|
الفقيه يتولى إخراج الزكاة رأينا في الفصل الماضي في مبحث الزكاة : ان أصحاب نظرية :(التقية والانتظار) قد اسقطوا الحصص المتعلقة بالدولة من الزكاة كحصص العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي سبيل الله ، وذلك لتحريمهم إقامة الدولة في عصر (الغيبة) وانهم لم يسقطوا وجوب دفع الزكاة كلها ، وإنما قالوا بضرورة صرف الزكاة في المصارف الباقية كالفقراء والمساكين وابن السبيل وما شابه . وقد سجل علماء الشيعة الامامية الأوائل أقوالا إيجابية نسبيا في هذا الموضوع ، لأنهم لم يكونوا يعتبرون الزكاة أموالا خاصة للإمام ، وبالرغم من وجود أزمة الدولة في عصر الغيبة ، إلا انهم وجدوا حلا مبكرا لها ، وذلك بإعطائها إلى الفقيه ، ليس باعتباره نائبا عن (الإمام المهدي ) ، حيث لم تكن نظرية (النيابة ) قد تبلورت بعد ، وإنما باعتباره اعرف بموارد توزيعها . وقد كان موضوع المتولي لإخراج الزكاة في عصر الغيبة ، إحدى النوافذ التي عبر من خلالها الفقهاء من نظرية (التقية والانتظار) إلى نظرية (النيابة العامة) أو (ولاية الفقيه) . وقد بكر الشيخ المفيد باقتراح دفع الزكاة إلى الفقهاء المأمونين من الشيعة في عصر الغيبة ، وقال في :(المقنعة) باب وجوب إخراج الزكاة إلى الإمام :· إذا عدم (السفراء ) بين (الإمام) وبين رعيته وجب حملها إلى الفقهاء المأمونين من أهل ولايته ، لأن الفقيه اعرف بموضعها ممن لا فقه له في ديانته . 1 وقد استند المفيد في فتواه هذه على معرفة الفقيه بمواضع الزكاة ، ولم يشر إلى وجود رواية خاصة في الموضوع ، ولكن السيد المرتضى أشار إلى وجود هكذا رواية ، فقال في :(جمل العلم والعمل) باب كيفية إخراج الزكاة :· ان تعذر ذلك (إيصالها إلى الإمام أو إلى خلفائه) فقد روي إخراجها إلى الفقهاء المأمونين يضعونها في مواضعها . 2 إلا ان المرتضى لم يذكر الرواية ، ولا الراوي ولا المصدر الذي استند إليه ، ولذلك عبر عنه بصيغة المجهول ، ولذلك لم يلتزم بوجوب تسليم الزكاة إلى الفقهاء ، وأجاز إخراج المالك لها وتوزيعها . 3 ومن هنا فلم يقل الطوسي بوجوب إخراج الزكاة إلى الفقيه كما قال المفيد ، وإنما اكتفى في :(المبسوط) بتفضيل دفعها إلى العلماء ليتولوا تفريقها لأنهم اعرف بمواضعها ، وقال باستحباب حمل الفطرة إلى الإمام ، أو إلى العلماء ليضعها حيث يراه . 4 وبالرغم من تبني أبى الصلاح الحلبي في :(الكافي في الفقه) لنظرية :(النيابة العامة) في مجال الحدود ، إلا انه لم يتحدث عن تلك النظرية في مجال الزكاة ، ولم يشر إلى وجوب دفع الزكاة إلى الفقيه أو استحبابه أو لزومه ، كما لم يشر إلى فلسفة الحكم من كون الفقيه اعرف بمواضع صرف الزكاة أو وجود رواية في الموضوع ، وإنما اكتفى بالقول بدفع الزكاة إلى الفقيه في حالة تعذر إيصالها إلى الإمام في عصر الغيبة ، مع إجازته للمالك بتوزيعها بنفسه . 5 اما القاضي ابن براج فكان اشد في :(المهذب) حيث أوجب حمل الزكاة إلى فقهاء الشيعة في عصر غيبة الإمام (ع) وبرر ذلك بأنهم اعرف بمواضعها . 6 وبالرغم من قول المحقق الحلي نجم الدين جعفر بن الحسن في :(شرائع الإسلام) بنظرية (النيابة العامة) في باب الخمس ، إلا انه أوصى بدفع الزكاة إلى الفقيه المأمون من الامامية إذا لم يكن الإمام (ع) موجودا ، ولم يشر إلى موضوع (النيابة العامة) وإنما اكتفى بالقول:· فانه ابصر بمواضعها . 7 وقد فعل نفس الشيء في :(المختصر النافع) حيث أشار إلى دفع الزكاة إلى الفقيه المأمون مع فقد الإمام (ع) من دون الإشارة إلى نظرية (النيابة العامة) . وكان العلامة الحلي أول من طرح نظرية (النيابة العامة) في مجال الزكاة ، وقال في :(نهاية الأحكام ) :· لو تعذر الإمام فالأولى صرفها إلى الفقيه المأمون ، وكذا حال الغيبة ، لأنه اعرف بمواقعها ، ولأنه نائب الإمام عليه السلام ، فكان له ولاية ما يتولاه . 8 ولكنه لم يوجب الصرف إلى الفقيه ، وإنما عبر عنه بالأولوية ، ولم يقدم أدلة خاصة حول نيابة الفقيه وحقه في استلام الزكاة ، ولم يشر إلى وجود رواية في الموضوع كما أشار السيد المرتضى إلى ذلك . ومع ان المحقق الكركي كان يؤمن بنظرية (النيابة العامة) التي منح على ضوئها الشرعية للسلطان الصفوي (طهماسب بن اسماعيل) إلا انه لم يوجب حمل الزكاة إلى الفقيه أو السلطان الشيعي ، وقال في :(جامع المقاصد) باستحباب دفع الزكاة إلى الفقيه المأمون حال غيبة الإمام ، ولم يتحدث حتى عن الاستحباب في زكاة الفطرة ، بل اكتفى باقتراح الدفع إلى الفقيه مع الغيبة ، وذلك دون ان يشير إلى نظرية (النيابة العامة) . 9 وقد استغرب الشهيد الثاني في :(مسالك الافهام في شرح شرائع الإسلام) من قول المحقق الحلي بأولوية دفع الزكاة إلى الإمام ، وذكر ان المشهور هو الاستحباب ، كما ذكر قول جماعة من العلماء بالوجوب ، وقال:· ان القائل بوجوب دفعها للإمام ابتداء أوجب دفعها مع غيبته إلى الفقيه المأمون . 10 وربما كان القول بالاستحباب مبني على ضعف المبرر ، وهو (اعلمية الفقيه) بمواضع صرف الزكاة ، وعدم تشكيل ذلك مبررا كافيا للقول بالوجوب ، إضافة إلى عدم ثبوت نظرية :(النيابة العامة) . ولذلك لم يجد كثير من العلماء ربطا كافيا بين وجوب الدفع إلى الإمام (ع) وبين وجوب الدفع إلى الفقيه ، وقالوا بالاستحباب ، وكان من هؤلاء المقدس الاردبيلي الذي قال في :(مجمع الفائدة والبرهان) باستحباب دفع الزكاة إلى الفقيه حال الغيبة ، بالرغم من الاستدلال على ذلك بدليلي :(الاعلمية بمواقع الصرف) و ( خلافة الفقيه للإمام) . 11 وأشار إلى القول بالوجوب بعد تبني القول بالاستحباب في :(ذخيرة المعاد). 12 وقد سجل المقدس الاردبيلي ولأول مرة في تاريخ الفقهاء الامامية في عصر الغيبة ملاحظات على سقوط سهم (المؤلفة قلوبهم والعاملين عليها وفي سبيل الله ) ورفض القبول بالإطلاق ، فدعى إلى التأمل ، وقال بإمكانية الحاجة إلى كل ذلك بإذن الحاكم في عصر الغيبة . 13 ويبدو ان المقصود من (الحاكم) في نظر الاردبيلي هو :(الفقيه العادل) الذي عبر عنه ب :( خليفة الإمام ) . 14 وبالرغم من عدم إشارة محمد باقر السبزواري في(كفاية الأحكام) : إلى دليلي:(الاعلمية ) و (النيابة العامة) إلا انه مال إلى القول بوجوب تسليم الزكاة إلى الفقيه في حال الغيبة احتياطا ، وأشار إلى القول بالوجوب بعد تبني القول بالاستحباب في :(ذخيرة المعاد) . 15 وتمسك الفيض الكاشاني في :(مفاتيح الشريعة) بحجة اعلمية الفقهاء بمواقع الزكاة ، فاقترح دفعها إليهم في عصر الغيبة ، مع تجويزه بتفريق المالك لها بنفسه . 16 ومع تأكيد الشيخ جعفر كاشف الغطاء لموضوع (النيابة العامة) في :(كشف الغطاء) إلا انه أفتى بالاستحباب ، وصرح بضعف القول بالوجوب. 17 وتردد الشيخ محمد حسن النجفي في :(جواهر الكلام) بين الاستحباب على أساس :(اعلميته بمواقع الصرف) أو الوجوب على أساس :(نيابته عن الإمام) . 18 ومع استبعاده لإمكانية إقامة الدولة في عصر الغيبة انطلاقا بأيمانه بنظرية :(الخوف والتقية والانتظار) إلى ظهور المهدي ، وارتباط الأسهم الثلاثة بوجود الإمام ، فانه قال بإمكانية قيام الفقهاء بجبايتها بناء على عموم نيابته عن الإمام المهدي ، ووجوب إجابته لذلك · لأنه نائب للإمام كالساعي ، بل أقوى منه لنيابته عنه في جميع ما كان للإمام ، والساعي إنما هو وكيل للإمام في عمل مخصوص كما يقول الشهيد الأول في اللمعة الدمشقية . 19 وقد رد (صاحب الجواهر) على الاصفهاني (الشارح للمعة الدمشقية) في تفريقه بين الساعي المعين من قبل الإمام الذي لا يجوز رده وبين الفقيه الذي لم يعلم أمر من الأئمة (ع) بإطاعته في كل شيء ، فقال:· ان إطلاق أدلة حكومة الفقيه ، خصوصا رواية النصب التي وردت عن صاحب الأمر (ع) يصيّره من أولي الأمر الذين أوجب الله علينا طاعتهم ، نعم من المعلوم اختصاصه في كل ماله في الشرع مدخلية حكما أو موضوعا ، ودعوى اختصاص ولايته بالأحكام الشرعية يدفعها معلومية توليته كثيرا من الأمور التي لا ترجع إلى الأحكام كحفظه لمال الأطفال والمجانين والغائبين ، ويمكن تحصيل الإجماع عليه من الفقهاء ، فانهم لا يزالون يذكرون ولايته في مقامات عديدة لا دليل عليها سوى الإطلاق الذي ذكرناه المؤيد بمسيس الحاجة إلى ذلك اشد من مسيسها في الأحكام الشرعية . 20 وهكذا كان القول بنظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي ) نافذة إيجابية نسبيا أدت إلى القول بتولي الفقيه إخراج الزكاة وتوزيعها على المستحقين ، ولكنه لم يتخذ صفة الوجوب والإلزام إلا عند نادر من الفقهاء ، ومع ذلك فان القول بأعلمية الفقيه بمواضع صرف الزكاة أو نيابته عن الإمام شكل خطوة نحو الإمام على طريق إقامة الدولة في عصر الغيبة والخروج من نظرية :(التقية والانتظار).
|