الفصل السادس

التطور الاثنا عشري

اذا القينا نظرة فاحصة على تاريخ الشيعة في القرنين الثاني والثالث وتعاطفهم وتجاوبهم مع الثورات المختلفة التي كان يقودها الأئمة من اهل البيت كثورة الامام زيد وابنه يحيى وابنه عيسى وثورة محمد بن عبدالله ذي النفس الزكية واخيه ابراهيم ، وثورة الحسين شهيد فخ ، وثورة محمد بن القاسم وغيرهم ، لوجدنا ان عامة الشيعة وجماهيرهم كانت تلتف حول اهل البيت ولكن من دون تحديد الامامة في سلسلة معينة ، او الايمان بالنص من الله على واحد منهم ، فضلا عن تسلسلها في ابناء الحسن او الحسين او بشكل عمودي وراثي الى يوم القيامة ولوجدنا الشيعة بصورة عامة بعيدين عن نظرية الامامة الإلهيةا لتي كان يقول بها بعض المتكلمين سرا ويلصقونها بأهل البيت ، الذين كانوا يتبرؤن منها في الحقيقة وفي الظاهر

ولو القينا بنظرة على تراث الامامية خلال ذينك القرنين الثاني والثالث لوجدنا النظرية الامامية مفتوحة وممتدة الى يوم القيامة ، وانها لم تكن محصورة في عدد محدد من الأئمة او فترة زمنية خاصة ، ومع انها وصلت الى طريق مسدود عند وفاة الامام الحسن العسكري في سنة للهجرة دون ان يخلف ولدا تستمر الامامة فيه ، ودون ان يشير او يوصي الى اي احد من بعده ، فقد اعتقد الذين آمنوا بوجود ولد مكتوم له ، في البداية ­ ان الامامة ستسمر في ذرية ذلك الولد المخفي الى يوم القيامة ، ولم يعتقدوا في البداية

انه الامام الاخير ، وان الأئمة اثنا عشر فقط

 

وقد استعرضنا في الفصل الاسبق كثيرا من الاحاديث التي كانت تنص على استمرار الامامة في الاعقاب واعقاب الاعقاب هكذا ابدا الى يوم القيامة . وتوجد في التراث الشيعي العشرات بل المئات من تلك الروايات التي تؤكد على استمرار الامامة الى يوم القيامة ، مما يؤكد ان النظرية الامامية لم تكن محددة في عدد معين خلال القرنين الثاني والثالث

 

و ان من يلاحظ تلك الروايات المتواترة التي تتحدث عن امتداد الامامة الى يوم القيامة يجد انها عامة ومطلقة ومقصودة العموم الاطلاق ، اي انها آبية عن التخصيص والتقييد ، وهي تعبر عن النظرية الامامية الالهية الموازية لنظرية الشورى الممتدة الى يوم القيامة ، وذلك في مراحل نشوئها الاولى ، و قبل ان تصل الى الطريق المسدود

 

ونظراً لأن نظرية الامامة كانت في بدو نشوئها ممتدة الى يوم القيامة ولم تكن محددة في عدد معين من قبل ، فقد كانت لنظرية تقول ­ بأن النص قد حدث على الامام علي فقط ، وان النص على الأئمة الآخرين يتم من قبل الأول للثاني وهكذا الى يوم القيامة ‍

 

وكانت النظرية ايضا تعترف بعدم وجود النص الصريح من بعض الأئمة على بعض ، فكانت تتشبث بالوصية العادية وتعتبرها دليلا على الامامة ، ولما لم تكن توجد اية وصية على بعض الأئمة كالامام السجاد من آبائهم ، او كانت مشتركة بين عدد من اخوتهم ، فقد كانت النظرية تقول ­ بأن دليل الامامة هو المعاجز وعلم الغيب ، او الكبر ، او العلم ، او حيازة سيف رسول الله

 

بل ان روايات كثيرة تشير الى عدم معرفة الأئمة انفسهم بامامتهم او امامة الامام اللاحق من بعدهم الا قرب وفاتهم « فضلا عن الشيعة الامامية انفسهم الذين كانوا يقعون في حيرة واختلاف بعد وفاة كل امام ، وكانوا يتوسلون لكل امام ان يعين اللاحق بعده ويسميه بوضوح لكي لا يموتوا وهم لا يعرفون الامام الجديد «وانهم كثيرا ما كانوا يقعون في الحيرة والجهل

 

وهناك احاديث اخرى ، كثيرة يذكرها الحر العاملي و الكليني والصفار ، تعالج مسألة التعرف على الامام الجديد من خلال مواصفات عديدة ككبر السن او طهارة المولد او حسن المنشأ او عدم اللهو واللعب ، او الوصية الظاهرة او الفضل او علم الغيب ، اوالهداءة والاطراق والسكينة

وهو ما يدل على امتددا نظرية الامامة الى يوم القيامة ، في طورها الاول ، وعدم اقتصارها على عدد محدود

 

ميلاد النظرية الاثني عشرية

 

ونظرا لوصول نظرية الامامة الى طريق مسدود بعد وفاة الامام الحسن العسكري من دون ولد ظاهر ، والقول بوجود ولد له في السر وغيبته عن الانظار ، وعدم ظهوره لفترة طويلة جدا «« شهد القرن الرابع الهجري تطورا جديدا في النظرية الامامية هو حدوث الاثني عشرية ، وهي نظرية حدثت خاصة في صفوف الشيعة الموسوية ، وخاصة الجناح المتشدد الذي كان يؤمن بقانون الوراثة العمودية بشدة ولا يقبل اي تسامح فيها ، وقد قال ذلك الجناح ­ بوجود قائمة مسبقة وتحديد اسماء الأئمة من قبل الرسول الاعظم باثني عشر اماما هم­ علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي وان آخرهم الامام الغائب محمد بن الحسن العسكري

وكان يستهدف من وراء ذلك اثبات وجود الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري الذي كان وجوده محل شك ونقاش في صفوف الشيعة الامامية

 

وقد استعانت النظرية الاثناعشرية بأحاديث ·سنية¨ ذكرها البخاري ومسلم حول حدوث الهرج والمرج بعد الخليفة او الامير الثاني عشر« ولكي ينسجم عدد الأئمة السابقين مع هذه الروايات فقد لجأ الاثناعشريون الى حذف اسم الامام زيد والامام عبدالله الافطح والامام احمد بن موسى الذين قال بامامتهم كثير من الشيعة الامامية لفطحية في السابق ، كما رفضوا الاعتراف بامامة جعفر بن علي الهادي ، واضافوا اسم الامام محمد بن الحسن العسكري ونظموا قائمة جديدة بأسماء تسعة من اولاد الحسين واحدا بعد واحد ، وقالوا ­ بأن هؤلاء الأئمة قد نص عليهم الرسول واعلن اسماءهم من قبل ، وجاءوا على ذلك بعشرات الاحاديث التي نسبوها الى رسول الله والأئمة السابقين

وقد اورد الكليني ، في مطلع القرن الرابع الهجري ، في كتابه­الكافي سبعة عشر رواية تتحدث عن (الاثني عشرية) ، بينما ذكر الشيخ محمد بن علي الصدوق ، بعد ذلك بنصف قرن ، خمسا وثلاثين رواية حول الموضوع في كتابه اكمال الدين ، واكملها محمد بن علي الخزاز في اواخر القرن الرابع في كتابه­ كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر الى مائتي رواية

 

وكان اصل هذه النظرية كما يقول المؤرخ الشيعي المسعودي في التنبيه والاشراف هو كتاب سليم بن قيس الهلالي الذي ظهر في القرن الرابع الهجري لمؤلف يقال انه من اصحاب الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب وفيه احاديث تنسب الى رسول الله والأئمة من اهل البيت تشير الى تحديد اسماء الأئمة الاثني عشر

 

وقد اضطرت النظرية الاثناعشرية الى الغاء التاريخ الشيعي والامامي ، واهمال قضية الغموض في النص والوصية وحيرة الامامية في التعرف على الامام الجديد ، وتجاوز مسألة البداء التي حدثت مرتين في عهد الامام الصادق والامام الهادي ، والادعاء بأنها كانت موجودة منذ عهد رسول الله ، وذلك بالرغم من اعتراف الجميع بولادة النظرية لامامية في مطلع القرن الثاني الهجري على ايدي هشام بن الحكم ومؤمن الطاق وهشام بن سالم الجواليقي

وقد نقل الصدوق اعتراض الشيعة الزيدية على الاثني عشري وقولهم : ان الرواية التي دلت على ان الائمة اثنا عشر قول احدثه الامامية قريبا وول¹دوا فيه احاديث كاذبة و استشهادهم على ذلك بتفرق الشيعة بعد وفاة كل امام الى عدة فرق وعدم معرفتهم للامام بعد الامام ، وعن معنى البداء في اسماعيل ومحمد بن علي الذي يتنافى مع وجود القائمة المسبقة باسماء الائمة ، ووفاة زرارة دون معرفته بالامام بعد الصادق ثم رد الصدوق على الزيدية فقال ­ أن الامامية لم يقولوا ان جميع الشيعة كانوا يعرفون الائمة الاثني عشر ،

ولم ينكر ان زرارة لم يكن يعرف الحديث « ولكنه انتبه بعد ذلك الى منزلة زرارة وعدم امكانية جهله بأي حديث من هذا القبيل وهو اعظم تلامذة الامام الصادق فتراجع وقال ­ان زرارة ربما كان يخفي ذلك تقية « ثم عاد فتراجع مرة اخرى بعد قليل ، قال­ان الكاظم قد استوهبه من ربه لجهله بالامام لان الشاك فيه على غير دين الله

 

 

محاولة حل مشكلة الطفولة

 

لقد بنيت النظرية الاثنا عشرية على أشد النظريات الامامية تصلبا وتطرفا ، كتلك التي تشترط الوراثة العمودية حتى لو كان الامام طفلا صغيرا ، والقت جانبا النظرية الامامية المعتدلة الفطحية التي كانت تجيز امامة الاخوين اذا كان الامام الاول عقيما او كان ابنه صغيرا ، وذلك بسبب ان لاثني عشرية نشأت بعد عصر الأئمة من اهل البيت بعشرات السنين ، ولم تكن حاضرة مع الأئمة كما كان الشيعة السابقون لكي تتفاعل معهم وتدرك مدى قدرتهم على التفاعل في ايام الطفولة

 

ووجد مشايخ النظرية الاثني عشرية انفسهم وجها لوجه امام القرآن الكريم الذي يوصي بالحجر على الاطفال حتى بلوغهم سن الرشد ، حيث يقول­·وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم¨ فقاموا بالخروج من هذا المأزق استثناء الأئمة من عموم الآية « وقد قال الشيخ المفيد ­·ـ ان قال قائل : كيف يصح لكم معشر الامامية القول بإمامة الاثني عشر ..وانتم تعلمون ان فيهم من خلفه ابوه وهو صبي صغير لم يبلغ الحلم ولا قارب بلوغه ،كأبي جعفر محمد بن علي بن موسى ، وقد توفي ابوه وله من العمر عند وفاته سبع سنين ، وكقائمكم الذي تدعونه وسنه عند وفاة أبيه عند المكثرين خمس سنين ، وقد علمنا بالعادات التي لم تنتقض في زمان من الازمنة :ان من كان له من السنين ماذكرناه لم يكن من بالغي الحلم ولا مقاربيه ، والله تعالى يقول: ک وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم اموالهم وإذا كان الله تعالى قد أوجب الحجر على هذين النفسين في اموالهما لايجابه ذلك في جملة الأيتام بطل ان يكونا امامين . لان الإمام هو الوالي على الخلق في جميع أمر الدين والدنيا . وليس يصح ان يكون الوالي على أموال الله تعالى كلها من الصدقات والاخماس ، والمأمون على الشريعة والأحكام وامام الفقهاء والقضاة والحكام ، والحاجر على كثير من ذوي الألباب في ضروب من الاعمال من لا ولاية له على درهم واحد من مال نفسه ولا يؤمن على النظر

لنفسه ،ومن هو محجور عليه لصغر سنه ونقصان عقله لتناقض ذلك واستحالته ، وهذا دليل على بطلان مذاهب الامامية خاصة .. فالجواب :... ان الله سبحانه وتعالى قد قطع العذر في كمال من اوجب له الامامة ودل على عصمة من نصبه للرياسة. وقد وضح بالبرهان القياسي والدليل السمعي :امامة هذين الامامين ، فاوجب ذلك خروجهما من جملة الايتام الذين توجه نحوهم الكلام¨ .

 

واضاف ­· الامامية غير حرجة في اعتقادها خصوص آية الحجر بدليل يوجبه العقل ، ويحصل عليه الاجماع على التنزيل الذي اذكره ..وذلك انه لا خلاف بين الامة : ان هذه الآية يختص انتظامها لنواقص العقول عن حد الاكمال الذي يوجب الايناس فلم تكن منتظمة لمن حصل له من العقل ماهو حاصل لبالغي الحلم من اهل الرشاد ، فبطل ان تكون منتظمة للائمة

وحاول المفيد ان ينفي حجية العموم وحجية عموم آية الحجر حتى يسلم من الاتهام ..فابتكر بحثا اصوليا جديدا ..وقال: · ان الخصوص قد يقع في القول ولا يصح وقوعه في عموم العقل .. والعقل موجب لعموم الائمة بالكمال والعصمة . فاذا دل الدليل على امامة هذين النفسين وجب خصوص الآية فيمن عداهما بلا ارتياب .. مع ان العموم لا صيغة له عندنا فيجب استيعاب الجنس بنفس اللفظ ، وانما يجب ذلك بدليل يقترن اليه فمتى تعرى عن الدليل وجب الوقف فيه ..ولا دليل على عموم هذه الآية

 

ومع ان المفيد يدعي عدم الخلاف حول صفات الائمة الصغار ، مصادرة .. ويتجاوز الخلافات العنيفة حولهم داخل الشيعة الامامية ، فانه يحاول ان يثبت نقشا لعرش لم يثبت بعد ..حيث يحاول ان يثبت الطبيعة الاستثنائية للائمة الصغار بناء على موضوع العصمة والامامة التي لم تثبت بعد ، وليس ذلك إلا تخصيصا للقرآن بالظن .. ومن الواضح ان الشيخ المفيد يطلق على ظنه الحاصل من الفلسفة مصطلح العقل ، ويدعي وجود النص على امامة الجواد بناء على بعض اخبار الاحاد غير الثابتة ، كما يدعي وجود الاجماع الذي لم يكن له اثر بين الشيعة ولا عامة المسلمين حول امامة الجواد والهادي وغيره من الائمة ، ويقوم بعد ذلك بتخصيص عموم القرآن الكريم .. ثم لا يكتفي بذلك فينكر عموم آية الحجر الشامل للائمة وهم اطفال ..

 

ومع ان الادلة الفلسفية الظنية او اخبار الاحاد المتضاربة والضعيفة لا تستطيع الغاء العموم الوارد في القرآن الكريم وتخصيصه ، ولا تقييد المطلق ، فان الواقع التاريخي ينفي وجود حالة خاصة للائمة وهم اطفال صغار ، ويذكر التاريخ الشيعي : ان الامام الجواد œ مثلا œ قد اوصى بابنه علي الهادي ، الى عبدالله بن المساور ، وجعله قائما على تركته من الضياع والاموال والنفقات والرقيق وغير ذلك ، الى ان يبلغ علي بن محمد ، وقد كتب الوصية وشهد بها احمد بن خالد ، وذلك في يوم الاحد لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشرين ومائتين

و لكن المفيد يتحمس للجدال النظري بشدة بعد مضي اكثر من مائة سنة على نشوبه ..ودون ان يشاهد الائمة في صغرهم ليتثبت من حالتهم الشخصية ويعرف فيما اذا كانوا فعلا يمتلكون مؤهلات استثنائية غير طبيعية ؟.. ولا يقوم الشيخ المفيد بمراجعة التاريخ لكي يبني نظريته على اساس الواقع ..وانما يكتفي بالبحث النظري الفلسفي المجرد والمتأخر بعد مائة سنة لكي يقول مايقول ..وينتهج بذلك اسلوبا

غير علمي للتعرف على الحقيقة

 

تجاوز مشكلة البداء

 

واذا لم تكن عملية اختلاق الروايات عملا صعبا او مستحيلا ، فقد كان تجاوز مسألة البداء عملية صعبة جدا ، وقد حاول اقطاب الاثني عشرية الذين كانوا يدعون وجود قائمة مسبقة بأسماء الأئمة الاثني عشر ، معدة من قبل ، حاولوا ان يفسروا البداء بالبداء من الله ، والادعاء باختفاء امر امامة الكاظم والعسكري ، وظهورها بعد وفاة اسماعيل والسيد محمد

الا ان الشيخ الصدوق رفض الاعتراف بحديث البداء من الاساس ، وقال مخاطبا الزيدية­ بِمَ قلتم : ان جعفر بن محمد قد نص على اسماعيل باالامامة ؟ وما ذلك الخبر؟ ومن رواه؟ ومن تلقاه بالقبول ؟ وانما هذه حكاية ولدها قوم قالوا بامامة اسماعيل ، ليس لها اصل ...فأما قوله­· ما بدا لله في شيء كما بدا له في اسماعيل ابني¨ فانه يقول: ما ظهر لله امر كما ظهر له في اسماعيل ابني ، اذ اخترمه في حياتي ليعلم بذلك انه ليس بامام بعدي . والبداء الذي ينسب الى الامامية القول به ، هو: ظهور امره

 

و لكن الصفار والكليني والمفيد والطوسي رووا عن ابي هاشم داود بن القاسم الجعفري حديثا يثبت حدوث البداء في اسماعيل والسيد محمد ، وجاء فيه بصراحة­ ان الصادق اشار الى اسماعيل وان الهادي اشار الى محمد ثم صير مكانه ابا محمد العسكري

 

وروى الصفار والكليني والمفيد والطوسي حديثا عن الامام الهادي يقول فيه لابنه الحسن­· يا بني احدث لله شكرا فقد احدث فيك امرا ‍‌

 

وقد اغمض الصدوق عينيه عن هذه الاحاديث وأراح نفسه من عناء مناقشتها والرد عليها وأهملها بالمرة ، بالرغم من انها كانت مورد اجماع المحدثين السابقين واللاحقين

ورغم صراحة تلك الاحاديث في البداء في امر الامامة ، فان الشيخ المفيد حاول ان يأول معنى البداء من معنى تغير علم الله او ارادته الذي يظهر من كلمة احداث الى معنى الظهور ويقول ­ المعنى في قول الامامية ­ بدا لله في كذا اي ظهر له فيه . ومعنى ظهر فيه اي ظهر منه . والذي اعتمدناه في معنى البداء : انه الظهور . وهو خاص فيما يظهر من الفعل الذي كان وقوعه بعيدا في النظر ‍‍

 

وكذلك حاول الشيخ الطوسي ان يأول معنى البداء بقوله: ما تضمنه الخبر من قوله :بدالله فيه معناه ­ بدا من الله فيه فان الناس كانوا يظنون في اسماعيل بن جعفر انه الامام بعد ابيه ،فلما مات علموا بطلان ذلك وتحققوا امامة موسى ،وهكذا كانوا يظنون امامة محمد بن علي بعد ابيه فلما مات في حياة ابيه علموا بطلان ماظنوه « وقال: لما مات محمد ظهر من امر الله فيه وانه لم ينصبه اماما كما ظهر في اسماعيل مثل ذلك ، لا انه كان نص¹ عليه ثم بدا له في النص على غيره ، فان ذلك لا يجوز على الله تعالى العالم بالعواقب

وقد أكد الشيخ الطوسي مرة اخرى ان موضوع الامامة لا يقبل البداء ، لأنه يؤدي ان لا نثق بشيء من اخبار الله تعالى

 

وكان الشيخ علي بن بابويه الصدوق قد رفض التسليم بالبداء في تسمية الأئمة، واعتبر ذلك كالصلاة والصوم التي لا تقبل النسخ ، وقال ­· ما كان الله ليبدو له في امام تسمية ولا خروجا ، وما الفرق بعد قولي : ان الامامة احد الشرائع الخمسة بين من يقول بالبداء في الصلاة والصوم وسائر الشرائع الاربعة ، لأن مخرج الاربعة واحد وهي الامامة ، فان جاز ان ينسخ الله اصل الشرائع جاز ان ينسخ فرعها ، واعوذ بالله ان اقول بنسخ شريعة وتبديل ملة بعد ان جعل الله محمدا خاتم النبيين وشريعته خاتمة الشرائع ، وواصل القيام على دينه وشريعته بقيام الساعة والانتقال منها الى محشر الساعة

وحاول ابن بابويه ان يفسر الاحاديث الواردة بالبداء بالتقية ، بعد استحالة الجمع بين البداء والقول بوجود القائمة المسبقة بأسماء الأئمة

وقال­· الامامة لا تتغير وحاش َ لله ان يجعل خلفاءه في عباده من ينقض امرهم ويبدل سنتهم وتكون حكمته سبحانه بمحل يرشح رجلا لحفظ بيضة المسلمين فيكون بمنزلة ينحى عنها قبل انقضاء اجله وبلوغ مدته ، او يجعله بمحل من يحدث في عقله الفساد لبلوغه اقصى العمر وابعد السن ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا¨

 

وفعلا لو كانت الامامة من الله لاستحال حدوث البداء فيها ، ولصعب تفسير البداء حتى بمعنى الظهور ، اذ ان ذلك يسبب بلبلة الشيعة وفقدان ثقتهم بكلمة الأئمة ، كما حدث في التاريخ . ولكن بدلا من ان ينظر المتكلمون الى احاديث اهل البيت ، والى الحقائق التاريخية التي كانت تؤكد حصول الاشارة من الأئمة على بعض ابنائهم ثم وفاتهم في حياتهم ، ثم اشارتهم الى آخرين ، فيستنتجوا منها عدم الامامة من الله كما كان يقول اهل البيت عليهم السلام فان المتكلمين الاثني عشرية حاولوا ان يفسروا البداء بصورة تعسفية بما ينسجم مع النظرية الامامية ولكنهم اضطروا ضمنياً الى الاعتراف بغموض النص على بعض الأئمة وعدم معرفة الشيعة وخواص الأئمة بالقائمة المسبقة بأسمائهم

 

يقول الشيخ باقر شريف القرشي في كتاب­ حياة الامام الحسن العسكري على اي حال فان هذه الروايات لا علاقة لها بالبداء ، وانما تدل على ان الله تعالى اظهر امامة الحسن العسكري التي كانت مخفية على الشيعة

 

واضافة الى قضية البداء التي كانت تتعارض مع وجود قائمة مسبقة بأسماء الأئمة الاثني عشر كانت هناك بعض الاحاديث في كتاب سليم بن قيس الهلالي والكافي للكليني تذكر ان عدد الأئمة ثلاث عشر وقد قامت على اثرها فرقة تسمى الثلاث عشرية بقيادة حفيد عثمان بن سعيد العمري­ احمد بن هبة الله الكاتب . و لذا فان النظرية الاثناعشرية لم تستقر بسهولة بين الشيعة الامامية ، وقد قال الصدوق بصراحة : · أننا لسنا مستعبدين في ذلك الا بالاقرار باثني عشر اماما ، واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر بعده ¨ , ويروي الصدوق عدة روايات حول احتمال امتداد الامامة بعد المهدي وعدم الاقتصار عليه، فروي عن الامام اميرالمؤمنين رواية حول غموض الامر بعد القائم وان رسول الله قد عهد اليه ان لا يخبر احدا بذلك الا الحسن والحسين ، وانه قال : لا تسألوني عما يكون بعد هذا فقد عهد الي حبيبي ان لا اخبر به غير عترتي

وعلى اي حال ، فقد اختلفت النظرية الاثناعشرية عن الامامية في ان هذه الاخيرة كانت تدور حول أئمة من اهل البيت ، موجودين في الحياة بشكل ظاهر ، وتعتقد انهم اولى بالحكم والخلافة من الحكام الامويين او العباسيين ، وتقول­ ان اولئك الأئمة معينون من قبل الله بينما اخذت النظرية الاثنا عشرية تدور حول امام غائب لا أثر له في الحياة ، هو الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري الذي تدعي انه ولد في ظروف سرية واختفى وسوف يظهر في المستقبل

 

وقد ادى القول بوجود الامام الثاني عشر وغيبته وانتظاره ، الى فقدان النظرية الاثني عشرية للمعنى السياسي ، مما ادى الى انسحاب الشيعة الاثني عشرية من المسرح السياسي ، وانقراضهم في القرن الرابع ، ليفسحوا المجال امام الفرق الشيعية الاخرى كالزيدية الاسماعيلية ان يحتلوا الساحة.