|
دور الغلاة الباطنيين في صنع الفرضية (المهدوية) بعد تهافت الأدلة العقلية والنقلية والتاريخية التي قدمها أصحاب نظرية ( وجود المهدي محمد بن الحسن العسكري) واتضاح ان ذلك القول لم يكن الا ·فرضية اجتهادية سرية افترضها جماعة من الناس ، يأتي السؤال المحير الكبير : من كان وراء ذلك القول الغريب الافتراضي ؟.. وكيف استطاع اولئك الناس إحداثه ؟ وما هي مصلحتهم من وراء ذلك؟ وما هي أجواؤهم الثقافية والعقلية ؟ و لماذا اختاروا القول بوجود ولد للامام العسكري ، بالخصوص من بين الخيارات العديدة التي كانت تواجه الشيعة الأمامية بعد الحيرة ؟ وكيف نجحوا في تسويق نظريتهم ؟ لا يمكن الإجابة على هذه الأسئلة ومعرفة حلولها بدقة ، الا بالرجوع الى الوراء وقراءة التاريخ الشيعي العام خلال القرون الثلاثة الأولى ، والإطلاع على جذور الحركات المهدوية السابقة وعلاقتها بالفرق الباطنية الغالية التي كانت تحاول إلصاق نفسها بأهل البيت (عليهم السلام) .
العلاقة بين الغلو والمهدوية في التجارب السابقة كنا قد استعرضنا في الفصل الثاني قصة نشوء حوالي عشرين حركة مهدوية ، وكان معظمها وليد الحركات المغالية ، وقد رأينا ان أول نظرية مهدوية في التاريخ الشيعي كانت تدور حول الامام أمير المؤمنين (ع) وقد اختلقها الغلاة (السبئية) الذين كانوا يغالون في شخصية الامام علي ويرفعونه الى درجة الربوبية . اما النظرية الثانية فقد كانت حول محمد بن الحنفية ، وقد اختلقها الكيسانية المتأثرين بالسبئية الغلاة ، وخاصة (الكربية( منهم . وكان رجل من الكيسانية الغلاة اسمه ( حمزة بن عمارة البربري ) قد طور نظرية مهدوية ابن الحنفية ، فقال بألوهيته وبنبوة ابن كرب ، وجعل من نفسه إماما مرتبطا بالسماء . وقد تناسلت تلك الحركة المغالية ، بعد ذلك ، الى عدة فرق ، وقالت فرقة منهم تعرف ب :(البيانية) بزعامة (بيان النهدي) قالت: بمهدوية ابي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ، وغلت فيه ، وادعى (بيان) النبوة عن ابي هاشم. كما قال قسم آخر من الكيسانية الغلاة يعرف ب :(الجناحية) ب مهدوية الثائر الطالبي عبد الله بن معاوية بن جعفر الطيار . وقد انتقلت عدوى الغلو من الكيسانية الى بعض الزيدية الذين قالوا بمهدوية (ذي النفس الزكية : محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن) حيث رفض قسم منهم الاعتراف بوفاته وقالوا بغيبته ، وحدث فيهم ما حدث في الحركة الكيسانية ، عندما قام رجل يدعى (المغيرة بن سعيد) بتطوير النظرية المهدوية وادعى الإمامة لنفسه في ظل (غيبة) ذي النفس الزكية ، ثم ترقى به الأمر الى ان ادعى انه رسول نبي ، وان جبرائيل يأتيه بالوحي من عند الله ، كما يقول النوبختي والاشعري . وتسربت روح الغلو بعد ذلك من ( المغيرية) الى (الخطابية) اصحاب ابي الخطاب محمد ين ابي زينب الأجدع ، الذين كانوا يغالون في الامام الصادق (ع) ويؤلهونه ، وقد قالوا بامامة اسماعيل بن جعفر الصادق ورفضوا الاعتراف بوفاته في حياة ابيه ، وقالوا بمهدويته وغيبته . وبالقرب من أجواء الغلو اللامنطقية تلك ، قال فريق آخر من الشيعة الامامية الفطحية بمهدوية (محمد بن عبد الله ألا فطح بن جعفر الصادق) وكان هذا اغرب قول بالمهدوية في ذلك الزمان ، حيث نسب ذلك الفريق (المهدوية) الى شخص وهمي ليس له وجود ، نتيجة المرور في أزمة نظرية بعد وفاة (الامام عبد الله الافطح) دون عقب يخلفه في الإمامة ،وذلك بسبب إيمانهم بضرورة استمرار الإمامة في الأعقاب واعقاب الأعقاب الى يوم القيامة ، وعدم جواز الجمع بين أخوين في الامامة . وقد كان القول بوجود (محمد بن عبد الله ألا فطح) في البداية ، مجرد فرضية فلسفية ، ولكنهم قاموا بعد ذلك بحياكة مجموعة من القصص الاسطورية حول اللقاء به ومشاهدته هنا وهناك ، واختلقوا بعض المعاجز للاستدلال الغيبي على وجوده. والى جانب هؤلاء وأولئك.. كان فريق آخر من الشيعة الامامية المتأثرين بالغلاة وهم (الواقفية) يقولون بمهدوية الامام موسى الكاظم (ع) وغيبته واستمرار حياته الى أمد غير منظور. وكان بعضهم يزعم ان الكاظم مات ثم قام بعد موته واختفى في موضع من المواضع السرية . وكما حدث في الحركتين الشيعيتين الكيسانية والزيدية من استغلال بعض أقطابهما لفكرة المهدوية وادعاء الامامة او النبوة ، قام واحد من (الواقفية) اسمه ( محمد بن بشير الكوفي) بادعاء الخلافة و (النيابة الخاصة) عن الامام الكاظم والالتقاء به في (غيبته) . وذلك من اجل الحصول على منافع مالية وسياسية ضخمة ، ثم نقل الخلافة الى ولده سميع والى من أوصى اليه سميع من بعده . وقال : ·انه الإمام المفترض الطاعة على الامة الى وقت ظهور موسى ، فما يلزم الناس من حقوقهم في أموالهم مما يتقربون به الى الله عليهم أداؤه اليه الى قيام القائم . ويقول النوبختي والاشعري : ان محمد بن بشير كان على قدر كبير من الغلو والقول بالتناسخ والتفويض والإباحة. التفسير الباطني الى جانب القول بالمهدوية والغلو في الأئمة ، الذي طبع قسما من المنتسبين للحركة الشيعية العريضة ، كان يوجد أيضا القول بالتفسير الباطني ، وفي الحقيقة ان كثيرا من المقولات الباطلة لم تكن تستقيم الا بهذا التفسير الباطني المقلوب للأحداث والأقوال ، ورفض الاعتراف بالحقائق التاريخية الظاهرية ، او اختلاق حوادث وأشخاص لا وجود لهم ، كعدم الاعتراف بوفاة الامام أمير المؤمنين ، او وفاة محمد بن الحنفية ، او وفاة ابنه ابي هاشم ،او وفاة ذي النفس الزكية ، او وفاة الامام الصادق ، او وفاة ابنه اسماعيل ، او وفاة الامام الكاظم ، واختلاق ولد لعبد الله ألا فطح الذي مات دون خلف ظاهر ، والقول بوجود ولد له في السر أخفاه للتقية . وقد كان (الخطابية ) أتباع ( محمد بن ابي زينب الأجدع ) ينسبون الى الامام الصادق معاني الغلو الفاحشة ويقولون انه الله ، وقد حج جماعة منهم الى بيت الله الحرام ولبوا هكذا :( لبيك يا جعفر لبيك) فارتعش الامام الصادق من قولهم وخرّ ساجدا الى الأرض واستنكر قولهم اشد استنكار ، ثم لعن ابا الخطاب ، فذهب أصحابه اليه واخبروه بلعن الامام الصادق له ، فأجابهم بأن الامام لا يلعنه شخصيا وانما يلعن رجلا آخر يحمل نفس الاسم في البصرة ، وقد كان هو يعيش في الكوفة. فعاد أصحابه الى الامام الصادق في المدينة واخبروه بمقالة ابي الخطاب الكوفي ، فحدده الامام بالاسم واللقب والمكان وجميع المواصفات الخاصة وكرر لعنه والبراءة من قوله.وعندما اخبره أصحابه بذلك لم يتراجع وظل مصرا على دعواه بالانتماء الى الشيعة والى الامام الصادق ونسبة أقواله الى الامام سرا ، وقال: ان الامام لم يلعنه بهذه الصورة الدقيقة العلنية الا لكي يحافظ على بقية الشيعة من آثار قول الألوهية ، تماما كما فعل الخضر الذي خرق السفينة لينقذها من الغصب والمصادرة ، وقرأ قوله تعالى:· وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت ان اعيبها وكان من ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا . وكان الباطنيون ينسبون كثيرا من الأقوال والآراء الى أئمة اهل البيت (ع) سرا وخلافا لما كان يعلن به اهل البيت ويقولوه أمام الملأ من الناس ، وبشكل يتعارض مع مواقفهم الحقيقية ، ولما كان الأئمة ينفون تلك الأقوال الغريبة ويستهجنونها او يرفضونها ، كان الباطنيون يتشبثون بأقوالهم ويفسرون نفي الأئمة لادعاءاتهم بالتقية وبخوف الأئمة من إعلان الحق والتحدث بما لا يحتمله الناس !. وبغض النظر عن مناقشة دعوى( التقية ) ونسبتها الى اهل البيت بهذه الصورة المناقضة لأمانة الكلمة والمحافظة على الرسالة ، فان الباطنيين استطاعوا لعب أدوار كبيرة في التاريخ الشيعي وتحريف الناس عن خط أهل البيت ، في كل زمان ، حتى جاء عهد الامام الحسن العسكري ، الذي توفي عن دون ولد ظاهر ، واوصى بأمواله الى أمه (حديث) ولم يتحدث عن وجود ولد له في حياته . وقد قبل جميع المسلمين هذه الحقيقة كما قبلها معظم الشيعة الامامية وذهبوا الى القول بإمامة جعفر بن علي الهادي ، او القول بانقطاع الإمامة ، او القول بالشورى .. ولكن فريقا من الغلاة والباطنيين رفض التسليم بهذه الحقيقة الظاهرية ، وأصر على اختلاق قصة سرية ووجود ولد مكتوم ومخفي لم يعلن عنه الامام العسكري خوفا عليه من القتل ، وتقية . وارتد قسم منهم عن القول بامامة الحسن العسكري ، وراح يقول بمهدوية محمد بن علي الهادي الذي كان قد توفي في حياة ابيه ، ويرفض الاعتراف بهذه الحقيقة ، ويصر على اختفائه واستمرار حياته الى يوم الظهور ، تماما كما فعل قسم من الإسماعيلية الذين رفضوا التسليم بوفاة اسماعيل بن جعفر الصادق ، وفسروا عملية الدفن التي قام بها الامام الصادق بأنها مسرحية من قبل الامام ! وقد رفض مشايخ الطائفة الامامية الاثني عشرية كالشيخ المفيد والمرتضى والطوسي منهج الفرق الشيعية الأخرى الباطنية التي ترفض الاعتراف بوفاة الامام علي او ابنه محمد بن الحنفية او ابنه ابي هاشم او وفاة الامام الصادق او ابنه اسماعيل او وفاة الامام موسى الكاظم ، او وفاة الامام العسكري او اخيه محمد ، وذلك لمخالفة منطقها الباطني للظاهر ، الذي يشكل حجة لله على الناس . ولكن جميع القائلين بوجود (الامام محمد بن الحسن العسكري) ينتهجون بدورهم المنطق الباطني حيث يعترفون بعدم إعلان الامام العسكري لولادة (ابنه) ووصيته لوالدته عند وفاته ، ويفسرون ذلك بالخوف و التقية . وبغض النظر عن مناقشة هذه الدعوى والتأكد من حقيقة الظروف المحيطة بوفاة الامام العسكري ، فان القول بوجود ولد له في السر ، هو إذن قول باطني سري مخالف للظاهر .
النصيرية (او النميرية) وقد رأينا أيضا : ان معظم الروايات التي تتحدث عن ولادته ومشاهدته في حياة أبيه تتضمن معاني الغلو الفاحشة والعلم بالغيب وما الى ذلك ، من مقولات الغلاة المتطرفين ، ويجدر بنا ان نتوقف قليلا عند الحركة المغالية (النصيرية) او (النميرية) التي كانت قد نشأت حول الامام علي بن محمد الهادي ، على يدي محمد بن نصير النصيري (او النميري) الذي كان من أقطاب الشيعة في البصرة . وكان هذا قد رفع الامام الهادي الى درجة الألوهية ، وادعى لنفسه مرتبة النبوة والرسالة من قبل الامام ، وكان يقول بالتناسخ . وقد التف هذا الغالي (النصيري) بعد وفاة الامام الهادي حول ابنه الامام الحسن العسكري ، وكان بعد وفاته من ابرز القائلين بوجود (ولد) له في السر ، هو : ( محمد بن الحسن العسكري) وقد ادعى البابية و(النيابة الخاصة) عنه ، ثم ادعى النبوة وأورثها الى عدد من اصحابه . المخمسة والى جانب النصيرية كان يوجد في تلك الأيام تيار آخر من الغلو والغلاة في صفوف الشيعة الامامية ، هم : (المخمسة) الذين يعتقدون - كما يقول سعد بن عبد الله الاشعري القمي في :(المقالات والفرق) - : · ان الله عز وجل هو محمد ، وانه ظهر في خمس صور مختلفة .. ظهر في صورة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، وان أربعة من هذه الصور الخمسة تلتبس لا حقيقة لها ، والمعنى شخص محمد وصورته لأنه أول شخص ظهر وأول ناطق نطق ، لم يزل بين خلقه موجودا بذاته يتكون في اي صورة شاء ، يظهر نفسه لخلقه في صور شتى من صور الذكران والإناث والشيوخ والشباب والكهول والأطفال ، يظهر مرة والدا ومرة ولدا وما هو بوالد ولا بمولود ، ويظهر في الزوج والزوجة ، وانما اظهر نفسه بالإنسانية والبشرانية لكي يكون لخلقه به انس ولا يستوحشوا ربهم. وان محمدا كان آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى لم يزل ظاهرا في العرب والعجم.. وانه كان يظهر نفسه لخلقه في كل الأدوار والدهور ، وانه ترأى لهم بالنورانية ، فدعاهم الى الإقرار بوحدانيته فأنكروه فتراءى لهم من باب النبوة فأنكروه فتراءى لهم من باب الإمامة فقبلوه ، فظاهر الله عز وجل بالإمامة وباطنه الله الذي معناه محمد يدركه من كان من صفوته بالنورانية ، ومن لم يكن من صفوته بدرجة بالبشرانية اللحمانية الدموية ، وهو الامام ...وان كل من كان من الأوائل مثل ابي الخطاب وبيان وصائد والمغيرة وحمزة وبزيع والسري ومحمد بن بشير هم أنبياء أبواب بتغيير الجسم وتبديل الاسم ، وان المعنى واحد ، وهو سلمان وهو الباب الرسول يظهر مع محمد في كل صورة ظهر ، وهو رسول محمد متصل به ، ومحمد الرب... . ويقول الاشعري القمي : انهم ( لعنهم الله ) اظهروا دعوة التشيع واستبطنوا المجوسية فزعموا ان سلمان (رحمه الله ) هو الرب ، وان محمدا داعٍ اليه ، وان سلمان لم يزل يظهر نفسه لأهل كل دين . وذهبوا في جميع الأشياء مذهب المجوس . وقد كان شيعة الكرخ في تلك الأيام من (المخمسة ) وانه لا أحد يشك في ذلك . كما يقول الشيخ الطوسي في :(الغيبة) . وكان شيخ الشيعة بالكرخ يوم ذاك :(احمد بن هلال العبرتائي) وهو من اعظم الغلاة -وقد اخرج الحسين بن روح النوبختي (النائب الثالث) توقيعا بلعنه بشدة والتبرؤ ممن لا يلعنه - وقد كان قطبا رئيسيا في عملية اختلاق نظرية (وجود ولد مخفي ) للامام الحسن العسكري ، ومن اقرب المساعدين ل عثمان بن سعيد العمري (النائب الأول) وقد أيده في دعوى (الوكالة عن المهدي) ثم اختلف مع ابنه محمد (النائب الثاني) وادعى النيابة لنفسه . المفوضة والى جانب أولئك الغلاة النميرية والمخمسة كان يوجد في صفوف الشيعة تلك الأيام صنف آخر من الغلاة هم (المفوضة) الذين كانوا يعتقدون:· ان الله أقام شخصا واحدا كاملا لا زيادة فيه ولا نقصان ، ففوض اليه التدبير والخلق ، فهو محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وسائر الأئمة ، ومعناهم واحد ، والعدد يلبس ، وان هذا (الواحد الكامل) - اي محمد - هو الذي خلق السماوات والأرضين والجبال والإنس والجن والعالم بما فيه . وقد اضطر هؤلاء (المفوضة ) بعد وفاة الامام الحسن العسكري الى افتراض (وجود ولد ) له في السر ، لكي تستمر نظرية (الواحد الكامل) الذي يدبر الكون ويخلق ويرزق .. ولكن بقية الشيعة لم يكونوا يؤمنون بأفكارهم الغالية ، وقد حدث بين الفريقين نوع من التنازع والاختلاف ، وقاموا بالاحتكام الى محمد بن عثمان العمري ، باعتباره (نائبا عن صاحب الزمان) وطلبوا منه ان يحسم النزاع ، فأخرج لهم (توقيعا) يتضمن رفض نظرية (التفويض الكامل) ، ويؤكد تدخل الأئمة في السؤال من الله ان يخلق فيخلق او يرزق فيرزق . ولم يخلُ جواب العمري لهم ، في الواقع ، من درجة مخففة من القول بالتفويض ، وهو ما يدل على ارتباطه وارتباط القول بوجود (ابن الحسن ) بالغلاة. وهذا ما يؤكده الحسين بن روح النوبختي في حديثه عن اختلاف الشيعة في ذلك الزمان حول مسألة التفويض ، وذهابه الى ابي طاهر ابن بلال (احد أقطاب النظرية المهدوية) ومناقشته في الموضوع ، وإخراجه حديثا عن ابي عبد الله (ع) يذكر فيه:· ان الله اذا اراد أمرا عرضه على رسول الله ثم أمير المؤمنين ثم الأئمة واحدا بعد واحد .. الى ان ينتهي الى صاحب الزمان ، ثم يخرج الى الدنيا . واذا اراد الملائكة ان يرفعوا الى الله عز وجل عملا عرض على صاحب الزمان ثم يخرج على واحد واحد من الأئمة الى ان يعرض على رسول الله ثم يعرض على الله عز وجل ، فما نزل من الله فعلى ايديهم ، وما عرج الى الله فعلى أيديهم ، وما استغنوا عن الله عز وجل طرفة عين . وهو ما يوحي بمشاركة الأئمة مع الله في إدارة الكون ، وهذا نوع من (التفويض) غير الكامل . وكان محمد بن الحسن الصفار القمي - صاحب كتاب (بصائر الدرجات ) - الذي كان معاصرا لفترة الحيرة ، وكان أحد أقطاب (النظرية المهدوية الاثني عشرية )، يعتقد بنوع من التفويض للأئمة في التشريع وادارة الحياة ، وهو يقول: · وجدت في كتاب قديم في نوادر محمد بن سنان ، قال قال ابوعبدالله: لا والله ما فوّض الله الى أحد من خلقه ، الا الى رسول الله والأئمة ، فقال:( انا انزلنا الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله ) وهي جارية في الأوصياء . ومن الواضح ان هذه النظرية تحتوي على درجة من الغلو ، وان لم تصل الى درجة القول بالتفويض في الخلق والرزق و إدارة الكون . وقد كان الصفار يتطرف في الغلو في الأئمة ، يشهد على ذلك كتابه (بصائر الدرجات) المليء بالأفكار المرفوضة من الشيعة اليوم . وكان بعض اهل نيسابور من الشيعة على درجة كبيرة من الغلو والارتفاع والتفويض ، كما يقول الكشي في ترجمة الفضل بن شاذان . وعموما فقد كان الغلو بمختلف مدارسه ومذاهبه ينتشر بين الشيعة في منتصف القرن الثالث الهجري ، كما يقول السيد هبة الدين الشهرستاني في مقدمته لكتاب الشيخ المفيد :(أوائل المقالات ) . وقد لعب جعفر بن محمد بن مالك الفزاري وآدم البلخي واحمد الرازي و الحسين بن حمدان الخصيبي دورا كبيرا في نشر نظرية (وجود الامام المهدي) ونسج الروايات الأسطورية حول مولده واللقاء به ، وكان هؤلاء من أعاظم الغلاة الذين يجمع علماء الحديث الشيعة على رفض أحاديثهم .
|