المرجعية
الدينية وآفاق التطور
حين بدأ السيد محمد الشيرازي نشاطه
الاسلامي في الخمسينات من القرن العشرين ،كان في بداية العشرينات من عمره ، وكان هدفه الأول هو ايقاف المد الثقافي الغربي
"الاستعماري" ومقاومته والتشبث بالاصالة الاسلامية ، ولذلك فقد رفض كل
شيء يمت الى الغرب ، ورفض أي حل وسط او
اية محاولة للتوفيق بين الاسلام والغرب ، معتقدا بكمال الاسلام ومؤكدا على عدم
الحاجة الى أي تطوير او استيراد لأي قانون من "الغرب الكافر" .
ولذلك انتقد الشيرازي بعض المفكرين المسلمين الذين يحاولون التوفيق بين
الحضارة الغربية و الاسلام أو تغليف
الشيوعية أو الاشتراكية او القومية او الديموقراطية بالاسلام ، واعتبر ذلك محاولة
لترقيع الاسلام ونوعا من الشرك
وتوفيقا بين الاثنين على حساب الاسلام
، وانه أقرب الى غير
الاسلام منه الى الاسلام .[1]
وقال: " لا حلول وسط بين الاسلام وغير الاسلام ، ولا صورة للتوفيق والمجاملات
على حساب الاسلام ". [2]
ومن هنا فقد رفض
الشيرازي الديموقراطية الغربية والأنظمة الاقتصادية الرأسمالية والاشتراكية
والشيوعية والبنوك الربوية والقوانين الحديثة المختلفة التي سنتها الدول الاسلامية
، كما رفض الاصلاح الزراعي الذي قامت به حكومة عبد الكريم قاسم وحكومات اسلامية
اخرى ، وأصر على المحافظة على المرجعية الدينية باعتبارها النظام السياسي الاسلامي
الشرعي الوحيد .
وبالرغم مما كان يبدو بوضوح من ان بعض القوانين
والمفاهيم الاسلامية الموروثة بحاجة الى مراجعة ونظر والتأكد مما اذا كانت حقا
تمثل الاسلام و تستند اليه او كانت تستند الى مفاهيم وأفكار منحرفة وخاطئة ، الا
ان السيد الشيرازي كان يعتقد ان الصورة التي ورثها او حملها عن الاسلام ، تمثل
الاصالة الاسلامية التي لا تقبل المناقشة او التشكيك. وبالرغم من ان الفكر
الاسلامي كان ينقسم الى مذاهب وتيارات عديدة ويضم اجتهادات مختلفة ، الا ان
الشيرازي – فيما يبدو – كان يعتقد بصواب الفكر المذهبي الذي يحمله وخطأ المذاهب
الاخرى .
وفي حين كان جمال الدين الافغاني –
مثلا - يعتقد بأن اثارة قضية
الخلافة بعد وفاة النبي أمر يضر المسلمين في الوقت الحاضر ولا ينفعهم ، و يطالبهم
بتجاوز الخلاف الطائفي العقيم ، و ينتقد كثيرا من الممارسات والشعائر الحسينية [3]، فان الشيرازي كان يعتقد بأهمية التركيز على بحث القضايا المذهبية
والتاريخية الموروثة ، ولم يجد حاجة لمراجعة الأسس التي يقوم عليها المذهب الشيعي
الامامي الاثنا عشري .
ورفض الشيرازي أيضا الدعوة الى
تجديد الفقه واتهم الذين يطالبون بذلك انهم يتظاهرون بتطبيق
الاسلام ولكنهم يستوردون المناهج الجاهزة من الشرق او الغرب ، و يغيرون الاسم فقط
، تحت شعار ( تجديد الفقه ) أو عدم كفاية الفقه القديم لمتطلبات العصر . وانهم لا
يختلفون عمن ينادي بعدم صلاحية الاسلام للعصر كالشيوعيين والبعثيين والقوميين
والعلمانيين ، في أنهم لا يمتلكون الجرأة للتعبير عما يريدون ، فيلجأون الى شعار
(تجديد الفقه). [4]
و رفض الشيرازي في البداية اية
مرونة او تطور في القوانين الاسلامية ، كتشريع أحكام او فرض ضرائب او سن حدود جديدة ، لأن التشريع بيد الله سبحانه ، وليس
بأيدينا حتى نشرع ما نشاء .[5]
وحين توقف عند موضوع التمييز في توزيع الخمس والزكاة
بين " السادة" من أبناء الرسول الأعظم وغيرهم من عامة الناس كما يقول
الفقه الشيعي .وهو ما كان محل انتقاد من قبل الكثيرين من الجيل الجديد باعتباره
تمييزا لا مبرر له ، دافع عن الموضوع بقوة وبرره بأعذار كثيرة. [6]
ولكن بعد مسيرة طويلة
من التفكير والاجتهاد والتجربة والنظر في مختلف جوانب الحياة ، أبدى الشيرازي
شجاعة فائقة ومرونة علمية وعملية في معالجة القضايا الاجتماعية ، وعاد فاقترب من الفكر الانساني الحديث ومن
مسألة تجديد الفقه ، فأعاد النظر في كثير من المسائل السياسية والاقتصادية
والاجتماعية التي كان يرفضها في السابق رفضا شديدا ، فاقترب من الديموقراطية
والتعددية الحزبية والمجالس البرلمانية والبنوك الربوية وقوانين العمل والعمال
والاصلاح الزراعي وما الى ذلك .
فتح الشيرازي باب التطور والتجديد في كثير من الامور
الفقهية ، على قاعدة (الأهم والمهم
) والنظر الى الأحكام الأولية والثانوية ، والمحافظة على سمعة الاسلام وحماية الوحدة الوطنية . واستشهد بسيرة
الرسول الأعظم (ص) و الامام على في ترك بعض الاحكام حفاظا على وحدة المسلمين . وتوصل الى : ان الاحكام الاسلامية
في باب الحكم ليست جامدة حرفية ، والى ضرورة جمع الاحكام الأولية بالاحكام الثانوية مثل قاعدة (الأهم
والمهم) وقاعدة (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) وقاعدة (الاسلام يعلو) وقاعدة (
تقوية المسلمين وعدم جواز تضعيفهم) و (ما من شيء حرمه الله الا وقد أحله لمن اضطر
اليه) و ( تأليف القلوب) و
(وحدة الصف وتوحيد الكلمة) . وما الى ذلك من القواعد التي يجب على الدولة
الاسلامية مراعاتها جيدا ، من أجل بقاء الدولة وسلامة المجتمع. [7]
وانطلاقا من تلك القواعد نبه
الشيرازي الى ضرورة المحافظة على الهدوء والسلام والتدرج في عملية الانتقال من الاحكام
الوضعية الى الاحكام الشرعية ، عند قيام الدولة الاسلامية ، لكيلا يحدث رد فعل
سلبي يؤدي الى تمكن الاعداء من
الاطاحة بالدولة الاسلامية أو حدوث الفوضى بسبب عدم استيعاب الامة للتغير المفاجيء
، مما يوجب انفضاض الناس وايقاف المد الاسلامي ، فان ملاحظة ذلك أهم من تطبيق بعض الاحكام الاسلامية الجزئية في
الفترة الانتقالية . [8]
وهذا ما فتح لدى الشيرازي
مجالا خصبا للتطور والتجديد واعادة النظر في كثير من الاحكام والأفكار والقوانين
"الاسلامية" بسبب من الخطأ في الاجتهاد او عدم التطابق الخارجي او تغير
الاولوية او تبدل المصلحة ، حيث اعترف بوجود بدائل عصرية تطبيقا للكليات الاسلامية
على الصغريات الخارجية . [9]
وقد انتقل الشيرازي من الاحكام الاولية
الى الأحكام الثانوية في كثير من الامور ، فقد انتقد الجمارك بالاحكام
الأولية ثم أجازها بالاحكام
الثانوية ، وانتقد الاصلاح الزراعي بالاحكام الأولية ثم أجازه بالاحكام
الثانوية .
وقام الشيرازي بنفسه بالتوفيق بين الديموقراطية
وبين الاسلام ، فاعتبرها شبيهة بالشورى وعودة الى الفطرة الانسانية في طريقة الحكم
وانها تشكل أحد أسباب التقدم الغربي والسيطرة على العالم . [10]
كما اعاد
النظر في الاصلاح الزراعي فاعتبره جائزا او واجبا .
و اعاد النظر في مسألة
التمييز في توزيع الخمس ، وقدم نظرية جديدة تخالف ما اشتهر بين الفقهاء الشيعة ،
تقوم على العدالة والمساواة بين السادة أبناء الرسول وغيرهم.[11] وذلك خوفا من انفضاض الناس عن الاسلام. [12]
وبالرغم من ان الشيرازي ظل ملتزما
بموقفه السلبي من تولي المرأة للحكم والقضاء والمرجعية الدينية ، الا انه ناقش في
أدلة المنع التي يستند الفقهاء اليها
في ذلك الحكم ، فضعف بعض الروايات الواردة في هذا الشأن واتهم بعضا
آخر بعدم الوضوح في الدلالة ، وشكك
في دليل الاجماع المدعى فقال انه محل نقاش وغير ثابت . [13]
لقد حاول الشيرازي ان يكون واحدا من مجددي عصره
، وذلك بالجمع بين الإسلام و العصر
الحديث ، واهتم بالافتاء في المسائل الحادثة.[14]
و اجتهد في كثير من الأمور وأعاد النظر في قضايا عديدة وتوصل الى تحليل ما كان
يعتبره محرما او مخالفا للشريعة الاسلامية ، وذلك بالنظر الى الواقع وملاحظة الأهم
والمهم، ولكنه بقي في مسائل اخرى رئيسية محافظا على موقفه الأول ، فلم يتطور ولم يبدل موقفه منها ، كموضوع المرجعية
وحصر الاجتهاد في (مراجع الدين) فضلا عن الموقف من القضايا الطائفية والمذهبية ،
وذلك يعود الى اتباعه للمنهج
الاخباري ، والتقليد في المسائل الأصولية والعقائدية ، وعدم ممارسته الاجتهاد
أوالنظر في تلك الأمور ، أو خوفه من طرح تلك القضايا لتاثيرها على وضعه (المرجعي)
والسياسي ، وربما لو اتيحت له الفرصة للاجتهاد ودراسة الأمور العقائدية واعادة
النظر في القضايا التاريخية ، لقدم الينا نتائج جديدة مثيرة ، وفتح آفاقا رحبة
للتطور والتجديد.
والمهم في هذه العملية ان بعض (الفقهاء)
الذين يحصرون الاجتهاد في أنفسهم في داخل الحوزة ، يفترضون انهم أعلم دائما من
عامة الناس او من الخبراء المختصين ، وأقدر على استنباط المسائل الحادثة او
التشريع ، ولذلك يرفضون ممارسة الاجتهاد من قبل عامة الناس او ممثلي الشعب من خلال
مجالس الشورى.[15] وهو ما يبرر اشتراط الشيرازي دائما
لموافقة (الفقهاء او شورى الفقهاء) على عدد من الأحكام الثانوية (كالبنوك الربوية)
، وعدم جواز اتخاذ قرار بشأنها
بصورة مستقلة من قبل عامة الناس ، ولكن اذا تبين لنا قدرة الناس على
الاجتهاد الميداني ومعرفة الصالح من الأصلح او الأهم والمهم أكثر من (الفقهاء)
التقليديين ، أو قلنا بأن الخبراء المختصين ( في المجالات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية) أعلم من (الفقهاء) التقليديين الذين يمارسون الاجتهاد بشكل عام وسطحي
او محصورا في الأمور العبادية ، كما حدث مثلا في تشريع قانون الاصلاح الزراعي في
العراق ، فاننا سوف نفتح نافذة على حرية الاجتهاد في المجتمع ونخرجه من اطار
المؤسسة الدينية ، ونخطو نحو رفع يد
(المرجعية الدينية) عن عملية التشريع او التنفيذ. وعندها سوف نقترب أكثر من
جوهر الشورى و الديمقراطية.
[1] / الشيرازي ، محمد: الدولة الاسلامية ص 155/
[2] / الشيرازي ، محمد: الدولة الاسلامية ص 153/
[3] / الوردي ، علي: لمحات
اجتماعية ص 313 ج3 /
[4] / الشيرازي ، محمد: الدولة الاسلامية ص 260/
[5] / الشيرازي ، محمد: الى حكم الاسلام ص 89-90 ، عام 1962/
[6] / الشيرازي ، محمد: عبادات الإسلام ، هكذا الإسلام ص 330 و
الاقتصاد ص 39 و45 ج2/
[7] / الشيرازي ، محمد: الحكم في الاسلام ص215 و ممارسة التغيير ص 93/
[8] /
الشيرازي ، محمد: الحكم في الاسلام ص 207و انظر أيضا: الحكم
في الاسلام ص 209 و الحكم في الاسلام ص
210 ، الكويت 1978/
[9] / الشيرازي ، محمد:
الدولة الاسلامية ص265 /
[10] / الشيرازي ، محمد:
الغرب يتغير ص 26-27 ، عام 1994/
[11] / الشيرازي ، محمد: الاقتصاد ص 67 ج2/
[12] / الشيرازي ، محمد: الاقتصاد ص 57-58 و59 ج2/
[13] / الشيرازي ، محمد:
الدولة الاسلامية ، الفقه ص 96-99 ج 102/
[14] / وذهب بعيدا بافتراض
مسائل خيالية لم تحدث بعد ، وتصور الحكم الشرعي لها . انظر : مسائل متجددة : حول الاستنساخ
البشري ، مسألة رقم 21 و 44 و 91 و 96 و148و308 و609 و610 و 611 و612
و 689 و 699و700 /
[15] / راجع:الشيرازي ،
محمد: أجوبة المسائل الفرنسية ص 24/