هل تتدخل المرجعية الدينية مرة أخرى في تأليف القوائم الطائفية المغلقة في الانتخابات البرلمانية العراقية القادمة؟

 

أحمد الكاتب

 

لأن التجربة الديموقراطية العراقية جديدة فمن الطبيعي أن تقع في أخطاء.

ومن الأخطاء التي وقعت فيها التجربة خلال الانتخابات التشريعية الماضية، وأثرت عليها سلبا، وكادت تعصف بها تماما، هو تشكيل القوائم الائتلافية الطائفية والقومية، وهو ما أدى الى انتخاب عناصر ضعيفة من النساء والرجال، الذين لم يتعرف عليهم المواطن العراقي الشيعي أو السني أو العربي أو الكردي بصورة شخصية، في كل منطقة، ولم يبن معهم علاقات وثيقة، وانما اضطر الى انتخابهم ضمن قوائم لم يكن له دور في تشكيلها، كما لم يكن للأحزاب التي دعمت تلك القوائم دور كبير في تشكيلها، أو بالأحرى لم يكن لقواعد تلك الأحزاب دور في اختيار ممثليها في تلك القوائم، وانما تم الاتفاق بين زعماء التنظيمات والأحزاب في غرف مغلقة على توزيع الحصص والأسماء في تلك القوائم. وبالنسبة لقائمة الائتلاف العراقي (الشيعي) التي تعد من أكبر القوائم، يقال أن المرجعية  الدينية الشيعية ممثلة بمرجعية السيد السيستاني، لعبت دورا في تأليف القائمة ورعايتها وتوزيع الحصص بين الأحزاب والمستقلين. ورغم أن المرجعية الشيعية حاولت أن تضم الى قائمة الائتلاف الأولى التي تشكلت لانتخاب أعضاء المجلس التأسيسي الذي صاغ الدستور، بعض الأسماء السنية، إلا انها فشلت في إبعاد الصبغة الطائفية (الشيعية) عنها، وذلك لمحدودية الأسماء السنية المشاركة، ولمقاطعة كثير من الأحزاب السنية العملية الديموقراطية برمتها، ومقاطعة أي نائب سني مشارك في قائمة شيعية بالخصوص.

ومن المعروف أن قائمة الائتلاف الشيعي الموحد حاولت أن تظهر حجم الشيعة في العراق، وأن تهيمن على القرار السياسي باعتبارها تمثل أكبر شريحة شعبية، وتحظى بأكبر نسبة برلمانية تتيح لها الحكم بمفردها، ولكنها واجهت اصطفافا طائفيا سنيا مضادا، حتم عليها التنازل عن القوانين الديموقراطية وقبول منطق المحاصصة الطائفية، أي مشاركة السنة في الوزارة والحكم والإدارة والجيش، منعا لانتشار شعور سلبي لدى السنة بالتهميش والإقصاء التام، الأمر الذي كان كفيلا بتأجيج نار حرب طائفية كانت مستعرة أساسا.

  ولا نريد هنا أن نلقي باللوم بتأجيج الفتنة الطائفية على عاتق قائمة الائتلاف الموحد المغلقة والمرجعية الدينية التي رعتها، فربما كانت الأجواء الطائفية التي أعقبت سقوط نظام صدام، كفيلة بانتخاب النواب من نفس الأحزاب الفائزة كحزب الدعوة والمجلس الأعلى والفضيلة والتيار الصدري وما الى ذلك، ولكن تكتل نواب الائتلاف في قائمة واحدة أضفى عليها ثوبا طائفيا شيعيا صارخا، وربما لو كانت الانتخابات تتم بصورة شخصية وفي كل منطقة على حدة، لكانت الصورة تختلف بعض الشيء، وكانت تسمح بصعود وجوه مختلفة لا تنحصر بتلك الأحزاب المعروفة بأيديولوجيتها الشيعية، كما حصل في الانتخابات المحلية في بداية هذه السنة، حيث أتيحت الفرصة لبعض الوجوه الوطنية والعلمانية للفوز.

  وعلى أي حال، فربما أدرك الجميع وحتى المرجعية الدينية أن أسلوب القوائم المغلقة كان خطأ غير ديمقراطي، أفرز نوابا ضعافا تم حشرهم  في قائمة واحدة بصورة غير ديموقراطية، إضافة الى تعزيز الصبغة الطائفية. وإذا كان لذلك الأسلوب ظروفه الخاصة، فان المنطق الوطني يفرض تفتيت القوائم الطائفية وتشكيل   أحزاب أو ائتلافات سياسية وطنية، تحكم بمنطق الأغلبية الديموقراطية وتتجنب المحاصصة الطائفية، وتعطي رئيس الوزراء السلطة الكاملة في اختيار الوزراء والحق في إقالتهم بعيدا عن المعادلات الحزبية الطائفية. والأهم أنها تسمح بتبوء المناصب السيادية العليا على أساس الكفاءة والأغلبية السياسية، وليس بناء على المحاصصة الطائفية والقومية كما هو الآن، حيث يتم انتخاب رئيس الجمهورية من طائفية وقومية معينة (سني كردي مثلا) ويتم انتخاب نائبين عربيين سني وشيعي، ويتم انتخاب رئيس الوزراء من طائفية وقومية معينة (شيعي عربي مثلا) مع نائبين كردي وسني، ويتم انتخاب رئيس البرلمان من طائفة وقومية معينة (سني عربي مثلا) مع نائبين كردي سني وشيعي عربي.. وهكذا في الوزارات والسفارات ودوائر الدولة الأخرى.

ورغم أن الدستور العراقي الحديث لا ينص على المحاصصة أو الطائفية أو القومية، إلا ان المنطق الطائفي فرض نفسه على العملية الديموقراطية، وشلها عمليا، أو أعاقها وأثر سلبا على عملية إدارة الدولة.

 ولو أمعن كثير ممن استسلم لعواطفه الطائفية، في حقيقة الطائفية والديموقراطية، لأدرك استحالة الجمع بينهما، وذلك لأن الديموقراطية تقتضي المساواة بين جميع المواطنين وعدم التمييز بينهم، وان الطائفية وهم لا يسمن ولا يغني من جوع، فماذا يهم لون الحاكم أو الوزير الطائفي إذا كان عادلا وأمينا وديموقراطيا؟ وماذا يهم لونه إذا كان مستبدا ولصا وخائنا؟ وإذا كانت هنالك مخاوف من استغلال أي حاكم أو مسئول لمنصبه وتغليب طائفة على أخرى، فان هذه المخاوف تفرض نفسها حتى في داخل الطائفة الواحدة بين حزب وآخر، خاصة إذا كانت الأجواء استبدادية، ولا دور للشعب ولا لمجلس البرلمان، وأما إذا كانت الأجواء ديموقراطية والمؤسسات الدستورية فاعلة، والأحزاب متعددة والقضاء مستقلا، والصحافة حرة، والجماهير واعية ومتابعة، والانتخابات الحرة مكفولة، فان تلك المخاوف لا تجد طريقها للتحقق، ويصعب على أي حاكم أن يستغل منصبه لصالح طائفة أو قومية أو حزب، لأنه سوف يجابه بمعارضة برلمانية أولا ثم شعبية ثانيا، وسوف يسقط في الانتخابات القادمة، ويحاسب على أخطائه سياسيا وقضائيا. إذن فما ذا يهم لون الحاكم الطائفي؟ سواء كان شيعيا أم سنيا؟ وماذا يعني ذلك في مقابل أن يكون ديموقراطيا أو مستبدا؟ وهل يمكن أن نقبل حسب المنطق الطائفي بحاكم شيعي أو سني إذا كان مستبدا وسارقا؟ أم نصر على كونه عادلا وأمينا وديموقراطيا بغض النظر عن هويته الطائفية؟

لقد صدرت في الآونة الأخيرة تصريحات لبعض رجال الدين الطائفيين (كالسيد صادق الشيرازي وصدر الدين القبنجي وجلال الدين الصغير) بأن الشيعة أكثرية في العراق وان لهم الحق بحكم العراق وحدهم لكونهم أغلبية، ولكنها أثارت امتعاض رئيس الوزراء السيد نوري المالكي الذي اعتبرها تصريحات مثيرة للفتنة الطائفية، واستدعت ردا من المرجع السيد علي السيستاني (حسب تصريح ممثله في بيروت حامد الخفاف) الذي رفض الحكم على أساس الأغلبية الطائفية أو القومية، وأكد على ضرورة الحكم على أساس الأغلبية السياسية، وهذا هو منطق الديموقراطية اللاطائفية، والذي يقتضي تشكيل ائتلاف عريض من مختلف الطوائف بعيدا عن المحاصصة الطائفية، أي يضم الجميع دون أن يميز شخصا أو فريقا بهوية طائفية، حتى يتم التعامل مع أي مسئول حسب عمله وسلوكه وليس على أساس هويته الطائفية لا سلبا ولا إيجابا. فإذا قام بعمل مجيد أو إنجاز عظيم يحسب لحسابه الخاص، وإذا قام بعمل مشين يعاقب وحده من دون زج طائفته معه، ومن دون السماح له بالتحصن بالطائفة للتهرب من المحاكمة والعقاب.

  وللوصول الى هذا المستوى المتقدم من الديموقراطية، يحتاج العراق الى سن قانون أحزاب لا طائفية، منفتحة على جميع المواطنين، على أسس واضحة وقانونية، بدل الأحزاب الراهنة المغلقة والمرتهنة لإرادة أشخاص وقيادات تاريخية، وذلك بوضع أفكار وبرامج مميزة لكل حزب، وفتح المجال لأي مواطن بالانتماء الى تلك الأحزاب والترشح للمناصب القيادية والبرلمانية، من دون ذكر للهوية الطائفية، وهكذا نستطيع بناء أحزاب وطنية تضم أبناء السنة والشيعة العرب والأكراد والتركمان، وتذوب كل الفوارق في بوتقات وطنية.

وفي الوقت الذي نأمل أن يتعظ السياسيون العراقيون من تجربتهم السابقة الطائفية المرة ، ويسيروا في الاتجاه الوطني الديموقراطي، وفي الوقت الذي نرى بعض الإشارات البارزة على هذا الاتجاه من بعض الأحزاب الإسلامية كحزب الدعوة والحزب الإسلامي، فانا نرى حزب المجلس الأعلى يسير في الاتجاه القديم، حيث نقل عن رئيسه السيد عبد العزيز الحكيم أنه يفضل تشكيل الائتلاف العراقي الموحد وإعادة الروح الى مكوناته التي تشرذمت خلال السنوات الماضية أو دخلت في صراعات داخلية فيما بينها، ومما يؤكد ذلك تصريحات بعض قيادات المجلس كالقبنجي والصغير بضرورة حكم الأغلبية الشيعية للعراق.

  وبالرغم من أن السيستاني عبر عن رأيه بضرورة الحكم على أساس الأغلبية السياسية لا الطائفية ولا القومية، فقد نقلت مصادر أخرى عنه أو عن مكتبه رأيا آخر معاكسا نفت فيه الرأي السابق، مما خلق ارتباكا في فهم موقف المرجع السيستاني نفسه الذي يلوذ بالصمت في أغلب الأحيان ولا يصدر عنه موقف صريح في كثير من القضايا، إلا عبر متحدثين غير رسميين يقال انهم قريبون من مكتبه، مما يسمح بإثبات موقف ونفيه في نفس الوقت، ويكشف في بعض الأحيان عن اختلاف وجهات النظر بين أفراد الحاشية المحيطين بالسيستاني، الذين يعبرون عن آرائهم أكثر مما يعبرون عن رأي السيد السيستاني. ومما يساعد على هذا الغموض اعتزال السيستاني لوسائل الإعلام، وعدم إيمانه بالتصدي المباشر للأمور.

ومن المعروف ان السيد السيستاني لا يؤمن بنظرية ولاية الفقيه، ومع أنه لعب دورا كبيرا في رسم الدستور العراقي الحديث وإقراره، إلا انه لم يضع دورا معينا للمرجعية الدينية في الهيمنة على الدستور أو العملية الديموقراطية، بل طلب من رجال الدين الشيعة عدم تولي أية مسئولية تنفيذية في الدولة العراقية، ولكنه احتفظ لنفسه بدور إرشادي توجيهي في القضايا الاستراتيجية العامة، كضرورة انتخاب مجلس دستوري وبرلماني وإجراء انتخابات حرة، والإشراف على تأليف قائمة الائتلاف العراقي الموحد في الانتخابات الماضية.

 وإذا كان صحيحا ما نقل عنه من امتعاضه من أداء أعضاء قائمة الائتلاف الموحد في البرلمان، فانه يفترض فيه أن لا يتدخل مرة أخرى في رعاية أي ائتلاف أو قائمة طائفية، خصوصا إذا كانت مغلقة، وأن يترك الأمر للشعب العراقي أن يختار نوابه بنفسه في كل محافظة ودائرة انتخابية، حتى يبرز النواب الأكفاء من ناحية، وتختفي الصفة الطائفية عنهم من ناحية أخرى. وفي الحقيقة لا توجد أية مؤشرات علنية عن تبني السيستاني للتجربة السابقة مرة أخرى. ولكن يدور همس في أوساط مقربة من السيستاني أنه يعمل على تكرار تجربة الائتلاف السابقة، وربما كان هؤلاء المقربون يعملون من وحي أنفسهم، أو بتأثير من إيران أو بعض القوى فيها، التي تحاول التأثير في العملية الديموقراطية العراقية، واختيار نواب مقربين من إيران من أجل التأثير في عملية انتخاب رئيس الوزراء ومناصب الدولة السيادية الأخرى. ويقال بأن إيران تدعم بالمال المجلس الأعلى أو بعض القيادات فيه كالسيد عمار الحكيم رئيس منظمة شهيد المحراب، وانها تفضل أن يأتي على رئاسة المجلس الأعلى شخص معمم (رجل دين) من آل الحكيم، خصوصا مع احتمال غياب رئيسه الحالي السيد عبد العزيز الحكيم الذي يعاني من مرض السرطان. وأن إيران تستخدم مرجعية السيستاني، وأية مرجعية أخرى بعد السيستاني، بما توفره من مال وما تملكه من نفوذ في الحوزة (خصوصا عبر الشيخ محمد مهدي الآصفي) وما تتمتع به من علاقات مع كثير من الأحزاب والقيادات الحزبية، ان إيران تستخدم كل ذلك للتأثير على العملية الديموقراطية والتدخل فيها بواسطة تشكيل قوائم مغلقة مرتبة مسبقا، ولا مجال فيها لحدوث مفاجئات بانتخاب نواب مستقلين بعيدين عن النفوذ الإيراني.

  وهنا يتحدث البعض أيضا عن دور بعض الأحزاب والقيادات العراقية (كالشيخ الآصفي الناطق السابق باسم حزب الدعوة، والسيد كاظم الحائري زعيم خط الولاية، وحزب الدعوة تنظيم العراق) التي لا تؤمن بقوة بالمشروع الديموقراطي، ولا تزال تتمسك بنظرية ولاية الفقيه وقيادة الخامنائي كولي لأمر المسلمين، أو تعتبر إيران عمقا طائفيا للشيعة في مقابل النفوذ الأميركي على الأقل، وبالتالي فان تلك الأحزاب والقيادات العراقية لا تمانع بالتعاون مع إيران والذوبان فيها، وخاصة انها تشك بامتلاكها قاعدة شعبية تؤهلها للترشح بصورة مستقلة بعيدا عن النفوذ الإيراني، وبالتالي فإنها تفضل القائمة الطائفية المغلقة التي تسمح لها بالفوز بدلا من الترشح الفردي المعتمد على قوة الشعب والعلاقات الوثيقة معه.

ويبدو ان التدخل الإيراني في الانتخابات العراقية، عبر المرجعية الدينية، سوف يستمر في المستقبل بدرجة أو أخرى، ولن يتوقف إلا إذا تم سن قانون جديد للانتخابات، ووضع قانون جديد للأحزاب، وإلا إذا تنامى وعي شعبي وطني لا طائفي في عموم العراق.

 

 

نديم الجابري يدعو الى سن تشريع يحول دون قيام احزاب على اسس طائفية

 

اخبار العراق

 

 

تاريخ النشر       03/06/2009 11:19 AM

 

بغداد (اخبار العراق) دعا الامين العام للتيار الوطني المستقل النائب نديم الجابري الى سن تشريع يحول دون قيام احزاب او كتل نيابية قائمة على اسس فئوية او طائفية .
وقال ان "حكم الاغلبية الفئوية او حكم الاقلية الفئوية لا يتفق مع مبدأ المواطنة التي اسست بموجبها الدول الحديثة . كما انه لايتفق مع اليات الديمقراطية الحديثة التي تقوم على اساس المواطنة وحكم الاكثرية السياسية".
واضاف:" اننا نرى من الضرورة ان يحكم العراق باغلبية سياسية منبثقة من برلمان منتخب من الشعب بصورة نزيهة وشفافة . وهذه الطريقة في حكم العراق تقضي اجراء التعديلات الدستورية والقانونية واهمها تعديل المادة 3 من الدستور التي تشير الى ان العراق دولة المكونات الفئوية والاستعاضة عنها بالاشارة الى ان العراق دولة مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات".
واكد الجابري تاييده لراي السيد علي السيستاني بشان حكم العراق باغلبية سياسية
وقال : " نؤيد ما ورد في بيان المرجع السيد علي السيستاني اذ ان العراق لا يحكم بموجب مبدأ الاغلبية الطائفية او القومية مثلما لايحكم بموجب مبدأ الاقلية الطائفية او العرقية ، فهذه الاليات تتعارض مع بنية المجتمع العراقي ومستوى تمدنه".
وكان مدير مكتب المرجع الديني السيد علي السيستاني في بيروت حامد الخفاف اكد :" ان المرجع الاعلى السيد علي السيستاني ما يزال عند رأيه بان العراق لا يمكن حكمه عبر أغلبية طائفية او قومية وانما يحكم عبر أغلبية سياسية تمثل مختلف الشرائح العراقية عبر صناديق الاقتراع