كما قلنا في فصل
سابق بدأ الشيرازي حياته العملية الثقافية في الخمسينات والستينات على أرضية شعبية
ضعيفة ، حيث كانت التيارات اليسارية المختلفة تكتسح الشارع العراقي ، ولذا وبالرغم
من ايمانه بنظرية راديكالية تكفر بالنظام العراقي الحديث وتسعى الى اقامة نظام
اسلامي شيعي مرجعي محله هي نظرية (ولاية
الفقيه) ، فانه لم يكن يستطيع اتخاذ أي موقف سياسي علني وواضح تجاه أي حدث سياسي
كبير كالانقلابات العسكرية التي كانت تحدث في العراق ، كما لم يكن بالطبع قادرا على التأثير على الحكومة المركزية
في بغداد ، أو الاشتراك في انقلاب عسكري او الدخول في جبهة سياسية معارضة ، ولكن
ذلك لم يمنعه من إبداء رأيه او التعبير عن امتعاضه وسخطه حول بعض الأمور ، كما لم
يمنعه من التفكير بمحاولة استمالة بعض الرؤساء والوزراء والتأثير عليهم من اجل
تطبيق الاسلام او جوانب معينة لصالح الشعب.
و عندما سأله جماعة من المثقفين :
هل يعني من تطبيق الاسلام اعادة الخلافة؟ قال : "لا.. الاسلام يرى لزوم ان
يكون الرئيس ومن بيده ادارة امور المسلمين عدولا جامعين للشرائط ، ولا صيغة خاصة
لذلك واني اعتقد ان الخلافة انقطعت بغيبة الامام المهدي فلا خليفة ظاهرة ولا خلافة
في اسلوب الحكم . ويصح تنفيذ حكم الاسلام على يد الوزارة على الصورة الحديثة ، على
شرط توفر الوزارة للقوانين الاسلامية من علم وعدالة وفهم للحياة وخوف من الله
وتقديم المصالح الاسلامية على المصالح الشخصية". [1]
ان وزن السيد الشيرازي على الأرض
في الستينات لم يكن يسمح له بتبني استراتيجية سياسية فاعلة ، ولذا فقد انتهج سياسة
اصلاحية نخبوية ، وظل يأمل في إحداث بعض التأثير على الأنظمة المختلفة . وقد أشار
الشيرازي الى سياسته هذه في كتابه المهم : (الى وكلائنا في البلاد) حيث قال:
" السلطات غالبا – حيث
تبطرها القوة والسلطان والجاه والمال – تنحرف عن الاسلام انحرافا كبيرا او قليلا ،
والعنف غالبا لا يزيد الأمر الا إعضالا ، خصوصا في ظروف انحطاط المسلمين وكون
الدفة بيد الأجانب.فمن الضروري على العالم ان يستدرج بالسلطة الى حظيرة الاسلام
والحيلولة دون استغلال الفساق لها في مآربهم المنحرفة ، وذلك بالتعرف والتعارف
والمجاملة والمودة ، حسب الموازين الشرعية ، في مقابل عدم سماح السلطة للفسقة وأهل
المنكرات ، وتمشيتها للأمور الاسلامية في البلاد ، ذلك حتى يقوم حكم الاسلام من
جديد بإذن الله تعالى.
ولا يخفى ان ما ذكرناه انما نقصد به غير
الظروف الاستثنائية التي يرجح فيها مقاطعة السلطات لأنها تقوم بمنكرات كبيرة او
أرادت ان تقوم ، مما يكون القطع
أنفع من الصلة.
كما ان من اللازم ان يلاحظ العالم الذي
يراود السلطة لأجل تمشية أمور الاسلام كم يعطي؟ وكم يأخذ؟ .. فان مجاملة العالم
للسلطة اعطاء لها واي اعطاء ، وقيام السلطة بخدمة الاسلام ومكافحة المنكرات أخذ
منها ، فاللازم المقارنة بينها لئلا يكون العالم قد أعطى أكثر مما أخذ ليخسر بذلك
سمعته وآخرته في وقت واحد". [2] و تطبيقا لهذه السياسة التقى السيد
الشيرازي في العهد الملكي بعدد من
الوزراء والمسئولين بدءا من السيد محمد الصدر وانتهاءا برئيس الوزراء عبد الوهاب
مرجان الذي شكا اليه انتشار
الشيوعية ، فدعاه الى تطبيق الاسلام .[3] والتقى بعد ثورة 14 تموز ، الزعيم عبد الكريم قاسم في مقره بوزارة
الدفاع ليطلب منه تطبيق الاسلام في
البلاد ، وقد أجابه قاسم :" انه لم يأت الى الحكم الا لتطبيق الاسلام". [4] وهذا ما دفع الشيرازي الى تحديد
النقاط والكيفية التي يمكن عبرها تطبيق الاسلام على يدي قاسم ، فاقترح إلغاء
البنوك الربوية والمدارس المختلطة ومحلات الخمور والقمار ، واستبدال قوانين المحاكم
بكتاب (شرائع الاسلام) وتشكيل لجنة من الأخصائيين والخبراء وعلماء الدين والموظفين
الكبار من مختلف الوزارات لرسم الصيغة الاسلامية الملائمة حتى لا يوجب التغيير
فوضى وخللا في الدولة او في رفاه الامة .[5] و أشاد الشيرازي بإلغاء ثورة 14 تموز
للقمار (الرايسز) . [6] وكرر اقتراحه بتشكيل لجنة مشتركة لتطبيق
الاسلام في لقاء له مع متصرف كربلاء كاظم الرواف. [7]
ولكن الشيرازي اصيب
بخيبة أمل من قاسم عندما أصدر قانون الاصلاح الزراعي وقانون الأحوال الشخصية في
كانون الأول عام 1959 بتأثير من الحزب الشيوعي ومنح بمبوجبه المرأة حقوقا متساوية
للرجل في الإرث . ومنع الزواج بأكثر من واحدة واعطى المرأة حق الطلاق. فذهب مرة
اخرى الى قاسم ليصرفه عن تطبيق تلك القوانين. [8]
وعندما استولى عبد
السلام عارف على السلطة في 1963 سلك الشيرازي معه سبيل الموعظة والإرشاد فبعث أخاه السيد حسن اليه ، وطالبه بإلغاء كل
القوانين المخالفة للإسلام في عامة الوزارات والدوائر الرسمية سواء القوانين التي
وضعت في العهد الملكي أو الجمهوري ، ثم التخطيط والبدء بتطبيق القوانين الاسلامية.
وعندما التقى في
كربلاء عام 1965 برئيس الوزراء عبد
الرحمن البزاز ، ذكره أثناء اللقاء بضرورة العمل بقانون العقوبات الاسلامية ،
والتخلي عن (قانون العقوبات البغدادي) الذي وضعه قائد الحملة البريطانية على
العراق. [9]
وبينما
كان الشيرازي ينتظر من الرئيس عارف ان يحقق بعض مطالبه قام هذا الأخير بإعلان التأميم لكبرى الشركات
التجارية والمصانع والبنوك العراقية
، فاتخذ الشيرازي منه موقفا سلبيا معارضا "لأن الاسلام لا يعترف بالتأميم
لأنه من بنود الاشتراكية". [10]
ان اقصى ما كان الشيرازي
يستطيع عمله هو المقاطعة السياسية ورفض اللقاء بالرئيس ، وهذا ما فعله المرجع
الأعلى آنذاك السيد محسن الحكيم
عندما رفض استقبال عارف لدى زيارته النجف وكربلاء في نيسان 1966. [11]
وبناء على واقع حجم السيد محمد
الشيرازي السياسي واستراتيجيته في الدعوة السلمية الاصلاحية ، لم يتخذ في البداية
موقفا سلبيا من انقلاب 17 تموز 1968 ، وبدلا من ذلك حاول ان يمد مع حكومة البعث
الجسور وينصحها ويؤثر عليها ، خاصة
وانها اتبعت معه في السنة الاولى سياسة الحوار ، وطلب من بعض اعضاء مجلس قيادة
الثورة ان لا يضربوا العشائر ويحافظوا عليها ويحققوا مطالب الشيعة ، وكانوا يعدونه
خيرا ، بحيث دفعه ذلك الى التفاؤل.[12] ولكنه فوجئ باعتقال أخيه السيد حسن في
أوائل ربيع الأول سنة 1389/صيف 1969
وبالتضييق عليه حتى اخراجه أو خروجه من العراق يوم 18 شعبان 1391 المصادف 9
أكتوبر 1971
و- المقاومة السلبية
اضافة الى استراتيجيته الاصلاحية ، العملية والعلنية التي كان يتبعها مع
الرؤساء والوزراء من أجل حملهم على تطبيق الاسلام او جوانب منه ، اتبع السيد محمد
الشيرازي بعد فترة من انطلاقته ، استراتيجية اخرى طويلة المدى تتمثل في السعي الى
القضاء على تلك الأنظمة واقامة الحكم الاسلامي بقيادة (المرجعية الدينية ) وذلك لأنه لم يكن يعترف بشرعية أي نظام
آخر حتى لو كان ديموقراطيا منتخبا من الأمة ، و يرفض قبول القوانين التي تصدر عنها ، وكانت استراتيجيته تنطوي على
شقين هما المقاومة السلبية والايجابية للحكومات " الجائرة " . [13]
فقد دعا إلى التمرد على الدول
اللاشرعية و الجائرة التي تحكم بغير
ما أنزل الله ، و خرق كافة القوانين الوضعية الكابتة للحرية و المناقضة للاسلام كقوانين السفر والتجارة
والصناعة والعمارة والزراعة والزواج والاستيراد والتصدير وملكية الأرض وما شابه
حتى قوانين المرور ، واعتبر العمل بها مساعدة للظالم وإبقاء للمستعمر في بلاد
الإسلام وجريمة كجريمة الزنا وشرب
الخمر . [14]
ز - المنهج السلمي
وفي الوقت الذي دعا فيه الشيرازي
الى اسقاط الأنظمة اللاشريعة المختلفة فانه طرح شعار العفو والتسامح
وانتقد العنف . [15]
وكان في البداية يشكك في اسلوب
غاندي في (اللاعنف)[16] الا انه عاد بعد فترة ليؤكد على اللاعنف
واعتماد السلم في العمل كاستراتيجية ثابتة له من أجل التغيير ،[17]
وقد انتهج الشيرازي
سياسة ثقافية تقوم على تأليف الكتب
والمقالات والقاء المحاضرات.[18]
ولم يمارس العنف او يدع اليه في الستينات ، ولم يفكر بعمل انقلاب عسكري في العراق
او التسلل او القيام بتنظيم عسكري في الجيش ، او خارج الجيش. وكان يوصي أتباعه
ووكلاءه بالمحافظة على السلم واللين وتجنب العنف . ومع انه كان يدعوهم للحصول على
القوة [19]
الا انه كان يحرص على التزام الطرق السلمية في التغيير.
وكان يؤكد على اتباع منهج السلم في اللسان
والقلم والعمل ، وتجنب المواقف الحادة كالمقاطعة والحصار الاجتماعي ، وتدريب النفس على الروح السلمية [20] والتحلي بروح الحوار والتفاهم والخلق
الرفيع واحترام الرأي الآخر.[21] و يطالب بإزالة العنف من القلب أولا ، وذلك بالدعاء للعدو في ظهر الغيب وعدم اظهار العداء في أي حال من الأحوال. [22] ويوصي الحركة الاسلامية العالمية
بالتزام السلم و العفو مع الاصدقاء والأعداء . [23]
و كان الشيرازي يردد دائما المقولة المشهورة عن غاندي محرر الهند : ( تعلمت من
الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر). [24]
[1] / الشيرازي، محمد: حوار
حول تطبيق الاسلام ص 99/
[2] / الشيرازي، محمد: الى الوكلاء في البلاد ص 77/
[3] / الشيرازي،
محمد: حوار حول تطبيق الاسلام ص105-115
/
[4] / الشيرازي، محمد: حوار حول تطبيق الاسلام ص 97/
[5] / الشيرازي، محمد: حوار حول تطبيق الاسلام ص 104/
[6] / الشيرازي،
محمد: ارشادات اسلامية ص 96/
[7] / الشيرازي، محمد: حوار حول تطبيق الاسلام ص 149-169 /
[8] /نضير الخزرجي ، ندوة
دراسات حول كربلاء ص 239 و القانون
ص 192/
[9] / الشيرازي، محمد: القانون ص 183/
[10] / الشيرازي، محمد: حوار حول تطبيق الاسلام ص133-142 /
[11] / محاضرة للشيرازي في 23 ربيع الثاني 1402
في قم تحت عنوان: الحاجة الى السياسة ص 20 والخرسان ، صلاح: حزب الدعوة ص 150/
[12] / حسب مصادر خاصة
مقربة من الشيرازي /
[13] / الشيرازي، محمد: الحكم في الإسلام ص 242/
[14] / الشيرازي،
محمد: الحرية الإسلامية ص 56-60 و
مسألة رقم110 و 402 و 733 من المسائل المتجددة و القانون ص 294 و334
و الحكم في الإسلام ص 179و175و242 /
[15] / الشيرازي، محمد: ارشادات اسلامية ص 96/
[16] / الشيرازي، محمد: في ظل الإسلام ص 20/
[17] / الشيرازي، محمد: إلى حكومة ألف مليون مسلم ص 112/
[18] / الشيرازي، محمد: الى الوكلاء في البلاد ص 84 ، طبعة ثانية من : الى وكلائنا في
البلاد 1970/
[19] / الشيرازي، محمد: إلى الوكلاء في البلاد ص 85و112 /
[20] / الشيرازي،
محمد: الى الوكلاء في البلاد ص 99/
[21] / الشيرازي، محمد: اللاعنف في العمل ص 6 و الى حكم الاسلام ص50، 1962م/
[22] / الشيرازي، محمد: الى حكم الاسلام ص 70/
[23] / الشيرازي، محمد: السبيل الى انهاض المسلمين ص 195/
[24] / الشيرازي، محمد: الى حكم الاسلام ص 53 و: تحويل المعنويات
الاسلامية ص 34/