لكي لا
تذهب دعوات النصرة لغزة هباء منثورا
رئيس مجلس القضاء السعودي الشيخ صالح اللحيدان:" مظاهرات نصرة غزة استنكار
غوغائي يصد الناس عن ذكر الله ، حتى وإن لم يحصل فيها تخريب".
أحمد
الكاتب
اختلفت
ردود الفعل على العدوان الاسرائيلي على غزة، الصادرة من
قبل الدعاة والمشايخ وعلماء الدين الاسلامي في عدد من
البلاد العربية، بين المناداة بالجهاد أو الصمت أو إدانة التظاهر نصرة
للفلسطينيين، فقد دعا 40 داعية مصري الى الجهاد وأصدروا بيانا أكدوا فيه أن الجهاد المسلح هو
الخيار الإستراتيجي لاستعادة أرض فلسطين، وطالبوا الشعب المصري والعالم الإسلامي
بالقيام بـ"واجبهم الشرعي الذي يفرضه الإسلام"، وهو الجهاد في سبيل الله
وتقديم العون المادي للشعب الفلسطيني، وإعلان المقاطعة الاقتصادية والسياسية
والثقافية لإسرائيل ومن يساندها.
وأصدر
ثلة من العلماء في السعودية بيانا في مكة المكرمة يدين الجريمة البشعة التي
يقترفها الكيان الصهيوني بحق الفلسطينيين في غزة ، وأوضحواً: أن ما تقوم به المقاومة الإسلامية في فلسطين المحتلة؛ جهادٌ شرعيٌّ لا مرية فيه ولا شك، وأن نصرة
هؤلاء المجاهدين واجبة بالمال والسلاح واللسان والدعاء، وطالبوا الحكومات العربية
والإسلامية المسارعة إلى دعم حركات
المقاومة الإسلامية على الساحة الفلسطينية بكافة أنواع الدعم السياسي والاقتصادي
والعسكري، وبذل
كل الجهود الكفيلة برفع الظلم والعدوان عنهم،
كما طالبوا الحكومات
العربية والإسلامية الإعلان وبشكل صريح وعاجل عن سحب جميع مبادرات السلام المطروحة
والمقترحة، والانسحاب من أي اتفاقية سلامٍ مبرمة مع الكيان الصهيوني.
وفيما فضل قسم آخر من المشايخ والدعاة الصمت
تجاه العدوان الاسرائيلي قام قسم آخر منهم وخاصة من
موظفي وزارات الأوقاف والشئون الدينية بالدفاع عن موقف الحكومات العربية التي
التزمت بالحياد أو الانحياز ضد حركة حماس.
وقد
علل الداعية الشيخ صفوت حجازي، تأخر بعض العلماء في إعلان موقفهم مما يحدث في غزة
من عدوان إسرائيلي، بوقوعهم تحت القبضة الأمنية والسياسية.
وبالرغم من أن التظاهر يشكل أبسط وسائل التعبير
عن الغضب ضد اسرائيل وإعلان النصرة والتأييد للمقاومة
الفلسطينية والشعب الفلسطيني الذي يتعرض الى حرب إبادة،
وأن المظاهرات الغاضبة عمت مختلف أنحاء العالم حتى في تل أبيب التي خرج فيها يهود
استنكارا لما تقوم به حكومتهم من قصف ضد العزل والأبرياء المحاصرين الجوعى في غزة، فان حكومة "عربية إسلامية" كالمملكة
العربية السعودية منعت المظاهرات واعتقلت منظميها والمشاركين فيها، وأصدر رئيس مجلس القضاء السعودي الشيخ صالح اللحيدان "فتوى" يعتبر فيها
المظاهرات لنصرة غزة "استنكارا غوغائيا يصد الناس عن ذكر الله ، حتى وإن لم يحصل فيها
تخريب". وقال في محاضرة ألقاها بعنوان أثر العقيدة في محاربة الإرهاب
والانحراف الفكري : إن أول مظاهرة شهدها الإسلام في عهد الصحابي الجليل عثمان بن
عفان كانت شرا وبلاء على الأمة الإسلامية، ووصف تعبير الجماهير عن مواقفها عبر
التظاهر بأنه استنكار غوغائي. واعتبر المظاهرات التي شهدها الشارع العربي ضد غارات
إسرائيل على غزة من قبيل الفساد في الأرض، وليست من الصلاح والإصلاح.
ولا أريد هنا أن أناقش هذه
"الفتوى" أو غيرها من الفتاوى والمواقف السلبية التي اتخذها عدد من
"رجال الدين" هنا أو هناك، وانما أود الاشارة الى ارتباط بعض المشايخ
والمفتين بأجهزة الحكم في بلادهم، وقبولهم التحول الى
أداة بيد الحكام طوعا أو كرها. وهذا أمر واضح لا حاجة للتركيز عليه، ولكني أود
أيضا التعليق على موقف العلماء المناصرين للشعب الفلسطيني والداعين للجهاد أو
المقاطعة السياسية والاقتصادية لاسرائيل، والمحرضين
للشعوب على أداء دورها في المواجهة والتحرير. فكيف يمكن للشعوب العربية والاسلامية القيام بدورها في القضية الفلسطينية؟ هل يتم ذلك
بالالتحاق بحركات المقاومة الفلسطينية ؟ أو القيام بعمليات عسكرية ضد المصالح الاسرائيلية في محتلف أنحاء العالم
، كما قال الداعية السعودي الشيخ عوض القرني؟ وهل يمكن ذلك ؟ وماذا سيغير من طبيعة
الصراع وتوازن القوى في فلسطين؟ وكيف يمكن إبطال أثر فتاوى علماء السلاطين المثبطة
للأمة؟
من
الواضح ان كثيرا من الفتاوى الحماسية هي رد فعل آني لما تقوم به اسرائيل من مجازر ضد الشعب الفلسطيني في غزة، ولن تترجم الى أفعال، ولن يعقبها أي عمل جدي، ولن تغير من الأمر شيئا،
ولا تعدو أن تكون تنفيسا عن مشاعر غاضبة، أو اسقاطا
للمسئولية الشرعية وإبراء للذمة أمام الله والناس. ولا شك أنها تستحق الشكر
والثناء ولكن لا بد من السؤال: لماذا لا يستطيع أولئك العلماء أو الأمة من ترجمة
فتاواهم الى واقع عملي ملموس؟ ما هي المشكلة التي تحول
دون تنفيذ السلطات العربية والاسلامية لإرادة شعوبها في
التصدي للعدوان الاسرائيلي ونصرة الشعب الفلسطيني؟
لا
نحتاج الى عناء كبير لندرك ان جذر الأزمة في تقاعس
الحكومات العربية والاسلامية يكمن في الطلاق الحاصل بين
تلك الحكومات وتلك الشعوب ، اذا لم نقل العداء المستحكم بين الطرفين والنابع من استيلاء
تلك الحكومات على السلطة بالقوة والارهاب، وتنفيذ أجندات أجنبية استعمارية الى درجة
التعاون مع المحتل الصهيوني في ضرب حركات المقاومة، والمقاومة الفلسطينية بالخصوص
، كما كشفت الصحف الاسرائيلية مؤخرا .
انها
إذن مشكلة الديكتاتورية في العالم العربي والاسلامي،
وما فتاوى وعاظ السلاطين المثبطة عن أي عمل في سبيل تحرير فلسطين، سوى مظهر من
مظاهر الاستبداد والديكتاتورية. ومن البديهي أن خارطة
الجهاد من أجل تحرير فلسطين تبدأ من تحرر الشعوب العربية والاسلامية
من حكامها المستبدين الفاسدين، وبناء أنظمة ديموقراطية معبرة عن إرادة الشعوب
وتطلعاتها. ولعل أول خطوة على هذه الطريق تتمثل في التحرر من الخضوع النفسي
والفكري لوعاظ السلاطين، الذين يشكلون أداة قمعية تخديرية بيد الحكام المستبدين،
ويمثلون نظاما استبداديا "دينيا" بحد ذاته، واستبدالهم بهيئات شرعية
تشريعية منتخبة من الأمة أو من فئة العلماء والمشايخ اذا
قبلنا بوجود هذه الفئة.
ولكن المشكلة تكمن أيضا في عدم قبول الكثير من
المشايخ والدعاة المسلمين، المتحمسين لنصرة القضية الفلسطينية، لمبدأ الشورى أو الديموقراطية، وتفضيلهم استمرار
الأنظمة الديكتاتورية المستبدة، ومحاربة أية دعوة للمشاركة الشعبية في اختيار
الحكام أو نقدهم أو محاسبتهم أو الخروج على أي أمر من أوامرهم، حتى اذا كان ذلك يتمثل في التظاهر من أجل القضية الفلسطينية، فضلا
عن التظاهر ضد الحكام أو المطالبة بالتغيير الديموقراطي.
وفي ظل
سيطرة هكذا جو فكري خانع للاستبداد ومبرر له لا يمكن الحديث عن أداء الشعوب لدورها
في تحرير فلسطين، إذ لا بد أولا من تحرر الشعوب نفسها أو تحريرها من الاستبداد
والمستبدين، ثم بناء حكومات ديموقراطية تستجيب لإرادة تلك الشعوب، وتستعد وقت
الحاجة للتعبير عن رغباتها ومصالحها وواجباتها في نصرة هذا الشعب المظلوم أو
محاربة تلك العصابة الظالمة. ان قضية نصرة الشعب الفلسطيني قد تكون قضية واحدة من القضايا الكثيرة والخطيرة التي
تضيع بين يدي الحكام المستبدين الجاثمين على صدر الأمة العربية والاسلامية، وقد تكون حقوق تلك الشعوب وحرياتها ومصالحها هي
أكبر القضايا المستباحة والمنتهكة والمهدورة.
ولكن قضية فلسطين اللاهبة يمكن أن تسلط الضوء على واقع
الأمة العربية والاسلامية وتكشف عن الخلل الكبير الذي
ينخر كيانها وجذورها، ويعيقها عن أداء دورها المطلوب في ساعة العسرة.
ان أمة
أسيرة ومستعبدة كالأمة العربية والاسلامية لا يمكن أن
تهب لنصرة أبنائها واخوانها الا
بالتحرر من مستبديها و"أسيادها" الفاسدين،
أولاً.
أليس
كذلك؟