مقاومة الاستبداد.. أولى من مقاومة التشيع

أحمد الكاتب

جاء تصريح مفتي مصر الشيخ علي جمعة بأن الشيعة طائفة متطورة ولا حرج من التعبد على مذاهبها في الوقت الذي يعد مجلس الشعب المصري مشروع قانون لمحاصرة القنوات الدينية الفضائية التي تروج للتشيع ولخطاب حزب الله اللبناني، فقد أعلن د.مصطفى الجندي عضو مجلس الشعب المصري عن الحزب الوطني الحاكم في  26 -1 – 2009 عن ذلك المشروع وكشف أن الشيخ على عبد الباقي أمين عام مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر اتفق معه في ضرورة محاصرة المد الشيعي في مصر خاصة في الفضائيات. ونقل عن الشيخ عبد الباقي  اتهامه لأساتذة من الجامعات بالترويج للتشيع في مصر من خلال فتاواهم في الفضائيات"."

 ومن هنا كان تصريح مفتي مصر مخالفا للسياسة المصرية والإعلام المصري الذي ما فتئ يعبئ الرأي العام ضد الشيعة وحزب الله وإيران. وكشف  أن الخوف من التشيع سياسي بالدرجة الأولى وبسبب الخطابات التي وجهها السيد حسن نصر الله للشعب المصري للتظاهر وفتح معبر رفح أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة. وبالرغم من عدم وجود مادة للدعاية الشيعية في خطاب نصر الله، فقد اعتبر النظام المصري توجيه الخطاب للتظاهر أو التمرد  عملا شيعيا بامتياز ودعاية مرفوضة. ونسي النظام  بأن الدعوة لفتح معبر رفح لم تقتصر على نصر الله أو إيران، وانما صدرت من كثير من الأحزاب والشخصيات الإسلامية في كل مكان حتى من السعودية وما يعرف بالسلفية الذين حكم بعضهم  بالكفر على من يوالي اليهود أو يحول دون وصول المساعدات للشعب الفلسطيني المحاصر. وإذا كان ثمة من خطر في تصريحات السيد نصر الله على النظام المصري فليس لأنه شيعي وانما لأنه ينطق بما يطالب به كل مسلم أو إنسان له ضمير. ولن يستطيع أي قانون أن يقف دون وصول صوت الضمير الى  الشعب المصري، كما لن يستطيع حماية المواقف الخاطئة المؤيدة لحصار الشعب الفلسطيني في غزة. وقد كان من الأولى بنواب الشعب المصري التصدي للعدوان الإسرائيلي بدلا من مقاومة التشيع.

  ولا أعرف ما هو التشيع الذي يحاول النظام المصري مقاومته؟ هل هو تشيع المقاومة ونصرة الشعب الفلسطيني المظلوم؟ أم التشيع النظري التاريخي والفقهي؟ وماذا يشكل هذا الأخير من خطر على النظام المصري؟

  من الواضح وجود نوعين من التشيع في هذه الأيام، الأول هو التشيع النظري التاريخي، والثاني التشيع السياسي الثوري والمقاوم. وان التشيع الذي يشكل خطرا على الأنظمة المتخاذلة والمتحالفة مع إسرائيل ليس التشيع التاريخي وانما التشيع السياسي المقاوم. وان بعض الأنظمة تستغل بعض الثغرات والسلبيات في التشيع التاريخي لكي تهاجم التشيع السياسي المقاوم، ولكنها لا تستطيع الوقوف أمامه لأنه يلقى تجاوبا كبيرا لدى الشعوب العربية، في الوقت الذي تضرب فيه تلك الأنظمة  أبشع الأمثلة في التخاذل والانبطاح أمام الأعداء. إذن فإن من الأفضل لها أن ترفع راية المقاومة وتقوم بواجباتها الوطنية وتنسجم مع شعوبها وتمثل إرادتها وتستمع لصوتها، وعندها لن يستطيع أي خطاب خارجي لا شيعي ولا غير شيعي أن يهزها أو يهددها.

وكان الشيخ علي جمعة قد صرح قبل ثلاث سنوات أيضا بعدم وجود فرق بين السنة والشيعة في أمور الدين، وأن لا خلاف على الأساسيات  في الدين. وأن الخلاف بينهما بسيط يدور حول الأحاديث النبوية والصحيح المعتمد لكل منهما.

   وبالرغم من تأييدي لفضيلة مفتي مصر في ملاحظته حدوث تطورات لدى الشيعة، فإني أود أن ألف نظره ونظر الاخوة من أهل السنة بأن التطورات التي أشار اليها لم تحدث خلال العام الماضي، من خلال بعض الفتاوى أو المواقف التي أصدرها علماء شيعة بمنع سب الصحابة وما شابه، فإن هذه الفتاوى صدرت من علماء كثيرين منذ زمن طويل ، وخصوصا في مؤتمر النجف الذي انعقد  في شوال من عام 1156هـ الموافق لكانون الأول عام 1743م ولكن هذا لم يكن التطور الأهم والأكبر الذي حدث في الفكر الشيعي، وإنما سبقته ولحقته تطورات جذرية كثيرة. فقد أجمع الشيعة قبل ألف عام على عدم تحريف القرآن الكريم، ورفض الروايات المشبوهة المتسللة الى تراثهم من قبل الضعاف والغلاة، وذلك بعد أن قاموا بعملية تصفية وغربلة للأحاديث التي وصلتهم من هنا وهناك. ثم فتح الشيعة باب الاجتهاد وقاموا على ضوء ذلك بمراجعة كثير من الأفكار والنظريات الموروثة.

ولعل من أهم ما قاموا به من تصحيح هو الموقف من نظرية الإمامة الإلهية واشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الإمام، وتحريم إقامة الدولة الإسلامية لغير الإمام المعصوم، ذلك الموقف الذي ظلوا يتمسكون به قرونا طويلة من الزمن، انتظارا لخروج الإمام الغائب "المهدي المنتظر" حتى قالوا بجواز حكم الفقيه العادل،  وهو ما يعرف  بنظرية "ولاية الفقيه" التي لا تشترط العصمة ولا النص في الإمام. ثم قاموا بخطوة أخرى نحو الأمام بعدم اشتراط الفقه في الإمام وأجاز بعض فقهائهم حكومة المؤمن العادل على أساس الشورى والانتخاب العام.

وحل الشيعة بذلك أكبر عقدة بينهم وبين اخوتهم السنة، والتي كانت تتمثل في الخلاف القديم حول شروط الإمامة ومواصفات الإمام، فاتفقوا معهم على الحياة في ظل نظام دستوري موحد يوفر العدالة والفرص للجميع.

  ومع هذا التطور الجذري الكبير أصبح الخلاف السني الشيعي محصورا في التاريخ، و لم يعد يفصل بين الشيعة والسنة أي خلاف جوهري ما عدا بعض القشور والمسائل الفقهية الجزئية، وهي أمور موجودة في داخل كل مذهب وبين هذا الفقيه وذاك.

ومع إيمان الشيعة بالشورى أو الديموقراطية لم يعودوا ينظرون الى التاريخ الإسلامي الأول نظرة سلبية لأن الصحابة لم يلتزموا بالنص وقاموا بممارسة الشورى طريقا لانتخاب الإمام، كما كان يقول الإمامية سابقا، بل أصبح كثير من الشيعة يمجد عملية الشورى ويعتبرها الحل الأفضل والأصوب، وأعاد كثير من الشيعة نظريتهم حول النص على الإمام علي بالخلافة، فنفوا ان يكون النص من النبي الأكرم على الإمام علي نصا جليا صريحا، بحيث يجرم من خالفه ويعتبر معاندا لله والرسول، وقالوا انه كان نصا خفيا بالإشارة الى فضل الإمام علي، وأن المسلمين كانوا بالخيار بين اختيار الإمام أو اختيار غيره، وبالتالي فلا مشكلة مع الصحابة الذين اختاروا أبا بكر وعمر عثمان، لا سيما وأن الإمام  علي رضي بحكمهم وبايعهم ونصح لهم.

وهذا موقف ليس بجديد وانما كان يقول به شرائح  من الشيعة في القرون الثلاثة الأولى، وهو موقف أئمة أهل البيت الذين لم يكن موقفهم سلبيا من الشيخين وعموم الصحابة.

  وعلى أي حال فإن موقف الشيعة الإمامية السلبي من الصحابة كان يقوم على شبهة النص الجلي وتحريم الشورى، أما وان عامة الشيعة اليوم قد تبنوا نظام الشورى وولاية الفقيه والنظام الديموقراطي فلم تعد لدى الغالبية منهم أية مشكلة في إعادة النظر من التاريخ والصحابة.

وأساسا لم يكن يشكل الموقف السلبي من الصحابة عقبة كأداء تستدعي إعلان الحرب بين المسلمين، في الوقت الذي كان يمكن حلها وتجاوزها، ولكن المشكلة الكبرى التي كانت ولا تزال تفرق المسلمين وتشعل الحروب بينهم، هي الديكتاتورية التي تدفع بالحكام المستبدين الى مصادرة حقوق الناس وثرواتهم وقمع شعوبهم والتآمر ضد مصالح أوطانهم، وهي مشكلة لا تخص السنة أو الشيعة ، ولا يمكن حلها ولا تجاوزها بإصدار فتوى أو الالتزام بموقف نظري معين، وإنما تتطلب حلا عمليا واقعيا، إذا لم نقل أنها تحتاج الى ثورة سياسية.

ان الأمة العربية والإسلامية لا تعاني من التشيع  حتى يأتي من يعلن التصدي لمقاومته، وانما تعاني من الديكتاتورية، وهي بالتأكيد في أشد الحاجة لمن يقاوم الاستبداد.