مذكرات أحمد الكاتب
سيرتي
الفكرية
والسياسية..
من نظرية
الإمامة..إلى
الشورى
عندما أبصرت
النور صباح
عيد الفطر من
سنة 1372 المصادف 13
حزيران 1953 في
مدينة كربلاء
في العراق ،
كان النظام الملكي
في العراق
يلفظ أنفاسه
الأخيرة ، في
حين كانت
المعارضة
العراقية تتصاعد
وتتخذ طابعا
يساريا
"شيوعيا" أو
هكذا كان
النظام يوحي
الى الناس
وخاصة المؤمنين
منهم. وعلى
رغم أن مدينة
كربلاء ذات
الطابع
الديني كانت
تقف موقفا
سلبيا من
النظام
الملكي الذي
قام على أنقاض
ثورة العشرين
التحررية
التي قادها
المرجع الديني
الشيخ محمد
تقي الشيرازي
، وكان يتخذ من
كربلاء مقرا
له ، إلا انها
شهدت ولادة
حركة إسلامية
للوقوف في
مواجهة
الموجة الإلحادية
، وذلك بقيادة
مجموعة من
رجال الدين
بقيادة السيد
محمد
الشيرازي ،
وكان والدي (
عبد الزهراء
بن عبد الأمير
بن الحاج حبيب الأسدي)
واحدا من
شباب تلك
الحركة ، وكان
يبلغ العشرين
من عمره عندما
تزوج في خريف 1952
وعاهد والدتي
(شكرية بنت
عباس بن علوان
الهر) على ان
يقدما باكورة
زواجهما في
خدمة الدين.
وكان
أبي وجدي
يكسبان
قوتهما من
تجارة خاصة
بكربلاء هي
تجارة
(المسابح و
الترب الحسينية)
التي يسجد
عليها الشيعة
، ولهما مع
عدد من أعمامي
واقاربي بضعة
محلات
في شارع علي الأكبر
الذي يصل بين
مرقد الأمام
الحسين ومرقد
أخيه العباس.
ومن
المعروف أن
مدينة كربلاء
، بنيت حول
قبر الأمام
الحسين بن علي
الذي قتل على أيدي
الجيش الأموي
في عهد يزيد
بن معاوية.
وكانت في
البدء قرية
صغيرة ثم
تطورت الى
مدينة تضم
حوالي خمسين ألفا
من العرب
والعجم الذين
هاجروا اليها
في القرون
الماضية.
ويغلب عليها
الشيعة
الامامية الاثنا
عشرية ، وفيها
حوالي مائتي
مسجد كلها للشيعة
ما عدا مسجد
واحد أو اثنين
لأهل السنة
يقع أحدهما في
شارع
النجارين ،
وهو خاص
لموظفي
الحكومة وبعض
الأفراد من
السنة. وكنت
تتعرف عليه
بسهولة من
خلال الأذان
المختلف في
بعض العبارات
وفي التوقيت
المبكر صباحا
وعند الغروب.
عندما
كنت في
الخامسة من
العمر ، كان بيتنا
يقع في شارع الأمام
علي بالقرب من
ذلك المسجد.
ولكن والدي لم
يكن يصلي فيه
، وإنما كان
يدأب على
الصلاة جماعة إما
في الحرم
الحسيني خلف
السيد مهدي
الشيرازي أو
خلف رجل دين
آخر اسمه
السيد محمد
رضا الطبسي في
مسجد يقع في
باب العلقمي
في الشرق من
مرقد العباس
بن علي . وكان
هناك مسجد آخر
قريب من بيتنا
أتذكر ان
والدي مع
مجموعة من أصدقائه
كانوا يقيمون
فيه محفلا أسبوعيا
للقرآن
الكريم ، يقع
في نفس
الشارع
الى الشمال
من ساحة
البلوش. وذلك
في بداية مجيء
عبد الكريم
قاسم الى
السلطة عام 1958
وفي تلك
السن
(الخامسة)
علمتني
والدتي الأبجدية
وقراءة
القرآن ، بعد
ما كانت
تنتهي من
أعمال المنزل
خاصة وأنني
كنت ابنها
البكر. وعندما
بلغت السابعة
أخذني والدي
الى مدرسة أهلية
إسلامية
حديثة هي
(مدرسة الأمام
الصادق) والتي
كان يديرها
الخطيب السيد
مرتضى
القزويني ،
وذلك لأن بعض
المتدينين ،
وأبي منهم ،
كانوا لا
يزالون
يلتزمون
بقرار المقاطعة
الذي أصدره
مراجع الدين
في بداية
تأسيس العراق
الحديث ، ضد
المدارس
الحكومية
التي رأوا
فيها وسيلة
لإفساد الشباب
وإبعادهم عن
الدين وعن
سلطة المراجع الدينية
في آخر الأمر. إضافة
الى قرار
مقاطعة
الدولة
العراقية
ودوائرها ووظائفها.
ورغم أن تلك
المدرسة كان
معترفا بها من
قبل وزارة المعارف
وتطبق
المنهاج
الدراسي
الحديث إلا
انها كانت
تنطوي على
برامج دينية
مكثفة وتحت إشراف
وادارة رجال
الدين.
وكنت
متشوقا لدخول
المدرسة ،
ولكن المدير
رفض تسجيلي
فيها لأن عمري
حسب الجنسية كان
يقل بثلاث
سنوات. وكان
ذلك بسبب خطأ أو
تساهل ارتكبه
كاتب النفوس
في إحصاء عام 1957
وهكذا رجعت
خائبا مع أبي
الى البيت .
ولم يفكر أبي
أبدا بإرسالي
الى المدارس
الحكومية.
وفي سنة
1960 انتقلنا الى
بيت آخر في
شارع العباس
في محلة باب
الخان ،
فسجلني والدي
لدى أحد
الكتّاب وهو
الشيخ عبد
الكريم الذي
كان يتخذ من
غرفة في زاوية
من صحن العباس
مدرسة له،
يعلم فيها
حوالي خمسين طالبا
القراءة
والكتابة
والحساب ويركز
فيها على
قراءة القرآن
الكريم ، وكان
علي أن اجلب
معي مقعدا
للجلوس عليه بالإضافة
الى الدفاتر
والأقلام.
من يعيش
في كربلاء في
تلك الأيام
كان لا بد ان
يتعرف على قصة
استشهاد الإمام
الحسين بصورة
تلقائية،
فكربلاء مدينة
أسست حول
الحسين وكانت
تسمى في
القرون الوسطى
(مشهد الحسين)
وأينما ذهب
المرء ومتى ما
ذهب هناك
مجالس حسينية
تقام في كل مسجد
وفي كل حارة
وفي كل زقاق
وفي البيوت
خلال شهري
محرم وصفر وفي
مناسبات
عديدة أخرى هي
ذكريات وفاة
الأئمة
الاثني عشر
الآخرين ، حيث
تتشح مدينة
كربلاء
بالسواد
وترتفع
الرايات
السود في كل
أنحائها
وتخرج مواكب
العزاء من كل
صوب فيها.
وفي ذات
ليلة رأيت في
منامي وكأن
معركة كربلاء
قد نشبت ورأيت
الأمام
الحسين يصرخ
بندائه
الشهير: ألا
من ناصر ينصرني؟
ألا من معين
يعينني؟
ووجدتني
بالطبع التحق
مع جيش الأمام
الحسين ضد جيش
يزيد. فقصصت
رؤياي على
والدتي التي
شجعتني ورأت
في ذلك علامة
مبشرة بالخير وتمنت
لي أن احشر مع
سيد شباب أهل
الجنة. وكانت
أمي تقول لي
بأننا من نسل
حبيب بن مظاهر
الأسدي ،
باعتبارنا من
قبيلة بني أسد
، وكان حبيب
أحد زعماء
الكوفة الذين
دعوا الإمام
الحسين الى
القدوم الى
العراق ،
وثبتوا على مواقفهم
، وقد قتل وهو
يذب السهام عن
الإمام أثناء
صلاته يوم
عاشوراء.
ولذلك دفن في
ضريح خاص ، ولا
يزال يوجد له
صندوق خاص
أمام ضريح الإمام
الحسين
يقع على يسار
الداخل الى
الحرم ، ولذلك
كنت أجد علاقة
روحية خاصة
بيني وبينه
عندما ازور الأمام
الحسين كل أسبوع
، وأقف متأملا
ومستلهما
ومقبلا له
ومتماهيا معه
وعاقدا العزم
على السير على
دربه في نصرة الإمام
الحسين في
معركته
الخالدة.
وإذا
كان الإمام
الحسين قد قتل
قبل حوالي أربعة
عشر قرنا ،
فان ثمة معركة
قادمة وإمام
منتظر هو الإمام
الثاني عشر
الغائب (محمد
بن الحسن
العسكري) الذي
كانت أمي تعدّني
لأن أكون
جنديا في
صفوفه و
"واحدا من
أنصاره
الثلاثمائة
والثلاثة عشر
المخلصين ،
الذين يشكلون
شرطا لظهوره"
وكانت تقول لي
أيضا بأن عليّ
ان التزم
بأرفع
الأخلاق
والآداب حتى أكون
واحدا من أولئك
الأنصار
وأحظى بشرف
اللقاء بالإمام
المهدي الذي
سوف يظهر
قريبا
ويملأ الأرض
قسطا وعدلا
بعد أن ملئت
ظلما وجورا.
كانت
والدتي تحكي
لي قصصا عن
لقاء الإمام
المهدي
بالشيعة
المخلصين من
ذوي الأخلاق
العالية
والالتزام
الديني
الدقيق. وكانت
هناك في تلك
الأيام عادة
لدى بعض
المؤمنين
تتمثل في
زيارة قبر الإمام
الحسين أربعين
ليلة جمعة أو
زيارة مسجد
السهلة في
الكوفة أربعين
ليلة أربعاء ،
والإكثار من
الصلاة
والدعاء أملا
في لقاء الإمام
المهدي بعد
ذلك. وكانت
تحكي لي خصوصا
قصة (الرمانة)
وهي قصة كانت
متداولة عن
نجدة الإمام
المهدي لشيعة
البحرين الذي
تعرضوا
لامتحان قاس
من أحد الحكام
(السنة) الذي أحضر
رمانة مكتوب
عليها بشكل
بارز أو ناتئ
(اشهد أن عمرا
ولي الله)
وطالبهم
بالانتقال من
التشيع الى
التسنن وإلا
فسوف يقتلهم ،
مما دفع
الشيعة الى
طلب مهلة ثلاثة
أيام للتشاور
والاستغاثة بالإمام
المهدي ، فما
كان منه إلا أن
حظر في اليوم
الأخير
ولامهم على أخذ المهلة
ثلاثة أيام ،
وكشف لهم عن
سر الرمانة ،
وأخبرهم عن
وجود قالب
حديدي في بيت
الوزير البحريني
في الفلان
المكاني ،
فجاء علماء
الشيعة
وأخبروا
الحاكم بسر
الرمانة ، فعفا
عنهم. وهي قصة
قرأتها بعد ذلك
في كتاب كان
ينتشر في
كربلاء
في تلك الأيام.
ورغم انه لا
يذكر التاريخ
ولا أسماء إلا
ان مضمون
القصة يحكي عن
حضور الإمام
المهدي
ونجدته
لشيعته في
أوقات المحن
العصيبة. وهو
ما عزز إيماني
بوجود ذلك الإمام
الذي نشأت على
ان أكون جنديا
من جنوده عند
ظهوره. أو
هكذا ربيت.
وفي
تلك السنوات
الأولى وربما
قبل ان اكمل
العاشرة ،
سافرنا ذات
يوم الى مدينة
سامراء
لزيارة قبر الإمامين
علي الهادي
والحسن
العسكري
وسرداب غيبة الإمام
المهدي ، وكنا
نستأجر في
العادة غرفة لدى
أحد البيوت من
أهل سامراء الذين
كانوا ينتمون
الى المذهب
السني ،
واتذكر ان ربة
البيت التي
جلست تحادث
والدتي أحبت
ان تداعبني
فعرضت
علي الزواج
من ابنتها ،
ولكني رفضت
بسرعة. ولما
سألتني :
لماذا ؟ قلت
لها بصراحة
طفولية: لأن
بنتك سنية
مثلك! مما سبب
لوالدتي حرجا.
وقد ندمت على
جوابي ذلك
بالطبع فيما
بعد حيث خسرت
زوجة جميلة من
أهل سامراء
المعروفين
بجمالهم الفائق.
انتظرت
ثلاث سنوات في
الكتّاب ، حتى
أصبح عمري
رسميا سبع
سنوات ،
فالتحقت
بمدرسة أخرى
هي (مدرسة
حفاظ القرآن
الكريم) التي
أسسها السيد
مهدي
الشيرازي عام
1960، وكان
يديرها الشيخ
ضياء الزبيدي.
ولكني انتقلت
الى الصف
الثالث
مباشرة مع
أترابي ولأني
كنت قد قطعت
شوطا لدى
الشيخ عبد
الكريم. كان
ذلك في عام 1963
وكانت
هذه المدرسة
دينية بحتة
وتدرس برامج
في القرآن
والتفسير
والتاريخ الإسلامي
والأخلاق
والفقه
والحساب ،
كلها من وضع
وتأليف السيد
محمد
الشيرازي ، وأساتذتها
من المعممين
الشباب
كالشيخ جعفر
الهادي
والشيخ كميل
عبد الكريم
والسيد عبد
الحسين
الفائزي
والشيخ عبد
الحسين
والسيد إبراهيم
الموسوي، ولم
تنفتح
المدرسة على
الدروس الحديثة
مثل اللغة الإنجليزية
والجغرافيا
والعلوم إلا
في السنة
الخامسة أو
السادسة ،
وذلك عندما
حاولت إدارتها
التقدم الى
امتحانات
البكالوريا
وطلب الاعتراف
الرسمي بها ،
وهي محاولة
فشلت حتى تم إغلاقها
فيما بعد
عندما جاء حزب
البعث الى
السلطة.
ولم يكن
معظم طلبتها
يحتاجون الى
البكالوريا أو
ينوون التوظف
لدى الحكومة
العراقية ،
فقد كانوا
ينتمون الى
الجالية الإيرانية
المعارضة
للشاه ، أو الى
العراقيين المتدينين
الذين كانوا
يلتزمون
كوالدي بالحكم
الشرعي
ويرفضون إدخال
أبنائهم الى
المدارس
الحكومية.
كما قلت
كان والدي ذا
توجه ديني
وكان يدير
حلقة قرآنية
في أحد المساجد
ويشارك في
معظم المجالس
الحسينية الكبيرة
التي تعقد في كربلاء
، وكان
يأخذني معه
بالطبع . وكانت
المواضيع
التي يتحدث
فيها الخطباء
تدور حول قصة الإمام
الحسين
وسيرته
وحياته بالإضافة
الى قصة
الخلافة
والسقيفة
وقصص الأئمة
الآخرين مع
خلفاء زمانهم.
ولم أكن أحتاج
لأقرأ كتبا
خاصة حول
الموضوع فقد
كان الطفل
ينشأ
في تلك الأجواء
معبأ بثقافة
شيعية مركزة
ومتطرفة. ويعي
هويته الطائفية
أكثر من أية
هوية أخرى
قومية أو
طبقية أو
قبلية. ومع
ذلك فقد كان
والدي المثقف
ثقافة شيعية يحرص
على تدريسي في
البيت خطب الإمام
علي في نهج
البلاغة
وخاصة الخطبة
المعروفة بالشقشقية
، التي يتحدث
فيها الإمام
عن قصة
الخلافة
ويشتكي من
الشورى
والخلفاء السابقين
، ويؤكد على
حفظها عن ظهر قلب.
وهو الذي أعطاني
أول كتاب لأقرأه
بدقة عندما
كنت في
الثانية عشرة.
وذلك الكتاب
هو
(المراجعات)
للسيد عبد
الحسين شرف
الدين
العاملي ، وهو
عبارة عن
حوارات شيعية
سنية أجراها
مع شيخ الأزهر
في يومه الشيخ
سليم البشري ،
وقد بدت لي
أدلته مقنعة
ومستندة الى
مصادر السنة ،
وقد اعترف
الشيخ البشري
في نهاية
الحوار بجواز
التعبد
بالمذهب
الجعفري ، كما
أعطاني والدي
في بداية
شبابي كتب
الشيخ محمد
جواد مغنية
التي كان
والدي يحرص
على اقتنائها بالإضافة
الى مجلدات
بحار الأنوار
التي كانت
تردنا شهريا
من إيران.
وكان والدي
يتابع معظم الإصدارات
الشيعية في
كربلاء
والعراق
ولبنان ، وله
مكتبة في
زاوية من
البيت. وأتذكر
من بينها كتابا
أصدرته سلسلة
(منابع
الثقافة الإسلامية)
في كربلاء ،
وهو (لماذا
اخترت مذهب
أهل البيت)
للشيخ محمد
أمين
الانطاكي
الذي تحول الى
المذهب
الشيعي بعد ان
كان قاضيا في
انطاكيا قرب حلب.
والى جانب ذلك
كان في
مدرستنا معلم
من أهل
الموصل
هو
(الشيخ محمد
نديم الطائي)
كان سنيا في
السابق
و تشيع في
زيارة له الى
كربلاء على
يدي السيد
مرتضى القزويني.
مما عزز لدي
قناعة قوية
بأن المذهب
الشيعي الإمامي
الاثني عشري
هو المذهب
الحق وانه
يمثل الإسلام
الصحيح. ولذلك
كنت انظر نظرة
خاصة تحمل
شيئا من
التعجب
والغضب الى
جار لنا من
أهل عين التمر
ينتمي الى
الطائفة
السنية ،
وأتساءل:
لماذا يصر
ويعاند ولا
يقبل مذهب أهل
البيت؟!
و بالإضافة
الى مناهج
الدراسة
العامة
التي كنت أتلقاها
في مدرسة حفاظ
القرآن
الكريم ، كانت
تربطني بالمشرف
على المدرسة إمام
مدينة كربلاء الأكبر
، السيد محمد
الشيرازي ،
علاقة خاصة،
حيث كنت أدأب
على الصلاة
خلفه وأسأله
مسائل فقهية
كثيرة
وأهب لتقبيل
يديه عندما
يمر من أمام
محلنا في شارع
علي الأكبر (الذي
كان يربط بين
مرقدي الحسين
والعباس)، كما
يفعل كثير من
المريدين ،
تقديرا
وتعظيما له .
وكان
الشيرازي قد أطلق
حركة إسلامية نشطة على شكل
(هيئات)
لتلاوة
القرآن
وتجويده
وتعليم أحكام
الدين ورد
الشبهات وما
الى ذلك ،
وبعد أن كنت
احضر عددا
منها هنا
وهناك ، بادرت
الى تشكيل
هيئة خاصة
بطلاب
مدرستنا ،
لعقد مجلس قرآني
كل ليلة جمعة
، وإحياء
مجالس العزاء
في ذكرى وفيات
الأئمة من آل
البيت ،
وأسميتها
(هيئة دعاة
الرسول
الأعظم).
وفي عصر
ذات يوم جاء أحد
زملائي ليناديني
ويخبرني بأن
السيد
الشيرازي
يدعوني الى
بيته أو
ديوانيته ،
فسارعت الى
تلبية طلبه
مستغربا ، وعندما
جلست وقدم لي
الشاي اقترح
علي أن أقوم
بحملة إعلامية
تتضمن تعليق
لافتات تحمل
عبارات دينية
وآيات قرآنية
، وملصقات على
الجدران
والأعمدة في الشوارع
الرئيسية ،
ومناشير
للتوزيع على
الناس ، وأعطاني
مبلغا من
المال لأشتري
القماش
والورق اللازم
واذهب الى أحد
الخطاطين
لكتابتها ، ثم
القيام بعد
ذلك بتعليق
اللافتات في
الشوارع الرئيسية
وعلى مداخل
مسجدي الإمام
الحسين وأخيه
العباس.
وطباعة
المناشير في إحدى
المطابع
وتوزيعها
على الزوار ،
فقمت مع بعض
الزملاء
الذين اتفقت
معهم لتنفيذ
المهمة ،
واستطعنا
تغطية
المدينة إعلاميا
بشكل جيد ،
وهكذا كنا
نقوم
بالعملية في
كل مناسبة
دينية ، وما
اكثر
المناسبات
التي كانت كربلاء
تكتظ خلالها
بالزائرين.
وهكذا
تعززت صداقتي
بالسيد
الشيرازي
الذي كنت أزوره
دائما واحضر
مجالسه
العامة
والخاصة ،
وبدأت "أقلده"
حتى قبل ان
ابلغ وأتكلف
بصورة شرعية.
كانت
كربلاء في عقد
الستينات
تجاهد من أجل
وقف المد
الشيوعي
والقومي والإلحادي
والغربي
الذي غزا
العراق ، واتذكر أنى
كنت أرافق
والدي ذات مرة
الى محاضرة
يلقيها
الخطيب السيد
محمد كاظم
القزويني في
بيت أحد
الأصدقاء وكانت
له مجالس أسبوعية
للشباب دوارة
في البيوت ،
وكان عمري
يناهز الحادية
عشرة ، فطرح
الخطيب فكرة
تخصيص واحد من
الأبناء
لدراسة
العلوم
الشرعية ،
والتبليغ للإسلام
في أوربا وأمريكا.
ومن دون أن
يقول لي أبي
شيئا تلقفت منه
الفكرة وعقدت
العزم على ان أكون
كذلك في
المستقبل ،
وهو أمر سيرحب
به والدي ووالدتي
بلا شك. وربما
كان السيد
القزويني الذي
كنت ادأب على
حضور مجالسه
مع والدي كل أسبوع
، أحد أهم
الذين أثروا
في حياتي في
تلك الأيام ،
حيث كنت أتلقى
كلماته
وتعليماته
بكل قبول ، واتذكر
أنه كان يحث أهالي
مدينة كربلاء
على حسن
الأخلاق في
التعامل مع الزوار
، وبمراقبة
حجاب النساء
والأمر بالمعروف
والنهي عن
المنكر ، كنت
انفذ
تعليماته حرفيا
وذلك بالطلب
من النساء
اللواتي يشترين
من محلنا أو
يتجولن في
الشوارع أو
يجلسن في
المساجد ،
ويبدين خصلات
من شعورهن ،
بالتقيد
بالحجاب الإسلامي
وتغطية الشعر
بدقة ، ولم
أكن أجد حرجا
لأني كنت طفلا
صغيرا ، ولكني
في ذات مرة
كدت أتلقى
علقة من زوج إحدى
النساء التي
طالبتها
بالالتزام
بالحجاب ، فزجرني
وطالبني
بالاهتمام
بأخواتي. ولكن
ذلك لم يكن
ليمنعني عن
تنفيذ
الأحكام
الشرعية والأمر
بالمعروف
والنهي عن
المنكر.
وعندما
بلغت الرابعة
عشرة ، اقترح
علي السيد
الشيرازي أن
ارتدي
العمامة
والجبة ، زي
رجال الدين ،
وكنت لا أزال
في الصف
السادس في
مدرسة حفاظ
القرآن
الكريم الابتدائية
، وطلب مني أيضا
إقناع عدد من
الزملاء
للانخراط في
سلك رجال
الدين ودراسة
الفقه
والعلوم الإسلامية،
فوافقت على
الفور ،
وأخبرت
والديّ
بالموضوع
فرحبا
بالفكرة
بسرعة .
كنت
مقتنعا
بالفكرة
وراغبا
فيها
بل ومنغمسا
في الدراسة
الفقهية خارج أوقات
الدراسة في
المدرسة ،
واستطعت ان
اقنع زميلا وصديقا
واحدا هو
الشيخ كاظم
السباعي ،
فارتدينا
العمامة في
يوم واحد حيث ألبسنا إياها
السيد
الشيرازي
بنفسه ، في
بيته
وذلك في سنة 1967.
وكان منظرنا
غريبا جدا
ونحن نمشي في
شوارع
المدينة
ذهابا وإيابا
من البيت الى
المدرسة ، أطفالا
بزي رجال دين
، من دون لحى أو
شوارب ، ثم
استطعت ان أقنع بعض
الأصدقاء
الآخرين
كالشيخ محمد
أمين الغفوري
والشيخ صاحب
حسين الصادق ،
لينضموا الى
خطنا. وكان
هؤلاء يعيشون
في نفس الأجواء
التي كنت أعيشها
من حيث
العائلة
والمدرسة
والمحيط.
وبينما
كنت أسير ذات
صباح من عام 1968 ،
وبالذات في 17
تموز منه ، من
البيت الى
مدرسة (ابن
فهد الحلي)
حيث كنت ادرس
الاجرومية في
النحو أو قطر
الندى ، على
يدي الشيخ عبد
الحميد
المهاجر ، وإذا
بي اسمع في
الطريق صوتا
ينبعث من
الراديو في أحد
المحلات
ويتجمهر حوله
عدد من الرجال
، وكان المذيع
هو الضابط
حردان
التكريتي أحد
أعضاء مجلس
قيادة الثورة
، وهو يذيع
بصوت جهوري
بيانات
انقلاب 17تموز
، فأسرعت الى
المدرسة
وأخبرت الأستاذ
والزملاء ،
حيث لم يكن من
المعتاد ان
يحتفظ أي أحد
في المدارس
الدينية
بمذياع أو
تلفزيون ،
وهما آلتان
كانتا
محرمتين في
عرف المتدينين
في ذلك الحين.
لم تكن
الحوزة ولا
الحركة الإسلامية
تهتمان كثيرا
بالتطورات
السياسية في
بغداد ، وكان
المتدينون في
كربلاء ، يعيشون في
عصر آخر يضرب
بعيدا في
أعماق
التاريخ ، حيث
الصدر الأول ،
وكانت
الثقافة
العامة التي
يتم تداولها
في المجالس
والكتب
والمجلات
والمحاضرات
تدور حول
تاريخ الإسلام
، وقصة السقيفة
والشورى ، والظلم
الذي لحق بآل
البيت
والسيدة
فاطمة
الزهراء وقصة
كربلاء وكذلك
قصص بقية
الأئمة
الاثني عشر مع
خلفاء زمانهم الأمويين
والعباسيين ، إضافة
الى تفسير
آيات من
القرآن
الكريم وشرح
أحاديث أهل
البيت. وكان
الخطباء
المشهورون في
تلك الأيام هم
الشيخ عبد
الزهراء
الكعبي
والسيد كاظم
القزويني وابن
عمه السيد
مرتضى
القزويني
والشيخ هادي الكربلائي
وآخرون. إلا
ان بعض هؤلاء
الخطباء
كانوا أحيانا
ينتقدون الحكومة
من طرف خفي ، أو
كما كنا نقول:"يضربون
مسامير" .
وربما
كان بعض قادة
الحركة الإسلامية
يتابعون
التطورات
السياسية ،
ولكنهم لم
يكونوا
يتحدثون في الاجتماعات
العامة
والمجالس
الحسينية أي
شيء عنها ،
وكان السيد
الشيرازي
بالذات
منهمكا في
نقاش ساخن مع أعضاء
حزب الدعوة الإسلامية
الذين كانوا
ينشطون تلك
الأيام ، حول
شرعية التطبير
(ضرب الرؤوس
بالسيوف يوم
عاشوراء) والشعائر
الحسينية ،
وقام
الشيرازي
بنفسه بتأسيس
موكب خاص للتطبير
لطلبة الحوزة
العلمية حتى
يؤكد شرعية
هذا الطقس
الحسيني
ويخرس معارضة
المثقفين من
الدعاة
وغيرهم. وذهب
السيد كاظم
القزويني سنة
1965 الى الهند
فشاهد الهنود
يقيمون
احتفالا خاصا
بمناسبة مقتل
الحسين وهو الركض
حفاة خطوات
على جمر ملتهب
، فقام بنقل
هذا الطقس الغريب
الى كربلاء
بمساعدة
الشيرازي ،
مما أثار
استنكار
المثقفين
الذين
استعانوا
بالمرجع الأعلى
السيد محسن
الحكيم ليصدر
فتوى بتحريم
هذا النوع من
تعذيب الذات.
وحصل
سنة 1966 احتقان
بين جماعة
الشيرازي
التي كنت
انتمي اليها
وبين حزب
الدعوة أو أنصار
(الجمعية
الخيرية الإسلامية)
الذين كان
ينتمي اليها
بعض أخوالي ،
حول موضوع
التطبير ،
وذلك عندما
قام أحد أعضاء
الحزب وهو
السيد صادق
طعمة بإلقاء
خطاب أدان فيه
بعض
الممارسات
العنيفة في
شعائر الحسين أيام
عاشورا ، فما
كان من بعض
أنصار
الشيرازي إلا
ان قاموا
بمظاهرة
والهجوم على
مقر الجمعية
في شارع الإمام
علي
وتحطيمه ،
وقيل ان ذلك
تم بإيعاز من
السيد حسن
الشيرازي ،
الأخ الأصغر
للسيد محمد.
ومع ان الحادث
لم يترك جرحى أو
ضحايا إلا انه
ترك شرخا
عميقا في
الحركة الإسلامية
الوليدة وبين
المتدينين في
كربلاء.
لقد كنا
في واد وكانت
السياسة في
واد آخر..
ومع ذلك
كانت كربلاء
تشهد مهرجانا
سنويا تتزين
فيه شوارعها
وأعمدتها
ومحلاتها بالزينة
ويقام احتفال
كبير في
(الحسينية
الطهرانية)
التي تقع في
حائر الأمام
الحسين ،
والتي يوجد
فيها قاعات
حديثة و كبيرة
جدا ، ويحضرها
وفود من كافة أنحاء
العراق ، وذلك
في مناسبة
ميلاد الإمام
علي بن أبى
طالب في 13 رجب
من كل عام ،
وقد كان
المهرجان الثقافي
الضخم يتخذ
منذ سنة 1960 طابع
التحدي للشيوعية
والأنظمة
القائمة
وخاصة حزب
البعث في عهده
الأول.
كما
كانت كربلاء
تشهد في
مناسبات أخرى
كمناسبة
(زيارة أربعين
الإمام الحسن)
التي تصادف في
العشرين شهر
صفر ، والتي
يحضرها
الشيعة من كل
أنحاء العراق
والعالم ،
ويحتشد فيها
مئات الألوف ،
وتخرج كل قرية
أو مدينة أو
قبيلة موكبا
خاصا بها
للعزاء تستمر
على مدى يومين
، وتجوب شوارع
المدينة.
وكان
الحزب
الشيوعي
العراقي
يستغل في بعض
الأحيان
موكبا خاصا
ليردد هتافات
خاصة تشيد
بالاتحاد السوفيتي
و تبجل الإمام
الحسين وصحبه
الشهداء في
كربلاء ، في
محاولة لكسب
تأييد الشيعة المتدينين.
وإبعاد تهمة الإلحاد
عن نفسه.
وفي
الحقيقة كان
التيار
الديني يشعر
بالهزيمة في
تلك الأيام أمام
الموجة
الشيوعية
والقومية
والغربية و"الإلحادية"
التي عمت
العراق في
الخمسينات
والستينات ، وخاصة
الشباب
المثقف
والمتعلم ،
ولذلك كان قادة
الحركة الإسلامية
الجديدة
يعملون من أجل
المستقبل
البعيد ،
وكانوا
يؤسسون لعقود
قادمة، ومن هنا
اختلف
الحركيون حول
موضوع مهم هو
شرعية القيادة
المرجعية
ومدى
صلاحيتها
والقدرة على التعويل
عليها في
قيادة الشارع
الشيعي ، وبما
أن الكثير من
رجال الدين
كانوا يحملون
الجنسية الإيرانية
، وكانوا
يبتعدون نتيجة
لذلك عن العمل
السياسي ، منذ
تهجير ونفي
عدد من كبار
المراجع في أعقاب
فشل ثورة
العشرين
وتقوقع
المرجعية على
نفسها ، فقد
وجدت الحركة الإسلامية
الشابة
بقيادة حزب
الدعوة نفسها أمام
مشكلة ابتعاد
العلماء عن
السياسة ،
فحاولت تجاوز
المرجعية
الدينية بطرح
نفسها أو
بعبارة أدق
وجد حزب
الدعوة نفسه
مدعوا لطرح قيادته
ونظريته
الحزبية
وسيلة للعمل الإسلامي
، ولكن مرجعية
السيد محسن
الحكيم في
النجف والسيد
محمد
الشيرازي في
كربلاء وقفت
في وجه الحزب
، وقام الحكيم
بإصدار فتاوى
بتحريم
العمل
تحت قيادة
سرية ، كما
قام الشيرازي
بشن حملة
ثقافية ضد
فكرة الحزب في
العمل الإسلامي
واعتبارها
نظرية غربية
مستوردة
تخالف
القيادة
الشرعية
(المرجعية )
التي تشكل
امتدادا
لقيادة الإمام
المهدي
الغائب ،
باعتبار
العلماء
نوابا عامين
عنه في فترت
(الغيبة
الكبرى) وهي
الفترة الممتدة
منذ وفاة آخر
نائب خاص (علي
بن محمد الصيمري)
من (النواب
الأربعة)
الذين يعتقد
الشيعة
الامامية
الاثنا عشرية
انهم كانوا
على اتصال
شخصي بالإمام
المهدي في
(غيبته
الصغرى) التي
استغرقت
حوالي سبعين
عاما من وفاة أبيه
الحسن
العسكري سنة 260
هـ وحتى سنة 329
هـ حيث غاب غيبة
كبرى وانقطع
كل اتصال شخصي
به.
وبالتالي
فان الحركة الإسلامية
كانت تصطرع
فيما بينها
حول شرعية
الحزب أو
القيادة
المرجعية ،
وتخوض جدالات
عنيفة ، وأتذكر
أن السيد حسن
الشيرازي نشر
سنة 1963 كتابا
حول الموضوع
اسمه (كلمة الإسلام)
.
يتلخص
الكتاب في
التنظير
لقيادة الفقهاء
المراجع
كقيادة
شرعية وحيدة
في (عصر
الغيبة) ورفض
الطريقة الحزبية
القائمة على
الديموقراطية
الغربية والانتخاب
، وذلك
امتدادا
للصراع
التاريخي بين
النظريتين
السنية ،
القائمة على
الشورى ،
والشيعية
القائمة على
النص
والتعيين. ومن
هنا كان
تيارنا يدعو
الى المرجعية
، والمتمثلة
في قيادة
السيد محمد
الشيرازي
المرجع الناشيء
والواعد
والحركي
النشط.
وكانت التهمة الكبرى التي نوجهها لأعضاء حزب الدعوة هي انهم "خالصية" نسبة الى الشيخ مهدي الخالصي ، ابن أحد قادة ثورة العشرين الشيخ محمد الخالصي ، الذي نفي مع أبيه الى إيران ، ولم تسمح له السلطات العراقية بالعودة إلا بعد انتهاء الحر