بالآخر.
فإذا كان
الإسلام مثلا
يعطي للأمة حق
انتخاب
الحاكم، فإنه
لا
يسمح لها
بعزله، وإذا
كان الحاكم في
كلا النظامين
ينتخب من الأمة،
فإنه في
النظام
الديموقراطي
يقيد بإرادة
الشعب، ولا
يقيد في
النظام
الإسلامي إلا
بإرادة الله
وقوانينه
وأحكامه، ولا
يعبأ برأي الأمة
ولا يطيعها في
شيء، وإنما
تجب عليها
طاعته فيما
يأمرها به من
طاعة الله.
هذا ما
يقوله
الرافضون
للديموقراطية
في العالم
الإسلامي. في
حين يذهب
الداعون
إليها من
المفكرين
المسلمين،
إلى عدم تناقض
الإسلام مع
الديموقراطية،
لأنه ليس
نظاما شاملا،
ولم يقدم ولا
يمتلك صورة
خاصة عن
النظام
السياسي، بل
ترك ذلك لإرادة
المسلمين
وللتطور حسب
الظروف
الزمانية والمكانية،
وأن المبدأ
الديموقراطي
القائل بحكم
الشعب للشعب
من أجل الشعب،
لا يتعارض مع
حكم الله ولا
سيادته،
وإنما يتعارض
مع حكم الفرد
المستبد،
ويمكن أن
يتقيد بالقيم
والأخلاق
والقوانين
الإسلامية. وأن
النظام
الديموقراطي
أقرب إلى
الإسلام من
نظام
"الخلافة" الفردي
الاستبدادي
الذي يجيز
حكومة الفاسق
الجائر والجاهل.
وأنه – أساساً-
نظامٌ لتبادل
السلطة بشكل
سلمي،
وتوزيعها
بشكل عادل
يمنع من
تمركزها بيد
المستبدين.
وإذا
كانت الخلافة
الحقيقية هو
اتباع منهج
النبوة، فإن
تحقيق هذا
الهدف يمكن في
ظل مراقبة
الأمة
الإسلامية
ومحاسبتها وإشرافها
على الحكام،
أكثر مما يمكن
في إعطاء
الحكام سلطات
واسعة تتيح
لهم الانقلاب
على شروط
الخلافة
الحقيقية
والشريعة الإسلامية
والعدل
والشورى. كما
حصل في ظل
الأنظمة
المستبدة
المضادة
للخلافة التي
حكمت الأمة الإسلامية
قرونا من
الزمن باسم
الخلافة.
ويحتج
الإسلاميون
المؤيدون
للديموقراطية
بأن المجال
السياسي، وإن
كان يهتدي
بهدى
الإسلام، إلا إنه
خارج عن إطار
الدين، ولا يتعارض
مع أي تشريع
إسلامي،
وإنما يحاول
تنظيم أمور الحياة
التي لا يوجد
فيها نص من
الكتاب أو
السنة. ولما
كان الإسلام
قد ترك المجال
السياسي للناس
ولم يعين فيه
نظاما خاصا،
فقد سمح لهم
بتطوير
أنظمتهم
السياسية أو
اقتباس
التجارب الحسنة
من بقية
البشر، وليس
من العيب أن
يأخذ المسلمون
النظام
الديموقراطي
من الغرب حتى
لو كان كافرا
وعلمانيا،
لأنه لا تلازم
بين
الديموقراطية
والكفر أو
العلمانية، ومن
الممكن
اقتباس ما
ينظم الحياة
السياسية
بشكل أفضل. وقد
أثبتت
التجربة
الغربية قيام
الديموقراطية
بلعب دور كبير
في استقرار
الأوضاع
السياسية في تلك
البلاد،
وتجنيبها
دوامة الصراع
المسلح على
السلطة. وما
يقال عن وجود
نظام سياسي
"إسلامي" هو نظام
"الخلافة"
الفريد
والمميز، ما
هو إلا اجتهاد
بشري من صنع
المسلمين،
ولا يقوم على
أساس
الإسلام،
وإنما على أسس
محدثة وأصول دخيلة
في الدين.
ومن هنا فإن
تحليل نظام
الخلافة، والتعرف
على طريقة
ولادته،
وتاريخ
تطوره،
ومقارنته بالإسلام
والفكر
الديموقراطي،
سوف يساعد على
حل العقدة
المضادة
للديموقراطية،
وتشجيع
التطور
السياسي في
البلاد الإسلامية
نحو الأفضل.
كما سيساهم في
توحيد
المسلمين
والخروج من شرنقة
الطائفية
القديمة.
أحمد الكاتب
لندن 26/12/2006