المبحث السابع:

الجمهورية الإسلامية

وولاية الفقيه المطلقة

لم تصمد نظرية ( الحكم الملكي الدستوري) التي أقامها الفقهاء الشيعة في إيران طويلا ، فسرعان ما قامت الحرب العالمية الأولى واحتلت القوات الروسية أجزاء واسعة من إيران ، ممهدة الطريق امام الشاه رضا بهلوي الذي أطاح بحكم الشاه القاجاري احمد ، ونصب نفسه ملكا على إيران دون ان يأخذ أي إذن من الفقهاء المراجع ، بل قاد حملة شعواء ضد رجال الدين ، واصبح هو وابنه محمد رضا بهلوي وكيلين عن القوى الغربية ، وهذا ما دفع الفقهاء المراجع إلى مقاومتهما بشدة .

وفي سنة 1963 قاد الإمام الخميني انتفاضة ضد الشاه محمد رضا بهلوي ، انتهت بتسفير الإمام إلى العراق ..وهناك راح الإمام الخميني يلقي دروسه على طلبته ويطور نظرية سياسية جديدة تجمع بين نظرية (النيابة

العامة للفقهاء عن الإمام المهدي الغائب) و نظرية:(ولاية الفقيه) . وقد نقل الفكر السياسي الشيعي من مرحلة إجازة الفقهاء لللموك للحكم باسمهم ووكالة عنهم إلى مرحلة جديدة هي حكم الفقهاء المباشر وممارسة مهمات الإمامة بصورة كاملة . ومن المعروف ان تلك الدروس التي ألقاها الإمام الخميني عام 1969 شكلت القاعدة الفكرية التي قامت عليها الثورة الإسلامية العارمة التي قادها الإمام بعد ذلك بعشر سنين وانتهت بتشكيل (الجمهورية الإسلامية الإيرانية ). ولذا فمن المفيد جدا ان نستعرض بإيجاز أهم الأفكار التي وردت فيها حتى نلمس التطور الذي حدث فيها والذي تجاوز كل النظريات السياسية الشيعية السابقة .

 

الخميني ينقد نظرية الانتظار

 قد رفض الإمام الخميني في البداية نظرية (الانتظار للإمام المهدي ) التي كانت تهيمن على الفكر السياسي الشيعي حتى وقت قريب ، رفضا مطلقا ، واسقط بالأدلة العقلية الأحاديث التي كانت تعتبر · متواترة والتي كانت توصي بذلك ، ولم يعبأ بها ، وكتب يقول :· بديهي .. ان ضرورة تنفيذ الأحكام لم تكن خاصة بعصر النبي (ص) بل الضرورة مستمرة.. واعتقاد: ان الإسلام قد جاء لفترة محدودة أو لمكان محدود يخالف ضروريات العقائد الإسلامية ، وبما ان تنفيذ الأحكام بعد الرسول (ص) والى الأبد من ضروريات الحياة ، لذا كان وجود حكومة فيها مزايا السلطة المنفذة المدبرة ضروريا ، إذ لولا ذلك لساد الهرج والمرج... فقد ثبت بضرورة الشرع والعقل: ان ما كان ضروريا أيام الرسول (ص) وفي عهد الإمام أمير المؤمنين (ع) من وجود الحكومة لا يزال ضروريا إلى يومنا هذا.

ولتوضيح ذلك أتوجه إليكم بالسؤال التالي: قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي اكثر من ألف عام ، وقد تمر عليه ألوف السنين قبل ان تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر ، وفي طول هذه المدة المديدة هل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس خلالها ما يشاءون؟.. ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ وهل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام ؟ هل ينبغي ان يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كل شيء ؟

ان الذهاب إلى هذا الرأي اسوء في نظري من الاعتقاد بان الإسلام منسوخ ، فلا يستطيع أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ان يقول: انه لا يجب الدفاع عن ثغور الإسلام والوطن ، أو انه يجوز الامتناع عن دفع الزكاة والخمس وغيرهما ، أو يقول بتعطيل القانون الجزائي في الإسلام وتجميد الأخذ بالقصاص والديات ، إذن فان كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ الإسلام ، ويدعو إلى تعطيل أحكامه وتجميدها ، وهو بالتالي ينكر شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف . وخاطب الإمام الخميني الملتزمين بنظرية (الانتظار) قائلا :· لا تقولوا ندع إقامة الحدود والدفاع عن الثغور وجمع حقوق الفقراء حتى ظهور الحجة (الإمام المهدي) فهلا تركتم الصلاة بانتظار الحجة؟! . 1

 

ضرورة الإمامة في عصر الغيبة

وقال أيضا:· ان ما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر (ع) سيما مع هذه السنين المتمادية ، ولعلها تطول - والعياذ بالله - إلى آلاف السنين ، والعلم عنده تعالى . 2

وقال : · وما ذكرناه وان كان من واضحات العقل...ومع ذلك فقد دل الدليل الشرعي أيضا عليه ... وأية حاجة كالحاجة إلى تعيين من يدبر أمر الأمة ويحفظ نظام بلاد المسلمين طيلة الزمان ومدى الدهر في (عصر الغيبة) مع بقاء أحكام الإسلام التي لا يمكن بسطها إلا بيد والي المسلمين وسائس الأمة والعباد؟ . 3

واستشهد بقول السيدة فاطمة الزهراء (ع) في خطبتها المعروفة :( والطاعة نظاما للملة والإمامة لماً من الفرقة) كدليل على لزوم بقاء الولاية والرياسة العامة ، وقال : · أما في زمان الغيبة فالولاية والحكومة ، وان لم تجعل لشخص خاص ، لكن يجب بحسب العقل والنقل ان تبقيا بنحوٍ آخر، لما تقدم من عدم إمكان إهمال ذلك ، لأنها مما يحتاج إليه المجتمع الإسلامي,.. والعلة متحققة في زمن الغيبة ، ومطلوبية النظام وحفظ الإسلام معلومة لا ينبغي لذي مسكة (عقل) إنكارها . 4

 

الفقهاء هم الولاة

وبعد إثبات الإمام الخميني للحاجة المستمرة إلى الإمامة في ( عصر الغيبة ) وعدم جواز تجميدها انتظارا للإمام المهدي ، عقلا ونقلا ، قال: · إذا كنا نعتقد ان الأحكام التي تخص بناء الحكومة الإسلامية لا تزال مستمرة ، وان الشريعة تنبذ الفوضى كان لزاما علينا تشكيل الحكومة الإسلامية ، وان العقل يحكم بضرورة ذلك... واليوم في عهد (الغيبة) لا يوجد نص على شخص معين يدير شؤون الدولة ، فما هو الرأي؟.. هل نترك أحكام الإسلام معطلة؟.. أم نرغب بأنفسنا عن الإسلام؟ أم نقول: ان الإسلام جاء ليحكم الناس قرنين من الزمان فحسب ليهملهم بعد ذلك؟ أو نقول: ان الإسلام قد أهمل تنظيم الدولة؟ ونحن نعلم ان عدم وجود الحكومة يعني ضياع ثغور المسلمين وانتهاكها ، ويعني تخلفنا عن حقنا وعن أرضنا..

وبالرغم من عدم وجود نص على شخص من ينوب عن الإمام حال غيبته إلا ان خصائص الحاكم الشرعي لا يزال يعتبر توفرها في أي شخص مؤهلا إياه ليحكم في الناس، وهذه الخصائص التي هي عبارة عن العلم بالقانون والعدالة موجودة في فقهائنا في هذا العصر . 5

وقال:· بعدما علم بالضرورة من ان في الإسلام تشكيلات وحكومة بجميع شؤونها لم يبقَ شك في ان الفقيه لا يكون حصنا للإسلام كسور البلد له إلا ان يكون حافظا لجميع الشؤون من بسط العدالة وأجراء الحدود وسد الثغور واخذ الخراجات والماليات وصرفها في مصالح المسلمين ونصب الولاة في الأصقاع ، وإلا فصرف الأحكام ليست بإسلام.. بل يمكن ان يقال: ان الإسلام هو الحكومة بشؤونها ، والأحكام قوانين الإسلام ، وهي شأن من شؤونها ، بل الأحكام مطلوبة بالعرض وأمور آلية لإجرائها وبسط العدالة ، فكون الفقيه حصنا للإسلام كحصن سور المدينة (حسبما يشير حديث نبوي إلى ذلك) لا معنى لها إلا كونه واليا له ما لرسول الله وللأئمة من الولاية على جميع الأمور السلطانية.. فكما لا تقوم الرعية إلا بالجنود ، فكذلك لا يقوم الإسلام إلا بالفقهاء الذين هم حصون الإسلام وقيام الإسلام هو إجراء جميع أحكامه ، ولا يمكن إلا بالوالي الذي هو حصن..فالفقهاء هم أمناء الرسل وحصون الإسلام لهذه الخصوصية وغيرها ، وهو عبارة أخرى عن الولاية المطلقة . 6

وقال:· فعليه، يرجع أمر الولاية إلى الفقيه العادل ، وهو الذي يصلح لولاية المسلمين إذ يجب ان يكون الوالي متصفا بالفقه والعدل . 7

 وقال:· لا شك ان الفقهاء العدول هم القدر المتيقن ( من عدد من الاحتمالات حول من يحق له الحكم في عصر الغيبة) فلا بد من دخالة نظرهم ولزوم كون الحكومة بأذنهم ، ومع فقدهم أو عجزهم عن القيام بها يجب ذلك على المسلمين العدول ، ولا بد من استئذانهم الفقيه لو كان . 8

 وتحدث الإمام الخميني عن التشابه بين الفقيه والإمام المعصوم فقال:· للفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة (ع) مما يرجع إلى الحكومة والسياسة ، ولا يعقل الفرق ، لأن الوالي - أي شخص كان - هو مجري أحكام الشريعة والمقيم للحدود الإلهية والأخذ للخراج وسائر الماليات والتصرف فيها بما هو صلاح المسلمين... ومع اقتضاء المصالح يأمرون الناس بالأوامر التي للوالي ويجب إطاعتهم..فولاية الفقيه - بعد تصور أطراف القضية - ليست أمرا نظريا يحتاج إلى برهان ، ومع ذلك دلت عليها بهذا المعنى الواسع روايات... . 9

واعتبر الإمام الخميني الفقهاء أوصياء للرسول (ص) من بعد الأئمة وفي حال غيابهم ، وقد كلفوا بجميع ما كلف الأئمة (ع) بالقيام به . 10

وتمسك بحديث الإمام الصادق :( اتقوا الحكومة ، فان الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي ( أو كنبي) أو وصي نبي ) وقال:· قد حصر الإمام (ع) القضاء بمن كان نبيا أو وصي نبي ، وبما ان الفقيه ليس نبيا فهو إذن وصي نبي ، وفي عصر الغيبة يكون امام المسلمين والقاضي بينهم بالقسط دون سواه . 11

 وقال أيضا :· يظهر ان القضاء للإمام والرئيس العادل ، ولما ثبت كون القضاء للفقيه ثبت انه للرئيس والوصي ، فتدبر . 12

كما اعتبر الفقهاء خلفاء للرسول (ص) وتساءل: · لماذا يتوقف بعضنا في معنى جملة (اللهم ارحم خلفائي)؟ لماذا يظن هذا البعض: ان خلافة الرسول محدودة بشخص معين ؟ وبما ان الأئمة (ع) كانوا هم خلفاء الرسول فليس لغيرهم من العلماء ان يحكم الناس ويسوسهم. ان هذا الظن وهذا الموقف بعيد عن الإسلام لأنه انحراف في التفكير يبرأ الإسلام منه . 13

 

الأدلة النقلية

واستدل الإمام الخميني على كون الفقهاء كالأئمة من أهل البيت (ع) بعدة أحاديث مثل الحديث الذي ينسب إلى ( الإمام المهدي) :( انا حجة الله وهم حجتي عليكم) وقال:· ان الواضح من مذهب الشيعة ان كون الإمام حجة الله تعالى عبارة أخرى عن منصبه الإلهي وولايته على الأمة بجميع شؤون الولاية ، لا كونه مرجعا للأحكام فقط ، وان المراد من (انا حجة الله وهم حجتي عليكم): ان ما هو لي من قبل الله تعالى لهم من قبلي ، ومعلوم ان هذا يرجع إلى جعل الهي له (ع) وجعل من قبله للفقهاء . 14

 وقال:· يستفاد من قوله (ع) (في مقبولة عمر بن حنظلة):· فاني قد جعلته عليكم حاكما : انه (ع) قد جعل الفقيه حاكما فيما هو من شؤون القضاء ، وما هو من شؤون الولاية ، فالفقيه ولي الأمر في البابين وحاكم في القسمين ، بل لا يبعد ان يكون القضاء أعم من قضاء القاضي وأمر الوالي وحكمه ... وفي المقام لا يعقل هدم الأئمة اللاحقين (ع) نصب أبى عبد الله ، لأنه يرجع اما إلى نصب غير الفقهاء العدول وارجاء الأمر إليه أو إلى إرجاعهم إلى ولاة الجور وقضاته وهو ظاهر الفساد.. فمن نصبه الإمام منصوب إلى زمان ظهور ولي الأمر (الإمام المهدي المنتظر) (ع) . 15

وقال في (الحكومة الإسلامية):· إذن فالعلماء بموجب هذه الرواية (مقبولة عمر بن حنظلة) قد عُيّنوا من قبل الإمام (الصادق) للحكومة والقضاء بين الناس ، ومنصبهم لا يزال محفوظا لهم ، ولا نحتمل ان يكون الإمام الذي يلي الإمام الصادق قد عزل الفقهاء عن هذا المنصب . 16

وتابع في كتاب (ولاية الفقيه من كتاب البيع ):· ثم ان مقتضى كون ( الفقهاء ورثة الأنبياء) ومنهم رسول الله (ص) وسائر المرسلين الذين لهم الولاية العامة على الخلق ، انتقال كل ما كان لهم إليهم إلا ما ثبت انه غير ممكن الانتقال ، ولا شبهة في ان الولاية قابلة الانتقال كالسلطنة التي كانت عند أهل الجور موروثة خلفا عن سلف ... وان المراد هي الولاية الجعلية كالسلطنة العرفية وسائر المناصب العقلائية كالخلافة التي جعلها الله تعالى لداود (ع) وفرّع عليها الحكم بالحق بين الناس ، وكنصب رسول الله عليا بأمر الله خليفة ووليا على الأمة ، ومن الضروري ان هذا أمر قابل للانتقال والتوريث . 17

 واستنتج من كل ذلك قائلا:· فحينئذ إذا ثبت شيء للرسول ثبت للفقيه بالوراثة كوجوب الإطاعة ونحوها فلا شبهة من هذه الجهة... لكن كما ان الرسول الأعظم جعل الأئمة (ع) خلفاء ونصبهم للخلافة على الخلق أجمعين جعل الفقهاء خلفاء ونصبهم للخلافة الجزئية . 18

وقال:· فتحصل مما مرّ ثبوت الولاية للفقهاء من قبل المعصومين (ع) في جميع ما ثبت لهم الولاية فيه من جهة كونهم سلطانا على الأمة ، ولا بد في الإخراج عن هذه الكلية في مورد من دلالة دال على اختصاصه بالإمام المعصوم... فانه يثبت مثل ذلك للفقهاء العدول بالأدلة المتقدمة . 19

 

الولاية الإلهية

وكان الإمام الخميني يؤمن نتيجة لتلك الروايات ان ولاية الفقيه ولاية دينية إلهية و يقول:· ان الله جعل الرسول (ص) وليا للمؤمنين جميعا ، ومن بعده كان الإمام وليا ، ونفس هذه الولاية والحاكمية موجودة لدى الفقيه ، وان الفقهاء في الولاية متساوون من ناحية الأهلية .. وينبغي للفقهاء ان يعملوا فرادى ومجتمعين من اجل إقامة حكومة شرعية ... وفي حالة عدم إمكان تشكيل تلك الحكومة فالولاية لا تسقط لأن الفقهاء قد ولاهم الله .. وليس العجز المؤقت عن تشكيل الحكومة القوية المتكاملة يعني بأي وجه ان ننزوي ، بل التصدي واجب . 20

وكان يحصر الحق في إقامة الدولة في (عصر الغيبة) في الفقهاء فقط ، ويقول:· الفقهاء العدول وحدهم المؤهلون لتنفيذ أحكام الإسلام واقرار نظمه وإقامة حدود الله وحراسة ثغور المسلمين ، وقد فوض إليهم الأنبياء جميع ما فوض إليهم ائتمنوهم على ما أؤتمنوا عليه . 21

 

حدود ولاية الفقيه

وبعد ان ثبت الإمام الخميني الولاية للفقيه بالنصب والجعل من الرسول والأئمة المعصومين ، انتقل ليتحدث عن حدود تلك الولاية فقال :· .. على ذلك يكون الفقيه في عصر الغيبة وليا للأمر ولجميع ما كان الإمام (ع) وليا له ... وان للفقيه جميع ما للإمام (ع) إلا إذا قام الدليل على ان الثابت له (ع) ليس من جهة ولايته وسلطنته ، بل لجهات شخصية تشريفا له أو دل الدليل على ان الشيء الفلاني وان كان من شؤون الحكومة والسلطنة لكن يختص بالإمام (ع) ولا يتعدى منه كما اشتهر ذلك في الجهاد غير الدفاع ، وان كان فيه بحث وتأمل . 22

 وقال :· وليعلم : ان كل ما ورد ثبوته للإمام أو السلطان أو والي المسلمين أو ولي الأمر أو للرسول أو النبي أو ما يشابهها من العناوين يثبت بأدلة الولاية للفقيه .. ثم ان الأمور الحسبية - وهي التي علم بعدم رضا الشارع الأقدس بإهمالها - ان علم ان لها متصديا خاصا أو عاما فلا كلام ، وان ثبت انها كانت منوطة بنظر الإمام (ع) فهي ثابتة للفقيه بأدلة الولاية . ولا يخفى ان حفظ النظام وسد ثغور المسلمين وحفظ شبانهم من الانحراف عن الإسلام من أوضح الحسبيات ، ولا يمكن الوصول إليها إلا بتشكيل حكومة عادلة إسلامية . 23

وقال في :(الحكومة الإسلامية) :· إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل فانه يلي من أمر المجتمع ما كان يليه النبي (ص) منهم ، ووجب على الناس ان يسمعوا له ويطيعوا ، ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول (ص) واميرالمؤمنين (ع) على ما يمتاز به الرسول والإمام من فضائل ومناقب خاصة ...وقد فوض الله الحكومة الإسلامية الفعلية المفروض تشكيلها في زمن الغيبة نفس ما فوضه إلى النبي (ص) واميرالمؤمنين (ع) من أمر الحكم والقضاء والفصل في المنازعات وتعيين الولاة والعمال وجباية الخراج وتعمير البلاد ، غاية الأمر ان تعيين شخص الحاكم الآن مرهون بمن جمع في نفسه العلم والعدل . 24

 

أزمة التزاحم بين الفقهاء

وبناء على نظرية :(الجعل الإلهي) ونصب الفقهاء من قبل الأئمة ولاة على الناس ، وحق جميع الفقهاء بالتصدي السياسي والقيام بشؤون الولاية .. ونظرا لامكان الوقوع في أزمة فيما إذا قام الفقهاء جميعا في وقت واحد بممارسة حقهم السياسي وصلاحيتهم في الولاية ، واحتمال تزاحمهم وتصادمهم ، يعقد الإمام الخميني فصلا خاصا في بحثه ، للخروج من أزمة التزاحم ، فيقول :· ان قوله (ص) : · العلماء ورثة الأنبياء منحل إلى جعل الوراثة والخلافة لكل فقيه فقيه .. بل ليس ذلك من باب الانحلال ، وإنما يستفاد من صيغة الجمع بدلالة وصفية . 25

ويقول :· يمكن ان يقال : ان مقتضى إطلاق الخلافة والوراثة ان يكون لكل فقيه كل ما كان لرسول الله (ص) فان الظاهر من الأدلة : ان كل فقيه خليفة ووارث ، فمما ثبت له (ص) ان ليس لأحد مزاحمته تكليفا ووضعا سواء كان المزاحم فقيها وخليفة أم لا .. وهذا ينتقل إلى كل فقيه ، ولازمه : عدم جواز مزاحمة أحد له فقيها وخليفة كان أم لا ..وفي مقابل ذلك : ان لرسول الله (ص) ان يزاحم كل أحد خليفة كان أم لا ، وهذا أيضا قابل للانتقال والتوريث ، لكن هما معا غير ممكن التوريث للزوم التناقض. وتوريث المزاحمة أمر ينكره العقول ومخالف لطريقة العقلاء ، ولازم هذا الوجه : قيام الدليل الاجتهادي على عدم جواز المزاحمة وبطلان تصرف المزاحم وحرمته .. وان أحرزنا من الأدلة ان الولاية بلا قيد ثابتة للفقيه ، لكن احتملنا سبق أحد من الفقهاء موجب لسقوط ولاية غيره حال تصديه نستصحب ولايته الثابتة قبل تصدي الأمر .. فليس لأحد من الفقهاء الدخول فيما دخل فيه فقيه آخر لذلك . 26

 

الجمهورية الإسلامية

ومن المعلوم ان الإمام الخميني نجح بعد عشر سنوات من تطويره لنظرية :(ولاية الفقيه) بما يؤهله لتولي دفة الحكم بنفسه ، أي في سنة 1979م من إقامة الجمهورية الإسلامية في إيران ، على أساس تلك النظرية ، ولم يكن في البداية يمتلك صورة دستورية واضحة ومفصلة عن الحكومة ، فأوكل إلى مجلس من الخبراء المنتخبين من الشعب ومن بين صفوف الثورة الإسلامية ان يعد دستورا للبلاد ، وقام ذلك المجلس بعد دراسة وبحث ونقاش لمدة اشهر ، بوضع دستور جديد يقوم على نظرية :(ولاية الفقيه) ويشابه دستور 1906 ، ولكنه يستبدل وجود الملك برئيس للجمهورية ينتخب من الشعب ، ويعطي ل : (المرجع الأعلى الفقيه) منصب (الإمام : الولي الفقيه) كأعلى سلطة دستورية في البلاد ، ويحتم على (رئيس الجمهورية) ان يأخذ تزكية وموافقة من الإمام ، وإلا فلن يصبح شرعيا ولن يستطيع ممارسة مهماته ، وكان الدستور يتضمن بالاضافة إلى ذلك وجود (مجلس شورى) منتخب من الشعب ، ورئيس للوزارة معين من قبل رئيس الجمهورية ومؤيد من قبل المجلس ، ومجلس مصغر آخر يتألف من اثني عشر عضوا من الفقهاء والقضاة يشرف على سير أعمال (مجلس الشورى) ويراقب تطابق القوانين مع الإسلام والدستور ، ويعرف ب :( مجلس المحافظة على الدستور) . ولم يعطِ الدستور الإيراني الجمهوري الإسلامي الأول للإمام من الصلاحيات التنفيذية والتشريعية سوى الحق في تعيين قاضي القضاة ، وقيادة القوات المسلحة .

وكانت الحكومة الإيرانية برئيس جمهوريتها ورئيس وزرائها خارج إطار صلاحيات الإمام ، وكذلك العملية التشريعية في (مجلس الشورى) كانت بعيدة عنه .

وكاد مجلس الخبراء التأسيسي الأول في إحدى مراحل النقاش والتصويت ان يسحب من (الإمام ) منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة ويعطيها لرئيس الجمهورية .

ولكن بالرغم من نجاح خط (ولاية الفقيه) في مجلس الخبراء ، في تعزيز صلاحيات (الإمام) إلا انها ظلت محدودة في مجال السيادة والقيادة ، وبعيدة عن مجال التنفيذ والتشريع ، حسب الدستور .

 

الولاية المطلقة

وبعد حوالي عشرة أعوام من تجربة الحكم في (الجمهورية الإسلامية في إيران ) تفجرت أزمة تشريعية سياسية نظرية ، وذلك برفض ( مجلس المحافظة على الدستور ) التصويت على قانون العمل الذي أعده (مجلس الشورى) وعدله ثماني مرات خلال ثماني سنين ، بحجة مخالفته للإسلام ، مما اضطر وزير العمل للاستنجاد بالإمام الخميني الذي كان يمثل أعلى سلطة في البلاد ، لكي يحسم المشكلة ، وأجاز الإمام للوزير تطبيق القانون الذي شرعه مجلس الشورى دون ان يأخذ الإجراءات الدستورية النهائية بتصويت (مجلس المحافظة على الدستور) عليه .

وقد استفاد وزير العمل من سماح الإمام الخميني له بتطبيق ذلك القانون بالمبادرة إلى توسيع صلاحياته بتطبيق عدد من القوانين التي لم تنته إجراءاتها القانونية ، وهذا ما أثار حفيظة رئيس الجمهورية آنذاك السيد على الخامنائي ، الذي خطب في صلاة الجمعة في طهران بتاريخ 10 جمادى الأولى 1408 وأدان توسع وزير العمل بالاستفادة من إجازة الإمام الخميني له فامتعض الخميني من حديثه ووجه له رسالة شديدة عبر فيها عن إيمانه بالولاية المطلقة للفقيه ، التي لا تحدها حدود ، وجاء فيها:- · كان يبدو من حديثكم في صلاة الجمعة ويظهر انكم لا تؤمنون ان الحكومة التي تعني الولاية المخولة من قبل الله إلى النبي الأكرم (ص) مقدمة على جميع الأحكام الفرعية الإلهية . وان استشهادكم بقولي :· ان صلاحية الحكومة في إطار الأحكام الإلهية يخالف بصورة كلية ما قلته . ولو كانت صلاحيات الحكومة محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية لوجب ان تلغى أطروحة الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة إلى نبي الإسلام (ص) وان تصبح دون معنى ..لا بد ان أوضح : ان الحكومة شعبة من ولاية رسول الله (ص) المطلقة ، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام ، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج... ان باستطاعة الحاكم ان يعطل المساجد عند الضرورة ، وان يخرب المسجد الذي يصبح كمسجد ضرار ولا يستطيع ان يعالجه بدون التخريب. وتستطيع الحكومة ان تلغي من طرف واحد الاتفاقيات الشرعية التي تعقدها مع الشعب ، إذا رأتها مخالفة لمصالح البلد والإسلام. وتستطيع ان تقف امام أي أمر عبادي أو غير عبادي إذا كان مضرا بمصالح الإسلام ، مادام كذلك. ان الحكومة تستطيع ان تمنع مؤقتا وفي ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي إذا رأت ذلك ان تمنع من الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية . وما قيل حتى الآن ، وما قد يقال ناشيء من عدم معرفة الولاية المطلقة الإلهية . وما قيل من انه قد أشيع عن إلغاء المزارعة والمضاربة مع صلاحيات الدولة الجديدة (التي أعطاها الإمام لوزير العمل ) .. أقول بصراحة : وليكن ذلك صحيحا فرضا ، انه من صلاحيات الحكومة ، وهناك أمور اكثر منها لا أريد ان أزعجكم بها . 27

 وكانت هذه الرسالة تطورا كبيرا في نظرية :(ولاية الفقيه) باتجاه الشمولية والإطلاق ، وقفزة كبيرة في توسيع الولاية واطلاقها ، وهي تتحدث عن صلاحيات مشابهة لصلاحيات الرسول الأكرم والأئمة المعصومين ، للفقيه بحكم منصب الولاية والسلطان .

ويظهر من خلال حديث الإمام الخميني الآنف انه يجمع بين نظرية (النيابة العامة) و نظرية (ولاية الفقيه) ويطورهما بحيث تصبحان نظرية واحدة مطلقة .