التعديلات
الوزارية السعودية.. نصف خطوة على طريق الإصلاح الطويل
أحمد
الكاتب
التعديلات الوزارية
والقضائية التي اعتمدها الملك السعودي عبدالله بن عبد
العزيز في الأسبوع الماضي كانت متوقعة منذ أن اعتلى العرش قبل أربع سنوات، ولكن
الخطوة التي قام بها بإعادة تشكيل هيئة كبار العلماء لتضم 21 عضوًا من مختلف
المذاهب السنية في المملكة كانت فعلا نقلة نوعية مفاجئة تحدث لأول مرة في تاريخ
المملكة العربية السعودية، التي دأبت على حصر الفتوى على علماء المذهب الحنبلي
وخصوصا "الوهابي" طيلة عقود بل قرون مضت، أي منذ نشأة الدولة السعودية
الأولى في منتصف القرن الثامن عشر. وتوقع محللون دخول شخصيات شيعية في عضوية هيئة كبار العلماء في
السعودية خلال الأشهر المقبلة حسب صحيفة
القبس الكويتية التي نقلت عن محللين سعوديين قولهم أن التعديلات الأخرى المتوقعة
ستكون في بحر الأشهر الستة المقبلة.
وسوف يتيح توسيع هيئة كبار العلماء قدرا أكبر من المرونة في عملية الإفتاء ويغير من
مسار ومنهجية الفتوى والآراء الفقهية، التي دأب علماء السعودية الحنابلة على
التشدد فيها، نظرا لتمسكهم بمبدأ "سد الذرائع" ورفض "الرخص"
الذي كان وراء الكثير من الفتاوى المتشددة كتحريم قيادة السيارة على المرأة، خوفا
من الاختلاط أو الوقوع في الحرام.
وبالرغم من أهمية هذه الخطوة، إلا أن بعض
المراقبين ينظر اليها كخطوة على طريق الإصلاح الطويل الذي يتطلب المزيد الخطوات
الجذرية، وإلا سوف تذهب آثار تلك الخطوة سدى أو تظل محصورة في إطار ضيق جدا. وذلك
لأن المشكلة في عملية التشريع لم تكن تقتصر على الطبيعة الحنبلية أو الطبيعة
"الوهابية" لها، حيث كانت الحكومة توجه هيئة كبار العلماء في التشدد هنا
أو التخفيف هناك، وكانت هي تؤمن بضرورة طاعة الحاكم أو ولي الأمر مما يدفعها
للتكيف حسب توجيهات الحكومة. وانما كانت المشكلة تكمن في طبيعة علاقة الهيئة
بالحكومة والشعب.
فقد ولدت هيئة كبار العلماء كمؤسسة دينية
للمراقبة والتشريع في المملكة العربية السعودية في غياب أي مجلس تشريعي آخر كمجلس
الشورى أو النواب، وقامت على أسس التعيين من قبل الحاكم سواء بالنسبة لرئيسها أو
أعضائها، ولم يكن هنالك أي دور للشعب أو لطوائفه المختلفة في انتخاب الهيئة.
وبما أن هيئة كبار العلماء
قد ولدت من رحم الحركة الوهابية التي كانت تتسم في مطلع القرن العشرين أثناء تأسيس
الدولة السعودية الأخيرة (الثالثة) بشيء من التطرف في عملية التكفير تجاه الشيعة
والحجازيين وبعض الدول والإمارات المجاورة كالكويت والعراق، فان بعض مشايخ الحركة
كان يود الاستمرار في "الجهاد" وتكفير كل من يخرج على مواصفات
"التوحيد" أو يأتي بنواقض "الإيمان" حسب التفسير الوهابي
للتوحيد والإيمان، مما وضع الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود في مواجهة صعبة مع
"الإخوان" فقرر السيطرة على المشايخ الذين كانوا يفتون حسب رأيهم أو
يفسرون "الوهابية" ونصوص الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتنزيلها على الواقع
كما يشاءون، وقام بمأسسة الحركة "الوهابية" أو تأسيس
مؤسسة دينية تقوم بدور "المرجعية الدينية" وعين آل الشيخ مراجع في تفسير
الوهابية و الإسلام ، وحرم أي نشاط فكري إسلامي حر خارج هذا الإطار حتى لو كان
وهابياً. وأصدر تعليماته القاطعة بضرورة التبعية
للمؤسسة الدينية التي أنشأها، وفي
هذا الإطار وجه عبد العزيز بن سعود رسالة الى جميع العلماء ، جاء فيها :" من
أفتى أو تكلم بكلام مخالف لما عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأولاده: عبد الله
وعبد الرحمن وعبد اللطيف وعبد الله بن عبد اللطيف ، فهو متعرض للخطر في دينه و
دنياه ، لأنا نعرف أنه لا يخالفهم إلا إنسان يريد الشر والفتنة بين
المسلمين". حسب رواية الشيخ عبد العزيز التويجري في كتابه " لسراة الليل هتف الصباح"
وبناء على ذلك منع ابن سعود
(الهجر) من استقبال أي عالم حتى لو كان وهابيا إلا ضمن المؤسسة الدينية الموالية
له. وحرم الإفتاء أو تفسير القرآن ، أو تأويل النصوص
إلا في إطار تلك المؤسسة، وهدد الذين يخالفون بأشد العقاب . وحذر (الإخوان) من أن بعضهم يحاول إخراجهم من
الدين، ونهاهم عن سؤال أحد من العلماء إلا الذين يعينهم هو من أمثال: الشيخ عبد
الله بن عبد اللطيف ، والشيخ سعد بن عتيق ، والشيخ محمد بن عبد اللطيف ، والشيخ
عبد الله العنقري ، والشيخ عبد الله بن سليم ، والشيخ عبد الرحمن بن سالم. وقال
لهم: " من حط عنده طالب علم أو سأل غير هؤلاء المذكورين أو أحدا يجيزونه من طلبة العلم فأنا بري الذمة منه ولا
يأمن العتب أيضا".
وهكذا تشكلت المؤسسة
الدينية الوهابية حسب إرادة الحاكم ،
انطلاقا من مبدأ وجوب الطاعة المطلقة للإمام ، ولم تنبثق من إرادة الأمة
التي كانت تضم طوائف متعددة سنية وشيعية، أو الحركة الوهابية الشعبية ، وقد دأب
ملوك آل سعود على اختيار رجال من آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، لرئاسة المؤسسات
الدينية والتعليمية والقضائية ، وحصر مهمة الفتوى فيهم التزاما بالتحالف التاريخي
الاستراتيجي بين البيتين (آل سعود وآل الشيخ). وذلك منذ قيام الدولة السعودية
الأولى و الى اليوم . ولم يشذوا عن ذلك إلا عندما عين الملك فيصل بن عبد العزيز،
بعد وفاة الشيخ محمد بن ابراهيم ، هيئة من 17 عضوا من كبار العلماء ، برئاسة الشيخ
عبد العزيز بن باز ، وعندما توفي هذا الشيخ عام 1998 عاد الملك فهد الى القاعدة
القديمة وعين الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتيا أكبر ، رغم وجود من هو أعلم وأكبر
منه ، التزاما منه بالتقليد السعودي القديم القاضي بحصر الرئاسة الدينية في آل
الشيخ.
ولأن الحاكم هو الذي يعين العلماء في مناصبهم
وهو الذي يرحب بمن يريد ويطرد من يريد ، وهو الذي ينفق عليهم ، ولأنهم كانوا
يؤمنون بوجوب طاعة ولي الأمر في كل الأحوال ، فقد افتقدوا حريتهم في النشاط الفكري
والاجتهاد ، وغدوا أشبه بالموظفين الذين يتلقون الرواتب والتعليمات من الحكومة
ويقومون بما يوكل اليهم من أعمال ، وفقدوا الاستقلالية المحدودة التي تمتعوا بها
من قبل، وأصبح وضعهم ونشاطهم العام محكوما بأهداف الحاكم. وفقدوا القدرة على
ممارسة القيادة والتوجيه للسلطة السياسية أو فرض آرائهم عليها وإجبارها على احترام
كلمتهم.
وبالرغم من أن العلماء
الوهابيين ( وعلى رأسهم آل الشيخ) كانوا يشكلون المظلة الشرعية للعرش السعودي ،
إلا انهم أصبحوا مجرد جماعة ضغط هامشية تمارس نفوذها على بعض النشاطات الحكومية، و
لا تتمتع بدور مستقل و قوي. حيث كان لزاما عليهم أن يؤدوا دورهم وفقا لحاجات
الحكومة وأهدافها السياسية. وإذا كان لديهم رأي معارض فيجب أن يوجهوه إلى الحاكم
سراً وبشكل طلب شخصي غير ملزم بتاتاً.
وقد تجلى ذلك في
الثلاثينات والأربعينات ، عندما فتح الملك عبد العزيز أبواب مملكته للأمريكان
"الكفار" وسمح لهم بإنشاء قواعد ومنشآت عسكرية في الظهران ، مما أغاض
رجال الدين الوهابيين، ودفع بعضهم للاحتجاج العلني ، ولكنهم لم يستطيعوا أن يغيروا
من السياسية شيئا. فقد وجه المفتي الأكبر الشيخ محمد بن عبد اللطيف في عام 1936
رسالة للملك عبد العزيز يعارض فيها سياسة الانفتاح على أمريكا قائلا :"
الموجب لهذا هو النصيحة لكم، لأن الله تعبدنا بذلك و أوجبه علينا وحرم علينا الغش
والسكوت عن البيان ، وهو أن الله مَنَّ عليكم بهذه الولاية الإسلامية الدينية التي
نشأتم عليها وعشتم في ظلها بانتسابكم اليها ، ولكن يا محب.. الواجب عليك حفظ هذه
الولاية و رعايتها وإحاطتها عما يشينها ويوجب زوالها.. ولكن دوران هؤلاء الأجانب
في ولاية المسلمين بقولهم (معادن) وغير ذلك .. وتمكينهم من التماس المعادن بزعمهم
لا يؤمن مكرهم... فالله الله يا إمام المسلمين في حياطة هذه الولاية والقيام
بحفظها باطنا وظاهرا لأن الله مستدعيك وسائلك عن رعيتك". (التويجري، لسراة
الليل هتف الصباح)
ولكن الشيخ محمد لم يملك
أية وسيلة لحمل الملك على تغيير سياسته، وهو إن أشار عليه بشيء فمن باب الشورى غير
الملزمة. ولم يكن هناك مجلس للشورى يستطيع العلماء فيه محاسبة الحاكم بصورة
قانونية أو يفرضوا عليه سياسة معينة، وبالتالي فان علاقتهم مع الحاكم كانت شخصية
ومزاجية ، ولذلك افتقد العلماء قوة الضغط التي تتيح لهم فرض آرائهم واقتراحاتهم ،
أو إلزام الملك والسلطة التنفيذية بما يقترحون.
ولم يكن علماء المؤسسة الدينية الوهابية
يتدخلون في الحياة السياسية العامة إلا عندما يطلب النظام منهم ذلك لحمايته أو
الدفاع عنه ، وقد جرت العادة أن يمنحهم الحاكم دوراً بارزاً في الظروف الحرجة
عندما يحتاج الى الشرعية الدينية ، و يدفعهم الى الهامش عندما يستغني عنهم أو
يتعارض موقفهم مع موقفه. ولذلك كان يغلب عليهم طابع التبعية والتسليم ، والانسحاب
السياسي وترك الأمور للحاكم يفعل ما يشاء ، انطلاقا من مقولة:(من السياسة ترك السياسة) و (أنه ما
دام الشرع مطبقاً والملك محافظاً على الأركان الخمسة للإسلام والعلماء قائمين
بأمور الدين كما ينبغي دون مضايقات أو تهاون فلا تجوز محاسبة إمام المسلمين لئلا
تكون فتنة) .
وقد ظل رجال الدين
الوهابيون دائما محافظين على ولائهم للنظام، بدءا من حادثة تمرد (الإخوان) في
العشرينات من القرن الماضي ، ومرورا بحادثة احتلال جهيمان للحرم المكي في نهاية
السبعينات، وحرب الخليج الثانية في بداية التسعينات ، وانتهاء بقضية ابن لادن
والهجوم الأمريكي على أفغانستان و حركة طالبان عام 2001، حيث كان للقاعدة الوهابية
في كل تلك القضايا مواقف تختلف كثيرا عن مواقف النظام السعودي ، ولكن المشايخ
الكبار آثروا دعم المواقف الرسمية والتنديد بمخالفيها، ولم يعارض ذلك سوى الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي الذي أدان الهجوم
على أفغانستان وطالب بنصرتها واعتبر تأييد الهجوم الأمريكي عليها ردة وكفرا بالله
، مما دفع الحكومة السعودية الى إخراجه من هيئة كبار العلماء ومطالبته بالكف
عن الإفتاء. كما حدث للشيخ عبد الله بن قعود الذي احتج على الاستعانة بالأجانب
للدفاع عن المملكة، أثناء حرب الخليج الثانية عام 1991
ورغم كل الملاحظات، ظلت
المؤسسة الدينية الوهابية تقوم بدور مجلس الشورى في السعودية، ولكن بصورة غير
رسمية وغير منتخبة، في الوقت الذي كان فيه ملوك العربية السعودية يلمحون بين فترة
وأخرى إلى نيتهم إنشاء مجالس شورى تقوم بمهمة التشريع في البلاد، فقد أعلن الملك
فيصل عند توليه رئاسة مجلس الوزراء في 3/6/ 1382
بأن الحكومة قد وضعت برنامجا إصلاحيا و" إن الوقت قد حان لإصدار نظام
أساسي للحكم مستمد من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الراشدين ، يضع في وضوح كامل
المبادئ الأساسية للحكم وعلاقة الحاكم بالمحكوم وينظم سلطات الدولة المختلفة
وعلاقة كل جهة بالأخرى وينص على الحقوق الأساسية للمواطن ومنها حقه في التعبير عن
رأيه في حدود العقيدة الإسلامية والنظام العام. وان نظام الشورى الإسلامي يجب أن
يتم إحياؤه من جديد ليسهم أهل الحل والعقد في بناء الدولة ومراقبة أعمال السلطة
". ولكن الملك فيصل قتل عام 1975 قبل أن يقوم بأية
خطوة في هذا الاتجاه.
ثم أعلن الملك فهد عن إيمانه بالديموقراطية الإسلامية وقال:"إن
الشورى هي إحدى أسس الديموقراطية الحقيقية". ووعد بصدور نظام مجلس الشورى. وأصدر الملك خالد بعد القضاء على حركة جهيمان
العتيبي في الحرم المكي عام 1979 ، أمرا
بتشكيل لجنة لإعداد مشروع دستور يتضمن مجلس شورى. ثم عاد الملك فهد من بعده
ليصرح عام 1984 لصحيفة (الصنداي تايمز) بعزمه على تأسيس مجلس الشورى خلال ثلاثة أو
أربعة شهور ، وان جميع أعضائه سيعينون مباشرة من الحكومة ، وبعد سنتين سيعطي الشعب
حق انتخاب نصف أعضائه انتخابا مباشرا عن طريق مجالس المقاطعات ، وفي مرحلة لاحقة
سيتم انتخاب بعض أو معظم أعضاء البرلمان بالانتخاب المباشر من قبل المواطنين
وسيكون المجلس برلمانا كغيره من برلمانات العالم ، وأنه سيكون أداة للتعبير عن
الرأي ووسيلة لمراقبة تنفيذ سياسة الدولة وضمانا لمساهمة الشعب في الحكم.
وقام الملك فهد، بعد عاصفة
حرب الخليج الثانية عام 1991 وما أعقبها من حدوث امتعاض ومعارضة داخل السعودية ،
تمثل بتقديم مذكرات للنصيحة من قبل بعض المواطنين الى الحكومة ، بالإعلان بتاريخ 1
/ 3 / 1992 عن الأنظمة الثلاثة : (النظام الأساسي للحكم، ونظام مجلس الشورى، ونظام
المناطق أو المقاطعات). وتشكيل مجلس للشورى مؤلف من 60 عضوا معينا.
وقد نصت غالبية بنود
النظام الأساسي على إعطاء صلاحيات واسعة للملك، بحيث يصبح هو المحور الأول والأخير
للحياة السياسية وصاحب الدور المطلق فيها
من خلال:
1 ـ اختيار وإعفاء ولي العهد
(المادة 5).
2 ـ رئاسة السلطات الثلاث، التنفيذية، والتشريعية، والقضائية ،
(المادة 44).
3 ـ تعيين وإقالة القضاة و تنفيذ الأحكام القضائية (المادة 50
والمادة 52).
4 ـ رئاسة مجلس الوزراء وتعيين وإقالة الوزراء، وحل وتشكيل الوزارة
(المادة 56 و 57).
5 ـ تعيين وإقالة أعضاء مجلس الشورى، وحل المجلس، وتعيين بديل له
(المادة 68).
6- إصدار الأنظمة والمعاهدات، والاتفاقيات الدولية والامتيازات
وتعديلها أو إلغائها (المادة 70).
7- إصدار الميزانية العامة للدولة (المادة 76).
8- الإنفاق من الأموال العامة خارج المقرر في ميزانية الدولة (المادة
73).
9- تعديل النظام الأساسي (المادة 83).
10- الفصل في الخلاف بين مجلس الشورى ومجلس الوزراء (المادة 17 ـ
نظام مجلس الشورى).
11- تعيين أمراء المناطق ونوابهم ومحافظي المحافظات وأعضاء مجالس
المناطق وعزلهم (المادة 4 ، 10 ، 16 ، 20 ، نظام المناطق).
وفي الوقت الذي أعطى
النظام الأساسي للملك تلك الصلاحيات الواسعة ، لم يشر أبدا إلى واجباته ، ولم يسمح
بإخضاعه لأي نظام محاسبة أو مساءلة. مما كرس الانفراد المطلق للملك في الحياة
السياسية، وحافظ على صيغة النظام الملكي المطلق التي كانت قائمة فعلا منذ تأسيس
النظام السعودي في مطلع القرن العشرين. ولم يوضح النظام الأساسي طريقة عزل الملك
في حالات العجز أو سوء التدبير أو الانحراف ، حتى من قبل العائلة المالكة أو مجلس أهل
الحل والعقد ، في حين كان ينتظر من النظام الأساسي الجديد أن يوضح طريقة العزل
والجهة المسؤولة للقيام به ، كأن يكل الأمر إلى مجلس الشورى ، كما هو الحال في
معظم دول العالم ، أو مجلس أهل الحل والعقد ، أو حتى العائلة المالكة. ولكن النظام
الأساسي أهمل الحديث عن هذا الموضوع الحيوي وتركه لمعادلات القوة في المستقبل.
ومع انه نص في المادة
الثامنة على أن يقوم الحكم على أساس الشورى، وصدر نظام خاص بذلك، إلا ان المجلس
الذي تمخض عنه كان مجلساً معيناً وليس منتخباً . ومع ذلك فان النظام لم يعطه حق
التشريع وإنما التوصية بالقوانين فقط. كما
جاء في المادة السابعة عشرة من نظام مجلس الشورى التي تقول : "ترفع قرارات
مجلس الشورى الى رئيس مجلس الوزراء ويحيلها الى مجلس الوزراء للنظر فيها ، فان اتفقت وجهات نظر المجلسين
صدرت بعد موافقة الملك عليها ، وان تباينت وجهات النظر فللملك إقرار ما
يراه".
ولا يضمن نظام مجلس
الشورى أية حصانة سياسية لأعضاء المجلس ، وإنما يلحقهم وظيفياً بنظام الخدمة
المدنية، الأمر الذي يسمح للسلطة باتخاذ إجراءات إدارية ضد أي أحد منهم ،
ومحاكمتهم ومعاقبتهم، مما يفقد المجلس الحرية والاستقلالية والقدرة على التصدي
للسلطة التنفيذية أو محاسبتها.
وفي الوقت الذي يطلب
نظام الحكم من المواطنين مبايعة الملك على السمع والطاعة في العسر واليسر
والمنشط والمكره (المادة 9) ، ويدعو إلى تربية الأبناء على طاعة الملك (المادة التاسعة) فانه لا يعطي
الأمة الحق في انتخاب الملك ولا عزله بالطبع ، كما يتجنب الاعتراف الصريح
بالحقوق الأساسية للمواطنين ، خصوصا حرية العقيدة وحرية الرأي والتعبير ، وحقهم في
المشاركة السياسية عبر تشكيل الأحزاب أو النقابات.
وفي مقابل ذلك ينص
النظام الأساسي على إلحاق وسائل الإعلام المحلية بالدولة، ويفرض عليها الالتزام
بسياساتها (المادة 39) . ويؤكد النظام
الأساسي أن لا دور للشعب في تعديل أية مادة من مواد النظام ، وإنما يجري ذلك بنفس
الطريقة التي تم بها إصداره ، أي بالإرادة الملكية. كما هو صريح المادة (83) .
وقد كان من المتوقع أن يقوم
الملك عبد الله بن عبد العزيز بخطوات جذرية لتحقيق الإصلاح السياسي في المملكة
العربية السعودية، كإقرار حق الشعب في انتخاب مجلس شورى، وإجراء انتخابات برلمانية أو أخذ رأي الشعب في تعيين
الملك القادم، ولكن يبدو أنه اكتفى بتوسيع هيئة كبار العلماء التي لم تكن تمتلك من
الصلاحيات التشريعية الكثير، ولا يبدو أنها ستتمتع بالكثير منها في المستقبل
القريب.