نقد الدليل التاريخي

المطلب الأول: تناقض الروايات

اعتقد ان القاريء العادي لا يحتاج الى ان يتجشم عناء درس علم الرواية والدراية حتى يقيّم تلك الروايات ·التاريخية الواردة حول مولد (الامام محمد بن الحسن العسكري) او ان يكون من العلماء المختصين في التاريخ.. فان المؤلفين الذين اوردوا تلك الروايات في كتبهم أراحوا انفسهم من تهمة الاعتماد على هكذا روايات ضعيفة وقالوا في البداية: اننا نثبت وجود (الامام الثاني عشر) بالطرق الفلسفية العقلية الاعتبارية النظرية ، ولسنا بحاجة الى الروايات التاريخية ، وانما نأتي بها من باب الاسناد والتعضيد والتأييد . وألقوا عن انفسهم عبأ المناقشة العلمية لتلك الروايات والتأكد من سندها والنظر الى متنها.

واعتقد انهم كانوا يوردونها من باب (الغريق يتشبث بكل قشة) وإلا فانهم اعرف الناس بضعفها وهزالها.. ولو كانت فرقة اخرى تستشهد بهكذا روايات على وجود أئمة لها او أشخاص من البشر .. لسخروا منها واستهزأوا بعقولها واتهموها بمخالفة المنطق والعقل والظاهر.. كما فعل متكلموا الفرقة الاثني عشرية في مناقشتهم لفريق من الشيعة الامامية الفطحية الذين ادعوا وجود ولد مكتوم للامام عبدالله ألا فطح بن جعفر الصادق ، وقالوا : ان اسمه محمد وانه المهدي المنتظر ، وزعموا ولادته في السر واختباءه في اليمن.. وذلك اعتمادا على مبدأ ضرورة استمرار الامامة في الأعقاب العقاب الأعقاب وعدم جواز انتقالها الى أخوين بعد الحسن والحسين.. وقال الشيعة الاثناعشرية عن ذلك الفريق من الشيعة الفطحية: انهم اخترعوا وجود شخص وهمي لا وجود له هو :(الامام المهدي محمد بن عبد الله ألا فطح) نتيجة لوصولهم الى طريق مسدود .

ان من يطلع على التراث الشيعي العلمي الضخم في مجال الرواية والدراية ، ويرى اعتناء العلماء - منذ القرون الأولى - بتقييم الرواة ودراسة الأحاديث وغربلتها وتمييز القوي من الضعيف.. يدرك مدى الأهمية التي يوليها العلماء الشيعة لبناء الاحكام الشرعية على اسس علمية متينة وعدم قبولهم بجواز بناء مسائل الدين على الاوهام والفرضيات والاشاعات والاساطير.

ولكن المراقب المحايد يصاب بالدهشة لإهمال العلماء طوال التاريخ لدراسة الروايات التاريخية الواردة حول إثبات ولادة ووجود (الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري) واعتمادهم في ذلك على قاعدة ما أنزل الله بها من سلطان ، تقول:( الضعيف يقوي بعضه بعضا) واعتبار مسألة الولادة والوجود أمرا مفروغا منه مسَلّماً لا يحتاج الى مراجعة او نقاش.. وهذا ما ادى بهم الى ترديد تلك الروايات بلا تمعن ولا تفكير.. تماما كما كان يفعل غلاة الاخباريين.

ومن المعروف ان الإخباريين الأوائل كانوا يتلقفون كل رواية بلا دراسة ولا تمحيص .. ثم تطوروا فأخذوا يميزون بين الروايات.

, ثم ولدت الحركة الأصولية التي راحت تقسم الأحاديث الى صحيح وحسن وقوي وضعيف.. الا ان هذا التطور لم يشمل الروايات التاريخية الواردة حول موضوع (ولادة الامام الثاني عشر) حيث نرى الشيخ الطوسي الذي ألف (الفهرست ) و (الرجال) في علم الرجال ، ينقل تلك الروايات عن رجال يضعفهم في كتبه ، وذلك بسبب الحاجة الى تلك الروايات لبناء نظريات كلامية معينة.

لقد انفق محقق كبير مثل السيد مرتضى العسكري سنوات طويلة من عمره ، لكي يثبت في مجلدين او ثلاثة: ان عبد الله بن سبأ اسطورة وهمية اختلقها بعض المؤرخين لكي يتهموا الشيعة بأخذ نظرية الوصية في الامامة من الاسرائليين، وبذل السيد العسكري جهودا مضنية ودرس عشرات الكتب التاريخية لكي ينفي قصة وجود عبد الله بن سبأ ودوره في الفكر الشيعي ، ولكنه لم يبذل واحدا بالمئة او بالألف من تلك الجهود ليبحث حقيقة (وجود الامام الثاني عشر) او يدرس تلك الروايات التي تتحدث عن ولادته.. ولم يتوقف عندها في كتاب من كتبه ، وهو الذي اكتشف وجود (مائة وخمسين صحابي مختلق)!

 بعد كل ذلك.. يمكنني القول بعدم وجود قضية مهملة او معرض عنها في التراث الشيعي كقضية (وجود الامام المهدي وولادته) ولا توجد قضية خارج البحث والاجتهاد مثل تلك القضية.. وعندما قمت بدراستها بالصدفة ، او بالاحرى بتوفيق من الله تعالى ، وعرضت نتيجة دراستي على العلماء والمجتهدين والمفكرين لأكثر من خمسة اعوام ، وجدت الكثير منهم يتهرب من قراءة الدراسة ويمتعض نفسيا من مجرد البحث فيها كأنها تحاول ان توقضه من الاستغراق في حلم جميل.. وقد تأكدت من وجود حالة نفسية عقائدية تحول دون ممارسة البحث العلمي او نقد تلك الروايات التاريخية ..

ان بعض المثقفين من عامة الناس يتلذذ بنقد عقائد الفرق الاخرى والاستهزاء برجالها الضعاف الوضاعين ورواياتها غير المعقولة ، ولكنه عندما يتعلق الأمر بقضية تخص طائفته فانه يغمض عينيه ويتذرع بالجهل وعدم الاختصاص ويرفض ان يشغل عقله قليلا ، ويفضل ان ينام على ما ورثه من خرافات واساطير.

قبل ان نناقش تلك الروايات ·التاريخية متنا وسندا.. ينبغي ان نشير الى ان هذه الروايات لم تكن معروفة في فترة ما يسمى ب :(الغيبة الصغرى) حيث لم ينقلها المؤلفون الذين اعتقدوا بوجود الامام الثاني عشر وكتبوا حول ذلك في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري كالنوبختي في (فرق الشيعة) وسعد بن عبدالله الاشعري القمي في (المقالات والفرق) وعلي بن بابويه الصدوق في (الامامة والتبصرة من الحيرة) ومحمد بن أبى زينب النعماني في :(الغيبة) وحتى الشيخ الكليني الذي حاول ان يجمع اية قصة او رواية حول الموضوع ، وذكر قصة الرجل الهندي (سعيد بن أبى غانم) الذي سافر من كشمير بحثا عن الامام المهدي ، ولكنه لم يذكر كثيرا من تلك القصص التي سجلها من بعده الشيخ محمد بن علي الصدوق في :(إكمال الدين) او الشيخ المفيد في :(الارشاد ) و( الفصول) او الشيخ الطوسي في (الغيبة).

ومن المعروف ان الشيخ الصدوق (الابن) جاء بعد حوالي مائة سنة من وفاة الامام العسكري .. وان الشيخ الطوسي توفي بعد قرنين من ذلك التاريخ.. ولكنهما راحا يسجلان كل ما يسمعان من حكايات واشاعات واساطير تتعلق بولادة (محمد بن الحسن العسكري) ، ويرسلان او ينقلان عن عدد من الغلاة والضعاف والمجاهيل والمختلقين .

وكما رأينا فقد كانت تلك ·الادلة التاريخية تختلف فيما بينها اختلافا فاحشا وكبيرا بدءا من تحديد هوية أم (محمد بن الحسن) المفترضة ، ومرورا بتاريخ ولادته ، وانتهاء بأدق التفاصيل.. حيث اختلفت في اسم والدته بين الجارية نرجس او سوسن او صقيل او خمط او ريحانة او مليكة ، او الحرة مريم بنت زيد العلوية ، وانها جارية ولدت في بيت بعض اخوات الامام الهادي .. او اشتريت من سوق الرقيق في بغداد..

واختلفت تلك الروايات في تحديد تاريخ الولادة في اليوم والشهر والسنة.. واختلفت تبعا لذلك في تحديد عمره عند وفاة أبيه بين سنتين او ثماني سنوات.

واختلفت في طريقة الحمل في الرحم أم في الجنب ، وفي الولادة من الفرج أم من الفخذ!

واختلفت الروايات في تحديد لونه بين البياض اوالسمرة .

واختلفت في طريقة نموه بين الطريقة العادية المتعارفة والقول بأنه كان يبدو عند وفاة أبيه بهيئة صبي ، وبين الطريقة اللاطبيعية .. واختلفت في هذه الطريقة بين النمو السريع في اليوم مثل النمو خلال سنة اعتيادية ، او النمو في اليوم مثل النمو في اسبوع .. والنمو في الاسبوع مثل النمو خلال شهر..والنمو في شهر مثل النمو خلال سنة . وبناء على ذلك فانه كان يبدو قبل وفاة أبيه بهيئة رجل كبير قد يبلغ سبعين عاما.. بحيث لم تتعرف عليه عمته حكيمة واستغربت من أمر الامام الحسن لها بالجلوس بين يديه.

 واختلفت في أمر التكتم عليه.. فقالت رواية: ان حكيمة ودعت الامام الحسن في أعقاب ولادة ابنه وانصرفت الى منزلها ، وعندما اشتاقت له بعد ثلاثة أيام رجعت ففتشت عنه في غرفته فلم تجد له أثرا ولا سمعت له ذكرا ، فكرهت ان تسأل ودخلت على أبى محمد فبدأها بالقول: ·هو يا عمة في كنف الله أحرزه وستره حتى يأذن الله له فإذا غيب الله شخصي وتوفاني ورأيت شيعتي قد اختلفوا فأخبري الثقاة منهم وليكن عندك مستورا وعندهم مكتوما فان ولي الله يغيبه الله عن خلقه ويحجبه عن عباده فلا يراه احد حتى يقدم له جبرائيل فرسه .

وقالت رواية اخرى: ان حكيمة كانت تشاهد ابن الحسن كل أربعين يوما ، وانها لم تزل تراه الى ان اصبح رجلا .

وقالت روايات اخرى : ان الامام الحسن العسكري أعلن عن ولادة ابنه وارسل الى بعض اصحابه بكبش ليعقوا عنه ، وانه عرضه على مجموعة من اصحابه ، وانه كتب الى احمد بن اسحاق القمي بذلك.. وانه أخرج ابنه وأراه اياه عند زيارته له في (سر من رأى) وان عددا من الخدم والاصحاب شاهدوا بالصدفة او بالعمد ابن الامام الحسن وهو جالس في غرفة او يمشي في الدار .

واختلفت الروايات بين ذكر الخوف من السلطة للقبض عليه ، وبين الاطمئنان التام الى حد الخروج للصلاة على جثمان أبيه واستقبال الوفود في دار أبيه.

واختلفت الروايات حول علم الاصحاب والخدم بوجود ابن للامام العسكري ، فقال بعضها: بأن الخدم والاصحاب المقربين كانوا يعلمون بوجوده وانهم قد شاهدوه .. وقال بعضها: انهم فوجئوا به عند ظهوره للصلاة على جثمان أبيه وعدم معرفته الا بالعلامات العديدة.

واختلفت الروايات حول نضجه العقلي ، فقال بعضها: انه سجد لحظة ولادته وتشهد بالشهادتين وصلى وسلم على آبائه وحدا واحدا وقرأ آيات من القرآن المجيد.. وقال بعضها: انه كان وهو غلام يلعب برمانة ذهبية ويصد اباه عن كتابة ما يريد!..

 

رواية حكيمة

تقول رواية الصدوق عن حكيمة: ان نرجس لم يكن بها أي أثر للحمل وانها لم تكن تعرف ذلك وقد استغربت عندما قالت لها حكيمة : أنها ستلد تلك الليلة ، وقالت يامولاتي ما أرى شيئا من هذا !.. وان حكيمة نفسها استغربت عندما اخبرها الامام الحسن بولادة ابن له في ليلة النصف من شعبان وتساءلت : من أمه؟ وعدما قال لها :(نرجس) قالت: جعلني الله فداك ما بها أثر. وعندما اقترب الفجر ولم يظهر اي أثر دخل الشك الى قلب حكيمة .

 تقول الرواية: ان حكيمة أقبلت تقرأ القرآن على نرجس فأجابها الجنين من بطن أمه ، يقرأ مثلما تقرأ ، وسلم عليها ، مما أثار فزعها ، ومع ذلك تقول الرواية: ان حكيمة اخذتها فترة ولم تشهد عملية الولادة ، وفي رواية اخرى: ان نرجس غُيّبت عن حكيمة ، فلم ترها ، كأنه ضُرب بينها وبينها حجاب ، مما أثار استغرابها ودفعها الى الصراخ واللجوء الى أبى محمد.

ولا تذكر رواية الصدوق ما ذكره الطوسي في احدى رواياته: ان حكيمة وجدت على ذراع الوليد مكتوبا :· جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا بالرغم من تقدم الصدوق على الطوسي ، ولكن الصدوق ينفرد بذكر الطيور التي حلقت فوق رأس الوليد ، وقول الحسن لطير منها : احمله واحفظه ورده الينا في كل أربعين يوما.

ويتفق الاثنان :(الصدوق والطوسي) على تكلم الوليد والتشهد بالشهادتين والصلاة على النبي والأئمة السابقين والسلام على أمه وابيه ، كما يتفق الاثنان ايضا: على ان الوليد غاب بعد ذلك واختفى ، وان عمته لم تجد له أثرا ولا سمعت له ذكرا.

وكل هذه الامور غريبة لم تعرف عن رسول الله (ص) ولا عن أحد من الأئمة السابقين (ع) .. وهي من مقولات الغلاة واساطيرهم ، ولا علاقة لها بالشيعة الجعفرية او الامامية الذين جعلوا النص طريقا للتعرف على الامام الجديد ، ولم يذكروا شيئا من تلك الامور الخارقة اللاطبيعية.

وقد ذكر الله عز وجل قصة تكلم النبي عيسى (ع) في المهد أمام الناس بصورة اعجازية لكي ينفي عن امه تهمة الزنا ، ويثبت ولادته بصورة غير طبيعية ، وليست هناك حاجة لإحداث المعجزة والامور الخارقة للعادة مع ولادة (الامام الثاني عشر) . وإذا كان لا بد للمعجزة ان تحدث .. فلا بد ان تحدث أمام الناس لكي يطلعوا عليها ويؤمنوا برسالتها.. ولا يمكن ان تحدث بصورة سرية لا يطلع عليها احد .. فما الفائدة منها؟

لقد كان هناك شك في اساس ولادة ابن للحسن العسكري ، وإذا كانت هناك إمكانية لحدوث أمر خارق للعادة ، فانه كان يمكن ان يحدث لإثبات امر الولادة .. وحفظ الوليد من السوء مثلا.. وهذا ما لم يحدث.

 ويلاحظ ان جميع الروايات التي تتحدث عن ولادته سرا وغيبته بين اجنحة الطيور التي هي الملائكة ، لم تشر الى وجود خوف من السلطة ، والى انه المهدي المنتظر.. ولو كان قد ولد حقاً لكان من الأفضل ان يعلن الامام العسكري عن ولادته بحيث يراه جميع الناس ويتأكدوا من وجوده وخلافته لأبيه.. وإذا حاولت السلطة العباسية ان تلقي القبض عليه او تقتله فانه يختفي بقدرة الله وبصورة اعجازية..

وتقول الرواية المنسوبة الى حكيمة: ان الامام الحسن العسكري كان يعلم بصورة غيبية بجنس الجنين وانه ذكر .. كما تقول : انه كان يعلم غيبيا بما تفكر به اخته حكيمة التي شكت في قوله ، وقال لها : لا تعجلي يا عمة. كما تشير الى علم الامام الحسن باقتراب اجله وقوله لأخته : (عن قريب تفقدوني) وكذلك علم الامام المهدي بالغيب واجابته على اسئلة حكيمة قبل ان تبدأ بها .. وكل هذه امور تخالف عقيدة الشيعة الجعفرية والامامية وتتفق مع نظريات الغلاة والمنحرفين عن اهل البيت (ع) اذ ان هناك حديث مشهور لدى الشيعة عن أئمتهم : يأمر بضرب اي حديث يتعارض مع القرآن عرض الجدار .

إذن فان كل هذه التساؤلات والاشكالات والمآخذ تضعف الرواية المنسوبة الى حكيمة ، وتسقطها عن الحجية والوثوق وتقرب من كونها اسطورة حاكها الغلاة والمتطرفون.

 

رواية أبى الاديان البصري

وهي رواية انفرد بها الصدوق في :(إكمال الدين) عن رجل مختلق او موهوم لم يذكر اسمه ولا اسم أبيه ولا عشيرته :(ابوالاديان البصري) وقال انه احد خدام الامام وحامل كتبه ورسوله الى الأمصار وجامع امواله.. ومع ذلك فلم يعرفه احد ولم يشر الى وجوده اي مؤرخ آخر.

وبالرغم من المكانة العالية التي يعطيها اياه الصدوق ، فان الراوي (ابو الأديان ) يعترف في نفس الرواية: بأن الامام العسكري لم يخبره بهوية الامام من بعده ، وجهله بوجود ابن للامام ، ويقول ايضا: بأن عامة الشيعة بما فيهم عقيد والسمان (عثمان بن سعيد) والبصري نفسه عزوا جعفر بن علي وهنأوه ، ولم يكونوا يعرفون من هو الامام بعد العسكري ، وارادوا ان يصلوا خلف جعفر .

وتعتمد الرواية من بدايتها الى نهايتها على عنصر (علم الامام بالغيب) حيث يقول الراوي في البداية: ان الامام الحسن قال له:· امضِ الى المدائن فانك ستغيب خمسة عشر يوما وتدخل الى (سر من رأى) يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل وكل ذلك من علم الغيب الذي لا يعلمه الا الله ، حيث يقول القرآن الكريم:· وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ارض تموت .

وتقول الرواية: ان الامام القادم المجهول سوف يطالب البصري ، دون ان يعرفه من قبل، بجواب كتب الامام العسكري ، كما تقول : بأنه سوف يخبر بما في الهميان . وان صبيا خرج بعد تكفين العسكري ودفع جعفرا وصلى على أبيه ، ثم قال للبصري: هات جوابات الكتب التي معك ، فدفعها اليه . وفي تلك الاثناء جاء وفد من شيعة قم والجبال فسألوا عن الامام العسكري فأخبروهم بوفاته ، فقالوا: من نعزي؟ فأشار الناس الى جعفر بن علي ، فسلموا عليه وعزوه وهنوه..

ولم يوضح البصري لماذا لم يدلهم هو الى الامام الجديد؟ ولماذا لم يشر قادة الشيعة الذين صلوا _ لتوهم _ خلف الصبي ، اليه ، اذا كان قد حدث ذلك حقاً و فعلاً ؟.

وعلى اي حال فان الراوي ( ابو الأديان البصري) يقول: ان وفد قم لم يعترضوا على تعيين جعفر كامام بعد أخيه ، ولم يحتجوا بضرورة الوراثة العمودية ، وانما قالوا بأن معهم كتبا واموالا وطلبوا من جعفر ان يخبر بصورة غيبية ممن هي الكتب والاموال.. فقام جعفر ينفض اثوابه ويقول: تريدون منا ان نعلم الغيب؟!.. فخرج الخادم (؟) وقال: معكم كتب فلان وفلان وهميان فيه الف دينار وعشرة دنانير مطلية ، فدفعوا اليه الكتب والمال وقالوا: الذي وجه بك لأخذ ذلك هو الامام .

ولم يقل الصدوق في هذه الرواية: ان وفد قم عرفوا هوية الامام او رأوه او التقوا به . ولكنه يقول في رواية اخرى: ان الوفد سار مع الخادم ودخل على الامام القائم وهو قاعد على سرير كأنه فلقة قمر عليه ثياب خضر ، فسلم الوفد عليه ، ورد عليهم السلام ، ثم قال: جملة المال كذا وكذا.. حمل فلان كذا وحمل فلان كذا.. ولم يزل يصف حتى وصف الجميع ، ثم وصف رحال الوفد وثيابه وما كان معه من الدواب.

وبالرغم من أن المسألة ليست عسيرة جدا .. حيث يمكن لأي شخص ان يندس بين الوفد ويطلع على حاله او يتفق مع رئيس الوفد ويخبر البقية بالتفاصيل.. فان رواية أبى الاديان البصري تعتبر ذلك من علم الغيب ، وانه يشكل دلالة على إمامة الرجل (او الصبي) القاعد على السرير ، وإمامته ، دون ان تقول كيف تعرف الوفد على هوية الرجل ، وهل قال لهم انه ابن الامام العسكري ؟ .. أم لا ؟.

وكما هو واضح.. فان هذه الرواية لا تذكر شيئا عن الخوف والإرهاب المحيط بالشيعة والامام الجديد ، بل تقول ان الخليفة العباسي المعتمد وقف الى جانب الوفد في خلافهم مع جعفر وانه ارسل لهم حرسا يحمونهم في الطريق ، وتنسى الرواية التي تقول : ان السلطات العباسية كبست دار الامام العسكري وفتشته بحثا عن وجود ولد له.

وإذا كان الامام فعلا خائفا ومتكتما ومستورا فلماذا يخرج للصلاة على أبيه ولماذا يجلس في بيته ويستقبل الوفود على مقربة من عيون السلطة؟

 هذا وان المعروف والثابت تاريخيا ان ابا عيسى المتوكل هو الذي صلى على جثمان الامام العسكري وشيعته عاصمة الخلافة (سرمن رأى) التي اغلقت ابوابها عن بكرة ابيها وضجت بالبكاء والعويل .

ويبدو ان هذه الحكاية قد نشأت في قم في مرحلة متقدمة ، لإثبات وجود خلف للامام العسكري .. قبل ان تتطور وتنشأ نظرية مهدوية ذلك الخلف.. وذلك لأن مسألة إثبات الخلف تختلف وتسبق زمنيا مسألة إثبات صفة المهدوية له ، وقد كان الناس مشغولين في البداية بإثبات المسألة الأولى ، ولم تنشأ المسألة الثانية (المهدوية) الا في وقت متأخر بعد سنين طويلة ، انطلاقا من حالة الغيبة وعدم الوجدان للامام فاعتبر البعض ذلك علامة من علامات المهدي وقال إذن فانه المهدي المنتظر.

 ومن هنا فان واضعي الحكاية لم يأخذوا في حسبانهم الخوف من السلطات وتفتيش الشرطة عنه ، فتحدثوا عن خروج الصبي للصلاة على أبيه واستقبال الوفود في داره.

وقد ذكرنا الى جانب تلك الرواية روايتين اخريين هما رواية إسماعيل بن علي النوبختي الذي يقول: انه زار الامام العسكري قبيل ساعة من وفاته فطلب الامام من خادمه (عقيد) ان يأتيه بابنه ، وانه جاء به اليه فقال له:· أبشر يا بني فأنت صاحب الزمان... ورواية: المجموعة من الاصحاب الذين قالوا ان الامام العسكري عرض عليهم ابنه وقال لهم:· هذا امامكم من بعدي وخليفتي عليكم.. أما انكم لا ترونه بعد يومكم هذا ..

والرواية الأولى تتناقض مع رواية أبى الاديان البصري الذي يقول فيها: ان (عقيد) كان يجهل وجود ولد للامام العسكري ، ولذلك طلب من أخيه جعفر ان يصلي عليه ، بينما تقول الرواية الأولى: ان (عقيد) جاء بالصبي لأبيه أمام إسماعيل بن علي النوبختي.

ومن الجدير بالذكر ان النوبختي لا يشير بنفسه الى هذه القصة ويقول: انه عرف بوجود ابن للحسن عن طريق الاستدلال النظري ، كما ينقل عنه الصدوق في كتابه (إكمال الدين ص 92) عن كتاب النوبختي:( التنبيه)

اما الرواية الثانية فتتناقض ايضا مع رواية أبى الاديان البصري التي تنفي معرفة كبار الاصحاب بوجود ابن للحسن العسكري ، بما فيهم السمان (عثمان بن سعيد العمري) و(حاجز الوشاء) الذي تساءل من جعفر : من الصبي لنقيم عليه الحجة؟ فقال: والله ما رأيته قط ولا اعرفه!

ومن المعروف .. ان السمان العمري وحاجز الوشاء ادعيا (النيابة الخاصة والوكالة عن الحجة ابن الحسن) بعد ذلك ، فمتى رأوه؟ ومتى اخذوا الوكالة منه؟

وهناك نقطة اخرى: هي ان الرواية الثانية تقول: ان الامام العسكري قال لأصحابه بعد ان عرض عليهم ابنه:· أما انكم لا ترونه بعد يومكم هذا فكيف ظهر بعد ذلك وصلى على جثمان أبيه واستقبل الوفود؟

وكل هذه الروايات تتناقض مع الرواية الأولى المروية عن حكيمة والتي يقول فيها الامام العسكري: أنها لن تراه بعد يوم ولادته ، حيث تعود كل رواية فتنقض الرواية السابقة.

وهذا ما يدل على ان الفريق الذي اخترع وجود ولد للامامالعسكري خلافا للظاهر والحقيقة.. وبناء على مقولات فلسفية واهية، كعدم جواز انتقال الامامة الى أخوين بعد الحسن والحسين وضرورة استمرار الامامة في الأعقاب العقاب الأعقاب.. ان هذا الفريق راح يختلق القصص والحكايات والاساطير عن مولد ابن الحسن واللقاء به في حياة أبيه ومشاهدته عند وفاته.

 ولما كانت الروايات مختلقة ولا تعبر عن الحقيقة ومصنوعة من قبل رجال مختلفين، فقد جاءت الروايات متناقضة ومختلفة في ادق التفاصيل ، وتعبر كل واحدة منها عن افكار واضعها النفسية الخاصة ، كما جاءت محفوفة بالمعاجز والامور الخارقة للعادة ، ومنطوية على دعوى علم الأئمة بالغيب ، وهذه دعوى تناقض القرآن الكريم الذي يصرح:· قل لا يعلم من في السماوات والارض الغيب الا الله ويقول:· عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احدا الا من ارتضى من رسول .. وتحاول تفسير ظاهرة الغيبة المحيرة والمناقضة لنظرية الامامة الالهية واللطف الالهي .

ان الرواية التاريخية الظاهرية تقول: ان الامام الحسن العسكري لم يشر الى وجود ولد له ، وعندما أحسّ بالوفاة استدعى القاضي ابن أبى الشوارب ، وأوصى امامه بأمواله وممتلكاته الى امه (حديث) ، وقد ادعت جارية له اسمها (نرجس) بأنها حامل منه أملا في عتقها ، لأنها كانت ستصبح (أم ولد) وتعتق من نصيب ابنها .. وربما كانت الدورة الشهرية قد تأخرت عليها فظنت نفسها أنها حامل.. وقد أرجأ القاضي قسمة التركة واهتم بالجارية

ونقلها الى نساء الخليفة المعتمد وأمر باستبرائها ، اي التحقق من ادعائها الحمل.. ثم لم يتبين عليها اي شيء .

وكان بعض الشيعة الامامية الذين لم يقولوا بإمامة جعفر بن علي قد اصيبوا بأزمة فكرية وحيرة فتشبث بعضهم ب : · قشة نرجس ، وقال: أنها ولدت بعد ذلك.. وقال بعضهم: أنها لم تلد ولم نرَ ذلك .. ولكنها سوف تلد عندما يأذن الله ، وان الجنين بقى في بطنها مدة طويلة بصورة اعجازية.. وقال بعض آخر: أنها ادعت الحمل للتغطية على ولدها الذي ولدته من قبل.. وقال آخرون اقوالا اخرى مشابهة .

وراح الذين ادعوا وجود الولد من قبل ينسجون الاشاعات والاساطير بصورة سرية خافتة ليضلوا بها البسطاء ويستفيدوا من ورائها الاموال.. ولم يصدق العلماء والمحققون الاوائل بتلك الاشاعات.. ثم جاء الشيخ الصدوق بعد مائة عام والشيخ الطوسي بعد مائتي عام ليسجلوا تلك القصص والاساطير دون ان يحققوا بمصادرها واسنادها ، ودون ان يعتمدوا عليها كثيرا.. وكانوا يشعرون بضعفها وهزالها فقالوا في البداية : اننا نعتمد على الدليل العقلي (الفلسفي) لإثبات وجود (ابن الحسن) ونأتي بتلك القصص من باب المعاضدة والتأييد..

ثم جاء من بعدهم من المؤرخين (الاخباريين) فنقلوا تلك القصص الاسطورية كأنها حقائق تاريخية لا تقبل المناقشة والحوار.

ومع ان الله سبحانه وتعالى يطالبنا بالأخذ بالرواية الظاهرية النافية لوجود ولد للامام الحسن العسكري ، ولا يحاسبنا ولا يسألنا بالأخذ بالرواية السرية الباطنية المتناقضة والمحفوفة بالخرافات والاساطير .. واننا لسنا بعد ذلك ، وبعد ما تبين ما فيها من ضعف كبير ، بحاجة الى دراسة سندها ومعرفة الرواة الناقلين لها.. فاننا بالرغم من ذلك سوف نلقي نظرة على سندها لننظر من أين جاء بها اولئك المؤرخون ، ولنزداد معرفة ويقينا بضعف هذه الروايات التي لعبت دورا كبيرا في التاريخ الاسلامي وفي بناء الفكر السياسي الشيعي عبر التاريخ.