|
الجزء الأول الفصل الاول الشورى نظرية أهل البيت
كانت الامة الاسلامية في عهد الرسول الاعظم (ص) وبعد وفاته وخلال العقود الاولى من تاريخها تؤمن بنظام الشورى وحق الامة في اختيار ولاتها وكان اهل البيت في طليعة المدافعين عن هذا الايمان ، والعاملين به ، وعندما اصيبت الامة بتسلط الحكام الامويين بالقوة ، وتداولهم للسلطة بالوراثة ، وإلغائهم لنظام الشورى ، تأثر بعض الشيعة الموالين لأهل البيت بما حدث فقالوا رداً على ذلك بأحقية اهل البيت بالخلافة من الامويين ، وضرورة تداولها في اعقابهم . ولكن هذه النظرية لم تكن نظرية اهل البيت انفسهم ولا نظرية الشيعة في القرن الاول الهجري. وبالرغم مما يذكر الاماميون من نصوص حول تعيين النبي (ص) للامام علي بن ابي طالب كخليفة من بعده ، الا ان تراثهم يحفل بنصوص اخرى تؤكد التزام الرسول الاعظم واهل البيت بمبدء الشورى وحق الامة في انتخاب أئمتها. تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى -وهو من ابرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري - ان العباس بن عبد المطلب خاطب اميرالمؤمنين في مرض النبي (ص) ان يسأله عن القائم بالامر بعده ، فان كان لنا بينه وان كان لغيرنا وصى بنا ، وان اميرالمؤمنين قال: دخلنا على رسول الله (ص) حين ثقل ، فقلنا: يارسول الله.. استخلف علينا ، فقال: لا ، اني اخاف ان تتفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون ، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا اختار لكم. و يقول الكليني في (الكافي) نقلا عن الامام جعفر بن محمد الصادق:انه لما حضرت رسول الله (ص) الوفاة دعا العباس بن عبدالمطلب وامير المؤمنين فقال للعباس : ـ ياعم محمد .. تأخذ تراث محمد وتقضى دينه وتنجز عداته ؟ ..فرد عليه فقال : ـ يارسول الله بأبي انت وامي اني شيخ كبير كثير العيال قليل المال من يطيقك وانت تباري الريح . قال فأطرق هنيهة ثم قال : ـ يا عباس أتأخذ تراث محمد وتنجز عداته وتقضي دينه ؟ ..فقال كرد كلامه .. قال : اما اني سأعطيها من يأخذها بحقها ، ثم قال : ياعلي يا اخا محمد أتنجز عدات محمد وتقضي دينه وتقبض تراثه ؟ ..فقال : نعم بأبي انت وامي ذاك علي¹ ولي¹ . وهذه الوصية ـ كما هو ملاحظ وصية عادية شخصية آنية ، لا علاقة لها بالسياسة والامامة ، والخلافة الدينية ، وقد عرضها الرسول في البداية على العباس بن عبدالمطلب ، فاشفق منها ، وتحملها الامام اميرالمؤمنين طواعية . وهناك وصية اخرى ينقلهاالشيخ المفيد في بعض كتبه عن الامام اميرالمؤمنين (ع) ويقول ان رسول الله (ص) قد اوصى بها اليه قبل وفاته ، وهي ايضا وصية اخلاقية روحية عامة ، وتتعلق بالنظر في الوقوف والصدقات . واذا القينا بنظرة على هذه الروايات التي يذكرها اقطاب الشيعة الامامية كالكليني والمفيد والمرتضى ، فاننا نرى انها تكشف عن عدم وصية رسول الله للامام علي بالخلافة والامامة ، وترك الامر شورى ، وهو ما يفسر احجام الامام علي عن المبادرة الى اخذ البيعة لنفسه بعد وفاة الرسول ، بالرغم من الحاح العباس بن عبد المطلب عليه بذلك ، حيث قال له · امدد يدك ابايعك ، وآتيك بهذا الشيخ من قريش . يعني ابا سفيان . فيقال· ان عم رسول الله بايع ابن عمه¨ فلا يختلف عليك من قريش احد ، والناس تبع لقريش ¨ . فرفض الامام علي ذلك . وقد روى الامام الصادق عن ابيه عن جده انه لما استخلف ابو بكر جاء ابو سفيان الى الامام علي وقال له أرضيتم يا بني عبد مناف ان يلي عليكم تيم؟ ابسط يدك ابايعك ، فوالله لأملأها على أبى فصيل خيلا ورجلا ، فانزوى عنه وقال ويحك يا ابا سفيان هذه من دواهيك ، وقد اجتمع الناس على أبى بكر. ما زلت تبغي للاسلام العوج في الجاهلية والاسلام ، ووالله ما ضر الاسلام ذلك شيئا حتى ما زلت صاحب فتنة ¦
شعور الامام علي بالأولوية ويجمع المؤرخون السنة والشيعة على ان الامام علي بن ابي طالب امتعض من انتخاب ابي بكر في البداية ، وامسك يده عن البيعة وجلس في داره لفترة من الزمن ، وانه عقب على احتجاج قريش في (سقيفة بني ساعدة) بأنهم شجرة رسول الله بالقول · انهم احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة.
ويذكر الشريف الرضي في (نهج البلاغة) ان الامام اشتكى من قريش ذات مرة فقال· اللهم اني استعديك على قريش ومن اعانهم فانهم قد قطعوا رحمي وأكفؤوا انائي ، واجمعوا على منازعتي حقا كنت اولى به من غيري وبالرغم من شعور الامام علي بالأحقية والأولوية في الخلافة ، الا انه عاد فبايع ابابكر ، وذلك عندما حدثت الردة ، حيث مشى اليه عثمان بن عفان فقال له· يا ابن عم انه لا يخرج احد الى قتال هؤلاء وانت لم تبايع ، فأرسل الى ابي بكر ان يأتيه ، فأتاه ابو بكر فقال له· والله ما نفسنا عليك ما ساق الله اليك من فضل وخير ، ولكنا كنا نظن ان لنا في هذا الامر نصيبا استبد به علينا ¨ وخاطب المسلمين قائلا· انه لم يحبسني عن بيعة ابي بكر الا اكون عارفا بحقه ، ولكنا نرى ان لنا في هذا الأمر نصيبا استبد به علينا ¨ ثم بايع ابابكر ، فقال المسلمون اصبت واحسنت . ولا شك ان تمنع الامام علي من المسارعة الى بيعة ابي بكر كان بسبب انه كان يرى نفسه اولى وأحق بالخلافة - وهو كذلك- او كان يرى ضرورة مشاركته في الشورى وعدم جواز الاستبداد بها دونه ، وقد سأله رجل من بني أسد كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وانتم أحق به ؟ فقال يا أخا بني أسد اما الاستبداد بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا والأشد برسول الله نوطا ، فانها كانت اثرة شحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين .
وقد قال الامام اميرالمؤمنين في الخطبة المعروفة بالشقشقية· أما والله لقد تقمصها فلان وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ولا يرقى الي الطير ، فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا ، وطفقت ارتئي بين ان اصول بيد جذاء او اصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ، فرأيت ان الصبر على هاتا احجى ، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا ، ارى تراثي نهبا ، حتى اذا مضى الاول لسبيله فأدلى بها الى فلان بعده ، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة حتى اذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم اني احدهم ، فيا لله والشورى متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى صرت اقرن الى هذه النظائر؟ وهناك رواية أخرى عن زيد بن علي عن الإمام أمير المؤمنين يقول فيها · بايع الناس ابابكر وانا أولى بهم مني بقميصي هذا ، فكضمت غيظي ، وانتظرت امري وألزقت كلكلي بالارض وفي هذه الخطب يشير الامام علي بن ابي طالب الى اولويته بالخلافة واحقيته بها وان اهل البيت هم الثمرة اذا كانت قريش شجرة رسول الله ، ولا يشير الى مسالة النص عليه من رسول الله او تعيينه خليفة من بعده ، وينقل الكليني رواية عن الامام محمد الباقر يقول فيها ان الامام علي لم يدع الى نفسه وانه أقر القوم على ما صنعوا وكتم امره واذا كان حديث الغدير يعتبر اوضح واقوى نص من النبي بحق اميرالمؤمنين فان بعض علماء الشيعة الامامية الاقدمين كالشريف المرتضى يعتبره نصا خفيا غير واضح بالخلافة ، حيث يقول في (الشافي)· انا لا ندعي علم الضرورة في النص ، لا لأنفسنا ولا على مخالفينا ، وما نعرف احدا من اصحابنا صرح بادعاء ذلك ولذلك فان الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير او غيره من الاحاديث معنى النص والتعيين بالخلافة ، ولذلك اختاروا طريق الشورى ، وبايعوا ابابكر كخليفة من بعد الرسول ، مما يدل على عدم وضوح معنى الخلافة من النصوص الواردة بحق الامام علي ، او عدم وجودها في ذلك الزمان .
الامام علي والشورى ومما يؤكد كون نظام الشورى دستورا كان يلتزم به الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب وعدم معرفته بنظام الوراثة الملكية العمودية في اهل البيت ، هو دخول الامام في عملية الشورى التي اعقبت وفاة الخليفة عمر بن الخطاب ، ومحاججته لأهل الشورى بفضائله ودوره في خدمة الاسلام ، وعدم اشارته الى موضوع النص عليه او تعيينه خليفة من بعد الرسول ، ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى لأشار الامام الى ذلك ، وحاججهم بما هو اقوى من ذكر الفضائل لقد كان الامام علي يؤمن بنظام الشورى « وان حق الشورى بالدرجة الاولى هو من اختصاص المهاجرين والانصار ، ولذلك فقد رفض بعد مقتل عثمان الاستجابة للثوار الذين دعوه الى تولي السلطة وقال لهم ليس هذا اليكم هذا للمهاجرين والانصار من أمره اولئك كان اميرا . وعندما جاءه المهاجرون والانصار فقالوا امدد يدك نبايعك ، دفعهم ، فعاودوه ، ودفعهم ثم عاودوه فقال · دعوني والتمسوا غيري واعلموا اني ان اجبتكم ركبت بكم ما اعلم ,وان تركتموني فأنا كأحدكم ، ولعلي اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم وانا لكم وزيرا خير لكم مني اميرا . ومشى الى طلحة والزبير فعرضها عليهما فقال من شاء منكما بايعته ، فقالا لا الناس بك ارضى ، واخيرا قال لهم· فان ابيتم فان بيعتي لا تكون سرا ، ولا تكون الا عن رضا المسلمين ولكن اخرج الى المسجد فمن شاء ان يبايعني فليبايعني ولو كانت نظرية النص والتعيين ثابتة ومعروفة لدى المسلمين ، لم يكن يجوز للامام ان يدفع الثوار وينتظر كلمة المهاجرين والانصار ، كما لم يكن يجوز له ان يقول· انا لكم وزيرا خير لكم مني اميرا¨ ، ولم يكن يجوز له ان يعرض الخلافة على طلحة والزبير ، ولم يكن بحاجة لينتظر بيعة المسلمين وهناك رواية في كتاب (سليم بن قيس الهلالي) تكشف عن ايمان الامام علي بنظرية الشورى وحق الامة في اختيار الامام ، حيث يقول في رسالة له :· الواجب في حكم الله وحكم الاسلام على المسلمين بعدما يموت امامهم او يقتل .. ان لا يعملوا عملا ولا يحدثوا حدثا ولا يقدموا يدا ولا رجلا ولا يبدأوا بشيء قبل ان يختاروا لأنفسهم اماما عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء والسنة ¨ ¦ وعندما خرج عليه طلحة والزبير احتج عليهما بالبيعة وقال لهما ـ بايعتماني ثم نكثتما بيعتي ¨ ولم يشر إلى موضوع النص عليه من رسول الله ، وكلما قاله للزبير فتراجع عن قتاله هو ان ذكره بقول رسول الله له· لتقاتلنه وانت له ظالم وقال الامام علي لمعاوية الذي تمرد عليه · اما بعد .. فان بيعتي بالمدينة لزمتك وانت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا ابابكر وعمر وعثمان ، فلم يكن للشاهد ان يختار ولا للغائب ان يرد. وانما الشورى للمهاجرين والانصار اذا اجتمعوا على رجل فسموه اماما كان ذلك لله رضا اذن فقد كانت الشورى هي اساس الحكم في نظر الامام علي ، وذلك في غياب نظرية (النص والتعيين) التي لم يشر اليها الامام في اي موقف. وقد كان الامام علي (ع) ينظر الى نفسه كانسان عادي غير معصوم ، ويطالب الشيعة و المسلمين ان ينظروا اليه كذلك ، ويحتفظ لنا التاريخ برائعة من روائعه التي ينقلهاالكليني في (الكافي) والتي يقول فيها اني لست في نفسي بفوق ان اخطيء ولا آمن ذلك من فعلي ، الا ان يكفي الله من نفسي ماهو املك به مني . ويتجلى ايمان الامام علي بالشورى دستورا للمسلمين بصورة واضحة ، في عملية خلافة الامام الحسن ، حيث دخل عليه المسلمون ، بعدما ضربه عبدالرحمن بن ملجم ، وطلبوا منه ان يستخلف ابنه الحسن ، فقال · لا ، انا دخلنا على رسول الله فقلنا استخلف ، فقال لا اخاف ان تفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون ، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يختر لكم . وسالوا عليا ان يشير عليهم بأحد ، فما فعل ، فقالوا له ان فقدناك فلا نفقد ان نبايع الحسن ، فقال لا آمركم ولا انهاكم . انتم ابصر وقد ذكر الحافظ ابو بكر بن ابي الدنيا في كتاب (مقتل الامام أمير المؤمنين) عن عبدالرحمن بن جندب عن ابيه قال قلت: يا اميرالمؤمنين، ان فقدناك ـ ولا نفقدك ـ نبايع للحسن ؟..فقال: ـ ما آمركم ولا انهاكم. فعدت فقلت مثلها فرد¹ علي مثلها
وذكر الشيخ حسن بن سليمان في (مختصر بصائر الدرجات) عن سليم بن قيس الهلالي ، قال : سمعت عليا يقول وهو بين ابنيه وبين عبدالله بن جعفر وخاصة شيعته : · دعوا الناس وما رضوا لانفسهم والزموا انفسكم السكوت وقد قام الامام اميرالمؤمنين بالوصية الى الامام الحسن وسائر ابنائه ولكنه لم يتحدث عن الامامة والخلافة ، وقد كانت وصيته روحية اخلاقية وشخصية ، او كما يقول الشيخ المفيد في (الإرشاد) ان الوصية كانت للحسن على اهله وولده واصحابه ، و وقوفه وصدقاته . وتلك الوصية هي كالتالي · هذا ما اوصى به علي بن ابي طالب: اوصى انه يشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ، وان محمدا عبده ورسوله ، ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ثم ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، بذلك امرت وانا من المسلمين . ثم اني اوصيك ياحسن وجميع ولدي واهلي ومن بلغه كتابي : ان تتقوا الله ربكم ولا تموتن الا وانتم مسلمون) ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فاني سمعت رسول الله (ص) يقول: صلاح ذات البين افضل من عامة الصيام والصلاة ، وان المعرة حالقة الدين فساد ذات البين ، ولا قوة الا بالله . انظروا ذوي ارحامكم فصلوهم يهون عليكم الحساب. والله الله في الايتام فلا تغب¹بون افواهم ، ولا يضيعون بحضرتكم . والله الله في جيرانكم ، فانهم وصية رسول الله مازال يوصينا بهم حتى ظننا انه يو¹رثهم . والله الله في القرآن أن يسبقكم في العمل به غيركم . والله الله في بيت ربكم ، لا يخلون¹ ما بقيتم ، فانه ان خلا لم تناظروا . والله الله في رمضان فان صيامه جن¹ة من النار لكم . والله الله في الجهاد في سبيل الله بأيديكم واموالكم وألسنتكم . والله الله في الزكاة فانها تطفيء غضب الرب . والله الله في ذمة نبيكم ، فلا يُظلمن¹ بين اظهركم . والله الله فيما ملكت ايمانكم . انظروا فلا تخافوا في الله لومة لائم ، يكفكم من ارادكم وبغى عليكم ، وقولوا للناس حسنا كما امركم الله . ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم . عليكم يابني بالتواصل والتباذل ، واياكم والتقاطع والتكاثر والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ، واتقوا الله ان الله شديد العقاب حفظكم الله من اهل بيت ، وحفظ نبيكم فيكم ، استودعكم الله ، اقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ولذلك لم تلعب هذه الوصية القيمة الروحية والاخلاقية اي دور في ترشيح الامام الحسن للخلافة ، لأنها كانت تخلو من الاشارة اليها ، ولم تكن تشكل بديلا عن نظام الشورى الذي كان اهل البيت يلتزمون به كدستور للمسلمين
الامام الحسن والشورى وقد ذكر ابن ابي الحديد في (شرح نهج البلاغة)· انه لما توفي علي (ع) خرج عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب الى الناس فقال: ان اميرالمؤمنين توفي ، وقد ترك خلفا ، فان احببتم خرج اليكم ، وان كرهتم فلا احد على احد فبكى الناس وقالوا: بل يخرج الينا. وكما هو ملاحظ فان الامام الحسن لم يعتمد في دعوة الناس لبيعته على ذكر اي نص حوله من الرسول او من ابيه الامام علي ، و قد اشار ابن عباس إلى منزلة الامام الحسن عندما ذكر المسلمين بانه ابن بنت النبي ، و ذكر : انه وصي الامام اميرالمؤمنين ، ولكنه لم يبين : ان مستند الدعوة للبيعة هو النص او الوصية بالامامة وهذا ما يكشف عن ايمان الامام الحسن (ع) بنظام الشورى وحق الامة في انتخاب امامها ، وقد تجلى هذا الايمان مرة اخرى عند تنازله عن الخلافة الى معاوية واشتراطه عليه العودة بعد وفاته الى نظام الشورى حيث قال في شروط الصلح · ««على انه ليس لمعاوية ان يعهد لأحد من بعده وان يكون الامر شورى بين المسلمين ولو كانت الخلافة بالنص من الله والتعيين من الرسول ، كما تقول النظرية الامامية ، لم يكن يجوز للامام الحسن ان يتنازل عنها لأي احد تحت اي ظرف من الظروف « ولم يكن يجوز له بعد ذلك ان يبايع معاوية او ان يدعو اصحابه وشيعته لبيعته « ولم يكن يجوز له ان يهمل الامام الحسين ولأشار الى ضرورة تعيينه من بعده .. ولكن الامام الحسن لم يفعل اي شيء من ذلك وسلك مسلكا يوحي بالتزامه بحق المسلمين في انتخاب خليفتهم عبر نظام الشورى
الامام الحسين والشورى وقد ظل الامام الحسين ملتزما ببيعة معاوية الى آخر يوم من حياة الاخير ، ورفض عرضا من شيعة الكوفة بعد وفاة الامام الحسن بالثورة على معاوية، وذكر ان بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لا يجوز له نقضه ، ولم يدع الى نفسه الا بعد وفاة معاوية الذي خالف اتفاقية الصلح وعهد الى ابنه يزيد بالخلافة بعده ، حيث رفض الامام الحسين البيعة له ، وأصر على الخروج الى العراق حيث استشهد في كربلاء عام61 للهجرة. و يصرح الشيخ المفيد بان الامام الحسين لم يدع احدا الى امامته في ظل عهد معاوية، ويفسر ذلك بالتقية والهدنة الحاصلة بينه وبين معاوية والتزام الامام الوفاء بها حتى وفاة معاوية ولا توجد اية آثار لنظرية النص في قصة كربلاء ، سواء في رسائل شيعة الكوفة الى الامام الحسين ودعوته للقدوم عليهم ، او في رسائل الامام الحسين لهم ، حيث يقول الشيخ المفيد: ان الشيعة اجتمعت بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا هلاك معاوية .فحمدوا الله واثنوا عليه ، فقال سليمان بن صرد : ان معاوية قد هلك وان حسينا قد تقبض على القوم ببيعة ، وقد خرج الى مكة وانتم شيعته وشيعة ابيه ، فان كنتم تعلمون انكم ناصروه ومجاهدوا عدوه وتقتل انفسنا دونه فاكتبوا اليه واعلموه ، وان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل في نفسه ، قالوا : لا بل نقاتل عدوه ونقتل انفسنا دونه قال فاكتبوا اليه ، فكتبوا اليه : ـ للحسين بن علي ، من سليمان بن صرد والمسيب بن نجية ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب بن مظاهر وشيعته المؤمنين والمسلمين من اهل الكوفة : سلام عليك فانا نحمد اليك الله الذي لا اله الا هو .. اما بعد : فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الامة فابتزها امرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها واستبقى اشرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها واغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود . انه ليس علينا امام ، فاقبل لعل الله ان يجمعنا بك على الحق . والنعمان بن بشير في قصر الامارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه الى عيد ، ولو قد بلغنا انك قد اقبلت الينا اخرجناه حتى نلحقه بالشام ان شاء الله . فكتب اليهم : ـ من الحسين بن علي الى الملأ من المؤمنين والمسلمين .. اما بعد فان هانيا وسعيدا قدما علي بكتبكم ، وكان آخر من قدم علي من رسلكم وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم ·أنه ليس علينا امام فاقبل لعل الله ان يجمعنا بك على الحق والهدى ¨ واني باعث اليكم اخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي مسلم بن عقيل ، فان كتب الي انه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم ، وقرأت في كتبكم فاني اقدم اليكم وشيكا ان شاء الله . فلعمري ما الامام الا الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الداين بدين الحق ، الحابس نفسه على ذات الله ، والسلام . اذن فان مفهوم (الإمام) عند الامام الحسين لم يكن الا (الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الداين بدين الحق الحابس نفسه على ذات الله) ولم يكن يقدم اية نظرية حول (الامام المعصوم المعين من قبل الله) ولم يكن يطالب بالخلافة كحق شخصي له لأنه ابن الامام علي او انه معين من قبل الله . ولذلك فانه لم يفكر بنقل (الإمامة) الى احد من ولده ، ولم يوصِ الى ابنه الوحيد الذي ظل على قيد الحياة علي زين العابدين ، وانما اوصى الى اخته زينب او ابنته فاطمة ، وكانت وصيته عادية جدا تتعلق باموره الخاصة ، ولا تتحدث ابدا عن موضوع الامامة والخلافة ومما يؤكد عدم وجود نظرية (الامامة الإلهية) في ذلك الوقت ، عدم اشارة الامام علي بن الحسين اليها ، في خطبته الشهيرة التي القاها بشجاعة امام يزيد بن معاوية في المسجد الاموي عندما أُخذ اسيرا الى الشام ، وقد قال في خطبته تلك: · ايها الناس أُعطينا ستا وفضلنا بسبع : اعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفُضلنا بأن منا النبي والصديق والطيار واسد الله واسد رسوله وسبطا هذه الامة. ثم ذكر الامام اميرالمؤمنين فقال: انا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ومفرق الاحزاب ، اربطهم جأشا وامضاهم عزيمة ذاك ابو السبطين علي بن ابي طالب . ولم يشر الامام زين العابدين في خطبته الجريئة تلك الى موضوع الوصية او الامامة الالهية ، او الى قانون وراثة الامامة بالنص ، ولم يقل للناس انه الامام الشرعي المفترض الطاعة بعد ابيه الامام الحسين ، وانما اكتفى بالحديث عن فضل اهل البيت وفضائل الامام اميرالمؤمنين وانجازاته التاريخية
اعتزال الامام زين العابدين وقد بايع الامام علي بن الحسين يزيد بن معاوية بعد واقعة الحرة ورفض قيادة الشيعة الذين كانوا يطالبون بالثأر لمقتل ابيه الامام الحسين ، ويعدون للثورة ، ولم يدعِ الامامة ، ولم يتصدَ لها ، ولم ينازع عمه فيها ، وكما يقول الشيخ الصدوق : فانه انقبض عن الناس فلم يلق احدا ولا كان يلقاه الا خواص اصحابه ، وكان في نهاية العبادة ولم يخرج عنه من العلم الا يسيرا ويتطرف الصدوق جدا وبشكل غير معقول فينقل عن الامام السجاد : انه كان يوصي الشيعة بالخضوع للحاكم والطاعة له وعدم التعرض لسخطه، ويتهم الثائرين بالمسؤلية عن الظلم الذي يلحق بهم من قبل السلطان
انتخاب سليمان بن صرد الخزاعي زعيما للشيعة ومن هنا ونتيجة للفراغ القيادي فقد انتخب الشيعة في الكوفة بعد مقتل الامام الحسين سليمان بن صرد الخزاعي زعيما عليهم ، وذلك عندما اجتمعوا الى خمسة من رؤوسهم ، وقام المسيب بن نجيبة خطيبا فقال: ـ ايها القوم ولوا عليكم رجلا منكم فانه لا بد لكم من أمير تفزعون إليه وراية تحفون بها ، وقام رفاعة بن شداد فعقب على كلامه قائلا·قلت: ولوا امركم رجلا منكم تفزعون إليه وتحفون برايته ، وذلك رأي قد رأينا مثل الذي رأيت ، فان تكن انت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيا وفينا متنصحا وفي جماعتنا محبا ، وان رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولينا هذا الامر شيخ الشيعة صاحب رسول الله وذا السابقة سليمان بن صرد ، المحمود في بأسه والموثوق بحزمه¨« ثم تكلم عبدالله بن وال ، وعبدالله بن سعد فحمدا ربهما واثنيا عليه ... فقال المسيب بن نجيبة : · اصبتم ووفقتم وانا ارى مثل الذي رأيتم فولوا امركم سليمان بن صرد¨ وقد قام سليمان بن صرد الخزاعي بقيادة حركة قامت للثأر من قتلة الحسين ، وعرفت بحركة التوابين
امامة محمد بن الحنفية وعندما قام المختار بن عبيدة الثقفي ، بعد ذلك ، بحركته في الكوفة ، كتب الى علي بن الحسين يريده على ان يبايع له ويقول بامامته ويظهر دعوته ، وانفذ اليه مالا كثيرا ، فأبى ان يقبل ذلك منه ، او يجيبه عن كتابه ، فلما يئس المختار منه كتب الى عمه محمد بن الحنفية يريده على مثل ذلك ، واخذ يدعو الى امامته وقد استلم محمد بن الحنفية قيادة الشيعة فعلا ، ورعى قيام دولة المختار بن عبيدة الثقفي في الكوفة لقد كان أئمة اهل البيت يعتقدون بحق الامة الاسلامية في اختيار اوليائها وبضرورة ممارسة الشورى ، وادانة الاستيلاء على السلطة بالقوة ولعلنا نجد في الحديث الذي يرويه الصدوق في (عيون اخبار الرضا) عن الامام الرضا عن ابيه الكاظم عن ابيه جعفر الصادق عن ابيه محمد الباقر عن علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن ابيه عن جده رسول الله (ص) والذي يقول فيه من جاءكم يريد ان يفرق الجماعة ويغصب الامة امرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه ، فان الله عزوجل قد اذن ذلك .. لعلنا نجد في هذا الحديث افضل تعبير عن ايمان اهل البيت بالشورى والتزامهم بها ، واذا كانوا يدعون الناس الى اتباعهم والانقياد اليهم فانما كانوا يفعلون ذلك ايمانا بأفضليتهم واولويتهم بالخلافة في مقابل ·الخلفاء¨ الذين كانوا لا يحكمون بالكتاب ولا يقيمون القسط ولا يدينون بالحق من هنا وتبعا لمفهوم (الأولوية) قالت اجيال من الشيعة الاوائل ، وخاصة في القرن الاول الهجري ان عليا كان اولى الناس بعد رسول الله لفضله وسابقته وعلمه ، وهو افضل الناس كلهم بعده واشجعهم وأسخاهم وأورعهم وأزهدهم . وأجازوا مع ذلك امامة ابي بكر وعمر وعدوهما اهلا لذلك المكان والمقام ، وذكروا ان عليا سلم لهما الامر ورضي بذلك وبايعهما طائعا غير مكره وترك حقه لهما ، فنحن راضون كما رضي المسلمون له ، ولمن بايع ، لا يحل لنا غير ذلك ولا يسع منا احدا الا ذلك ، وان ولاية ابي بكر صارت رشدا وهدى لتسليم علي ورضاه بينما قالت فرقة اخرى من الشيعة : · ان عليا افضل الناس لقرابته من رسول الله ولسابقته وعلمه ولكن كان جائزا للناس ان يولوا عليهم غيره اذا كان الوالي الذي يولونه مجزئا ، أحب¹ ذلك او كرهه ، فولاية الوالي الذي ولوا على انفسهم برضى منهم رشد وهدى وطاعة لله عزوجل ، وطاعته واجبة من الله عزوجل وقال قسم آخر منهم : · ان امامة علي بن ابي طالب ثابتة في الوقت الذي دعا الناس واظهر امره و قد قيل للحسن بن الحسن بن علي الذي كان كبير الطالبيين في عهده وكان وصي ابيه وولي صدقة جده ألم يقل رسول الله من كنت مولاه فعلي مولاه؟فقال: بلى ولكن والله لم يعنِ رسول الله بذلك الامامة والسلطان ، ولو اراد ذلك لأفصح لهم به وكان ابنه عبدالله يقول: · ليس لنا في هذا الامر ما ليس لغيرنا ، و ليس في احد من اهل البيت امام مفترض الطاعة من الله¨ وكان ينفي امامة اميرالمؤمنين انها من الله
مما يعني ان نظرية النص وتوارث السلطة في اهل البيت فقط ، لم يكن لها رصيد لدى الجيل الاول من الشيعة ، ومن هنا فقد كانت نظرتهم الى الشيخين ابي بكر وعمر نظرة ايجابية ، اذ لم يكونوا يعتبرونهما ·غاصبين¨ للخلافة التي تركها رسول الله شورى بين المسلمين ولم ينص على أحد بالخصوص وهذا ما يفسر أمر الامام الصادق لشيعته بتوليهما . |