رسالة الى
القرضاوي بشأن تصريحاته الأخيرة حول الشيعة وردود الفعل الغاضبة عليها
الى فضيلة العلامة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي
حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته
نعبر لكم عن أسفنا عن الجدل الذي ثار بينكم وبين بعض الأخوة
الشيعة حول مقابلتكم الصحفية مع جريدة "المصري اليوم" والتي عبرتم فيها
عن رفضكم لنشر التشيع في البلاد السنية الخالصة، ووصفتم فيها الشيعة بالمبتدعة،
وقلتم بأنهم لا يؤمنون بسلامة القرآن من التحريف ويؤمنون بالتقية، وما تلاها من
ردود فعل غاضبة من قبل بعض العلماء الشيعة كالشيخ التسخيري
والسيد محمد حسين فضل الله. كما نأسف لتطاول وكالة الأنباء الإيرانية "مهر" على شخصكم الكريم آملين
عفوكم وتسامحكم وتعاملكم معها بلطفكم وسعة صدركم، من أجل تفويت الفرصة على
المتربصين الذين يحاولون اشعال الفتنة بين المسلمين
والصيد في الماء العكر.
ونحن إذ نقدر دوركم الكبير في ترسيخ مباديء
الوحدة الاسلامية
ونشرالديموقراطية في
العالم الاسلامي، نرى إن إثارة الجدل حول "الغزو
الشيعي" ورفض الدعوة للمذاهب في البلاد "الخالصة" يتعارض مع الحرية
الفكرية والمباديء الديموقراطية وروح الوحدة الاسلامية.
وكما تعرفون فان الأمة الاسلامية
ورثت تراثا سلبيا ثقيلا من القرون الماضية ، ورغم محاولات الكثير من أبنائها
المخلصين تجاوز ذلك التاريخ وطي صفحات الماضي والتخلص من النظريات والأفكار
السلبية والتطور نحو الأمام، الا ان الأسماء والعناوين
التاريخية لا تزال تشوه صور الطوائف وتخرب العلاقة بين المسلمين ، فقد آمن فريق من
الشيعة في الماضي السحيق بنظرية الامامة الإلهية لأهل
البيت والنص والوصية لهم من الرسول الأكرم، وغالى بعضهم بناء على ذلك فاتخذ موقفا سلبيا من الصحابة الذين لم يعملوا
بالنص حسب رأيهم، أو جاء بآيات محرفة من القرآن للاستدلال على رأيهم، ولكن عامة
الشيعة قديما وحديثا أدانوا تلك المحاولات وأكدوا احترامهم لعامة الصحابة الذين
اعتبروهم "تركوا الأفضل" ولم يتهموهم بمعصية الرسول أو الردة – لا سمح
الله – كما أنهم رفضوا وأدانوا القول بتحريف القرآن، وأجمعوا على سلامته من
التحريف. ورغم انقطاع الأئمة من أهل البيت منذ أكثر من ألف ومائتي عام، الا أن بعض كتب التراث القديمة ظلت تحمل في طياتها أقوال
الغلاة والمتطرفين، ولا علاقة لعامة الشيعة بها وهم ليسوا مسئولين عنها وربما لم
يسمعوا بها أبدا. وقد اقترب عامة الشيعة مؤخرا مع اخوانهم
من أهل السنة فقالوا بنظرية الشورى أو ولاية الفقيه، أو الديموقراطية، وتخلوا
عمليا عن نظرية الإمامة الإلهية القائمة على النص والوراثة، واتفقوا مع اخوتهم
السنة في أكثر من بلد على إقامة نظام سياسي مشترك واحد وعادل ، ولا يزال السنة
والشيعة في كثير من البلاد الاسلامية يناضلون من أجل
إقامة العدل والمساواة والديموقراطية وتحرير بلادهم من المستعمرين والغاصبين
والظالمين. بحيث لم تعد بينهم أية قضية خلافية جوهرية وأساسية، ولا يهتمون كثيرا
بتبديل هوياتهم الطائفية القديمة التي يحاولون التخلص
منها ومن آثارها التاريخية السلبية وعناوينها المضرة.
واذا كان بعض الحشويين
والمتطرفين الذين يعيشون معارك الماضي ويتبنون الفكر الطائفي ويعملون من أجل نشره
في الأوساط الشيعية أو السنية، فانهم لا يعبرون عن موقف عامة المسلمين ولا يشكلون
نسبة كبيرة بينهم. وإذا كانوا يستفزون الآخرين فانهم لن يفيدوا أحدا.
وفي الوقت الذي نرى بأنهم
يعبثون بالوحدة الاسلامية، نرى أن مباديء
الديموقراطية تقتضي التسامح معهم حتى لو قاموا بالتبشير بأفكارهم في البلاد
"الخالصة" أو المختلطة طائفيا، ونحن على يقين أنهم لن يغيروا شيئا من الواقع السياسي والاجتماعي
للمسلمين، ولن يقدموا ولن يؤخروا.
ونؤكد مرة أخرى تقديرنا لموقفكم الثابت المؤمن
" بوحدة الأمة الاسلامية بكل فرقها وطوائفها
ومذاهبها التي تؤمن بكتاب واحد وبرسول واحد وتتجه الى
قبلة واحدة". وقد أعجبنا تفسيركم لحديث "الفرقة الناجية" بأنها
جميع الأمة الا من انشق عن الاسلام
تماما وبصورة قطعية، وذلك خلافا لبعض التفسيرات الضيقة التي تحاول إخراج الغالبية
العظمى من المسلمين من الاسلام، وتتهم حتى الأشاعرة
(المالكية والشافعية) والأحناف (الماتوريدية) فضلا عن المعتزلة، والشيعة والإباضية،
بالخروج عن السنة والفرقة الناجية. وندعوكم الى إعادة
النظر بسند هذا الحديث وبتعريف أهل السنة وأهل البدعة وأهل الضلال ، حيث لا يزال
البعض يفسره كما يشاء بعيدا عن القرآن الكريم، تمهيدا لاحتكار السلطة والثروة في
الدنيا ومصادرة حقوق الآخرين وحرياتهم وفرض الاستبداد عليهم واقصائهم
من المشاركة السياسية.
وفي اعتقادنا أن المشكلة لا تكمن بالاعتراف
بوجود شبهات وانحرافات وأخطاء وبدع لدى
السنة أو الشيعة، فهذا واقع مشهود في كل مكان، ولكن المشكلة تكمن في التعميم والاطلاق على كل من يحمل اسما طائفيا، وعدم ملاحظة التطورات
الجذرية والحركات الاصلاحية والعمليات النقدية والنوايا
الطيبة والمواقف الشخصية لأبناء المذاهب المختلفة، والتشبث بأقوال بعض المحسوبين
على المذاهب أو الكتب القديمة لهم، رغم تبرؤ الأجيال الحديثة والمعاصرة من
المنحرفين والغلاة والمتطرفين الغابرين.
وأخيرا نرجو من الله أن يوفقكم
لتعزيز الوحدة الاسلامية وتكريس الديموقراطية ومنهج
الحوار الحضاري بين المسلمين. إنه سميع مجيب
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته
أحمد
الكاتب
لندن
20/ 9 / 2008