تحريم الجهاد في عصر الغيبة

وقد نتج عن الالتزام بنظرية (الانتظار) وتفسير شرط (الامام) المجمع عليه في وجوب الجهاد ، بمعنى :( الامام المعصوم) بالإضافة الى ما سبق ، تعطيل الجهاد في :(عصر الغيبة) . فقد اشترط الشيخ الطوسي في :(المبسوط) في وجوب الجهاد : ظهور الامام العادل الذي لا يجوز لهم القتال الا بأمره ، ولا يسوغ لهم الجهاد دونه ، أو حضور من نصبه الامام للقيام بأمر المسلمين ، وقال بعدم جواز مجاهدة العدو متى لم يكن الامام ظاهرا ولا من نصبه الامام حاضرا ، وقال: ·ان الجهاد مع أئمة الجور أو من غير امام خطأ يستحق فاعله به الإثم ، وان أصاب لم يؤجر وان أصيب كان مأثوما .

واستثنى من ذلك حالة الدفاع عن النفس وعن حوزة الإسلام وجميع المؤمنين إذا دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الإسلام ، واشترط عدم القصد في هذه الحالة : الجهاد مع الامام الجائر ولا مجاهدتهم ليدخلهم في الإسلام ، وقال: · ان المرابطة في سبيل الله فيها فضل كبير وثواب جزيل ، غير ان الفضل فيها يكون في حال كون الامام ظاهرا .. ومتى لم يكن الامام ظاهرا لم يكن فيه ذلك الفضل ، فان نذر في حال استتار الامام وانقباض يده عن التصرف : ان يرابط ، وجب عليه الوفاء ، غير ان حكمه ما ذكرناه من انه لا يبدأ العدو بقتال ، وانما يدفعهم إذا خاف سطوتهم ، وان نذر ذلك في حال انقباض يد الامام صرف ذلك في وجوه البر . 1

وقال حمزة بن عبد العزيز (سلار ) في :(المراسم ):· اما الجهاد ، فالى السلطان أو من يأمره السلطان . 2

وعلق ابو الصلاح الحلبي ( 373 - 447) في :(الكافي في الفقه) الجهاد على وجود الامام المهدي وقيادته . 3

واشترط الشيخ سعد الدين عبد العزيز بن نحرير بن براج الطرابلسي القاضي ( 400 - 481) في كتابه :( المهذب) في وجوب الجهاد ، ان يكون مأمورا به من قبل الامام العادل أو من نصبه الامام . وحرم الخروج الى الجهاد في حالة عدم وجود الامام أو نائبه الخاص ، وقال :· ان الجهاد مع أئمة الكفر ومع غير امام اصلي أو من نصبه قبيح يستحق فاعله العقاب ، فان أصاب كان مأثوما وان أصيب لم يكن على ذلك أجر وقال:· ان المرابطة في حال ظهور الامام (عليه السلام) فيها فضل كثير ، ومتى نذر إنسان المرابطة ، والإمام ظاهر وجب عليه الوفاء بذلك ، فان نذر ذلك في حال استتار الامام صرفه في وجوه البر ، وإذا اخذ إنسان شيئأ من غيره لينوب عنه في المرابطة وكان الامام مستترا كان عليه رد ذلك ، فان لم يجده رده على وارثه . 4

وقال الشيخ علاء الدين ابو الحسن الحلبي في :(إشارة السبق ) :· اما الكلام في الجهاد فهو فرض على الكفاية ، وشرائط وجوبه ... مع امام الأصل ، به أو من نصبه وجرى مجراه . 5

وكذلك قال الشيخ ابو جعفر محمد بن علي الطوسي المعروف بابن حمزة في :(الوسيلة الى نيل الفضيلة ):· إنما يجب الجهاد بثلاثة شروط... أحدها: حضور امام عدل ، أو من نصبه الامام للجهاد ... ولا يجوز الجهاد بغير الامام ولا مع أئمة الجور . 6

وقال السيد حمزة بن علي بن زهرة الحسيني المعروف بأبي المكارم ( 511ه - 585ه ) في (الغنية) :· الجهاد يجب بأمر الامام العادل ، به أو من ينصبه الامام ، أو من يقوم مقام ذلك ، من حصول خوف على الإسلام أو على النفس أو الاموال ، ومتى اختل شرط من هذه الشروط سقط فرض الجهاد بلا خلاف اعلمه . 7

و اعتبر ابن ادريس : ·ان الجهاد مع الأئمة الجوّار أو من غير امام خطأ يستحق فاعله به الإثم ، ان أصاب لم يؤجر وان أصيب كان مأثوما ، وقال: ان المرابطة فيها فضل كبير إذا كان هناك امام عادل ولا يجوز مجاهدة العدو من دون ظهور الامام . 8

وقد اشترط المحقق الحلي في (شرائع الإسلام) وجود الامام أو من نصبه للجهاد في وجوب فرضه . (9) وقال في :(المختصر النافع):

· لا يجوز الجهاد مع الامام الجائر ، الا ان يدهم المسلمين من يخشى منه على بيضة الإسلام . 10

وصرح يحيى بن سعيد في :(الجامع للشرائع) بحرمة الجهاد من دون اذن امام الأصل ، وان وجوبه مشروط بحضور الامام داعيا اليه أو من يأمره . 11

ومع قوله باستحباب الرباط ، فانه أفتى بعدم المرابطة ، ورد المال الموصى به للمرابطة في حال انقباض يد الامام ، أو المرابطة وعدم القتال الا في حالة الدفاع عن بيضة الإسلام. 12

وقسّم العلامة الحلي في (تحرير الأحكام ) و(تذكرة الفقهاء ) الجهاد الى قسمين: الأول: الدعاء الى الإسلام ، والثاني: الدفاع عن المسلمين ، واشترط في الأول أذن الامام العادل أو من يأمره الامام . 13

وجوّز المرابطة حال استتار الامام (المهدي) ولكنه لم يجوّز القتال الا في حالة الدفاع عن النفس وعن الإسلام ، لا الجهاد. (14) واعتبر العلامة في :(تذكرة الفقهاء) القتال مع غير الامام المفروض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير ! 15

واشترط في :(الألفين) ان يكون الرئيس المكلف بقيادة الجهاد معصوما ، لأن الجهاد فيه سفك الدماء وإتلاف الأموال ، فلا بد من ان يتيقن صحة قوله . وتساءل باستغراب : كيف يقاتل وغير المعصوم لا يحصل الوثوق بقوله فتنتفي فائدة التكليف؟! 16

وقال في شرح قول الله تعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) :·انه أمر بالقتال ، فلا بد فيه من نصب رئيس ، إذ القتال من دونه محال ، ولا بد ان يكون منصوبا من قبل الله تعالى ، والا لزم الاختلاف والهرج والمرج وتجاذب الاهوية ، وذلك ضد القتال ، لأنه موقوف على الاتفاق ورفع النزاع ويستحيل من الله تعالى تحكيم غير المعصوم (17) وقال:· القتال في سبيل الله لا يتم الا بالامام المعصوم ، إذ لا يتعين دعاؤه الى الله تعالى الا إذا كان معصوما ، وان قبول قول غير المعصوم إلقاء باليد الى التهلكة خصوصا في الجهاد ، فلا يجب .(18) كما قال بعدم جواز القتال مع غير المعصوم ، لأن امتثال أوامر غير المعصوم في القتال وغيره لا يعلم انه في سبيل الله ولا صوابه ، والمقطوع به مقدم على المظنون . 19

وإضافة الى ذلك بحث العلامة الحلي مسألة قتال اهل البغي الذين يخرجون على الامام الذي يجب إتباعه ، ويصير الإنسان باغيا بالخروج عليه ، فاشترط في الامام أمورا عديدة وذكر منها العصمة والنص . (تذكرة الفقهاء ص 453) وأكد هذا المعنى مرة أخرى فقال:· الإمامة عندنا تثبت بالنص ، لا بالإجماع ولا الاختيار ، وكل من خرج على امام منصوص على إمامته وجب قتاله . 20

وقال المقداد السيوري في (كنز العرفان): · الجهاد المأمور به انه هو الجهاد مع الامام المعصوم ، لا اي جهاد كان . 21

وهكذا اشترط الشهيد الأول في :( الدروس الشرعية في فقه الامامية) في وجوب الجهاد ، دعاء الامام العادل أو نائبه ، وصرح بعدم جواز الجهاد مع الجائر اختيارا ، الا ان يخاف على بيضة الإسلام. 22

وبالرغم من قيام الدولة الشيعية الصفوية تحت رعاية المحقق الكركي الشيخ علي بن الحسين ، فانه رفض تعديل الحكم في (عصر الغيبة) وحصر في :( جامع المقاصد في شرح القواعد) وجوب الجهاد بشرط الامام أو نائبه ، وفسر المراد بالنائب ، ب : (نائبه المنصوص بخصوصه حال ظهور الامام وتمكنه ، لا مطلقا) . 23

ومن هنا فقد رفض الشهيد الثاني (911 - 966) أيضا في :( مسالك الافهام في شرح شرائع الإسلام ) إعطاء الفقيه ( المنصوب للمصالح العامة حال الغيبة) صلاحية مباشرة الجهاد ، واشترط وجود الامام أو من نصبه للجهاد خاصة ، أو بشكل عام يدخل في ولايته الجهاد ، واخرج الفقيه (النائب العام) من ذلك. 24

وقد وافق المولى احمد المقدس الاردبيلي ( - 993) في :( مجمع الفائدة والبرهان) العلامة الحلي في اشتراط وجوب الجهاد بوجود الامام أو من نصبه. 25

واغفل الشيخ بهاء الدين العاملي بحث الجهاد في كتابه :( جامع عباسي) وفسر (سبيل الله ) في (عصر الغيبة) : ببناء الجسور والمساجد والمدارس . 26

ولم يخصص السيد محمد جواد الحسيني العاملي في :(مفتاح الكرامة) كتابا للجهاد ، ولكنه روى بعض الأحاديث عن الامام الصادق والإمام أمير المؤمنين (ع) من قبيل: لا غزو الا مع امام عادل . وان خرجوا على امام عادل فقاتلوهم ، وان خرجوا على امام جائر فلا تقاتلوهم . 27

وحصر السيد علي الطباطبائي في :(رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل) : وجوب الجهاد مع وجود الامام العادل وهو المعصوم عليه السلام أو من نصبه لذلك ، اي النائب الخاص المنصوب للجهاد أو لما هو أعم . أما العام كالفقيه ، فقال: · انه لا يجوز له ولا معه الجهاد حال الغيبة بلا خلاف اعلمه . وأكد : ان النصوص متظافرة من طرقنا بل متواترة منها :ان القتال مع غير الامام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير ، ومنها: لا غزو الا مع امام عادل ، والجهاد واجب مع امام عادل . 28

وأشار السيد محمد بن علي الطباطبائي ( -1009) في :( مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام) الى وجوب الجهاد الدفاعي في حال الغيبة ، وذلك إذا دهم المسلمين - والعياذ بالله - عدو يخاف منه على بيضة الإسلام ، لا للدعوة الى الإسلام ، فان ذلك لا يكون الا مع الامام (ع). 29

واعرض الشيخ يوسف البحراني ( - 1186) في :(الحدائق الناضرة) عن بحث موضوع الجهاد وما يتبعه · لقلة النفع المتعلق به الآن تبعا لبعض الأعيان ، وإيثارا لصرف الوقت فيما هو أحوج أحق لأبناء الزمان . 30

وصرح الشيخ جعفر كاشف الغطاء في :(كشف الغطاء) باشتراط حضور الامام أو نائبه الخاص دون العام في وجوب الجهاد الذي يراد به الجلب الى الإسلام . واعتبر ان ذلك مخصوص بالنبي وخلفائه (ع) وبمن نصبوه بالخصوص دون العموم . 31

وذكر الشيخ محمد حسن النجفي ( - 1266) في :( جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) نصوصا كثيرة حول اشتراط وجود الامام عليه السلام في وجوب الجهاد ، وقال: ان مقتضاها كصريح الفتاوى ، عدم مشروعية الجهاد مع الجائر وغيره (العادل غير المعصوم) بل في :(المسالك) وغيرها : عدم الاكتفاء بنائب الغيبة ، فلا يجوز له توليه ، بل في :(الرياض) : نفي علم الخلاف فيه حاكيا له عن ظاهر (المنتهى) وصريح(الغنية) الا من احمد في الأول ، وظاهرهما الإجماع ، مضافا الى ما سمعته من النصوص المعتبرة وجود الامام . 32

وأكد النجفي : عدم إذن (الأئمة)للفقهاء في زمن الغيبة بجهاد الدعوة المحتاج الى سلطان وجيوش وامراء. وادعى علم الأئمة بعدم الحاجة اليه والى بعض الأمور المشابهة في (عصر الغيبة) وقصور اليد فيها عن ذلك. وربط بين إمكانية الجهاد في عصر الغيبة وبين ظهور دولة الحق ، اي دولة (الامام المهدي) الذي لم يختف الا تحت وطأة الخوف . 33

ولم يتحدث السيد كاظم اليزدي ( - 1919) عن الجهاد في :(العروة الوثقى) وفسر (سبيل الله) الوارد في مصارف الزكاة ، بأنه: جميع سبل الخير كبناء القناطر والمدارس والخانات والمساجد وتعميرها وتخليص المؤمنين من يد الظالمين ونحو ذلك من المصالح كإصلاح ذات البين ودفع وقوع الشرور والفتن بين المسلمين ، وكذا إعانة الحجاج والزائرين وإكرام العلماء والمشتغلين مع عدم تمكنهم من الحج والزيارة ، والاشتغال ونحوها ، من أموالهم. 34

ويعلق الامام الخميني على تفسير اليزدي في حاشية (العروة الوثقى) بقوله: · لا يبعد ان يكون سبيل الله هو المصالح العامة للمسلمين والإسلام ... لا مطلق القربات كالإصلاح بين الزوج والزوجة والوالد والولد .

ولا يذكر احد من العلماء المعاصرين كالكلبايكاني والشاهرودي والخونساري والخوئي والقمي والشريعتمداري ، الذين يعلقون على (العروة الوثقى) شيئا عن الجهاد ، أو تفسير كلمة (سبيل الله) به.

ومن هنا ، وإذا استثنينا عددا محدودا جدا من الفقهاء الذين شككوا في تحريم الجهاد وربطه بالإمام العادل المعصوم ، يكاد يكون إجماع الفقهاء الامامية عبر التاريخ ينعقد على تحريم الجهاد ، بمعنى الدعوة للإسلام والقتال من اجل ذلك ، وخاصة لدى العلماء الأوائل . وقد تطرف الشيخ المفيد فروى في :(الاختصاص) رواية مرسلة عن ابي الحسن (ع) تجيز الغزو مع الكفار ضد الحكام المسلمين . 35

 ومن الواضح ان هذا الموقف السلبي من الجهاد كان يبتني على نظرية :(التقية والانتظار) المنبثقة من الإيمان بنظرية :(وجود الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري وغيبته) وتعليق كل مهام الدولة عليه ، وعدم جواز مزاحمته بالقيام بمسئولياته. وقد أدت تلك النظرية التي التزم بها الفقهاء القائلون بنظرية :(التقية والانتظار) عمليا خلال اكثر من الف عام ، الى إلغاء واجب مهم من واجبات الإسلام وهو :(الجهاد) .