هناك نقطة جوهرية في فكر الشيرازي السياسي وهي (المرجعية الدينية) كما فتح
عينيه عليها ، باعتبارها الصيغة القيادية الشرعية الوحيدة التي تشكل امتدادا
لنظرية الإمامة الإلهية لأهل البيت ، وتنوب عن الامام الثاني عشر الغائب (المهدي
المنتظر) . ورغم ان المرجعية تطورت عبر الزمن واتخذت أشكالا وأبعادا عدة إلا انه
وجد في الصيغة التي قامت في ظل سيادة المدرسة الأصولية منذ منتصف القرن الثامن
عشر ( الثالث عشر الهجري) صيغة مثالية ثابتة ، وقد عبر عنها في أكثر من مكان ، ثم
أضاف اليها فكرة الشورى وطورها الى (شورى الفقهاء).وتذبذب في تفاصيلها الجزئية.
وقد ظل يلتزم في كل الأحوال بنظرية : (
النيابة العامة) ونظرية نصب الفقهاء من
قبل الامام المهدي ، فهو يقول بصراحة:" ان الفقهاء العدول هم ولاة من قبل الوالي المنصوب من الله
سبحانه بالنص ، فان الرسول والأئمة هم منصوبون من قبل الله سبحانه وتعالى بالنص ،
والفقهاء العدول الجامعون للشرائط هم منصوبون من قبلهم بالعموم".[1]"و
حيث قدر الله تعالى للامام المهدي الغيبة الكبرى أصدر (ع) توقيعا ينص فيه على ان
قيادة الأمة بيد الفقهاء المراجع ، ودلل على انهم هم وحدهم الحجة من قبله على
الناس وهو حجة الله عليهم". [2]
ويتفق الشيرازي في هذا الراي تماما مع الامام الخميني والشيخ أحمد
النراقي ، وان كان يختلف معهما حول
حدود الولاية . [3]
ومع إيمان الشيرازي بنظرية
(النيابة العامة) والنصب من قبل الامام المهدي ، الا انه بدأ
يميل الى الشورى أيضا ، ويحاول ان يعطي المرجعية الدينية صفة الاستشارية
والانتخاب ويبعدها عن الاستبداد والديكتاتورية. [4]
وخلافا للامام الخميني الذي اعتبر (ولاية الفقيه) شعبة من ولاية الله ورسوله ، فان
الشيرازي اشترط ان يستمد الحاكم شرعيته وقدرته من الله والأمة ، وذلك بأن يكون
فقيها عادلا ومختارا من قبل أكثرية
الامة. [5]
وقد أكد على ضرورة الانتخابات الحرة و تحقيق الشورى والاستشارة في جميع
المجالات . [6]واعتبر التزام
الحكم بالشورى شرطا لاتصافه بالاسلام. [7]
استند الشيرازي في الارتكاز
على نظرية الشورى ، الى حديث يرويه سليم بن قيس الهلالي عن الامام علي بن ابي طالب
(ع) يوجب على المسلمين عندما يموت
إمامهم ان يختاروا لأنفسهم اماما .[8]وبناء
على ضرورة انتخاب الأمة للمرجع ومدخلية الاختيار في رئاسته ، حسب عقيدة الشيرازي ،
فان ثمة إمكانية لتحديد الأمة لفترة الرئاسة بسنوات محدودة. [9]
وهكذا يتأرجح جانب الشورى لدى
السيد الشيرازي على جانب النص والتعيين في (المرجعية) ، حتى يكاد يعيد صياغة
(المرجعية) بشكل جديد .[10]
ويبتعد جدا عن نظرية النص
والتعيين للفقهاء ، حتى يكاد يرفضها بالمرة ، فيقول بعد بضعة أعوام من تجربة حكم
الفقهاء في ايران:" الاستبداد بالحكم محرم حراما بحجم الأمة ..ولا يصح التسلط
على الناس الا برضاهم". [11]
إلزامية الشورى
وإضافة الى ذلك يجعل الشيرازي
الشورى ملزمة للحاكم (الفقيه ) بعد انتخابه في كل قضية. [12]إذ "
لا يكفي للحاكم الإسلامي ان يطبق مبادئ الإسلام وقوانينه دون قانون الشورى "
. [13]
ويعتبر حدود سلطة الفقيه الحاكم مقيدة ضمن اطار الصلاحيات التي يمنحها له الناس
حسب الدستور. وان لا حق له لتنفيذ رأيه ضد ارادة "المقلدين" حتى اذا كان
منتخبا منهم ، وذلك " لأن انتخاب المقلدين له ليس معناه تخويلهم له الصلاحية المطلقة لتصرفه في أموالهم
ودمائهم وانفسهم ، بل بقدر ما يرى المقلدون ، لأن دليل الشورى حاكم على دليل
التقليد " . [14]
استند الشيرازي في
ميله الى جانب الشورى ، الى ان الحكم نوع تصرف في حقوق الناس وعدم جواز تصرف اي
أحد في حقوق الناس الا بإذنهم ، وان رضا الامة واجازتها للحاكم تأتي بعد رضا الله
واجازته ، وان الفقهاء وكلاء الامة وخلفاء الرسول (ص).[15] وقد حاول الشيرازي من خلال التركيز على
الشورى أوالقول ان مراجع التقليد هم وكلاء الأمة ، ان يتحلل من نظرية (النيابة
العامة) ويفرغ محتوى خلافة الفقهاء
للرسول والأئمة ، ولكنه لم يقم بالتشكيك في أصل النيابة . [16]
وفي محاولة من الشيرازي لمنع
قيام ديكتاتورية الفقيه المطلقة ، دعا منذ قدومه الى ايران بعد قيام الجمهورية
الاسلامية ، الى (شورى الفقهاء) واعتبر ذلك أقرب الى الشورى والى روح الاسلام. [17]وقال:"
ان للأمة ان تختار جماعة من الفقهاء لإدارة الحكم كعشرة من الفقهاء يكون بينهم
الشورى ويؤخذ بأغلبية آرائهم في الإدارة ". [18]
وقد اعتمد الشيرازي في قوله هذا على نظرية (النيابة العامة من الامام
المهدي لجميع الفقهاء) ولذلك لم يعترف ، رغم قيام الجمهورية الاسلامية ، بسلطة اي
فقيه على فقيه آخر ولا على مقلدي الفقهاء الآخرين ، وتمسك بشرعية الصيغة القديمة
للمرجعية وشرعية المراجع في أنفسهم ،
خلافا للشهيد السيد محمد باقر الصدر وفقهاء آخرين مالوا الى ضرورة البيعة
والاندماج والتبعية للفقيه الحاكم من قبل سائر الفقهاء في جميع أنحاء العالم ، وقد
نفى الشيرازي ولاية فقيه على آخر حتى في البلد الواحد ، وقال:"الفقيه حجة على
مقلديه لا على فقيه آخر او مقلديه ، ولا فرق بين الفتوى والحكم" [19] وقال:" إذا كان الفقيه حاكما على
المسلمين وبيده زمام السلطة ، لا يجب على غيره من الفقهاء ان يطيعوا حكمه ،وانما اللازم
شورى الفقهاء المراجع". [20] وقال أيضا:" لا يحق لبعض
المراجع الذين هم خلفاء رسول الله ووكلاء الامام (ع) ان يستبد بالأمر ، ولنفرض ان
الرسول (ص) أرسل أربعة وكلاء الى بلد ليكونوا حكاما فهل يحق لأحدهم او لأثنين منهم
او حتى لثلاثة منهم ان يدفعوا الآخرين او الآخر عن حقه ويستبدوا بالأمر؟ وهكذا في
زمان غيبة الامام (ع) حيث يقول: ( جعلته عليكم حاكما) فالفقيه حاكم من قبل الامام
(ع) فاذا اختارهم الناس كان الواجب ان تكون بينهم شورى لإدارة الحكومة". [21]
" ولو استبد أحدهم بالأمر خرج عن العدالة لأنه خلاف شرط الاسلام ".[22] " ان الحكومة الاسلامية قوامها: شورى المراجع … لأنهم نواب الأئمة
الذين نصبوهم حكاما وخلفاء.. ولا وجه لأن يكون بعض المراجع في الحكم دون بعض ،
لأنه عزل لخليفة الرسول . وما دام
جملة من الامة قد قبلت مرجعا بملأ ارادتها فاللازم ان يكون (ذلك المرجع) شريكا في الحكم
…وحيث ان الأمة تختار المجتهدين فاللازم ان يكون الكل في مسرح السياسة والحكم
بأكثرية الآراء ، ولا ديكتاتورية في الاسلام من حيث المرجعية". [23]
"ان
الفقهاء بمجموعهم نواب الامام (ع) وان جميعهم نائبٌ نائبٌ ، فكل من اختارته الامة
مرجعا للتقليد كان في ضمن الشورى ".[24] "و لا يحق لأحد مهما كان قدره ان
يستبد بالسلطة السياسية ، بأي اسم كان ، بل اللازم وجود شورى المراجع للامة الذين
اعترفت الأمة بهم وقلدتهم".[25]
ويلاحظ هنا بوضوح ان الشيرازي
يتمسك بنظرية (النيابة العامة) التي تعطي الشرعية لجميع الفقهاء وتعتبرهم نوابا عامين
منصوبين ومجعولين ومعينين من قبل الامام المهدي ، كما يعترف الامام الخميني نفسه [26]،
لكي يحدد سلطة الولي الفقيه المطلقة ويشرك بقية الفقهاء (المراجع) فيها. ولم يعترف
الشيرازي بصيغة الدولة الحديثة حتى بعد قيام (الجمهورية الاسلامية) في ايران تحت
قيادة (ولاية الفقيه) والتي تقتضي التسليم لامام واحد ، وانما أصر على ضرورة حفظ
مقام (المراجع) الآخرين ، واعطائهم دورهم في قيادة الدولة ، وذلك من خلال (شورى
الفقهاء).
لقد ولدت الصيغة القديمة
التقليدية للمرجعية في ظل نظرية (التقية والانتظار) التي كانت تحرم قيام الدولة في
(عصر غيبة الامام المهدي) وتشترط ظهور الامام المعصوم المعين من قبل الله لاقامة
الدولة الاسلامية ، وبرزت المرجعية الدينية لتهتم بأمور الفتوى والارشاد ، وتطورت
الى مستوى (ولاية الفقيه) واضفى بعض الفقهاء عليها صفة (النيابة العامة) عن الامام
المهدي ليبرر تدخل المرجعية في الشؤون السياسية ، وقام بعض الفقهاء (كالشيخ علي
عبد العالي الكركي) بمنح بعض الملوك الصفويين والقاجاريين ، الشرعية الدستورية
للحكم بالوكالة عنه ، باعتباره (نائبا عاما عن الامام المهدي). كما قام بعضهم بعقد
مجالس شورى من عدد من الفقهاء لادارة شئون بعض البلاد الشيعية (كتجربة بحر العلوم
وكاشف الغطاء في النجف في نهاية القرن الثامن عشر) .ولكن الفقهاء الشيعة لم
يواجهوا من قبل تجربة الحكم بصورة مباشرة ، وكان عليهم بعد قيام الجمهورية
الاسلامية الايرانية ان يذعنوا لقيادة واحد منهم ، ويقبلوا بالصيغة الدستورية
الحديثة التي أقرها الشعب الايراني ، ولكن السيد محمد الشيرازي رفض التسليم بولاية
الامام الخميني او الانضواء تحت شرعيته ، انطلاقا من ايمانه بامتلاكه للشرعية
الدستورية باعتباره فقيها و (نائبا عاما عن الامام المهدي) تماما كما هو الامام
الخميني. ولم ير في كون الأخير حاكما او منتخبا من الامة مبررا كافيا للتخلي عن
"شرعيته" و"حقه الدستوري" في مشاركته الحكم ضمن (شورى
الفقهاء).[27]
و من جهة اخرى حاول الشيرازي
ان يؤصل لنظرية (شورى الفقهاء ) من خلال الدعوة الى توزيع القدرة بين مختلف
الفئات والمنظمات والاحزاب ، لان من طبيعة القدرة الطغيان ، وان الحكم الديني
المنحرف أبشع من الحكم المدني وحتى لا يبقى مجال للديكتاتورية و لا تتمكن جماعة من
استغلال الحكم وضرب الآخرين . [28]
[1] / الشيرازي ، محمد: الدولة الإسلامية ، الفقه ص 24 و34 ج101/
[2] / الشيرازي ، محمد: حياتنا
قبل نصف قرن ص 138 و نحو يقظة إسلامية ص 89 و السبيل الى إنهاض المسلمين ص 292/
[3] / الشيرازي
، محمد: الدولة الإسلامية ، الفقه ص
62 ج 101/
/طرح الامام الخميني
نظرية الولاية المطلقة للفقهاء عام 1988 في رسالة الى السيد علي الخامنئي رئيس
الجمهورية يوم ذاك ، و قال فيها :
ان الحاكم يستطيع ان يلغي اية اتفاقية شرعية مع الأمة من طرف واحد إذا رأى بعد ذلك
انها مخالفة للإسلام او لمصلحة البلاد./
[4] / الشيرازي ، محمد: السبيل الى إنهاض المسلمين ص292 /
[5] / الشيرازي ، محمد: السياسة ص181 /
[6] / الشيرازي ، محمد:
السبيل الى إنهاض المسلمين ص 16و17/
[7] / الشيرازي ، محمد: الاجتماع ص 57 ج1 /
[8] /المصدر/
[9] / الشيرازي ، محمد: الدولة الإسلامية ، الفقه ص 65 ج101 /
[10] /يقول:" الشورى
أساس العلاقة بين الحاكم والأمة ، فاذا لم يكن النبي موجودا ولا الامام المنصوب من
قبله حاضرا ، فمن حق الأمة ان تختار حكامها بإرادتها الحرة المطلقة ، كما ان للأمة
الحق في محاسبتهم وفي عزلهم إذا حادوا عن الشريعة"./ الدولة الإسلامية ص282 و
الشورى في الإسلام ص 16/
[11] / الشيرازي ، محمد:
الشورى في الإسلام ص 20-21 /
[12] / الشيرازي ، محمد: الصياغة الجديدة ص136 و الشورى في الإسلام ص 21/
[13] / الشيرازي ، محمد: الشورى في الإسلام ص25 /
[14] / الشيرازي ، محمد: الشورى في الإسلام ص22 /
[15] / الشيرازي ، محمد: الشورى في الإسلام ص11و12 /
[16] / الشيرازي ، محمد: الحرية الإسلامية ص 18/.
[17] / الشيرازي ، محمد:
السياسة ص 270 ج 2 /
[18] / الشيرازي ، محمد: السياسة ص 128ج2و الصياغة
الجديدة ص 326 وراجع أيضا: الدولة الإسلامية ص 65 /
[19] / الشيرازي ، محمد: أجوبة المسائل الفرنسية ص 28/
[20] / الشيرازي ، محمد: أجوبة المسائل الفرنسية ص 29/
[21] / الشيرازي ، محمد: الصياغة الجديدة ص 507/
[22] / الشيرازي ، محمد: الدولة الاسلامية ، الفقه ص 85 ج101/
[23] / الشيرازي ، محمد: الدولة الاسلامية ص 76 وممارسة التغيير ص296
/
[24] / الشيرازي ، محمد: الحرية الاسلامية ص13 /
[25] / الشيرازي ، محمد: السبيل الى إنهاض المسلمين ص319 /
[26] /الخميني: كتاب البيع
ص 483-488/
[27] /راجع: الشيرازي ،
محمد: الصياغة الجديدة ص508 و الاقتصاد بين المشاكل والحلول ص135،عام
1403 و الحرية الإسلامية ص 14-16 و
السبيل الى إنهاض المسلمين319 و الدولة الإسلامية ، الفقه ص 65 ج101 و حياتنا قبل نصف قرن ص 138-140 ، طبع سنة 1995/
[28] /الشيرازي
، محمد: الاجتماع 133-134 ج2 و348 ج1