مع المهندس عالم سبيط النيلي في كتابه:

(الشهاب الثاقب للمحتج بكتاب الله في الرد على الناصب أحمد الكاتب)

التنظير للمنهج الحشوي، والتحريف بدعوى الإصلاح

 

ترددت كثيرا في الرد على النيلي، الذي درس الهندسة في موسكو، ولم يسبق له أن درس في الحوزة العلمية، ولكنه يختزن ثقافة شيعية شعبية تقليدية، وقد هاله إقبال الناس في العراق على كتابي عند صدوره، فانبرى للرد على الكتاب، ولم يجد ما يرد به سوى مفردات الجدل الشعبي الذي لا يستند على أي منهج علمي، ولا أقول أكثر من ذلك لأني أربا بنفسي النزول الى مستوى المفردات السوقية والغوغائية التي استخدمها في كتابه. واذا كان المكتوب يقرأ من عنوانه، فان اتهام أحمد الكاتب بالنصب والعداء لأهل البيت، بهذه السهولة والجرأة، يؤكد طبيعة الردود التي قدمها المؤلف.

   ولولا وجود أشخاص، أو لجنة ، أو تيار يروج الى الكاتب النيلي، وكتبه المشابهة وادعاؤهم برد النيلي على الكاتب، لما تشجعت في الرد عليه، لأن كتابه يرد على نفسه بنفسه لكثرة ما فيه من تناقض وحشوية وسطحية ورفض مباديء البحث العلمي التي لم يدرسها بالطبع في موسكو الشيوعية.

  ولأنه كان يعتقد بأن الامامة من الله وتثبت عن طريق النص، فقد اعتقد بأنها جزء أساس من الدين، ولذا فقد وجد في قراءتي المخالفة لنظريته والتي تقول بأن الشورى هي نظرية أهل البيت السياسية تناقضا كبيرا مع الصورة التقليدية التي يحملها عن التشيع، وانطلق من هنا ليرد على كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي) حتى قبل أن يقرأ الكتاب. حيث يقول:" من أوَّلَِ سطورٍ قرأتها وأنا أدركُ كلَّ الكشوفاتِ اللاحقةِ للكاتبِ، وبدأتُ الردَّ ولمْ أقرأ سوى سبع صفحاتٍ.. لِماذَا؟ لأنني أعلمُ إلى أيِّ موضعٍ يريدُ الوصولَ . وأقسِمُ باللهِ وملائكته وكتبه ورسلِهِ أنّي علمتُ من أوَّلِ خمسةِ أسطرٍ أنَّه في الطريقِ لإنْكَارِ الوصيّةِ والإمامةِ، وأنَّ هذه كلَّها مقدِّماتٌ نفسيَّةٌ لهذا الهدف!!".

 ولكنه لم يتوقف عند تطور الفكر الشيعي عبر التاريخ، ولم يتأمل في التحديات التي واجهته، ولم يبحث بالطبع موضوع وجود الامام الثاني عشر أو عدم وجوده ، واعتبر ذلك أمرا مسلما لا يحتاج الى نقاش، ولم يتوقف الا عند النظريات المختلفة في تفسير سبب الغيبة، وهو أمر متأخر على مسألة بحث وجود الامام الغائب وولادته.

   ولما كان بحث هكذا أمور تاريخية وعقائدية يحتاج الى عدة علمية يفتقدها النيلي، فقد اختصر الطريق برفض البحث العلمي من الأساس، والإعلان عن كفره بعلم الرجال، والتمسك بدلا من ذلك بالمنهج الاخباري الفج الذي ينظر الى الروايات نظرة ذوقية ومزاجية. ولم يبحث ولم يجب عن كثير من الأسئلة التي طرحتها في الكتاب حول مصير نظرية الامامة ومصداقها الخارجي، أو هوية الامام الثاني عشر، واعتبر ذلك محاولة استخباراتية لكشف ستر الامام الغائب!!!

    ان مشكلة النيلي الكبرى تكمن في أنه يعتقد أن ما ورثه من آبائه وأجداده هو  عين الحق والصواب، رغم أن الكثير منه قائم على أحاديث ضعيفة أو مختلقة، أو تأويلات تعسفية للقرآن الكريم، وبدلا من أن يفترض في البداية احتمال الخطأ أو يمارس الشك المنهجي الذي يقود الى البحث العلمي، ثم التوصل الى اليقين، فانه يتشبث بما ورثه حرفيا دون نظر أو تفكير، ولا يسمح حتى للعلماء باحترام الآراء الأخرى، أو توفير أي قدر من الحرية في البحث والتفكير، فهو يقول مثلا:"وَمَا نريدُ أنْ نقولَهُ في هَذا الكتابِ هُوَ أنَّ الناسَ دأبوا عَلَى الجدالِ حَوْلَ الحَقِّ والباطِلِ والصحيحِ والخاطئ، وتَمَادُوا في ذَلِكَ إلى درجةِ أنَّ عُلَمَاءَ الدِّينِ أصْبَحوا يأخذونَ بفكرةِ احترامِ الآراءِ جميعاً ولو فيما بينهم، ويبرِّرون الاجتهادَ ويزعمون أنَّ الاختلافَ في الدِّينِ رحمَةٌ وأنَّهُ ضرورةٌ لإغناءِ الفكرِ والبحثِ.
لكنَّ هُنَاكَ فَرَقاً بَيْنَ البَحْثِ عَن الحَقِّ والباطِلِ وبَيْنَ الاختلافِ في الحَقِّ والباطِلِ هُوَ عيْنُهُ الفَرَق بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ. إنَّ كُلَّ الَّذينَ يبرِّرون الاختلافَ ويَسْمَحونَ بتعدُّدِ الوجوهِ في تأويلِ النصّ الإلهيِّ هُمْ ظَلَمَةٌ وكفَرَةٌ، بَلْ هُمْ أَظْلَمُ الخَلْقِ طُرّاً وإنْ لَبَسوا العمائِمَ وتجلببوا بجُلبابِ الدِّينِ، لأنَّهُمْ يؤمنون بِعَدَمِ وضوحِ الفَرَقِ بَيْنَ الحَقّ والباطِلِ ابتداءً، ويجعلون النصَّ الإلهيَّ الَّذي جَاءَ لإزالةِ الاختلاف ـ يجعلونهُ مَصْدَرَاً للاختلافِ".

وهذا ما يثير التعجب والشفقة حول مدى انغلاق النيلي وجموده الفكري وتطرفه، حينما يعتبر العلماء المجتهدين الذين يسمحون بتعدد وجهات النظر في تأويل القرآن: "ظلمة وكفرة بل أظلم الخلق طراً".
   ورغم وجود تفاسير عديدة للدين ومذاهب ومدارس مختلفة في داخل الدين، مما يعني وجود الاحتمال بخطأ بعض التفاسير أو التأويلات، فان النيلي يعتبر نقد التفسير السائد للدين، طبعا حسب وجهة نظره، محاولة لإبطال أسس الدين، ويقول:"نَرَى بوضوحٍ كافٍ أنَّ الهجماتِ الموجَّهَةِ إلى الدِّينِ السماويِّ وَعَلَى كافَّةِ المستوياتِ هِيَ هَجَمَاتٌ عَلَى التفسيرِ السائِدِ للدِّينِ وَلَيْسَتْ عَلَى الدِّينِ نَفْسِهِ، وَلكِنَّهَا تُحاوِلُ إبطالَ أسُسِ الدِّينِ من خلالِ التناقُضَاتِ في أقوالِ علماءِ الدِّينِ والمفسِّرين، فيحسِبُ البعضُ بَلْ أكثرُ الناسِ أنَّ الدِّينَ أصبَحَ في خَطَرٍ من هَذِهِ الهَجَمَاتِ".

   والغريب انه يعترف بـ:"إنَّ مَا حَصَلَ في عقائِدِ المسلمينَ مُنْذُ قرونٍ طويلةٍ هُوَ انقلابٌ شاملٌ لمبادئ الدِّينِ وانعكاسٌ للمفاهيمِ بِحَيثُ أنَّ الدراسَةَ الجّادَّةَ للنصِّ القرآنيِّ ومحاولةَ فهْمِهِ مُستَقِلاً عَن آراءِ الرِّجَالِ تبيِّنُ بوضوحٍ كافٍ أنَّ الدِّينَ الَّذي بَيْنَ يدينا اليوم هُوَ نقيضُ الدِّينِ الَّذي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ (ص)، وَلِذَلِكَ يتمكَّنُ دعاةُ الإلحادِ والكُفْرِ من توجيهِ الضرباتِ القويَّةِ إلى هَذا الدِّينِ المزيَّفِ فيحسِبُ الناسُ أنَّ الدِّين في خَطَرٍ. وَلكنَّ الحقيقةَ كَمَا قُلْنَا مِنْ قبل أنَّ الخَطَرَ هُوَ عَلَى الباطِلِ مِنَ الباطِلِ لا غَيْرَ.!
   وَلكنْ يَبْقَى علينا أنْ نوضِّحَ للقارئِ الفَرَقَ بَيْنَ دِينِ اللهِ ودينِ الناسِ!، إِذْ هُنَا تكْمُنُ المشكلَةُ بِكُلِّ أَبْعَادِهَا!
  فإنَّ هَذا التوضيحَ يستلزِمُ إجراءَ سلسلةٍ مِنَ الأعمالِ سَتَكونُ المفاجأةُ فِيْهَا عَلَى رجالِ الدِّينِ من كافَّةِ المذاهبِ أشدُّ وقعاً مِمَّا هِيَ عَلَى القارئ العادي. ومن المتوقَّعِ أنْ يَقِفَ أكثرُهُم ضِدَّ عمليةِ التصحيحِ وفي صفِّ العدوِّ إذا أحسُّوا بالخَطَرِ الدَّاهمِ عَلَى مسلَّماتِهِم ومبادِئِهِم ـ وسوف يَحْسبونَ أنَّ الخَطَرَ في التصحيحِ أعظَمُ عليهم من الخَطَرِ الآتي من هجماتِ الملاحِدَةِ والكفّارِ.
ذَلِكَ لأنَّنا لَو قُلْنَا أنَّ مَا تَنْتَقِدُونَهُ هُوَ آراءُ الرِّجَالِ وأعمالُ الرِّجَالِ، وبيَّنا فِيهِ حقيقةَ الدِّينِ ظَهَرَ مِنْ خلالِ ذَلِكَ كُفْرُ هَؤُلاءِ الرِّجَالِ وانحرافُهُم عَن الدِّينِ، وهُم أسماءٌ لامعَةٌ مشهورَةٌ في الأمَّةِ ومعروفَةٌ بالـ (التقوى والصلاح)، بَلْ أسماءٌ مقَدَّسَةٌ جِدَّاً. ذَلِكَ لأنَّ الدِّينَ الَّذي يؤمِنُ بِهِ الناسُ اليوم هُوَ في الواقِعِ أسماءُ رجالٍ، فَلا يَفْصِلونَ ولا يُفَرِّقونَ بَيْنَ الدِّينِ وَمَا يسمّى بـرجالِ الدِّين".

  إذن فان النيلي يعترف بوجود تحريف وتأويلات باطلة في الدين، بل وانقلاب شامل لمفاهيم الدين الصحيحة، ويدعي العمل من أجل اصلاح ذلك التحريف، أو يعطي لنفسه الحق بالقيام بذلك، ولكنه يرفض أن يقوم الآخرون بهذا الدور، كما يرفض انتهاج الطرق العلمية الصحيحة للتصحيح. وأولها الشك بما ورثه من آبائه وأجداده، وعدم اعتبار كل ذلك من الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

   ولو كان النيلي قد اتبع المنهج العلمي في البحث والتحقيق والتفكير، لربما كان قد وصل الى نتائج طيبة، ولكنه مع الأسف أضاع الطريق، وأغلق على نفسه الباب رافضا أدنى اختلاف.

  ولست أدري كيف سارع النيلي الى اعتبار نقد نظرية الامامة، أو وجود الامام الثاني عشر، بمثابة إنكار النبوة والرسالة، مع ان نظرية الامامة هي واحدة من النظريات المختلف عليها داخل المذهب الشيعي الذي ضم أكثر من سبعين فرقة.

   ولست أدري كيف توصل الى أن " كتاب (تَطَوُّر الفكرِ الشيعيِّ من الشُّورَى إلى ولايةِ الفقيه)   يمثِّلُ أبرزَ عمَلٍ من أعمالِ التحريفِ والزَّيفِ". مع أن الكاتب يدعو الى العودة الى القرآن الكريم، وسنة النبي (ص) ومذهب أهل البيت، ورفض أقوال الرجال الذين دسوا أقوالهم في تراث أهل البيت.

   والفرق الرئيس بين النيلي والكاتب، هو ان الأول يرفض البحث والتحقيق، والكاتب يدعو الى ذلك قبل التمسك بأية عقيدة. وكنا ننتظر من الاستاذ النيلي ان يقوم بمناقشة الروايات المتناقضة والضعيفة التي ذكرها الكاتب، وبنى على ضوئها القول بأسطورية وجود الامام الثاني عشر، وبطلان نظرية الامامة. وأن يقدم بدلا منها ما يعتقد انها روايات صحيحة تثبت أولاً ولادة (محمد بن الحسن العسكري) حتى يسوغ  القول بوجود اثني عشر شخصا هم أئمة معينون من قبل الله، ضمن ما يعرف بنظرية الامامة الاثني عشرية. إذ لا يجوز أن يقفز عن بحث موضوع ولادة ووجود الامام الثاني عشر، ليبحث فقط في بعض الروايات التي تتحدث عن نظرية الامامة الالهية، من دون تقديم مصداق خارجي لها، وكذلك من دون  بحث سند أية رواية.

   وهذا هو جوهر الخلاف بين النيلي والكاتب، والمفرق الرئيس بين الحقائق والأساطير، والحق والباطل. وبدلا من أن يختار النيلي المنهج العلمي والطبيعي في الاجتهاد والبحث والتحقيق ليصل الى الحقيقة، اختار أن يغمض عينيه ويصم أذنيه ويغلق عقله، ويطلق للسانه العنان في كيل السباب والشتائم والاتهامات والافتراءات على الآخرين.

   انه يدعي بأنه يبني عقيدة الامامة على القرآن والسنة، فيقول:" كَذَبَ كُلُّ قَائِلٍ لأيِّ فِكْرَةٍ فِيْهَا حُكْمٌ عَقَائِديٌّ أو تاريخِيٌّ أو مُسْتَقْبَليٌّ أو شَرْعيٌّ أو فِقْهيٌّ أو بَلاغِيٌّ أو كَلاميٌّ أو فَلْسَفيٌِّ لا يَدِلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ بوضوحٍ تامٍّ كوضوحِ المُعَادَلاتِ الرِّيَاضيَّةِ الَّتي لا تَقْبَلُ خَطَئَاً مَا". ولكنه لا يأتي بآية واحدة صريحة تثبت الامامة لأهل البيت، وانما يعتمد التأويل التعسفي واللف والدوران. كما يفعل مع هذه الآية التي تتحدث عن خلافة النبي داود (عليه السلام): (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُم عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) . سورة ص 26 ليستنتج منها إمامة الأئمة من أهل البيت، مما يدل على أن النيلي يخلط بين خلافة الأنبياء وبين الامامة السياسية المطلوبة في المجتمعات الاسلامية الى يوم القيامة، رغم ختم الله للنبوة بنبينا محمد (صلى الله عليه وآله) ويحاول ان يقيس على هذه الآية قياسا باطلا، ويأولها تأويلا تعسفيا حتى يستخرج منها ما يريد.

  وفي مقابل ذلك يقوم النيلي بتأويل آية الشورى: (وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم)، فيقول:"أَنْتُم تَقُولُونَ أنَّ (الأَمْرَ) شُورَى لِقَولِهِ تَعَالَى (وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم) ثُمَّ تَقُولُونَ: إنَّ (أُولي الأَمْرِ) بِهَذِهِ الشُّورَى.. فَكَيفَ يَكونُ وَليُّ الأمْرِ بَيْنَهُم بالشُّورَى؟ يالِلْفَضِيحَةِ المَنْطِقيَّةِ!!أَفَهَـَذا مَا تَعلَّمْتِمُوهُ مِنْ أرسطو طاليس؟!! وَمَعَ ذَلِكَ فإنَّ (أمْرَهُم) هُوَ غَيْرُ (الأمْرِ) قَطْعَاً ـ الأمْرُ المُعَرَّفُ بألِّ التَعْريفِ.أَمْ هُنَا فَقَط تَنْسُونَ أصولَكُم والفَرَقَ بَيْنَ المُعَرَّفِ بالإضَافَةِ والمُعَرَّفِ بأَلِفْ لام العَهْدِ؟".

   ومن الواضح ان هذا التفسير للقرآن ليس واضحا كوضوح المعادلات الرياضية المتفق عليها، وانما فيها قدر كبير من التأويل والقلب واللف والدوران.  

   وبعد أن يتلاعب القرآن الكريم كما يشاء، يأتي النيلي للأحاديث فيعطي لنفسه الحق بأن يغرف منها ما يشاء، ويرفض أن يستوقفه أحد أو أن يسائله أحد عن صحة تلك الأحاديث، فيشن هجوما عنيفا على علم الأصول والرجال، اللذين تطورا لدى المدرسة الأصولية منذ مئات السنين، ويصر على العودة الى طريقة الاخباريين الحشوية، فيقول:

"الكاتِبُ سيقولُ: هَذا الحَديثُ ضعيف! نعم.. صحيحٌ فَإنَّهُ ضعيفٌ جِدَّاً، وكلُّ الأحاديثِ ضعيفةٌ جِدَّاً!!.

 .. ألَم أَقُلْ لك لا تكلّمني بالرجالِ فإنِّي لا أحتجُّ بالرجالِ!. والذي يحتجُّ بالرجالِ ضالٌّ مضِّلٌّ.. أَمْ تَحْسبُ أنَّ الشيعةَ هُمْ الأصوليون؟ ألا تدري أنَّ سهْمَكَ قَدْ عَادَ إلى نحرك؟. ذَلِكَ لأنَّ عِلْمَ الرِّجَالِ والحُكْمَ عَلَى النصوصِ من خلالِهِ لَيْسَ من أعمالِ شيعةِ عليٍّ!. بَلْ هُوَ من أفكارِ وأعمالِ أهلِ الشُّورَى! وانتقالُهُ إلى الطائفةِ الَّتي تسمَّى اصطلاحاً بـ (الشيعة) لا علاقةَ لَهُ بالموضوعِ الَّذي بيننا الآنَ". ويضيف:"إنَّ العقائِدَ لا تَثْبِتُ بِأَقْوَالِ وأحاديثَ تبعاً لوثاقَةِ الرِّجَالِ أو عَدَمِ وثاقَتِهم، لأنَّ الرِّجَال يختلفونَ أَيْضَاً في هَذِهِ الوثاقةِ ! إنَّ العَمَلَ لَهُوَ بالمعكوسِ .. حَتَّى لَو تَبَنَّى طريقَتَكَ كُلُّ مَنْ تسمِّيهم شيعةً فَلا حُجَّةَ في ذَلِكَ. فَمَا أَدْرَاكَ أنْ يَكُونَ أَكْثَرُ طائفَةِ الشيعَةِ عَلَى ضَلالٍ في هَذا وَمَعَ ذَلِكَ تَبْقَى الإمامَةُ هِيَ الدِّينَ؟.!!

 ويحَكَ إنَّ الحقَّ لا يُعْرَفُ بالرِّجالِ.. أعرفْ الحقَّ تَعْرِفْ أهْلَهُ، وأعرِفْ البَاطِلَ تَعْرِفُ أهلَه.
وَهَذِهِ الكَلِمَةُ مشهورةٌ وَلكنَّ العَمَلَ الجارِيَ ضدُّها تَمَامَاًَ، والقانونُ الأصوليُّ والكلاميُّ عكْسُها ولا غرابَةَ!! فَكَمْ مِنْ آيَةٍ في القرآنِ مشهورةٍ والعَمَلُ عَكْسُهَا تَمَامَاًَ؟!!

إنَّ مَنْ يُثْبِتُ الإمامَةَ بعليٍّ والأئِمَّةِ لَهُوَ كافِرٌ!

وَآَنْتَ تفْهَمُ وكُلُّ الناسِ يفهمُونَ أنَّ الإمامَةَ والعِصْمَةَ أُثْبِتَتْ عَن طريقِ الأئمَّةِ.!!

فَكَيفَ تعرِفُ الحقيقيَّ من المزَيَّفِ إذا كُنْتَ تَرْجَعُ لأقوالِ الرِّجَالِ مَرَّةً أُخْرَى؟

إذا كُنْتَ لا تَعْلَمُ أنَّ عِلْمَ الرِّجَالِ وُضِعَ أَصْلاً لجَعْلِ المُزَيَّفِ عَلَى قَدَمِ المساواةِ مَعَ الحقيقيِّ فاعْلَمْ هَذا الآن.! وإذا كُنْتَ تَبْحَثُ عَن الحَقِّ بِمَا هُوَ حقّ فَمَا شأْنُكَ بِمَا يقولُهُ النَّاسُ قَلُّوا أو كَثَروا؟ …بَلْ أعرِفْ الحَقَّ أولاً، وعندئذ سَتَعْلَمُ موقعَ كُلِّ واحدٍ من الناسِ مِنَ الحَقِّ ".

  ثم يؤكد:" أن عِلْمُ الرِّجَالِ لا قيمة لَهُ بالمرَّةِ، لأنَّ الأَمْرَ النبويَّ هُوَ في عَرْضِ الحديثِ عَلَى القُرآنِ. وَإنَّمَا خالفوهُ لأنَّهُمْ لَو فَعَلَوا لاضطرُّوا إلى تحديدِ معانيَ القرآنِ، إِذْ لا يُعْقَلُ أنْ يُحْكَمَ بِهِ عَلَى الحديثِ مَعَ الاختلافِ في التفسيرِ. وهم لا يريدونَ الحصولَ عَلَى التفسيرِ الصحيحِ، بَلْ يريدونَ المَنْعَ من ظهورِ التفسيرِ الحَقِّ للقرآنِ، لأنَّهُ سيكشِفُ المؤامرَةَ كلَّها عَلَى قرينِهِ (العترة).!

فافْهَمْ ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ السببُ الوحيدُ والأوَّلُ والأخيرُ لظهورِ عِلْمِ الرِّجَال والتضعيفِ للأحاديثِ.. وخاصَّةً أخبار أهلِ البيتِ عليهم السَّلام لأنَّها جميعاً أَخْبَاُر آحادٍ بِسَبَبِ الاضطهاد!

وَهَذا الكاتبُ ... يستخدِمُ هَذِهِ الطرائقَ عينَهَا لتضعيفِ الأحاديثِ الَّتي لا تعجبُهُ وتقويَةَ الَّتي يُريدُها.  
وعمَلُهُ هَذا وإنْ فَعَلَهُ أقوامٌ من طائفةِ الشيعةِ فَإنَّهُ لا يَمِتُ إلى الدِّينِ بِصَلَةٍ، وَهْوَ خلافُ الأوامِرِ النبويَّةِ والمنطقِ والعَقْلِ! فَلا حُجَّةَ فِيهِ، إِذْ أَكْثَرُ السُنَّةِ والشيعَةِ خلافُهُ  ذَلِكَ لأنَّ الرِّجَالَ هُمْ الَّذينَ يحْكمونَ عَلَى وثاقَةِ الرِّجَالِ فيبقى الاختلافُ قائماً بَيْنَ الرِّجَالِ!

والطريقُ الوحيدُ لتصحيحِ الأحاديثِ هُوَ قانونٌ لا يأتيه الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يديهِ ولا مِنْ خلْفِهِ.

وَلَيْسَ هُنَاكَ سِوَى القرآن أو الإمام المنصوص عَلَيْهِ من الرسولِ. أمّا الإمامُ فَقَتَلُوهُ بالسيفِ، وَأمَّا القرآنُ فَقَتَلُوه بِتَعَدُّدِ التأويلِ وابتداعِ المرادَفاتِ والمجازِ لتوجيهِ النصوصِ بحَسَبِ الشهيَّةِ !.

وجَعَلوا مكانَهُما أنفسَهُم من خلالِ عِِْلم الرِّجَالِ فَحَلُّوا مَحَلَّ الثقلين كليهما. فلعنَةُ اللهِ عَلَى الظالمين. ثُمَّ وَضَعُوا شروطاً قاسيَّةً جِدَّاً للرجالِ، قاسيَةً ضِدَّ الخصوم ِلا ضِدَّ الانتحالِ والوَضْعِ، فَمَرَّتْ مِنْهَا الموضوعاتُ وَلَمْ تَمُرْ مِنْهَا الصِحَاحُ، لأنَّها تَتَحَدَّثُ عَن كُلّ مَا يُدَمِّرُ المؤامرةَ وأصحابَها مشمولين كأسانيدٍ بشروطِ الاستبعادِ.

وَمَعَ ذَلِكَ فقَدْ تَحَامَلوا أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ مذكورٌ في الشروطِ ومَنَعَوا من تسجيلِ الأحاديثِ بأقسى مِمَّا هُوَ مشروطٌ، فانبرى بَعْضٌ من بَقِيَ عندهم ضَمِيرٌ حيٌّ واستَدْرَكوا عَلَى الأحاديثِ المارَّةِ بِنَفسِ الشروطِ. وَكَأنَّ لسانَ حالِهِم يقولُ: اظلموا وَلكنْ بالقانونِ الموضوعِ عِنْدكُم للظُلْمِ!  

وَعَلَى هَذا فالكاتبُ يستخدِمُ الأسلوبَ الانتقائيَّ للحديثِ. فللمِرْءِ أنْ يقولَ لَهُ: إنَّ كُلَّ مَا تَسْتَشْهِدُ بِهِ موضوعٌ ومزيَّفٌ!. فيبقى كُلُّ واحِدٍ عَلَى مَا أَرَاد".

  ويقول:"َلِذَلِكَ قُلْنَا مِرَارَاً أنَّ تحليلَ النصِّ هُوَ الدَّلِيلُ الوحيدُ عَلَى صِحَّةِ صدورِهِ مِنَ المَعْصُومِ أو مِنْ سِواه، فَلا يمكنُ تضعيفُ نصٍّ أو تقويتُهُ تَبْعَاً لوثاقَةِ الرِّجَالِ. فَكَمْ مِنْ موثوقٍ وَهْوَ عِنْدَ اللهِ فاسِقٌ؟ وَكَمْ مِنْ شرّيرٍ وَهْوَ عِنْدَ اللهِ مِنَ الأخيارِ؟. بَلْ كَمْ مِنْ شرّيرٍ يَجْعَلُ اللهُ عَلَى لِسَانِهِ الحَقَّ؟ وَكَمْ مِنْ عَالِمٍ نِحريرٍ نَسَى اللَّفْظَ فَيَنْقُل المَعْنَى بأَلفَاظِهِ هُوَ فَيَقَعُ في التباسٍ ويُوقِعُ الخَلْقَ مَعَه.
وقَدْ اعْتَمَدَ الكاَتِبُ  عَلَى تَضْعيفِ الرُّوَاةِ فَقَط للخلاصِ مِنَ النِّصوصِ الدَّامِغَةِ لباطِلِهِ وكأنَّنَا مُغَفَّلونَ لا نَدْرِي أنَّ عِلْمَ الرِّجَالِ ظَهَرَ أَصْلاً مِنْ جِهَةِ أعْدَاءِ الدِّينِ وخصومِ الأئَمَّةِ الأطْهَارِ وإنْ عَمَلَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ طَوَائِفِ الشِّيْعَةِ".

 وهنا ينسى النيلي أن الكاتب لا يحاول إثبات نظرية معينة، وانما يشكك بما تقدمه النظرية الامامية الاثني عشرية من أدلة، وبالتالي فاذا لم تصح الأحاديث والقصص والروايات التي تبني عليها مقولتها، فان العودة الى نقطة الصفر تعني عدم ثبوت نظرية الامامة، وليس بقاء كل طرف على ما عنده. واذا لم تثبت نظرية الامامة، أو فرضية وجود الامام الثاني عشر، فان الأمر يعود بصورة آلية الى نظرية الشورى التي لا يوجد غيرها في الساحة.

   ولست أعرف ما هو سبب تهجمه على علماء الأصول والمجتهدين من الامامية، مع انهم لم يستخدموا قواعدهم النقدية الأصولية في قراءة أحاديث الامامة والاثني عشرية ووجود الامام الثاني عشر، وانما ساروا على الطريقة الأخبارية القديمة، ولذلك لم ينقضوها. في حين أن مهاجمة الأصوليين لن ينفع الاخباريين شيئا، إذ ان القواعد الأصولية والرجالية هي قواعد فرضت نفسها على الشيعة لتصفية الركام الهائل من الخرافات والأساطير التي تسربت الى تراث أهل البيت، وكانت سببا لحدوث انحرافات عقائدية كبرى في صفوفهم، وليس التزامهم بها تقليدا للسنة الذين سبقوهم اليها بقرن أو قرنين عندما واجهوا  حالة مشابهة من الروايات المختلقة التي بلغت حوالي نصف مليون رواية، مما دفع المحققين منهم الى تصفيتها واختيار بضعة آلاف رواية صحيحة منها. ولكن الاستاذ النيلي يحاول من خلال ضربه للمنهج الأصولي والرجالي، وتبني المنهج الأخباري الحشوي، ان يحافظ على نظرياته من الانهيار. فيهاجم الشيعة وعلماء الأصول قبل أن يهاجم الكاتب.

   كان يمكنه الاجتهاد في علم الرجال وتضعيف من يريد او توثيق من يريد، ولكنه رفض علم الرجال كله وخشي من الاقتراب منه ، وادعى انه قادر على معرفة النص الصحيح الصادر عن المعصوم من غيره، بواسطة التحليل. ولم يشرح لنا كيفية ممارسة التحليل وأسسه وقواعده، مع الأسف الشديد. وربما كان يقصد الاشارة الى دراسة المتن في نقد الأحاديث، وهي عملية يمكن أن تساعد على معرفة النص، خاصة أثناء التعرف على عناصر التضاد والمخالفة مع القرآن الكريم أو العلم أو العقل، مما يؤدي الى إسقاط الحديث، ولكن عملية التحليل لا تستطيع أن توثق رواية وتثبت صدورها عن المعصوم الا بعد تأكد صدورها عبر رجال ثقاة معروفين وسند متصل، وأما اذا تخلل الرواية رجال مجهولون أو ضعاف، أو انقطع سندها فان الرواية تفقد قيمتها الشرعية ولا يمكن الاعتماد عليها. وهذه مسائل بديهية يعتمدها كل الناس من كل الاديان والمذاهب في عملية التثبت من الاخبار، ولكن الاستاذ النيلي يحاول أن يتجاوز الشروط العلمية البديهية في النفي والإثبات، ويحتج بعملية التحليل للروايات، وهو باب واسع يمكن ان يدخل الانسان عبره ما يشاء، وينسب ما يشاء الى من يريد.

   والطريف أنه رغم كل ذلك يدعي  أنه يتبع منهجا علميا في البحث، ويهاجم الآخرين على عدم اتباعهم للمنهج العلمي ويقول عني "انه يأتي بالقصصِ لإثباتِ بطلانِ القضايا الدينيةِ أو يحشر الثوابتَ الواردةَ في السنَّةِ المقدَّسةِ من جُملةِ القضايا المشكوكِ فِيْهَا.. وأينما تصفَّحتَ في الكتابِ فَإِنَّكَ تجدُ نفسَ الطريقةِ الَّتي لا تمتُ إلى البحثِ العلمي بأيَّةِ صلةٍ تُذكرُ".

    ان عملية التحريف التي حدثت في الدين، والتي يعترف النيلي بوجودها حتى داخل المذهب الشيعي، لم تتم الا عبر المناهج غير العلمية وغير الشرعية في أخذ الدين، والقيام بتأويل القرآن الكريم بصورة تعسفية، إضافة الى اختلاق الروايات والأساطير ونسبتها الى الاسلام أو الى مذهب أهل البيت، ولا يمكن التخلص من التحريف والأساطير الا بتنقيتها عبر منخل علم الرجال. وهو بالضبط ما يرفضه النيلي.

  إذن فهو يرفع شعار الإصلاح، في الوقت الذي يسير في طريق التحريف. ولا يزيد الطين الا بلة.