مع الشيخ علي الكوراني (العاملي) في محاولات  فاشلة للحوار[1]

 

ما هو دور الامام؟ قيادة الأمة؟ أم إدارة الكون؟

 

  كان الشيخ علي الكوراني (العاملي) أول شخص يلبي ندائي الأول الذي وجهته سنة 1992 لعدد من المراجع والمفكرين والمثقفين الشيعة للحوار حول موضوع وجود الامام الثاني عشر، وذلك في أعقاب اتمام مسودة كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) مباشرة، وقد طلب ارسال الكتاب اليه الى قم حيث يقيم، وأرسلت له نسخة منه وانتظرت أن يرد علي بكلمة فلم يفعل، حتى مضت سنوات ، وطبعت الكتاب، طلب مني بعض الاخوة في موقع هجر للحوار على الانترنت، ان نبدأ حوارا مفتوحا حول الموضوع، شارك فيه العاملي الكوراني، ثم انسحب منه بسرعة، وقد طبع الحوار في مجلدين بعد ذلك عدة طبعات، الى ان حلت سنة 3003 حيث قمت بالتحدث عن تجربتي مع الكتاب والمتحاورين في قناة المستقلة الفضائية، فتدخل الشيخ الكوراني على الهاتف من قم، مما دفع مدير الحوار الى الطلب من الكوراني القدوم الى لندن والمشاركة المباشرة في الحوار مع الكاتب على الهواء، فوافق وحضر من يوم غد، ولكنه طلب أن يبدأ الحوار حول موضوع الامامة والنص على الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثم التدرج في الحوار حسب تسلسل محتويات كتاب تطور الفكر السياسي، الذي يتضمن ثلاثة أجزاء ويقع في 450 صفحة، فقلت له ان هذا غير ممكن لأن مدة البرنامج التفزيوني محدودة، وساعاته محدودة، ولكنه أصر على رفض الحوار أو بدئه من موضوع (وجود الامام الثاني عشر) الى أن قارب البرنامج على الانتهاء، فطلبت منه في احدى الليالي أن يأخذ وقتي كاملا ويعرض ما لديه من أدلة وبراهين ينتظرها الجمهور، وأعده أنني لن أتكلم في تلك الليلة، فرفض  ذلك أيضا، ليعود ويطالب في الليلة الأخيرة من الحوار بمنحه تلك الفرصة، ولكني رفضت هذه المرة أن أعطيه الوقت الأخير كاملاً لكي يقول ما يريد دون تعقيب مني، وعرضت عليه المناصفة في الوقت، فرفض وانتهى اللقاء دون أن يقدم أي دليل حول ما جاء لإثباته من قم الى لندن.

  وبعد ذلك بشهور طلب عدد من الأخوة في موقع (شبكة العراق الثقافية) الذي كنت والشيخ الكوراني نتحاور فيه حول موضوع التوحيد والتفويض، أن يجري بيننا حوار حول (الامامة ووجود الامام الثاني عشر) كتابةً، فكتبت بتاريخ 16/6/2003  قائلا:

 

 

 

لا حاجة لمواصلة الحوارات الطائفية العقيمة


   هل التراث الطائفي ضرورة حضارية يجب ان نستوعبه بدقة وقوة ثم نورثه الى أجيالنا القادمة؟

   أم انه عبأ ثقيل وكابوس مزعج يجب ان نتخلص منه في أقرب فرصة؟

  لم أكن لأسأل نفسي هذا السؤال قبل أربعين عاما عندما نشأت في بيئة اسلامية شيعية متدينة وترعرعت في حوزة علمية ناشطة ومتوثبة للدفاع عن الاسلام و التشيع في مواجهة التيارات الالحادية و القومية و الليبرالية و الديموقراطية والوطنية ، و البناء على انقاضها حكومة اسلامية شيعية تحت قيادة الفقهاء المراجع. ولكن تجربة الدولة الاسلامية في ايران ، التي امتزجت بكثير من الديكتاتورية دفعتني لمراجعة الفكر السياسي الذي نشأت عليه و دعوت اليه ، فوجدت انه يقوم على كثير من الأساطير و الخرافات و الفرضيات الوهمية. وأقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من عملية بناء الدولة و المجتمع في العراق ، وأنا اعرف ان كثيرا من الاطروحات و البرامج التي يحملها البعض تنطوي على بذور التخلف و الديكتاتورية و التناحر و التمزق ، التي تعيق عملية البناء و التوحيد و التجديد والنهو. واعتقد ان الخلاف الطائفي أحد عوامل التخلف والتمزق والانحطاط ، وذلك لأنه خلاف عقيم و يدور حول أحداث تاريخية لا يمكن اعادتها الى الحياة اليوم ، و حول اشخاص لا يمكن اعادتهم الى الحياة اليوم. إذ ينشط المتحاورون الطائفيون الذين يتصارعون بعصبية ظاهرة و محتدمة حول من كان (لاحظوا: كان) أحق بالخلافة قبل اربعة عشر قرنا. وسواء قلنا بأن فلانا أحق بالخلافة وانه كان معصوما و منصوصا عليه من الله ، أو لم نقل ذلك بل قلنا ان الرسول الأعظم ترك الأمر شورى ، فاننا لن نستطيع ان نعيد عقارب الساعة الى الوراء ، و لن نستفيد من هذا الخلاف اي شيء ، الا التناحر في ما بيننا اليوم وزرع العداوة و البغضاء في نفوس بعضنا البعض، وصولا الى التكتل الطائفي شيعة و سنة حول قضية بائدة ومنقرضة واشخاص لا وجود لهم اليوم. وحتى لو قلنا بوجود الامام الثاني عشر و غيبته ، فانه بحكم المعدوم اذ لا ظهور له و لا يمكن اقامة نظام سياسي معاصر يتبع قيادته ويخضع له ويستلم ارشاداته و توجيهاته وتعليماته.

   وأرى ان السنة و الشيعة اليوم، يبحثون معا شكل النظام السياسي الذي يريدون اقامته في المستقبل، هل يكون جمهوريا أم ملكيا؟ وهل يكون رئاسيا؟ أم برلمانيا؟ وما هي صفات الرئيس؟ هل هي الوطنية و النزاهة؟ أم العلم و العدالة؟ وما هي علاقة النظام السياسي و الهيئة التشريعية فيه بفقهاء الدين من السنة و الشيعة؟ وهل يكون أساسا نظاما اسلاميا؟ ام علمانيا؟أم بين بين؟ وما الى ذلك من الامور المشتركة التي تهم الجميع بلا فرق بين سنة او شيعة.

   إذن فلماذا يجب علي ان اعود الى الماضي السحيق لأبحث من كان أحق بالخلافة يومئذ؟ وأغفل عمن يحق له و يجوز له ان يتولى السلطة اليوم في العراق وكيف يمارسها بعدالة؟ وكيف يحافظ على الحريات العامة و يلتزم بالقانون؟

   ان نظرية الامامة الالهية لأهل البيت سالبة بانتفاء الموضوع ، على فرض صحتها ، و مهما جئنا عليها بأدلة ، وبناء على ذلك أعتقد ان من الابتعاد عن العقل التحمس المبالغ فيه في بحث موضوع الامامة ، الا بقدر ما يبحث الانسان قضية تاريخية. وان من الخطأ تحويلها الى قضية دينية او مركزية والتطرف في طرحها كأنها صلب المذهب الشيعي ، وان اية مناقشة لها هي محاولة لضرب المذهب الشيعي ، وذلك لأن نظرية الامامة لم تكن شائعة عند عامة الشيعة في القرون الهجرية الأولى و انما كانت نظرية سرية يهمس بها بعض الغلاة و المتطرفين بعيدا عن أئمة أهل البيت الذين كانوا يصرحون بأقوال مخالفة لها و يمارسون سياسة بعيدة عنها و يتخذون مواقف متناقضة معها ، و لذلك كان الاماميون ينسبون نظرية الامامة سرا لأهل البيت و يدعون ان هؤلاء يمارسون التقية.

   هذا أولاً ، و ثانياً: ان هذا البحث أو الحوار عقيم ولا ينتج اية نتيجة ، اذ لا يمكن ان نذهب اليوم الى امام من أئمة أهل البيت و نبايعه بالخلافة او نأخذ منه العلم الالهي او حتى تفسير القرآن و تأويله.
   نعم يوجد تراث لأهل البيت و علوم واجتهادات وسيرة ونماذج خلقية رائعة وقدوات حية في الشهادة و الكرم و الزهد و الورع والتواضع ، و هذه أمور نابعة من صميم الاسلام ولا نقاش حولها ويعترف بها كل المسلمين . ويمكن ان تفيدنا في عملية البناء الحضاري.

   ان المسلمين عامة يوالون أهل البيت و يأخذون من علومهم وأخلاقهم و سيرتهم الفاضلة ، ويشهدون انهم أولياء الله ، ولكن هذا شيء، والخلاف حول امامتهم من الله وانهم معصومون او منصوص عليهم من الله ، شيء آخر ، و هو غير مفيد ولا منتج لأي شيء.

   هذا اذا لم نتحدث عن الغلاة و المفوضة (لعنهم الله) الذين يدعون الى القول بمشاركة الأئمة لله تعالى في ادارة الكون وفي الرزق و الحياة و الموت وما الى ذلك ، فان الحديث عندئذ يخرج من دائرة الامامة لكي يدخل في دائرة التوحيد ، ويتطور من حوار طائفي سني شيعي ، الى حوار بين الاسلام و المسلمين و الغلاة و المفوضة.ولا اعتقد ان أحدا من المسلمين الواعين العارفين لما يقولون ، مستعد للحديث عن دور الأئمة في مساعدة الله ومشاركته عز وجل.

   إذن فلنطوِ صفحة التاريخ السحيق و الخلافات الطائفية العقيمة ، و لنفتح صفحة الحوار حول الفكر السياسي المعاصر وشكل النظام الجديد الذي نريد.

 

 

  وكتبت أيضا قائلا:

   "قبل الحوار مع العاملي في موضوع الامامة ، لا بد ان يكمل الحوار حول موضوع التوحيد ، ومشاركة الأئمة في ادارة الكون مع الله ، و الذي يعتبر موضوعا أساسيا لكل مسلم ، حتى يتم وضع حد بين الاسلام و المسلمين و بين المشركين و الغلاة والمفوضة.

   ثم عليه ثانيا ان يعلن تمسكه بالقرآن الكريم مصدرا أساسيا لأية عقيدة اسلامية ، و يعلن تمسكه بصحة القرآن الكريم و سلامته عن التحريف.

   وعليه ثالثا: ان يلتزم بمبدأ الاجتهاد ، و النظر في سند الأحاديث التي ينقلها ، وكذلك يعلن استعداده لبحث رجال الروايات التي يعتمد عليها، ولا يكتفي بالاعتماد على النقل و التقليد للسابقين.

   وعليه رابعا: ان يعلن موقفه من العقل ، هل هو حجة دائما؟ أم في بعض الأوقات وحسب الحاجة؟ و ليس بحجة عندما يغلب عليه النقل الضعيف و أخبار الآحاد.

   وعليه خامسا: ان يعلن موقفه من المنهج الباطني؟ وهل يشكل الظاهر حجة لديه دائما ؟ أم في بعض الأحيان وحسب الحاجة ، ليعود الى المنهج الباطني عندما يحتاج لاثبات ما يشاء من أمور؟

   وعليه سادسا: أن يعرِّف "التواتر" ، ويميز بينه و بين أخبار الآحاد ؟ و يعلن موقفه منها خاصة في أمور العقيدة.

   وعليه سابعا: أن يعلن تمسكه بأخلاق القرآن الكريم في الحوار (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) ويعلن إمكانية خطأ تصوراته عن مذهب أهل البيت ، و استعداده لتغييرها و اصلاحها و العودة الى مذهب أهل البيت ، ان تبين له غير ما يعتقد بعد الحوار ، دون تعصب او حمية.

   وعليه ثامنا: ان يلتزم بالاجابة عن الأسئلة التي تطرح عليه ، و لا يكتفي بطرح الأسئلة ، ورفض الإجابة عن اسئلة الطرف الآخر.

   وعليه تاسعا: ان يتجنب الامور الشخصية و التنابز بالألقاب واطلاق التهم والافتراءات و البهتان، ونبذ السياسة الغوغائية اعتمادا على بعض الأحاديث الموضوعة ، ويعلن تمسكه بالحوار الموضوعي.

   وعليه عاشراً: أن يبحث الأمور حسب الاتفاق نقطة نقطة ، ولا يمزج بين عدد من الامور جملة واحدة ، او يقفز من موضوع الى آخر قبل اكمال بحث الموضوع السابق او تلقي الرد و الاجابة عليه من الطرف الآخر.

  هذه نقاط مبدئية في الحوار ، أعلن تمسكي بها ، و اطلب من العاملي الالتزام بها في مقدمة الحوار حتى لا يصبح حوار طرشان أو بحثا عقيما مملاً، واطلب من الله العون و الهداية و الرشاد.

 

   واستجاب الشيخ علي الكوراني للحوار، ولكنه رفض الالتزام بمباديء الحوار الأصولية التي قدمتها، فوجهت كلمة أخرى للمتحاورين في شبكة العراق الثقافية:

    الاخوة الأعزاء

   هذه ليست المرة الأولى التي يستعرض فيها الكوراني عضلاته للحوار ، ولم ادعه انا اليه لأني اعرفه جيدا من خلال تجاربي السابقة معه ، ومن أراد ان يطلع على حواراتنا السابقة فليراجعها في شبكة هجر او في موقعي او في المواقع الأخرى ، ولا اظنه سوف يضيف جديدا ، و ليست لديه بضاعة سوى الاستهزاء و الكذب و البهتان و الافتراء كاستراتيجية اعلامية ثابتة ، ومع اني لم اقترح الحوار وانما استجبت له تلبية لطلب الأخوة الكرام ، فقد وضعت مباديء أولية للحوار كقاعدة او مرجعية للحوار وهي: اولا: القرآن الكريم ، اذ لا يجوز ان نختلق افكارا و عقائد لم يتحدث عنها القرآن الكريم ، و لا يجوز ان نقبل بأية فكرة او عقيدة يناقضها القرآن ، والمشكلة ان الكوراني يبني كثيرا من عقائده المنحرفة المغالية بعيدا عن القرآن الكريم ، ويستمدها من الأحاديث الضعيفة او المختلقة. وحتى عندما نأتي الى الأحاديث ونحاول الاستعانة بها لتكوين اية فكرة او عقيدة ، لا يجوز ان نغرف من الكتب غرفا من دون تحقيق او تدقيق وانما يجب علينا ان نجتهد فيها كما يفعل العلماء في مواضيع الطهارة و النجاسة و الصلاة و الصوم وما الى ذلك ، و لكن الشيخ الكوراني يرفض المنهج الأصولي الاجتهادي ويروج للمنهج الاخباري الذي يعتبر كل الروايات صحيحة وانها صادرة عن أهل البيت، بل ربما يتمسك ببعض الروايات المزورة اكثر مما يتمسك بالقرآن الكريم. فهل يمكن ان نتحاور مع شخص لا يحدد موقفه مسبقا من القرآن الكريم كمصدر أساسي ووحيد للعقيدة الاسلامية؟ وهل يمكن ان نتحاور مع شخص لا يؤمن بضرورة الاجتهاد و التحقيق في الروايات والتمييز بينها؟ وكيف نصل الى نتيجة؟

   ثم ايضا هناك المنهج الظاهري والمنهج الباطني ، حيث كان الغلاة و المنحرفون وأعداء أهل البيت وأعداء الاسلام يضلون السذج و البسطاء والجهلة و العوام بأفكار و نظريات مغالية ومتناقضة مع القرآن وينسبونها زورا وكذبا لأهل البيت وهم منها براء ، وعندما كان أهل البيت يلعنون أولئك الغلاة والمنحرفين الذي يرتزقون باسمهم ، ويتبرأون من افكارهم الضالة ، كان اولئك الغلاة يدعون خلاف الظاهر و يتمسكون بالمنهج الباطني باسم التقية ، فيقلبون أقوال الأئمة الظاهرة رأسا على عقب ، ويفسرون أفعالهم بصورة معكوسة ، بل كانوا ينفون وفاة بعض الأئمة ويدعون غيبتهم ، ويختلقون لبعضهم أولاداً لم يولدوا ولم يوجدوا ، كذبا وزورا.

   وبما ان الكوراني يدعي انه يتبع أهل البيت ، فنقول له قبل أي حوار ، هل تصدق بأقوالهم الظاهرة؟ أم تفسرها تفسيرا مقلوبا ومعكوسا؟ وهل تؤمن بوفاتهم بصورة طبيعية أم تؤمن بغيبتهم؟ وهل توافق بعض الفرق الشيعية التي قالت بالمنهج الباطني ونفت وفاة بعض الأئمة أو نسبت أولادا لبعضهم؟ ولماذا ترفض هنا و تقبل هناك؟ وعلى اي اساس؟

   نسأله ايضا: هل تقبل بالاحتكام الى العقل دائما أو في بعض الأحيان؟

   وذلك لأن الشيخ الكوراني، ومن يفكر مثل تفكيره ، يبني نظرياته أحيانا على مقدمات عقلية ، ثم ينقضها ويرفض الاحتكام الى العقل عندما يقع في أزمة أو طريق مسدود. مثلا: انه يقول: ان الامامة واجبة على الله ولا يجوز ان تخلو الأرض يوما من امام معصوم ، بحكم العقل. ولكنا عندما نسأله :ولماذا غاب الامام المعين من قبل الله على زعمك؟ ولماذا لا يظهر؟ وما هو حكمنا اليوم في ظل غيبته؟ هل نجلس مكتوفي الأيدي بلا عمل؟ أو نبادر الى تشكيل الحكومة الاسلامية عبر الشورى أو عبر انتخاب فقيه عادل؟ وهل يجوز ان نعطل اقامة الدولة واحكام الشريعة انتظارا للامام المعصوم؟ يسكت ولا يجيب ويقول لا تستخدموا عقولكم ، ان عقل الانسان قاصر ولا يستطيع ان يعرف الغيب .

   ونقول له: نحن نؤمن بالغيب الذي يتحدث عنه القرآن الكريم و الأحاديث الصحيحة الثابتة ، ولكن ليس بلا دليل ، فيحيلنا الى روايات ضعيفة ويمنعنا من الاجتهاد و التفكير فيه.

   انه يحاول ان يؤلف نظرية سياسية ممتدة من زمان رسول الله صلى الله عليه و آله الى يوم القيامة ، وذلك اعتمادا على بعض الأحاديث و الروايات التي توجد فيها نقاشات كثيرة في المتن والسند، وتدور حول النص على الامام علي بن ابي طالب وحقه بالخلافة. ونقول له: طيب عال اذا كانت نظريتك صحيحة وان الله يجب ان يعين الأئمة من قبله الى يوم القيامة ولا يجوز ان ينتخب المسلمون أئمتهم بالشورى وحسب مواصفات العلم و العدالة ، فأين إذن هؤلاء الأئمة الذين عينهم الله منذ أواسط القرن الثالث الهجري؟ وما هو حكم الناس في هذه المدة الطويلة التي يمكن ان تمتد الى آلاف السنين؟ واين هو الامام اليوم؟ فيقول انه غائب؟ ونقول له: وما هو موقفنا العملي؟ ما هو حكمنا الشرعي؟ هل ننتظره وننتظره وننتظره ؟ والى متى؟ ولماذا هو غائب؟ هل يخاف من الناس ومن الحكومة العباسية؟ وقد ذهبت منذ مئات السنين ، وقامت دول وانهارت دول أخرى؟ ولماذا يخاف الامام؟ ولماذا لا ينصره الله بصورة غيبية او يستعد للشهادة و الموت في سبيل الله؟

   إنه لا يفكر ويريد منا ان نجمد عقولنا معه ولا نفكر في أي موضوع!

   ويقول ايضا: لا.. ليست مهمة الامام اقامة الدولة وانما هو يعمل سكرتيرا عند الله او مساعدا له في إدارة الكون.

   ونقول له : نستغفر الله على ما تقول ، ان هذا شرك وغلو وتفويض مرفوض في الاسلام وفي مذهب اهل البيت ، ما هو دليلك عليه من القرآن الكريم؟ ومن الاحاديث الصحيحة؟ ولماذا لا تجتهد في الروايات؟ او تخلط بينها بهذه الصورة؟

   ولا يملك في الاجابة على هذه الأسئلة غير اطلاق الاشاعات و الاكاذيب و التهم و الافتراءات والسخرية و الاستهزاء و الهمز و اللمز.

   وأخيرا .. نقول له: طيب، لا نريد ان نحاورك ، و اذا كنت تبني نظريتك في التفويض والولاية التكوينية على وجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) فتفضل واعرض ما لديك من أدلة تاريخية محققة للناس ، ولا تكتفِ بتقديم الأدلة الفلسفية التي تقوم على ضرورة افتراض ذلك الولد الموهوم ، خلافا للظاهر من حياة الامام العسكري وخلافا لأهل بيته الذين أنكروا وجوده.

   فهل يفعل؟ طبعا.. لا،  إذ أنه لا يريد الحوار، ولا يمتلك أي دليل ، و انما يريد استعراض العضلات وإضاعة الوقت و التهريج ليس إلا.

   ولم يكن قصدي من طرح موضوع التوحيد والولاية التكوينية ، فتح موضوع جديد وبعيد عن موضوع الامامة ، وانما بحث موضوع الامامة من الزاوية التي يطرحها العاملي ، فهو يطرح موضوع مهمة الائمة في ادارة الكون ومشاركة الله تعالى في ملكه ، ردا على سؤال: من هم الأئمة وما هو دورهم في الحياة؟ خاصة بعد غيبة (الامام الثاني عشر) المفترضة الطويلة ، والمناقضة لعملية نصبهم لادارة المجتمع الاسلامي وتطبيق الشريعة الاسلامية في الحياة.

   ان الغيبة المفترضة تتناقض مع فلسفة الامامة التي تقول بأن من الواجب على الله تعالى ان ينصب لعباده أئمة معصومين ، وهو ما كان يقول به فلاسفة الامامية السابقون ، ويمكن مراجعة اي كتاب في الامامة للشيخ المفيد او السيد المرتضى او الشيخ الطوسي او العلامة الحلي ، وخاصة كتاب الألفين، للتأكد من فلسفة الامامة ومعنى الامام ودوره في الحياة في مفهوم الامامية. حيث يقول الامامية: انه لا يعقل ان يترك الله المسلمين بلا وال ٍ أو امام بعد الرسول، او ان يتركهم لكي ينتخبوا الامام عبر الشورى . ولم يكن حديث الامامية عن الامامة يدور حول ادارة الكون.

   وطبقا لهذا المفهوم فان الغيبة تشكل تناقضا صارخا مع نظرية الامامة ووجوب تعيين الله للامام في كل زمان ، فقد مضى اكثر من ألف و مائة عام والمسلمون و الشيعة بالخصوص ليس لهم امام من الله ، ولذلك ذهبوا يبحثون عن امام فقيه عادل ويكتفون به لاقامة دولتهم ، بعد ان اضطرتهم النظرية الامامية السابقة الى الاعتزال السياسي والانتظار الطويل.

   ومن هنا اعتقد ان الشيعة اليوم هم جعفرية فقط وقد تخلوا عن نظرية الامامة وشروطها المثالية التعجيزية في العصمة و النص ، والاثني عشرية والتمسك بانتظار الامام الغائب ، وذلك على المستوى العملي ، و ان كان البعض يحمل في مخيلته بعض آثار الفكر الامامي البائد.

   وقد عاد الشيعة بذلك الى فكر أهل البيت الأصيل القائم على الشورى وحق الأمة في الانتخاب ، وخرجوا من الفكر الدخيل الأسطوري الذي بثه الغلاة في تراثهم.

   لقد كانت مهمة الأئمة في الفكر الامامي تنقسم الى أمرين هما التشريع في الحوادث الواقعة وتحصيل العلم بها من الله ، والتنفيذ . وقد تخلى الشيعة عن الركن الأول من نظرية الامامة بفتح باب الاجتهاد في القرن الخامس الهجري على يدي الشيخ المفيد والطوسي و المرتضى ، بعد كفاح طويل مع الامامية الذين كانوا يعتبرون "الاجتهاد" متناقضا مع الامامة ، ثم تخلى الشيعة عن الركن الثاني من نظرية الامامة بقولهم بولاية الفقيه أو الشورى ، حيث اجازوا اقامة الدولة الاسلامية بدون امام معصوم معين من الله. واذكركم مرة ثانية بقراءة كتاب الألفين للعلامة الحلي لكي تتأكدوا بأنفسكم لماذا كان الامامية يعارضون نظرية ولاية الفقيه ويعتبرونها نظرية سنية زيدية متناقضة تماما مع نظرية الامامة .

 

أيها الاخوة الأعزاء

  
   نحن نعيش اليوم في القرن الخامس عشر الهجري ، وقد ورثنا عن آبائنا و أجدادنا فكرا معينا ، ودرسنا الاسلام وآمنا بالرسول الأعظم محمد صلى الله عليه و آله وسلم ، الذي ترك لنا القرآن الكريم ، وكماً هائلا من الروايات و الأحاديث المنسوبة اليه و الى أهل بيته ، وكان يوجد منها في القرن الثالث الهجري حوالي نصف مليون رواية ، فقام علماء الحديث عند أهل السنة كالبخاري و مسلم بتصفية تلك الأحاديث الى بضعة آلاف ، وقام علماء الشيعة بتصفية الاحاديث الواردة في الكافي وغيره وضعفوا معظمها ، و لا تزال توجد في كتب السنة والشيعة احاديث ضعيفة غير منقحة، وينفرد الشيعة الامامية بذكر احاديث وقصص عن ولادة شخص يقولون انه الامام الثاني عشر و انه غاب منذ حين ولادته وسوف يظهر في المستقبل ، ونحن لم نكن موجودين حين ولادته ولم نشهد قصته ، وانما وصلتنا كتب تتحدث عن ذلك ، و لكن لا يوجد له ذكر في القرآن الكريم ، ونريد ان نتحقق من صحة تلك الروايات التي شكلت نظرية معينة يعتبرها البعض عقيدة ثابتة وضرورية من ضروريات الاسلام وأصلا من أصول التشيع ، فأعدنا قراءة القرآن ولم نجد فيه شيئا من ذلك واعدنا من قراءة الروايات فوجدنا ها ضعيفة ومكذوبة ومزورة ومختلقة بعد عشرات السنين من تلك الحادة المفترضة.

   قلنا ان من حقنا بل من واجبنا الاجتهاد في تلك الروايات و القصص التاريخية ، ولكن البعض يمتعض ويرفض ممارستنا لهذا الحق ويطالبنا بالتقليد الأعمى لكل ما ورثنا عن آبائنا و أجدادنا.
قلنا لهؤلاء: طيب، هل لديكم دليل علمي تاريخي قاطع على ولادة الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) ؟ قالوا: لا، ليس لدينا دليل تاريخي قاطع، وليس من حقكم ان تطالبوا بالدليل التاريخي انما يجب عليكم ان تقبلوا بالدليل الفلسفي الافتراضي؟

   قلنا لهم: اننا نقبل الأدلة الفلسفية حول القضايا الكلية الفلسفية ، و لكنا نطالب بالأدلة التاريخية حول القضايا التاريخية ، كما نطالب بالأدلة العلمية المادية حول القضايا العلمية الفيزيائية و الكيمياوية المادية ، التي لا يجوز ان نؤمن بها بالفلسفة كما كان يفعل فلاسفة الاغريق الذين كانوا يعتقدون ان العالم كالبصل طبقات بعضها فوق بعض و الأرض في مركز البصل.

   ويقولون: بصراحة اذا لم نؤمن بهذه الفرضية (فرضية وجود الولد للامام العسكري) فان نظرية الامامة الالهية ستنهار وتنتهي ، ونقول لهم: ومن قال لكم ان نظرية الامامة هي من اهل البيت ؟ ولماذا لا تكون نظرية وهمية مختلقة لا علاقة لها بأهل البيت وهي كذلك؟

   الخلاصة انهم في أزمة وفي ورطة ، بعد أن وقعوا في أسر نظريات وفرضيات وهمية اسطورية لا علاقة لها بالاسلام ولا بالتشيع ، ويحاولون فرضها علينا و على العالم الاسلامي ، وهي نظريات و فرضيات أضرت بالشيعة قبل غيرهم وعزلتهم عن مسرح الحياة قرونا من الزمن ، ويحاولون اليوم الارتداد عما حصل من تطور سياسي فكري عند الشيعة باتهام العلماء الذين يقولون بنظرية الشورى او ولاية الفقيه بأنهم التقاطيون ومتأثرون بالسنة و الغرب.

   واذا كان بعضهم يجرؤ على توجيه نقدهم بصراحة الى السيد محمد باقر الصدر ، فانه في الحقيقة يحمل نفس الملاحظات و الانتقادات ضد رموز النهضة الشيعية الحديثة وعلى رأسهم الامام الخميني ، ولكنه لا يجرؤ على توجيه اصابع الاتهام بالالتقاطية اليه.

 

   أيها الاخوة الأعزاء محبي أهل البيت عليه السلام

   السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

   واعوذ بالله من الشيطان الرجيم

   بسم الله الرحمن الرحيم

   لا اريد ان اجعل من هذه الفرصة مناسبة لتبادل السباب و الشتائم مع من لا يلتزم بشرف الحوار، ومع انه يكذب علنا ويراوغ جهارا ، و لكنه يلقي باتهاماته يمينا و شمالا ويتهم الآخرين بما ينطوي عليه من صفات قبيحة. دعوناه الى بحث موضوع التوحيد ، وقلنا له انه يشرك بالله بنظريات استقاها من المفوضة الغلاة الملعونين على لسان أهل البيت عليهم السلام ، وقلنا له من اين تأخذ عقيدتك؟ من القرآن الكريم الذي يقول ( ان الله لا يغفر ان يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) 48 النساء ؟، أم تأخذها من الغلاة والمنحرفين و المدسوسين في مذهب اهل البيت ، و من الروايات الضعيفة و الموضوعة و المختلقة؟ ودعوناه الى التحقيق في تلك الروايات والعودة الى القرآن الكريم ، فرفض.

   قلنا له: انك تبني عقيدتك على مجموعة روايات موضوعة ومأوَّلة ومجموعة خرافات و اساطير وفرضيات وهمية ، ولا بد ان تدرس وتجتهد ، فرفض ، و أصر على طرح موضوع الامامة وموضوع النص على الامام علي عليه السلام ، قلنا له حسناً، ولكن بشرط ان تبحث موضوع ولادة الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) فرفض.

   وإنني متأكد انه لم يدرس نظرية الامامة بدقة وبصورة شاملة وبجميع فقراتها ، وانما يتشبث ببعض الروايات فقط ، فهو لا يريد ان يبحث موضوع النص على كل امام ، وهو غير موجود اطلاقا ، وهو لا يريد ان يبحث موضوع الوصية بالامامة على كل امام ، و هي غير موجودة ايضا ، ولا يريد ان يبحث موضوع علم الأئمة، وكيفية انتقال الامامة من واحد الى آخر ، خاصة و ان بعض الأئمة كانوا أطفالا صغارا عند وفاة آبائهم ، وقبل ان يتعلموا منهم ، وهو لا يريد ان يبحث موضوع البداء الذي ينسف نظرية النص نسفا ، و لا يريد ان يبحث موضوع التقية التي تتهم الأئمة بالازدواجية في حياتهم و أقوالهم بين الظاهر و الباطن.

   واذا سلمنا له بكل ما يقول ، فانه مع ذلك لا يستطيع ان يثبت وجود وولادة (الامام الثاني عشر) المفترض ، و ذلك لأن كثيرا من الامامية الذين كانوا يؤمنون بامامة الامام الحسن العسكري لم يستطيعوا ان يتأكدوا من ولادة ولد له ، فكيف يأتي هو بعد اكثر من الف عام ليؤمن به؟ الا عن طريق الوهم و الخيال والافتراض التعسفي المناقض للأدلة الشرعي. وليست له ولمن قال بضرورة افتراض وجود الولد في السر ، من حجة سوى شعار (لا تكون الامامة في أخوين بعد الحسن والحسين) وهذا شعار باطل ما انزل الله به من سلطان ، و لم يكن كثير من الشيعة الامامية الأولين والأفاضل كعلماء بني فضال والشيعة الفطحية يؤمنون به ، لأنهم يقولون بجواز الانتقال الى الأخ اذا لم يكن للامام السابق ولد ، كما انتقل الشيعة بعد قولهم بامامة عبد الله الافطح بعد الامام الصادق ثم انتقلوا الى امامة اخيه موسى بن جعفر ، بعد وفاته دون عقب. أما الذين أصروا على التمسك بذلك الشعار الباطل ، فاضطروا الى اختراع ولد موهوم للامام عبد الله الافطح ، و قالوا ان اسمه محمد وانه المهدي المنتظر ، وقد شطوا بذلك شططا كبيرا. وهكذا فعل الاثنا عشريون الذين قلدوا ذلك الجناح من الفطحية الذين اخترعوا لامامهم السابق ولدا في السر عن طريق الخيال والافتراض والوهم و الأساطير ، وقالوا بضرورة وجود ولد للامام العسكري ، من دون الحاجة الى تقديم الدليل ، وانما اعتمادا على شعار (لا تكون الامامة في أخوين بعد الحسن و الحسين). ولم يسألوا انفسهم: ولماذا لا تكون؟ هل هناك آية أو حديث يمنع من إمامة الأخوين؟ هذا اذا كان الله تعالى قد نص على الامامة؟
واذا كان العاملي يصر على افتراض وجود الولد للامام العسكري ، فنحن نسأله: لماذا لا يؤمن بالامام (محمد بن عبد الله الافطح ، حفيد الامام الصادق)؟ ولماذا يتهم من يقول به بأنه باطني يخالف الظاهر من حياة الامام عبد الله الافطح الذي لم يشر الى وجوده ولم يعترف به؟ ولماذا يكون ظاهريا هنا وباطنيا هناك؟ وما هو الفرق بينه و بين ذلك الفريق من الفطحية؟

   ان مشكلة العاملي انه لا يقرأ التاريخ الشيعي ليعرف وجود فرق امامية عديدة ، و ان القول بالنص على الامام علي لا يؤدي ولم يؤد بالضرورة الى القول بفرضية وجود الولد للامام العسكري ، وان هذا القول مبني على خيطٍ واهٍ أوهن من خيط العنكبوت؟ فأية عقيدة هذه تقوم على خيوط واهنة و لا تعتمد على آية من القرآن الكريم أو حديث متواتر او قصة تاريخية ثابتة؟

   ان كنت لا تدري فتلك مصيبة ، و ان كنت تدري فالمصيبة اعظم.

   وربما كان العاملي يعرف ولكن تأخذه العزة بالإثم...

 

 
   وفي مداخلة لا حقة للعاملي ، لخصها المشرف المنهال ، اقترح ان نبدأ الحوار من موضوع الامامة، و اقترحت ان نبحث موضوع وجود الامام الثاني عشر مباشر. ثم عاد الأخ المنهال جزاه الله لاقتراح بحث موضوع التوحيد ثم النبوة ثم الامامة ثم موضوع الامام الثاني عشر ، ويبدو ان العاملي وجد في هذا الاقتراح خشبة الخلاص للتهرب من الموضوع الأساسي ليغوص في مواضيع بعيدة وطويلة حتى يمل الأخوة القراء وينتهي الحوار او لا ينتهي ، و لكن من دون بحث الموضوع الأساسي.
ولكي اخفف عنه المؤونة ، أقول :

    سأعود الى الوراء خمسة عشر عاما ، حينما عدت من السودان ومعي بعض الاخوة السودانيين المتشيعين ليدرسوا في حوزة القائم في طهران. وأنا الآن أؤمن بالأئمة الاثني عشر وبنظرية الامامة التي كتبت عنها ودعوت اليها من قبل. فلا حاجة اليك لكي تتعب نفسك باثبات موضوع الامامة او النصوص حول الامام علي. طيب؟

   ولكني اقرأ الآن كتابا للشيخ الطوسي اسمه (الغيبة) يستعرض فيه النظريات المهدوية الشيعية السابقة التي تبلغ حوالي عشرين نظرية ويفندها واحدة تلو الاخرى ، ينتقد المنهج الباطني ، ويضعف الاحاديث التي يستند اليها الواقفية والناوسيية و الكيسانية و غيرهم ، ويحاول اثبات وجود الامام الثاني عشر ، وأقرأ في كتابه: ان الشيعة الامامية شكوا في الخلف واختلفوا وتفرقوا ، ولكن بعضهم جاء بأدلة وقصص عن رؤية الامام الثاني عشر في حياة ابيه وبعد وفاته ، ولكنه ينقل تلك القصص و الروايات عن أشخاص ضعفاء و مشهورين بالغلو والاختلاق و الكذب ، الا انه يتدارك ليقول بأن الدليل الاعتباري هو أهم الأدلة. واقرأ ايضا للشيخ المفيد و السيد المرتضى والشيخ الصدوق والنعماني ، وغيرهم من علماء الاثني عشرية ، لأجدهم يصرحون بعدم وجود ادلة تاريخية قوية تثبت وجود الولد للامام العسكري ، وانهم يستدلون على ذلك بالأدلة الفلسفية الاعتبارية الظنية ، فأشك في أقوالهم وأنكر ان يتم اثبات وجود انسان عن طريق الافتراض و الظن والفلسفة ، وأطالب اساتذتي بتقديم الأدلة العلمية الشرعية القاطعة حتى تستمر نظرية الامامة في الوقوف ، و الا فسوف تنهار في نفسي كما انهارت لدى معظم الشيعة الامامية بعد وفاة الامام العسكري. فهل لديك من دليل على وجود ذلك الولد؟  وهل انت مستعد لبحث الموضوع بدقة رواية رواية وقصة قصة و كتابا كتابا؟ ودليلا دليلا؟ وهل تقبل الاجتهاد في الموضوع ؟ أم لا؟ أم تطالبنا بالتقليد الأعمى؟

   أرجوك يا عاملي لا تضيع اهتمام الناس والاخوة المثقفين ، فان ذلك لن ينفعك وسوف يثير في قلوبهم الشك اكثر فأكثر، واذا كان صحيحا ما قلت سابقا من انك أحضرت الأدلة التاريخية لتعرضها في المستقلة ، فتفضل و اعرضها هنا ، و الوقت أمامك متسع جدا فلماذا لا تفعل؟ واذا كنت مصرا على بحث امور اخرى ، فليكن بعد طرح ما لديك من ادلة تاريخية علمية شرعية قاطعة على وجود الولد.

وشكرا.

 

وعلق المشرف على الموقف الأخ (المنهال) قائلا:

  "النتيجة أن الاخ أحمد الكاتب يعتبر نفسه يؤمن بالإمامة كما كان قبل 15سنة ولكنه يقف أمام أدلة وجود الامام المهدي المنتظر وولادته ويدعي أن لا أدلة صحيحة على ذلك!

 ماذا يقول الأخ العاملي ؟"


  وبعد برهة من الصمت أجبت:


    ماذا عساه ان يقول؟ ومن أين يستطيع الاتيان بالأدلة والبراهين؟ هل لديه مصنع ينتج أدلة؟ كل ما في الأمر ان المؤرخين السابقين الذين عاصروا وفاة الامام العسكري ، وشهدوا (عصر الحيرة) كانوا يعترفون بعدم اشارة الامام العسكري في الظاهر الى أي خلف له من بعده ، و عدم تحدثه عن مصير الامامة ، ووصيته بأمواله الى أمه المسماة بـ:"حديث". وان الذين قالوا بوجود "الولد" كانوا يهمسون في السر ويطلبون من الناس عدم التحقيق او السؤال عن الاسم ، ووجدوا بعض السذج والبسطاء من الناس الذين صدقوهم لفترة من الزمن ، ثم عرف عامة الشيعة بعد مضي زمن طويل ان الحكاية لم تكن سوى اشاعة واسطورة افترضها رجال حاولوا استغلال الأزمة وجني الأموال من الشيعة ، فتراجعوا عن هذه الفكرة الدخيلة في التراث الشيعي والتي لم يعرف أهل البيت لها أساسا من الصحة. وقد آن لكل شيعي محب لأهل البيت ان ينفض عنه غبار الخرافات و الأساطير ويعود الى فكر أهل البيت الصافي و السليم ، ويتمسك بهداهم الذي هو هدى الاسلام.

  الى هنا واعتبر الحوار منتهيا مع هذا الرجل الذي يحاول إعادة عقارب الساعة الى الوراء ، ويرتد عن الثورة الاسلامية المباركة ثورة الشورى وولاية الفقيه ، التي انتفضت على الفكر الاسطوري المخدر فكر الانتظار السلبي الطويل للامام الموهوم ، وأعادت الشيعة الى مسرح الحياة من جديد.

   وأحمد الله تعالى ان عامة الشيعة اليوم قد وعوا دورهم وواجبهم و مسئوليتهم في اقامة دولة الحق و العدالة و الشورى او الديموقراطية في العراق وفي العالم الاسلامي ، ووضعوا الأفكار الخرافية المغالية و المفرقة بين الأمة جانبا ، و عملوا ويعملون مع اخوتهم من عامة المسلمين على بناء نظام سياسي جديد وواحد ، نظام جمهوري اسلامي عادل، يقوم على ارادة الامة في اختيار حكامها بلا شروط مثالية تعجيزية كالعصمة و النص ، او السلالة العمودية العلوية الحسينية.

 

  وهنا اعتبر العاملي كلمتي هذه انسحابا عن الحوار، فوجهت هذه الكلمة الى الاخوة المشاركين في الحوار، والذين كانوا يتابعونه بشوق:

 

ايها الاخوة الأعزاء

السلام عليكم

من بديهيات الاسلام انه يقوم على العلم واليقين ، و لا يقبل ان يعتنق الانسان اية فكرة خاصة اذا كانت أساسية على الظن و التخمين والافتراض و الوهم ، ولذلك فان الله تعالى يلوم النصارى على ايمانهم بصلب المسيح عليه السلام ، لعدم تأكدهم تماما من العملية ، رغم وجود عدد من المؤشرات التي تشير الى ذلك ، ويقول: ( قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ ان تتبعون الا الظن ، و ان انتم الا تخرصون) الانعام 148 ، ويقول: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ، ما أنزل الله بها من سلطان. إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ، و لقد جاءهم من ربهم الهدى). النجم 23،
ويقول: ( وما لهم به من علم ، إن يتبعونإالا الظن ، و إن الظن لا غني من الحق شيئا). النجم 28

وان الايمان بولادة (الامام الاني عشر) اضعف بكثير من الايمان بصلب المسيح ، و رغم ذلك يرفض الله عز وجل ان يؤمن الناس بحدث لم يتأكدوا منه ولم يحصل لديهم علم به ، اذ ان الايمان بوجود الولد ليس الا ظنا و تخمينا ووهماً و افتراضا تعسفيا مخالفا للقوانين الاسلامية التي لا تجيز نسبة ولد الى اي انسان من دون علمه و اعترافه وبعد وفاته وبالرغم من رفض أهل بيته له. هذا في القضايا العادية، فكيف يجوز ان نقبل مثل هذه النسبة في قضية يعتبرها البعض عقائدية و دينية؟ واذا عرضنا القضية على اية محكمة اسلامية شرعية لتفصل فيها فان اي قاضٍ سيرفض الاستماع الأولي لهكذا دعوى ، ويسخر منها اشد السخرية ، اذ كيف يجوز ان ننسب انسانا لا يُرى أشبه بالشبح، الى انسان آخر بعد وفاته ، و اذا كان ذلك الشخص (الولد) ظاهرا وحيا و مشاهدا ، فانه لا يمكن نسبته الى أبيه المدعى اذا لم يعترف به في حياته بشكل ظاهر امام الناس ، و لم يشر الى وجوده في وصيته ولم يوص له بشيء من المال ، ونحن نعرف ان الامام العسكري قد اوصى بأمواله الى امه حديث. فكيف يجوز لنا بعد كل هذا ان نستمع الى اقوال الدجالين والكذابين الذين ادعوا وجود الولد في السر وادعوا النيابة الخاصة عنه ، ليقبضوا اموال السذج و البسطاء بدعوى ايصالها اليه؟
وكيف يجوز لنا ان نبني عقيدة على اساس هذه الدعوى الشاذة الغريبة؟ ثم نذهب و نخاصم الناس الذين لا يؤمنون بهذه الاسطورة ونتهمهم بمعاداة أهل البيت؟ ونقوم ببناء فكرنا السياسي عليها ، فنحرم اقامة الدولة الاسلامية الى ان يظهر ذلك الولد المفترض الموهوم ، وندعو الشيعة لانتظاره والنوم في السراديب؟

ايها الاخوة الاعزاء

هناك اليوم نهضة اسلامية شيعية مشهودة يخشى منها الأعداء والطغاة و المستكبرون ، وقد حاولوا ويحاولون اجهاضها من كل جانب ، و لكنهم فشلوا و الحمد لله ، والآن جاءوا ليهدموا حصوننا من الداخل ، و يبثوا الأفكار المخدرة السلبية في صفوفنا من جديد. ويتهموا رواد النهضة بالالتقاطية والتأثر بالسنة ، وهم يعرفون ان الشيعة لم يتأخروا الا بسبب تلك الأفكار المخدرة.

   وان من يعود الى الوراء قبيل مجيء نظام حزب البعث في العراق ، ليجد كثيرا من الافكار السلبية المخدرة مخيمة على الحوزة في النجف ، و يعرف انها هي المسؤولة بنسبة ما عن قيام الديكتاتورية والاستبداد ، اذ ان اصحابها كانوا يدعون الناس الى الانسحاب السياسي واتنظار الامام المهدي ، ولذلك فقد شن الامام الخميني في محاضراته التي القاها في النجف عام 1969 هجوما عنيفا على تلك الأفكار المخدرة وتعجب من اصحابها قائلا: الى متى ننتظر ظهور الامام المهدي؟ ولنفترض انه لم يخرج الا بعد آلاف السنين فهل نعطل الشريعة الاسلامية ونجمد الحدود؟

   وها هو العاملي اليوم ينكص على عقبيه وينظّر (للحجتية) وينتقد رواد النهضة العظام ولكنه لا يجرؤ على انتقاد الامام الخميني فينتقد الشهيد الصدر ويصفه بالالتقاطية ، ويرفض التفكير او الاجتهاد او الاجابة على الأسئلة الرئيسية؟ مثل: ماذا نفعل اليوم ؟ وليس لنا وسيلة للوصول الى الامام المعصوم المعين من قبل الله ، على فرض وجوده، هل نجلس في بيوتنا؟ ام نبادر الى تشكيل الحكومة الاسلامية؟ واذا قلنا بجواز او وجوب تشكيلها ، فعلى اي اساس؟ على اساس القهر و الغلبة؟ أم على اساس الشورى وانتخاب الناس؟ واذا جاز لنا اليوم اقامة النظام الاسلامي على اساس الشورى فلماذا لم يجز لنا من قبل؟ ولماذا نفترض شروطا تعجيزية مثل العصمة و النص من الله؟ ولماذا نضرب رؤوسنا بالجدران اذا لم نجد يوما اماما معصوما معينا من قبل الله ونفترضه افتراضا ونختلقه اختلاقا؟

 

  وهنا قام أحد الأخوة المتابعين للحوار، واسمه (مالك) بالتعليق:

الإخوة الكرام

لقد حدث ما كنت أتوقع فإن كل المؤشرات كانت تدل على أن النقاش لن يتم ، وقد اعتبر العاملي انسحاب أحمد الكاتب هروبا وفرح به واعتبره انتصارا ، وأيده من كان يصفق له منذ البداية، وفرحوا به واعتبروه انتصارا على شخص أحمد الكاتب ، وحرمنا نحن من المناقشة وقراءة الأدلة.

  ان موضوع ولادة المهدي يهمني بصفة خاصة وهو يهم إخوة آخرين في المنتدى كما ذكره الأخوان المنهال وصيهود ، وكنت أتمنى أن يبدأ به ، ولم أفهم حتى الآن لـِمَ أصر الأخ العاملي على تأخيره مع أنه ذكر للأخ صيهود أن لديه نصوصا صحيحة في ولادته ، فهل صحة هذه النصوص لا تثبت إلا بالمقدمات الثلاثة التي ذكرها وأراد أن يبدأ بها النقاش أم أنها غير مرتبطة بها ؟ هذا سؤال قد وجهته إليه ولم يجبني عنه ولعله لم ينتبه إليه ، وإذا كان جوابه بعدم ارتباطها بما قبلها فلمَ تأخير عرضها وهي أخطر مسألة ذكرها الأخ أحمد الكاتب في كتابه ، وهي التي جاء ليناقش عليها ، فهل هناك ما يبرر تأخير العاملي لمناقشة هذه المسألة أم أنه كما يدعي الأخ أحمد الكاتب ليس لديه نص واحد صحيح على ولادته وأنه إنما يريد أن يخوض في المسائل الأخرى ويبدأ بها هروبا من هذه المسألة؟ فإذا كان كذلك فيصعب إذا تفسير انسحاب أحمد الكاتب على أنه هروب بل كما هو الظاهر من كلامه من أنه ملل وأنه يرى أنه يضيع وقته بما لا طائل وراءه .

   انسحب الأخ أحمد الكاتب وانسحبت معه شخصيته، وبقيت المشكلة التي أثارها قائمة : هل توجد نصوص صحيحة على ولادة الإمام المهدي أم ليس هناك نص واحد على ولادته ؟ فهل يتفضل الأخ العاملي ويعرض علينا هذه النصوص الصحيحة التي عنده ؟

والسلام عليكم

 وقال البدري:

الاستاذ  احمد الكاتب، ما ذكرته انت من ادلة من انها ضعيفة ، فهناك كما قال الشيخ العاملي ، في قناة المستقلة ، ادلة اخرى صحيحة فما ردك ؟؟

 

أحمد الكاتب:

اهلا وسهلا

ليعرض ما لديه من أدلة ، يقول انها صحيحة.

المشكلة انه يقلد فيما يقول ويرفض الاجتهاد ولا يفرق بين الصحيح و الضعيف كالاخباريين الأوائل، وينقل عن غيره ، و يعتبر كل ما نقله الأولون صحيحا ، في حين اننا يجب ان نقف على الحياد ولا نقبل من أحد المتخاصمين بسرعة كما لا يجوز ان نرد أحدا بسرعة ، و انما علينا ان ننظر في الأدلة و البراهين في هذه القضية المشكوكة كما يفعل اي محقق او قاض ، ولا يجوز لنا شرعا ان نرفع اليد عن الظاهر من حياة الامام العسكري الذي كان ينفي وجود ولد له ، الا بدليل قاطع شرعي ، و لا يجوز ان نعتمد على الظنون و الخيالات الواهية والافتراضات التعسفية القائمة على النظريات الاجتهادية الظنية و الأحاديث الضعيفة.

   وفي الحقيقة كما قلت سابقا لو كان هناك طفل ظاهر موجود يراه الناس ، و ادعى أحد انه ابن فلان ، وكان ذلك الرجل ينكره او لا يتبناه ، لا يجوز نسبة ذلك الطفل اليه الا بدليل علمي قاطع ، فكيف ان القصة كلها كانت خيالات في خيالات ودعوى حول شخص لا وجود له ولم يظهر طوال اكثر من الف عام؟.

   والمصيبة الأكبر اننا نعلق عليه كل امور المسلمين ، و نحرم على غيره اقامة الحكومة الاسلامية. فهل توجد مصيبة اكبر من هذه المصيبة؟ وهل يوجد مخدر أشد من هذا المخدر؟

 

مالك:

الأخ أحمد الكاتب

هل يمكنك أن تتناول النص الأخير الذي نقله الأخ عبد الله محمد في اثبات ولادة الإمام الثاني عشر وتعلق عليه نقطة نقطة ؟

والسلام.

 

أحمد الكاتب:

الأخ العزيز مالك

السلام عليكم ورحمة الله و بركاته

لم افهم بالضبط ماذا تعني بقولك (النص الأخير ) الذي نقله الأخ عبد الله ، ولعلك تقصد هذا النص التالي ، فان العاملي كثيرا ما يرتكز عليه ، وهو:" أقـَرّ الامام الحسن العسكري ( عليه السلام ) أمَامَ الكثير من أصحابه بأن له ولد، سمّاه محمداً، ونصّ على أنه هو المهدي الموعود به في آخر الزمان. روى محمد بن يحيى، عن أحمد بن اسحاق، عن أبي هاشم الجعفري، قال:" قلت لابي محمد (عليه السلام): جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟ فقال: سَلْ . قلت: يا سيدي هل لك ولد؟ فقال: نعم".[2]

 

    وهذا النص منقول عن ابي هاشم الجعفري الموثق عند الشيعة الامامية مثله مثل "النواب الأربعة" الذين ادعوا السفارة عن الامام الغائب ، وقد ادعى الجعفري النيابة كذلك فيمن ادعاها وكان يبلغ عددهم الاربعة و العشرين مدعيا ، وكان كل واحد منهم يكذب الآخرين.

   وفي هذا النص لا يذكر الجعفري انه رأى الولد وانما يقول ان اباه قال ان لديه ولدا.

   وحسبما أعتقد فإن الجعفري من الغلاة وكان ينسب الى الامام العسكري العلم بالغيب وقراءة ما في القلوب ، واتيان المعاجز الخارقة.

  ولكن مشكلة المقلدين المعاصرين انهم يقلدون السابقين في توثيقهم و تضعيفهم للرجال الرواة ، ولا يحققون في مدى صدقهم ، في حين ان اي باحث محقق ومحايد عليه في البدء ان يخرج من اطار طائفته الضيق ويدرس الرجال الرواة بحيادية، خاصة في القضايا المختلف عليها والمشكوك فيها ، مثلا انك لا تستطيع ان تثق براوٍ مثل ابي هريرة على ما يكتبه علماء رجال السنة ، بل يجب ان تدرس حالته بصورة مجردة و مستقلة قبل ان تكون سنيا او شيعيا ، فاذا وجدته ثقة تأخذ منه و اذا وجدته ضعيفا تترك أحاديثه. وكذلك النواب الأربعة الذين ادعوا السفارة ، فانهم بالطبع ثقاة يقاربون درجة العصمة عند الشيعة الامامية الاثني عشرية ، ولكن ماذا يقول عنهم بقية الامامية؟ وبقية الشيعة؟ وبقية المسلمين؟ يجب ان تدرس حالتهم بصورة مستقلة وليس اعتمادا على ما يقوله اتباعهم واصحاب مذهبهم ، حتى تتأكد من حقيقتهم ومن حقيقة دعواهم.

   ثم ان القضية برمتها يجب ان تدرس بصورة متكاملة و شاملة ، و ليس اعتمادا على رواية او خبر من أخبار الآحاد ، ويجب ان ننظر الى نتيجة البحث والتحقيق ، ونعثر على الامام الذي يفترض فيه ان يقود المسلمين و يقيم دولتهم في الأرض ، فالقضية لا تتعلق ببحث نظري تاريخي وانما هي تمس الواقع والحياة الخارجية و السياسية للمسلمين ، وهي تشبه جدا قصة رجل يقول لك : ان في هذا القدر لحما وطبيخا و عليك انتظار نضجه ، فتجلس أياما و اياما وشهورا و سنين وانت جائع ثم لا تجد شيئا في القدر ، ولكنه يحلف لك بالله ويأتي لك بالأدلة و البراهين العقلية و النقلية على وجود الطعام في القدر ، ولكنك تستمع الى صرير معدتك وتنظر الى ساعتك وتكاد تموت جوعا ، فماذا تفعل؟ هل تنتظر مزيدا من الوقت؟ أم تذهب و تعدّ لك ما تيسر من الطعام ، ولا تستمع الى ذلك الرجل الأحمق حتى لو جاء لك بمليون دليل؟

   هذه هي حالتنا مع اولئك المدعين الذين خدعونا بزعمهم وجود ولد مكتوم و مخفي للامام العسكري ، فجلسنا ننتظر السنين والقرون ، و لما لم نجد شيئا قمنا باقامة الدولة على اساس الشورى وولاية الفقيه ، ولم نحصل من أدلتهم و براهينهم على غير الجوع و العطش والانتظار العقيم؟

 

من هو ابو هاشم الجعفري؟ وهل هو ثقة؟


   أود التنبيه الى حقيقة لا اعتقد انها تغيب عن ذهن أحد ، وهي كثرة تفرق الشيعة في القرنين الثاني والثالث الهجريين واختلاق كل فريق ما يشاء من الروايات ونسبتها الى الأئمة من أهل البيت تأييدا لما يذهب اليه ، وقيام بعض الفرقاء بنسج روايات لها طابع الزمان الماضي وتتحدث عن المستقبل الذي يصوره ذلك الفريق كما يشتهي ، في محاولة لإضفاء صفة الإعجاز وعلم الغيب على الرواية ، ومن الأمور التي حدث فيها الخلاف بين الشيعة الامامية مسألة إمامة الحسن العسكري ، التي اختلف فيها شيعة ابيه الامام علي الهادي بين من قال بإمامة محمد بن علي الهادي وعدم وفاته في حياة أبيه ، ثم قوله بغيبته ومهدويته وانتظار ظهوره في المستقبل ، وإنكار إمامة الحسن العسكري ، وبين من قال بإمامة جعفر بن علي الهادي بالنص عليه من أبيه أو بالنص عليه من أخيه السيد محمد (المدفون في بلد) وبين من قال بإمامة الحسن العسكري ، الذي اعترف بأنه لم يحدث خلاف على أحد من الأئمة مثلما حدث في الاختلاف عليه.

   وقد لعب أبو هاشم الجعفري دورا كبيرا في تثبيت إمامة العسكري ، وبما انه كان يعترف بأن الامام الهادي كان قد أشار الى السيد محمد ودل عليه فقد نقل حديثا عن الامام الهادي انه قال له : "بدا لله في أبي جعفر وصير مكانه أبا محمد كما بدا لله في إسماعيل بعد ما دل عليه أبو عبد الله ونصبه". [3]

   ومع ان الجعفري في هذه الرواية يعترف بإشارة الامام الهادي الى ابنه السيد محمد ، والدلالة عليه ، في البداية، الا انه يروي رواية اخرى عن ابي جعفر الثاني (محمد الجواد) ينقل فيها رواية عن الامام الحسن المجتبى ويذكر أسماء الأئمة الى الحسن العسكري ، من دون ان يشير الى مسألة البداء والتعيين المسبق للسيد محمد ثم تنصيب الامام العسكري مكانه. [4]

   واذا كانت هذه الرواية صحيحة فكيف لم يعرفها الامام الهادي فأوصى الى ابنه محمد بالإمامة ثم عدل عنها الى ابنه الحسن بعد وفاة أخيه وحدوث البداء فيه؟ إذن لا بد ان تكون إحدى الروايتين كاذبة وغير صحيحة .

  وهكذا يظهر لنا موضوع اختلاق الروايات على لسان الأئمة تأييدا للمذاهب المختلفة.

  وبما ان النص على الامام الحسن العسكري كان غامضا ومحل شبهة ونزاع بين الشيعة الامامية وبين أولاد الامام الهادي ، فقد لجأ أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري الى اختلاق مجموعة من الروايات الأسطورية القائمة على دعوى علم الامام العسكري بالغيب ، والتي يرويها الجعفري بنفسه ويقول انها حصلت له ، ولا يمكن التأكد منها بصورة مستقلة ومحايدة ، غير دعواه بعلم الامام للغيب .

   يقول الجعفري انه سمع الامام أبا محمد (العسكري ) يقول ذات مرة ان (من الذنوب التي لا تغتفر قول الرجل ليتني لا أو اخذ الا بهذا) فقلت في نفسي: ان هذا لهو الدقيق ينبغي للرجل ان يتفقد من أمره ومن نفسه كل شيء ، فأقبل أبو محمد فقال: يا با هاشم صدقت فالزم ما حدثت به نفسك ، فان الإشراك في الناس أخفى من دبيب الذر على الصفا. [5]

   وهكذا يتحدث الجعفري عن علم الامام الهادي لما يفكر فيه (الجعفري) غيبيا في مسألة البداء ووفاة السيد محمد ، حيث يقول: ( فاني لأفكر في نفسي وأقول : هذه قضية ابي إبراهيم وقضية إسماعيل، فأقبل عليّ أبو الحسن فقال : نعم يا أبا هاشم … هو كما حدثتك به نفسك وان كره المبطلون). [6]

   ويروي أبو هاشم الجعفري رواية اخرى مشابهة تقوم على مادة علم الأئمة بالغيب ، يقول : (كنت محبوسا مع أبي محمد في حبس المهتدي بن الواثق فقال لي : يا أبا هاشم ان هذا الطاغي أراد ان يعبث بالله في هذه الليلة ، وقد بتر الله تعالى عمره وقد جعله للقائم من بعده ، ولم يكن لي ولد وسأرزق ولدا ، قال أبو هاشم : فلما أصبحنا شغب الأتراك على المهتدي فقتلوه وولي المعتمد مكانه وسلمنا) .[7]

   وهنا يتحدث عن علم الامام العسكري بمقتل المهتدي قبل حدوث الشغب عليه. وهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه الا الله.

 ويضيف أبو هاشم الجعفري الى حكايته رتوشا أخرى فيقول انه كان يحتاج الى المال ولم يطلبه من العسكري استحياء فأرسل اليه الامام مالا دون ان يطلب منه ، وكذلك يقول ان الامام علم بنية ابي هاشم في طلب فص فأعطاه خاتما. [8]

  ويعتبر الجعفري إخبار الامام العسكري له عن مشادة حصلت له في الطريق نوعا من الإعجاز والعلم بالغيب الدال على إمامة الامام. [9]

   ويتحدث أبو هاشم الجعفري عن علم الامام العسكري بأدق التفاصيل السرية كمعرفته بإفطار ابي هاشم ونوع الخبز الذي أكله ، كما يتحدث عن معرفة الامام بحقيقة رجل كان يتجسس عليه وكشفه هويته لأبي هاشم. [10]

   وتأتي هذه الروايات في سياق الروايات التي يسوقها القائلون بإمامة العسكري لإثبات امامته بالمعاجز بدلا من النص ، ويتحدثون عن علمه غيبيا بحقيقة غني سائل كان يتظاهر بالفقر ، او علمه بموت فرس بعد أيام وإشارته على صاحبها ببيعها سريعا قبل ان تموت ، واكتشاف نوايا بعض الخدم وعزمهم على شرب الخمر واللواط ، ومعرفته بعطش انسان وطلب الماء له دون ان يطلبه هو.[11]

   ولكن أبا هاشم الجعفري يضيف عليها انه رأى الامام العسكري يحك الأرض ويخرج الدنانير الذهبية منها ويعطيها له ومعرفة الامام بحاجته الى المال بصورة غيبية. [12]



ولا يكتفي أبو هاشم الجعفري بذلك بل يقول انه شاهد يوما الامام العسكري وهو يكتب كتابا ، ثم يترك القلم ويقوم الى الصلاة ، فاذا بقلم الامام ينهض بنفسه ليكمل الكتاب أثناء قيام الامام للصلاة.!! [13]

   وعندما توفي الامام الحسن العسكري دون ان يخلف ولدا ظاهرا تستمر الامامة فيه بصورة عمودية الى يوم القيامة ، وجد أصحاب جعفر بن علي الهادي في ذلك دليلا على عدم صحة إمامة العسكري، كما وجد أصحاب الامام موسى الكاظم في وفاة عبد الله الأفطح دون ولد ظاهر ، دليلا على عدم صحة إمامته ، وانتقلوا الى القول بإمامة موسى الكاظم ، كذلك انتقل قسم من القائلين بإمامة العسكري الى القول بإمامة أخيه جعفر ، خاصة بعد وفاته دون خلف ظاهر. ولكن قسما آخر أصر على افتراض وجود ولد له ورفض إمامة جعفر ، وكان منهم أبو هاشم الجعفري الذي قال في البداية ان الامام الجواد ذكر له أسماء الأئمة واحدا واحدا حتى الحسن العسكري وانه قال (أشهد على رجل من ولد الحسين لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر أمره فيملأها عدلا كما ملئت ظلما وجورا). ولم يحدد هوية الامام الأخير.[14] ونقل عن الامام الهادي انه قال: (الخلف من بعدي الحسن ، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟! فقلت: ولم جعلني الله فداك؟ فقال: لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره ، فقلت: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا الحجة من آل محمد). [15]

   وكما يلاحظ فان أبا هاشم الجعفري لم يحدد في هاتين الروايتين هوية الامام الجديد بعد العسكري ، ولكنه عاد بعد ذلك ليقول ان الامام العسكري قال له من قبل عندما كان معه في السجن أيام المهتدي: انه سيرزق ولدا . [16]

   وفي هذه الرواية ما هو ظاهر من دعوى علم الامام بالغيب وإخباره عن ولادة ولد له في المستقبل ( وهذا ما لا يعلمه الا الله).

   ومع ذلك فان الجعفري يكاد يعترف بجهله بوجود ولد للامام وتاريخ ولادته فيقول في رواية أخرى انه قال للامام العسكري يوما: جلالتك تمنعني عن مسألتك فتأذن لي في ان أسألك؟ قال : سل، قلت: يا سيدي هل لك ولد؟ قال : نعم ، قلت : فان حدث حدث فأين أسأل عنه؟ فقال: بالمدينة. [17]

  وهنا لا يقول انه شاهد ابن الامام العسكري ، ولا أنه الامام بعد أبيه . واذا لم يكن الجعفري يدعي مشاهدته او اللقاء به فكيف عرف أنه الامام؟ وكيف اصبح باباً له أو نائباً عنه؟ واذا كان هو يقول بأن ابن العسكري لا يُرى فكيف ادعى النواب الخاصون اللقاء به والنيابة عنه أيضا؟

   والمشكلة في هاتين الروايتين ان الشيخ الطوسي يرويهما بلا سند عن سعد بن عبد الله الأشعري وهو من أقطاب الفريق القائل بوجود الولد والمتحالف مع أدعياء النيابة الخاصة (النواب الأربعة) مما يحتمل اختلاقه لتلك الروايات ونسبتها الى الجعفري.

   ويقول السيد ابن طاووس في (ربيع الشيعة):ان أبا هاشم داود بن القاسم الجعفري كان من سفراء صاحب الأمر وأبوابه المعروفين الذين لا يختلف الامامية القائلون بإمامة الحسن بن علي (ع) فيهم.[18]


   ومع ان علماء الاثني عشرية اعتبروا أبا هاشم الجعفري من الثقاة ، ولم يتوقفوا عند رواياته الأسطورية المخالفة لكتاب الله المجيد ، والتي تدعي علم الأئمة بالغيب ، ولم يحققوا في دعاواه الأخرى التي لا يمكن إثباتها من أي طريق لأنها تتحدث عن علم الأئمة بما في داخل نفسه ، الا ان الكشي ذكر في ترجمته (أن روايته تدل على ارتفاع في القول) أي غلو ، وان الطوسي ذكر في ترجمته في الفهرست: انه كان مقدما عند السلطان! وهاتان الشهادتان تخدشان في عدالته فكيف تقبل شهادته بعد ذلك؟ وكيف يمكن بعد ذلك ان نطمئن الى رواياته الغامضة والمشكوك فيها وان نصدق دعواه بوجود ولد للامام العسكري؟ وأنه الامام المهدي؟ خاصة اذا ثبت انه كان يدعي النيابة عن ذلك الولد الغائب الذي لم يظهر له أي وجود طيلة أكثر من ألف عام؟

  وكيف يمكن ان نعتبره شخصا موثوقا ونسلم برواياته في موضوع شائك كموضوع وجود ولد للامام العسكري الذي لم يعترف بهذا الأمر أمام الناس ليكون حجة عليهم؟

   ألا يجدر بنا ان نقول كما قال الشيخ الطوسي في الرد على روايات الفرق الشيعية الأخرى التي ادعت مهدوية وغيبة عدد من أئمتها ، وجاءت بروايات مختلقة او ضعيفة: بأن (هذه كلها أخبار آحاد لا يُعوَّل على مثلها في هذه المسألة ، لأنها مسألة علمية)؟ [19]



ان كل الدلائل التاريخية تشير الى عدم وجود ولد للامام العسكري ، وان القول بوجود ولد له تم بعد وفاته على سبيل الافتراض الفلسفي الظني ، وكان يلف القائلين بذلك شك كبير لوجود مصالح مادية لهم. وكان بعضهم يحتج بروايات الجعفري وهو لم يدع رؤية الولد او اللقاء به ، فضلا عن وجود الشك بشخصه وبرواياته المليئة بالغلو والمعاجز الاسطورية.

    



[1]  - راجع شبكة العراق الثقافية:

http://www.iraqcenter.net/vb/showthread.php?t=2539&highlight=%C7%E1%DA%C7%E3%E1%ED+%C7%E1%DF%C7%CA%C8+%C7%E1%E3%E5%CF%ED

[2]  - (دفاع عن الكافي: 1  /546.)