|
دور الإعلام في تكريس الفرضية المهدوية السؤال الذي يفرض نفسه الآن .. بعد وضوح تأليف نظرية (المهدي محمد بن الحسن العسكري ) من قبل الغلاة والمتكلمين وأدعياء النيابة المستفيدين ، وتبين عدم وجود رصيد لها من الواقع والحقيقة ، وانها لم تكن الا فرضية وهمية اخترعت في عصر (الحيرة) التي أعقبت وفاة الامام العسكري دون ولد يرثه في الإمامة .. السؤال هو: كيف إذن شقت هذه النظرية أو الفرضية طريقها الى عقول وقلوب ملايين المسلمين من الشيعة الامامية الاثني عشرية ، وغيرهم عبر التاريخ؟ وكيف أصبحت عقيدة راسخة وقوية ؟ في الإجابة على هذا السؤال لا بد ان نقول أولا : - ان الشيعة الأوائل في عصر الأئمة من أهل البيت (ع) لم يعرفوا هذه النظرية بتاتا ، كما لم يعرفها الشيعة بعد وفاة الامام الحسن العسكري مباشرة ، وقد احتار الامامية في أمرهم عندما لم يجدوا له خلفا ظاهرا ، وكان المهدي مجهولا لديهم بالمرة وغامضا غير محدد في شخص معين ، وقد قالت فرقة واحدة من أربعة عشر فرقة بنظرية وجود ولد للامام العسكري ، مما يعني ان الشيعة لم يجمعوا على هذه النظرية في فترة (الغيبة الصغرى) وربما مال اليها بعض الشيعة الامامية . ثم .. ان عامة الشيعة تراجعوا عن هذا القول بعد حوالي خمسين عاما ، وقد سجل الكليني في (الكافي) والخصيبي في (الهداية الكبرى ) ظاهرة التراجع عن القول بوجود الولد عند قوم من أهل المدينة من الطالبيين . وقال تلميذ الكليني : محمد بن ابي زينب النعماني (توفي سنة 340ه ) في (الغيبة):·انا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة الى التشيع ممن يقول بالإمامة .. قد تفرقت كلمتها وتشعبت مذاهبها.. وشكوا جميعا الا القليل في امام زمانهم وولي أمرهم وحجة ربهم ... فلم يزل الشك والارتياب قادحين في قلوبهم... حتى أداهم ذلك الى التيه والحيرة والعمى والضلالة ، ولم يبقَ منهم الا القليل النزر . وقال في موضع آخر من كتابه:· أي حيرة اعظم من هذه الحيرة التي أخرجت من هذا الأمر الخلق الكثير والجم الغفير؟.. ولم يبقَ ممن كان فيه الا النزر اليسير ، وذلك لشك الناس . وروى النعماني مجموعة من الروايات التي تتحدث عن وقوع الحيرة بعد الغيبة ، ووصف حالة الحيرة التي عمت الشيعة في ذلك الوقت ، فقال:· ان الجمهور منهم يقول في (الخلف) أين هو؟ وأنى يكون هذا ؟ والى متى يغيب؟ وكم يعيش؟ هذا وله الآن نيّف وثمانون سنة ؟ فمنهم من يذهب الى انه ميت ، ومنهم من ينكر ولادته ويجحد وجوده بواحدة ، ويستهزئ بالمصدق به ، ومنهم من يستبعد المدة ويستطيل الأمد . وقال: · شذّ الأكثر ممن كان متقدما وطار يمينا وشمالا .. وتفرق الناس عنه (الخلف) ويأسهم منه واستهزائهم بالمعتقد لإمامته ونسبتهم إياهم الى العجز . ووصف القائلين بوجود (الامام الثاني عشر) ب : · الشرذمة المنفردة عن هذا الخلق الكثير المدعين للتشيع الذين تفرقت بهم الأهواء.. واستوحشوا من التصديق بوجود الامام مع فقدان شخصه وطول غيبته . كما أشار الشيخ محمد بن علي بن بابويه الصدوق (توفي سنة 381 ه ) في مقدمة كتابه :( إكمال الدين واتمام النعمة) الى حالة الحيرة التي عصفت بالشيعة ، وقال:· وجدت اكثر المختلفين اليّ من الشيعة قد حيرتهم الغيبة ودخلت عليهم في أمر القائم الشبهة وعدلوا عن طريق التسليم الى الآراء والمقاييس.. وورد الينا شيخ من بخارى من أهل الفضل والعلم والنباهة ببلد قم ، فبينا هو يحدثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارى من كبار الفلاسفة والمنطقيين كلاما في القائم قد حيره وشككه في أمره . وقد ذكر الكليني والنعماني والصدوق مجموعة من الروايات التي تؤكد وقوع الحيرة بعد غيبة صاحب الأمر واختلاف الشيعة وتشتتهم في ذلك العصر ، واتهام بعضهم بعضا بالكذب والكفر ، والتفل في وجوههم ولعنهم ، وانكفاء الشيعة كما تكفأ السفينة في أمواج البحر ، وتكسرهم كتكسر الزجاج أو الفخار ، وقولهم بموت صاحب الأمر ، وارتدادهم وعدم البقاء على أمره الا يسيرا منهم . وبغض النظر عن مناقشة هذه الروايات المختلقة أو المستوردة من الفرق الشيعية والحركات المهدوية القديمة ، فان نقل الكليني والنعماني والخصيبي والصدوق وغيرهم لها ، وتطبيقهم لها على الشيعة في القرن الرابع ، يكشف عن تراجع عامة الشيعة عن القول بوجود (محمد بن الحسن العسكري) بعد قول فئة منهم بذلك فترة من الزمن. وإذا كانت النظرية قد أصبحت في وقت لاحق عند قسم من الشيعة الامامية وهم (الاثني عشرية) أشبه بالعقيدة الراسخة التي لا تقبل الجدل أو النقاش ، فليس ذلك الا بسبب عملية إعلامية كبرى قام بها أدعياء النيابة وأعوانهم ، وامتدت آثارها الى اليوم . كانت العملية الإعلامية تتألف من عدة أمور ، هي : 1 - التلفيق الروائي ، واختلاق الأحاديث المختلفة حول (الاثني عشرية والمهدي) . وقد مرّ عرضها ونقدها في الفصل الخاص بالأدلة النقلية حول إثبات المهدي . 2 - الإرهاب الإعلامي ، وقد استخدم أصحاب النظرية ، بالإضافة الى ذلك ، قسما آخر من الروايات الهجومية التي تتهم من لا يؤمن بالمهدي المفترض :(محمد بن الحسن العسكري) بالكفر والردة والفسق والضلال ، والتي تساوي بين إنكار (وجود ) المهدي وإنكار الرسول الأعظم ، وتكذيبه والجحد بنبوته . واعتمدت الحملة الإعلامية على بعض الأحاديث القديمة التي تعتبر من يموت ولا يعرف امام زمانه كأنه قد مات ميتة جاهلية ، وفسرتها بمعرفة (صاحب الزمان وامام العصر المهدي المنتظر) واعتبرت كل من لم يعرفه ومن لم يؤمن به بأنه سوف يموت ميتة جاهلية ، وذلك بالرغم من عدم وجود طريق الى معرفته والالتفاف حوله ونصرته والانقياد اليه. وقال محمد بن عثمان العمري (النائب الثاني) : انه سمع الحسن العسكري يقول: · من مات ولم يعرف ابني مات ميتة جاهلية . وذهب العمري شأواً بعيدا جدا في هجومه الإعلامي حيث اعتبر المشككين بوجود المهدي مفارقين للدين ومرتابين ومعاندين للحق ، وأخرج (توقيعا) باسم المهدي يندد بمن لا يؤمن به ويهدده بالويل الوخيم . وقد ساعد الشيخ ابو عبد الله جعفر الحميري القمي وسعد بن عبد الله الاشعري القمي على نشر تلك الرسالة في صفوف الشيعة. 3 - الأدعية والزيارات ، وربما كانت الأدعية والزيارات أهم عمل إعلامي ساهم في ترسيخ نظرية (المهدي محمد بن الحسن) بين الشيعة ، وذلك لما لهذه الادعية والزيارات من دور حيوي مؤثر في حياة الناس ، حيث يدأب الشيعة على قراءة الادعية عقيب كل صلاة وفي جميع المناسبات الدينية ، ويحرصون على زيارة قبور الأئمة دائما وفي الجمعات. والأدعية والزيارات المتداولة بين الشيعة حول المهدي والقائم تنقسم الى قسمين : أ - أدعية عامة وغير محددة بمحمد بن الحسن العسكري ، وانما تدور حول القائم أو المهدي المطلق ، كدعاء صاحب الأمر ، أو الدعاء في غيبة الامام ، وهي مروية عن الأئمة السابقين كالباقر والصادق والكاظم والرضا ، مما ينسجم مع العمومية التي كانت تلف موضوع المهدي نفسه وعدم تحديد هويته في زمن الأئمة ، الأمر الذي بحثناه في الفصول الماضية ، وهو ما يوحي بأن هذه الادعية والزيارات مستوردة من التراث الشيعي القديم أو الفرق الشيعية المختلفة كالواقفية التي كانت تقول بمهدوية الامام الكاظم ، وقد طبق الشيعة المتأخرون تلك الادعية والزيارات على المهدي (محمد بن الحسن) الذي افترضوا وجوده ، حتى لم يعد لها من مفهوم سوى هذا (الامام المهدي) ، ولم يعد أحد ينتبه الى عمومية الروايات وعدم تحديد المصداق الخاص بها . ب - أدعية خاصة محددة بمحمد بن الحسن العسكري ، كأدعية شهر رمضان ودعاء الافتتاح والاختتام واليوم الثالث عشر منه ، ودعاء العهد والندبة ، والزيارات المختلفة لمراقد أهل البيت (ع) وزيارة سرداب الغيبة في سامراء. وهي أدعية وزيارات مؤلفة بصورة مستقلة أو ملفقة من مجموعة روايات ، أو أدعية عامة مضاف اليها اسم المهدي . ومما يميز هذه الادعية والزيارات التي تتحدث عن المهدي وتذكر اسمه بالتحديد ، بعد ان تسرد أسماء الأئمة السابقين واحدا واحدا ، انها تخلو من ذكر السند ، وتعتمد على الإرسال التام ، وهي صادرة عن عثمان بن سعيد العمري (النائب الأول) أو ابنه محمد بن عثمان العمري (النائب الثاني) أو الحسين بن روح النوبختي (النائب الثالث) أو محمد بن جعفر الحميري الذي كان أحد مساعدي العمري في مدينة قم . وقد روى السيد ابن طاووس في (مهج الدعوات) دعاء يقول انه يصلح لأيام الغيبة ، يقول انه رأى في المنام من يعلمه إياه ! () وقد روى المجلسي بالاسناد الى علي بن محمد بن عبد الرحمن البشري ، قال : دخلت مسجد صعصعة (في الكوفة) واذا برجل عليه ثياب الحجاز وعمته كعمتهم قاعد يدعو بهذا الدعاء :( اللهم ياذا المنن السابغة...( ثم سجد طويلا وقام وركب الراحلة وذهب ، فقال صاحبي : هو والله صاحب الزمان . 4 - الطقوس والقصص المرتبطة برؤية المهدي وبالإضافة الى الادعية والزيارات الواردة حول (المهدي) هناك بعض الطقوس المعتادة التي تلعب هي الأخرى دورا إعلاميا مهما في تكريس الاعتقاد بنظرية (وجود المهدي) وتحويلها الى · حقيقة راسخة في أذهان الشيعة ، وذلك مثلا ، كالقيام و أداء التحية والانحناء عند سماع اسم (القائم) وهو ما يفعله عامة الشيعة المتدينين اليوم ومنذ زمن طويل ، الأمر الذي يبعث على الاحترام والخشوع والرهبة والتحسس بوجود المهدي ، والتعامل معه كأنه حي وحاظر في الأوساط. وتلعب القصص الكثيرة التي يتداولها العامة والخاصة من الشيعة حول رؤية بعض الناس أو العلماء للمهدي ولقائهم به ، وهي قصص يسرد المجلسي كمية كبيرة منها في موسوعته :(بحار الأنوار / الجزء 51) .. تلعب دورا كبيرا أيضا في تعزيز نظرية المهدي ، وتحويلها الى قصة قريبة من الواقع ، خاصة وانها تروى عن مجموعة من الزهاد والعباد والعلماء البارزين . وهناك مسجد شهير في الكوفة في العراق يعرف بمسجد السهلة يشتهر بأنه مسجد الامام المهدي ، وان من يدأب على الصلاة فيه أربعين ليلة أربعاء فانه يحضى برؤية المهدي ، وتوجد بعض المساجد هنا وهناك في العراق تعرف ب ( مقامات المهدي) حيث يقال انه قد شوهد (الامام) في تلك الأماكن وهو يصلي فبني فيها مساجد ، وان هذه المساجد أو المقامات تلعب هي الأخرى دورا إعلاميا في تعزيز الإيمان بالنظرية المهدوية (الاثني عشرية) وتحويلها من فرضية الى واقع مادي يعيشه الناس وينظرون إليه بأعينهم. وهكذا يلعب الإعلام المهدوي بكل فقراته وفروعه دورا كبيرا في تعزيز نظرية · وجود الامام المهدي وترسيخها بين أوساط الشيعة ، وتحويلها من فرضية وهمية الى · حقيقة بديهية لا تقبل الجدال !
|