المبحث الثاني

نظرية : (النيابة الملكية )

بينما كانت نظرية (النيابة العامة) تنمو ببطء وبصورة جزئية ومحدودة ، على أيدي علماء الحلة وجبل عامل في القرن السابع والثامن الهجريين ، كان الواقع الشيعي السياسي يتطور بعيدا عن الفكر السياسي الامامي.. حيث انفجرت ثورة (السربدارية) في نيسابور / خراسان ، وأقامت دولة دامت خمسين عاما من سنة 738ه آلي سنة 782ه - كما رأينا في الصفحات الماضية ، كما قام الشيعة بتأسيس دولة لهم في مازندران وخوزستان وجنوب العراق .

ثم انفجرت حركة جديدة في تبريز على أيدي الصفويين - وهم حركة صوفية تركمانية تحولت آلي التشيع - بقيادة شاب صغير لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره ، اسمه:( اسماعيل بن صفي الدين بن حيدر ) الذي أعلن قيام الدولة الصفوية في مطلع القرن العاشر الهجري سنة 907 ه ، في تبريز ، وكان يعتبر (قطبا) في الحركة الصوفية ، وقد ورث هذا اللقب عن أبيه ، كما كان شيخ تكية ويتمتع بمنزلة روحية بين أتباعه ، خاصة وانه ينتمي آلي السلالة العلوية . والانتماء آلي أهل البيت يحتل مكانة مميزة عند الصوفية .

وبالرغم من التطور الكبير الذي كان قد حصل في نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الأمام المهدي) في مجال الخمس والزكاة والحدود وصلاة الجمعة ، إلا انها - حتى ذلك التاريخ - لم تكن قد تبلورت بعد كنظرية سياسية متكاملة بديلة عن نظرية (الإمامة الإلهية) ولازمتها (الانتظار) بحيث تستطيع ان تبادر آلي تفجير الثورة وإقامة الدولة في (عصر الغيبة) وذلك لاشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الأمام (الرئيس) وعدم جواز تولي غير (الأمام المعصوم) لمقاليد السلطة في البلاد حسب النظرية (الامامية ) القديمة .. ومن هنا كانت نظرية (الانتظار) تفرض نفسها على الفقهاء الشيعة الامامية الاثني عشرية ، وتشل حركتهم وتمنعهم من العمل والتحرك السياسي.

وعندما أراد الصفويون التحرك العسكري لإقامة دولة خاصة بهم.. وجدوا نظرية الانتظار غير معقولة ولا واقعية ، وتشكل حجر عثرة امام طموحهم وتحركهم.. وبالرغم من انهم كانوا منذ فترة قد أعلنوا التمسك بالمذهب الامامي الاثني عشري ، إلا انهم في الحقيقة لم يستوعبوا نظرية (الإمامة الإلهية) التي تشترط العصمة والنص في الأمام ، وحولوها آلي نظرية تاريخية ، ورفضوها عمليا .. حيث أجازوا لزعمائهم وهم غير معصومين ولا منصوص عليهم من الله ، ان يستولوا على الملك ويقوموا بمهام الإمامة تماما كما فعل الامويون والعباسيون والعثمانيون . و لم يصعب عليهم الالتفاف على نظرية الانتظار وتجاوزها.

 واختلفت تجربة الدولة الصفوية في مرحلتها الأولى (أيام الشاه اسماعيل بن صفي الدين) عن التجارب السياسية الشيعية السابقة كالدولة البويهية والسربدارية والمرعشية والمشعشعية ، في ان هذه التجارب كانت دولا سياسية بحتة ، أي غير أيديولوجية ، بينما حاولت الدولة الصفوية تقديم نفسها كدولة عقائدية ومرتبطة بالأئمة الاثني عشر بصورة روحية غيبية . وكانت تشكل تطورا انقلابياً في الفكر السياسي الشيعي ، نقل الشيعة من نظرية الانتظار السلبية الانعزالية آلي سدة الحكم والسلطنة.

وقد طور الشاه اسماعيل ، أو تطور على يديه ، فكر سياسي جديد حاول الالتفاف على فكر (التقية والانتظار) فادعى ذات يوم انه اخذ إجازة من (صاحب الزمان : المهدي المنتظر ) بالثورة والخروج ضد أمراء التركمان الذين كانوا يحكمون إيران ، وبينما كان ذات يوم مع مجموعة من رفقائه الصوفية خارجين للصيد في منطقة تبريز ، مروا بنهر ، فطالبهم بالتوقف عنده وعبر هو النهر بمفرده ودخل كهفا .. ثم خرج متقلدا بسيف ، واخبر رفقاءه انه شاهد في الكهف ( صاحب الزمان ) وانه قال له: · لقد حان وقت الخروج وانه امسك ظهره ورفعه ثلاث مرات ووضعه على الأرض وشد حزامه بيده ووضع خنجرا في حزامه وقال له:· اذهب فقد رخصتك . 1

وادعى بعد ذلك انه شاهد الأمام علي بن أبى طالب (ع) في المنام وانه حثه على القيام وإعلان الدولة الشيعية وقال له بالحرف الواحد :· ابني .. لا تدع القلق يشوش أفكارك .. احضر (القزلباشية) - وهم مليشيا الصوفية - مع اسلحتهم الكاملة آلي المسجد ( في تبريز) وأمرهم ان يحاصروا الناس .. وإذا أبدى هؤلاء أية معارضة أثناء الخطبة باسم أهل البيت فان الجنود ينهون الأمر . 2

وهكذا فعل الشاب اسماعيل بن صفي الدين (قطب الصوفية ) حيث احضر (القزلباشية) وحاصر جامع تبريز ذات جمعة وأعلن سيادة المذهب الامامي الاثني عشري ، وقيام الدولة الصفوية ، وذلك بناء على دعويين: دعوى الوكالة الخاصة عن الأمام المهدي ، ودعوى رؤية الأمام علي في المنام .

وقد أتاحت هاتان الدعويان للحركة الصوفية الصفوية ان تتحرر من نظرية (التقية والانتظار) وتأسيس الدولة الصفوية (الشيعية الاثني عشرية) .

يقول راجر سيوري في :(إيران في العصر الصفوي) :· اعتمد الصفويون على فكرة الحق الإلهي للملوك الايرانيين قبل الإسلام منذ سبعة آلاف سنة ، وذلك بوراثة هذا الحق باعتبارهم · سادة وان جدهم الأمام الحسين بن علي قد تزوج بنت يزدجرد فأولدها الأمام زين العابدين ، فاجتمع الحقان : حق أهل البيت في الخلافة (حسب النظرية الامامية) وحق الملوك الايرانيين فيهم ، بالاضافة آلي نيابة الأمام المهدي . 3

 وبناء على ذلك فقد كان الشاه اسماعيل يعتبر نفسه · نائب الله وخليفة الرسول والأئمة الاثني عشر وممثل الأمام المهدي في غيبته وكان جنود (القزلباش) الصوفية يعتقدون : انه تجسيد لله . 4

 وتقول بعض الروايات الصوفية : ان أحد شيوخ الصوفية وهو الشيخ زاهد الكيلاني ، قد تنبأ من قبل بظهور الشاه اسماعيل ، وقال لجده (صفي الدين) الذي زوجه ابنته :· السلام عليك يا ولدي سيد صدر الدين مشيرا بذلك آلي حفيده الذي ادعى ان قد رآه قبل ان يولد ، وأعطى علائمه وتنبأ قائلا :· ان أولاد هذا الزعيم سيملكون العالم ، ويترقون يوما بعد يوم آلي زمان القائم المهدي المنتظر) . 5

وقد انتشرت هذه العقيدة الغيبية بين متصوفة الصفويين الذين أقاموا الدولة الصفوية ، واعتقدوا انها ستدوم حتى ظهور (المهدي المنتظر محمد بن الحسن العسكري) ولكنها اهتزت بعد هزيمة الشاه اسماعيل في موقعة (جالدران) مع السلطان العثماني سليمان القانوني عام 920ه / 1512م ، حيث بدأ (القزلباش) يتخلون عن الاعتقاد الغالي به انه موجود الهي أو نصف الهي أو انه ظل الله في الأرض ، ويخرجون على سلطته ويتقاتلون فيما بينهم . 6

وقد ساعدت الأرضية الصوفية للحركة الصفوية : الشاه اسماعيل على ادعاء الكشف والارتباط الشخصي بالأئمة المعصومين وأخذ التعليمات المباشرة منهم ، وهو ما أعطاه سلطة دينية ودنيوية مطلقة . 7

وبالرغم من حدوث تطورات فكرية سياسية عديدة ، فقد ظلت نظرية الدولة الصفوية الأولى (نيابة السلاطين عن المهدي ) حاكمة ، بشكل أو بأخر ، آلي وقت طويل . وامتدت حتى ما بعد انهيار الدولة الصوفية .. ويذكر المؤرخون: ان الميرزا عبد الحسين ملا باشي (رئيس العلماء) أيام نادر شاه قد عارض هذا الأخير الذي جاء بعد انقراض الدولة الصفوية وقال:· ان الشرعية مع السلالة الصفوية المتمثلة في ( طهماسب ميرزا ) أو ولده (عباس ميرزا) فقتله نادر شاه . 8

وقد قامت بعض الحكومات اللاحقة في إيران باسم الصفويين ولم يعلن (كريم خان زند) الذي سيطر على إيران نفسه ملكا على البلاد ، بل :· صغيرا من آل الصفوي وحاول (القاجاريون ) البحث عن رابط دموي مع عائلة الصفوية ، واراد الشاه الأول في تلك السلالة :(فتح علي شاه) ان يعلن نفسه شاها (صفويا) لرابطة القرابة معهم ، ولكن رؤساء القاجار منعوه . 9

ومن الجدير بالذكر ان الملوك الصفويين لم يكونوا يلتزمون بصورة عامة - ما عدا بعضهم - بالشريعة الإسلامية واحكام الدين الحنيف ، فكانوا يشربون الخمر ويمارسون التعذيب والقتل العشوائي ويرتكبون المحرمات كما يحلو لهم. وكان حكمهم لا يختلف عن أي حكم ديكتاتوري طغياني فاسد . 10

وقد غطت الدولة الصفوية على تناقضها الكبير هذا ، وانقلابها على التشيع ، بجملة طقوس وشعارات متطرفة أساءت آلي الشيعة والتشيع عبر التاريخ .. كسب الخلفاء الثلاثة على المنابر وفي الشوارع ، وهو منهج مناقض لسيرة أهل البيت (ع) واخلاق الشيعة الجعفرية ، وإقحام الشهادة الثالثة ( اشهد ان عليا ولي الله) في الأذان ، وهو عمل كان بعض المتطرفين الغلاة في القرن الرابع الهجري قد حاول تنفيذه ، ولكن العلماء الشيعة الامامية رفضوه بشدة واعتبروه بدعة محرمة . كما يقول الشيخ الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) . وكذلك التطرف في إحياء الشعائر الحسينية من العزاء واللطم والاعلام والأبواق وصنع (التربة) للسجود في الصلاة.

وكان أسوأ عمل قام به الصفويون هو إجبار الناس على التحول بالقوة آلي المذهب (الاثني عشري) وقتل الألوف من الناس والعلماء من المذاهب الأخرى .. الأمر الذي أدى آلي ردة فعل عنيفة من قبل الدولة العثمانية وإبادة الكثير من الشيعة هنا وهناك ، والتسبب في تمزيق الوحدة الإسلامية وزرع الأحقاد الطائفية بين الشيعة والسنة منذ ذلك الحين آلي اليوم.

لقد كان التشيع قبلئذ.. منهجا ثوريا و نظرية سياسية تختلف مع الآخرين حول النظام الدستوري للمسلمين ، وان الخلافة بالشورى أو بالوراثة لهذا البيت الهاشمي أو ذاك.. ولم يكن التشيع أبدا فكرا طائفيا يعادي أبناء الأمة ، أو يشكل دائرة منعزلة ضيقة في مقابل دائرة الأمة الإسلامية الواسعة.. بل كان تيارا سياسيا فقهيا في قلب الأمة، فجاء الصفويون وجردوا التشيع من روحه العلوية الحسينية الجعفرية ومسخوه آلي عقدة طائفية مستعصية ومعادية للمسلمين.

وكان الصفويون بعد ذلك ابعد الناس عن أخلاق أهل البيت (ع) في الزهد والحلم والتواضع ، إذ كانوا يتصارعون فيما بينهم ويقتل بعضهم بعضا من اجل السلطة.. وكان كثير من ملوكهم يقتلون أولادهم وإخوانهم وأرحامهم ويقتلعون عيونهم ويمثلون بهم في صراعهم من اجل السلطة ، وفي الحقيقة ربما كانوا اسوء من الامويين والعباسيين والحكام الظلمة الذين سبقوهم أو لحقوهم ..

ولا زال الشيعة آلي اليوم يدفعون ثمن سياساتهم الخاطئة ويعانون من البدع التي ادخلوها في الثقافة الشيعية الشعبية .

ولسنا بصدد دراسة تاريخ الصفويين.. وإنما أردنا الإشارة آلي دور الحركة الصفوية في تطور الفكر السياسي الشيعي ، والقول : بأن بروز التجربة الصفوية كان نتيجة الفراغ السياسي الذي كان يهيمن على الشيعة في ظل نظرية الانتظار السلبية الانعزالية ، في تلك الأيام ، واستغلال الشاه اسماعيل لنظرية (الأمام المهدي الغائب ) في اخذ الشرعية لنظامه الاستبدادي المطلق المناقض لروح التشيع . فعندما يجمد الفكر ويتحجر العلماء وينامون على أفكار خاطئة كنظرية الانتظار ، فانه لا بد ان يأتي من يرفض تلك الأفكار ، وإذا لم يجد امامه الفكر السليم فانه قد يلجأ آلي إنتاج أفكار خاطئة أخرى ، قد تكون أشد خطورة من الأفكار السابقة.. وهكذا كانت الأيديولوجية الصفوية أشد خطورة من نظرية الانتظار.

بالرغم من كل ذلك.. فقد استهوت التجربة الصفوية ، في بدايتها : الشيعة المضطهدين في العراق وجبل عامل والبحرين ، وذهب العلماء بالخصوص ، ليدعموا تأسيس الدولة ·الشيعية الوليدة.. وعندما شاهدوا الواقع الصفوي السلطوي الظالم والمخادع انكفأ بعضهم راجعا آلي (النجف) وأنكر على الشاه اسماعيل دعاوى (النيابة الخاصة عن الأمام المهدي).

 

الكركي يجيز الملوك

وكان أحد هؤلاء العلماء هو الشيخ المحقق علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي (جبل عامل) الذي ذهب آلي إيران وعاد منها سنة 916 ه وجلس في الحوزة العلمية في النجف ليطور نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الأمام المهدي) التي كانت حتى ذلك الحين نظرية جزئية محدودة غير سياسية .. يطورها آلي نظرية سياسية متقدمة ، متأثرا بقيام الدولة الصفوية وزوال ظروف التقية ، فقال في (جامع المقاصد):· ان الفقيه المأمون الجامع لشرائط الفتوى منصوب من قبل الأمام (المهدي) ولهذا تمضي أحكامه ويجب مساعدته على إقامة الحدود والقضاء بين الناس . 11

وجزم بأن للفقهاء حال الغيبة (غيبة الأمام المهدي) إقامة الحدود ، (12) وأجاز للفقيه الجامع للشرائط تولي القتل والجرح إذا تطلبهما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . (13)

ومدّ صلاحيات الفقيه من الحدود والقضاء آلي صلاة الجمعة ، وقال مستنكرا:· لا يقال : الفقيه منصوب للحكم والإفتاء ، والصلاة أمر خارج عنهما ، لأنا نقول: ان هذا في غاية السقوط ، لأن الفقيه منصوب من قبلهم (ع) حاكما كما نطقت به الأخبار... ومن هنا فقد رفض فعل الجمعة في (الغيبة) بدون حضور الفقيه الجامع للشرائط . 14

وألّف المحقق الكركي ، لأول مرة في التاريخ الشيعي في (عصر الغيبة) رسالة في تحليل الخراج أسماها :( قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج ) وقال فيها:· ثبت بطريق أهل البيت : ان ارض العراق ونحوها مما فتح عنوة بالسيف لا يملكها مالك خاص بل للمسلمين قاطبة ، يؤخذ منها الخراج والمقاسمة ويصرف في مصارفه التي بها رواج الدين بأمر امام الحق من أهل البيت ، كما وقع في أيام أمير المؤمنين. وفي حال غيبته (عليه السلام) قد إذن أئمتنا (ع) لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور . 15

وقد عزز المحقق في فتاواه هذه موقع العلماء في الدولة الصفوية ، وسلب من الصفويين الشرعية الدستورية ، بعد ان حصرها بيد الفقهاء الأمناء (نواب الأمام المهدي العامين) رافضا الاعتراف بادعاءات الشاه اسماعيل بالنيابة الخاصة المزعومة عن طريق اللقاء السري بالإمام المهدي أو الأمام علي في المنام ، دون ان يصرح بذلك .

وفيما كان المحقق الكركي يقبع في النجف الاشرف منطويا على الشرعية الدستورية متسلحا بنظرية (النيابة العامة) كان الشاه اسماعيل يمضي في حكمه بمنطق القوة غير آبه يقول الكركي ، ليموت بعد ثلاثة وعشرين عاما من الحكم المطلق في سنة 930 ه ويخلف ولده طهماسب البالغ من العمر عشر سنين وريثا على العرش . وهذا ما تسبب في تفجر صراعات داخلية بين أقطاب الصوفية (القزلباشية ) مما أدى آلي أضعاف موقعهم المعنوي وانهيار شرعيتهم (الثورية)..

وعندما نضج طهماسب واصبح في التاسعة عشرة من عمره قرر ان يستعين بالفقهاء (نواب الأمام المهدي العامين) لكي يعزز من شرعيته الدستورية ، ويضرب (القزلباشية) المتصارعين حول السلطة ، فاستدعى الشيخ علي الكركي من النجف الاشرف وكتب إليه في نهاية عام 939 ه رسالة تعبر عن التزامه بنظرية (النيابة العامة ) جاء فيها:

- · ... آلي من اختص برتبة أئمة الهدى (ع) في هذا الزمان ... نائب الأمام ...

بهمة عالية ونية صادقة نأمر جميع السادات العظام والأكابر والأشراف الفخام والأمراء والوزراء وجميع أركان الدولة ان يقتدوا بالمشار إليه ويجعلوه امامهم ويطيعوه في جميع الأمور ، وينقادوا له ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه ، ويعزل كل من يعزله من المتصدين للأمور الشرعية في الدولة والجيش ، وينصب كل من ينصبه ، ولا يحتاج في العزل والنصب آلي أي وثيقة أخرى . 16

 واصدر الشاه طهماسب فرمانا عاما بهذه الصورة:

· بسم الله الرحمن الرحيم ...

بما ان مؤدى حقيقة حديث الأمام الصادق (ع) الذي يقول فيه (انظروا آلي من كان قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما ، فإذا حكم بحكم فمن لم يقبله منه فانما بحكم الله استخف وعلينا رد وهو راد على الله وهو على حد الشرك بالله ) فان مخالفة حكم المجتهدين حفظة شرع سيد المرسلين بدرجة الشرك ، لذا فان مخالفة خاتم المجتهدين وارث علوم سيد المرسلين نائب الأئمة المعصومين لا زال كاسمه العلي عليا عاليا ، وعدم متابعته يعتبر ملعونا بكل تأكيد ومطرودا من الدولة ومحاسبا ومعاقبا .

كتبه

طهماسب بن شاه اسماعيل

الصفوي الموسوي

 

يقول السيد نعمة الله الجزائري في صدر كتابه (شرح غوالي اللئاليء):· لما قدم الشيخ الكركي آلي اصفهان وقزوين في عصر السلطان العادل طهماسب مكّنه من الملك والسلطان وقال له: انت أحق بالملك لأنك النائب عن الأمام ، وإنما أكون من عمالك ، أقوم بأوامرك ونواهيك وقد أعطى الكركي الشاه طهماسب إجازة لحكم البلاد بالوكالة عن نفسه باعتباره نائبا عن الأمام المهدي ، ولقبه الشاه بنائب الأمام وعينه (شيخا للإسلام) .

 ولكن الشيخ الكركي لم يهنأ بمنصبه طويلا حيث توفي في نفس السنة (940ه ) وقيل انه مات مسموما من قبل بعض أمراء (القزلباشية) الذين لم يوافقوا على تعيينه في ذلك المنصب الكبير . 17

وبرغم هذا التطور الكبير العملي والنظري في الفكر السياسي الشيعي ، فان المحقق الكركي لم يتخلص تماما من شوائب نظرية (التقية والانتظار) ولم يؤمن بشرعية الدولة الصفوية الحائزة على إجازته كفقيه (نائب للإمام) ، بصورة تامة ، وكأنها دولة (الأمام المعصوم) . ولذلك لم يوجب دفع الزكاة إليها أو آلي الفقيه ، وإنما قال بدفعها آلي الفقيه استحبابا . واسقط سهم المؤلفة قلوبهم والساعي والغازي حال (الغيبة ) إلا مع الحاجة آلي الجهاد . 18

وقال في (الخمس) بالتخيير بين صرف سهم الأمام أو حفظه آلي حين ظهوره . (المصدر)

ولم يفت بوجوب صلاة الجمعة بصورة عينية ، وإنما أجاز للفقهاء إقامتها باعتبارهم (نوابا عامين عن الأمام المهدي) كما لم يفت بجواز الجهاد في (عصر الغيبة) واشترط الإذن الخاص من الأمام المعصوم ، ولم يطور نظرية (النيابة العامة) لكي تشمل جميع أبواب الحياة المعطلة في (عصر الغيبة) .

 وإضافة آلي ذلك فان نظرية ( النيابة العامة ) لم تأخذ طريقها بسهولة بين عامة الناس وأركان الدولة الصفوية أصحاب الطريقة الصوفية ، ولذلك فقد تخلى عنها الشاه اسماعيل الثاني بن طهماسب بعد وفاة أبيه ، وابتعد عن العلماء الذين اتهمهم باللعب بأبيه وقلّص نفوذهم فاتهموه بالميل آلي التسنن . 19

 

نظرية ( الملكية المستقلة )

كما تخلى عنها بعض الفقهاء الذين كانوا يشعرون بالحاجة الماسة آلي إقامة الدولة في (عصر الغيبة) ولم يكونوا يؤمنون بقوة بنظرية (النيابة العامة) كالسيد محمد باقر السبزواري ( 1018 - 1090 ه ) الذي قام بخطوة ثورية جدا عندما دعى لتأسيس الملكية المستقلة بعيدا عن نظرية (النيابة العامة) أو (ولاية الفقيه) وذلك على ضوء الحاجة الماسّة لإقامة الدولة الإسلامية في (عصر الغيبة) وحاول الالتفاف على نظرية الغيبة والانتظار التي تشترط العصمة والنص في الأمام فقال في :(روضة الأنوار):· لا يخلو زمان من حجة ، ولكن في بعض الأوقات يغيب عن أبصار الناس لأسباب ومصالح ، ولكن العالم ليس بعيدا عن ألطافه وبركاته... ونحن الآن في هذه الدورة من الغيبة إذا لا يوجد سلطان عادل وقوي يدير العالم ويحكمه ، فان الأمور تنتهي آلي الفوضى والهرج والمرج وتصبح الحياة غير قابلة للتحمل بالنسبة لكل شخص ، لذلك لا بد للناس من الخضوع تحت سيطرة ملك يحكم بالعدل ويتبع سيرة وسنة الأمام .وان وظائف هذا الملك عبارة عن:

1 1- اتباع سيرة وسنة الأمام .

2- دفع شر الظالمين.

3- حفظ الرعية أمانة الله القادر المتعال.

4- حفظ كل مواطن بوضعه المناسب.

5- حماية المؤمنين من غلبة الكفار والمرتدين.

6- اشاعة ونشر كلام الشريعة .

7- تقوية المؤمنين والمتدينين.

8- الاجتناب عن أموال الرعية وما يملكون.

9- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

10- حفظ أمن الشوارع والحدود. 20

وقد استخدم السبزواري مقولة المتكلمين الاماميين الأولى العقلية وهي :(عدم جواز خلو الأرض من امام ) بمعنى الرئيس أو الملك ، ولما لم يجد امامه إمكانية لاشتراط العصمة أو النص أو السلالة العلوية الحسينية في هذا (الأمام أو الملك أو الرئيس المعاصر) فلم يشترط فيه شيئا من ذلك..

وفي خضم هذا الصراع بين التيارات المختلفة وبين الواقع والفكر .. كان بعض الملوك الصفويين والقاجاريين يستميلون الفقهاء · نواب الأمام المهدي ويأخذون منهم إجازات للحكم باسمهم ، وقد اصبح بعض العلماء كالعلامة المجلسي (صاحب موسوعة بحار الأنوار) وزيرا لبعض الملوك .

 ومع ذلك فان نظرية (إجازة الملوك ) أو التحالف بين الفقهاء والملوك لم تمنح نظام الحكم الشرعية الكاملة ، حيث ظل الفقهاء يعتبرون الملوك غاصبين لحق الإمامة الخاص بالأئمة المعصومين المعينين من قبل الله تعالى ، وظل عامة الفقهاء حتى الذين تعاونوا مع الدولة متأثرين بنظرية :( التقية و الانتظار) في عدة جوانب . وهذا ما أدى لاحقاً آلي تطورات مختلفة لدى الفقهاء والملوك من اجل تطوير الفكر السياسي وحل · عقدة الشرعية المزمنة في الفكر السياسي الشيعي في ظل : (الغيبة) .