أحمد الكاتب

السنة والشيعة..

 وحـــدة الــــدين

 خلاف السياسة والتاريخ

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم

 

المقدمة

من هم الشيعة؟ ومن هم السنة؟

 

    قد يحلو للبعض تصوير الخلاف الشيعي السني وكأنه خلاف عقدي جذري وخالد لا يمكن معالجته الى يوم القيامة، ولكني اعتقد انه بالدرجة الأولى خلاف سياسي تجاوزه الزمن، وهو ان كان يتضمن معنى من معاني الخلاف السياسي في التاريخ السحيق، فانه قد فقد مبرر وجوده اليوم بعد حدوث تطورات هائلة في حياة المسلمين. ولم تبق منه سوى بعض الرواسب والمخلفات البسيطة التي لا تشكل مادة جدية للخلاف فضلا عن التناحر بين المسلمين. واذا كان ينبغي التخلص من تلك الرواسب التاريخية فانه يجدر أيضا مقارنة تلك الخلافات بعوامل الاختلاف العديدة الأخرى التي تحفل بها حياتنا اليومية، والتي يجب ان نعمل سوية من أجل التخلص منها أيضا، من أجل بناء وحدة اسلامية متينة.

لم يكن الخلاف الطائفي الشيعي – السني ، هو الخلاف الوحيد في تاريخنا الاسلامي وواقعنا المعاصر، فقد كانت ولا تزال هنالك خلافات مريرة داخل كل طائفة، داخل الشيعة والسنة، اضافة الى الخلافات القومية والقبلية والطبقية والحزبية التي تفجرت عبر التاريخ وتتفجر هنا وهناك باستمرار. بحيث نستطيع القول ان الخلاف الشيعي – السني يتراجع الى درجة كبيرة أمام تلك الخلافات، وانه لا يوجد في الحقيقة خلاف جدي بين الطائفتين في الخارج، ما عدا بعض الحواجز النفسية والمسائل البسيطة. وما عدا بعض التوتر الطائفي الذي يعشش في صدور المتطرفين والغلاة من الفريقين، وهم على أية حال فئات صغيرة ومعزولة.

وقبل أن نسترسل في الحديث، يجدر بنا ان نحدد مصطلح "السنة" و"الشيعة" لنحدد عوامل الخلاف بينهما تمهيدا لتصفية ذلك الخلاف والتخلص من رواسبه. ومن المؤكد ان المعنى البسيط الظاهر المتبادر من المصطلح الأول "السنة" هو اتباع سنة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو لا يمكن ان يتناقض مع التشيع لأهل البيت الذي يتضمن اتباع السنة، وبناء على ذلك فان السنة هم شيعة لأهل البيت وان الشيعة هم جزء لا يتجزأ من السنة. وقد مضى زمن في الصدر الأول قبل تكوُّن الطوائف، لم يكن أحد يشعر بوجود تناقض بين المفهومين أو الالتزام بهما. وربما كان شيعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يشكلون (أهل السنة والجماعة) في مواجهة الخارجين عليه. ولكن المصطلحين (الشيعة والسنة) افترقا فيما بعد ليشكلا علامتين على طائفتين أو طوائف من المسلمين. وقبل ان يستقر المصطلحان كما هما في الأذهان اليوم، كان مصطلح "السنة" يعني في القرن الثاني الهجري "الحديث النبوي" في مقابل ما كان يصطلح عليه "أهلُ الحديث" بالبدعة. وغلب في القرن الثالث على الحنابلة في مقابل المعتزلة والأحناف، في حين كان أئمة أهل السنة، أو أهل الحديث، يعتبرون أئمةَ أهل البيت أئمةً لأهل السنة أيضا. ولم يأخذ مصطلح أهل السنة دائرته الواسعة التي تضم المذاهب الأربعة المعروفة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) الا في القرن الخامس الهجري، رغم استمرار الصراع والتنافس بين المذاهب السنية نفسها الى أمد طويل. وظل الحنابلة أو أهل الحديث يشككون بسنية الأحناف والأشاعرة والماتريدية (الذين يشكلون غالبية المسلمين السنة) الى هذا اليوم، ولا يعترفون بهم الا بمعنى عام في مقابل الشيعة وعلى أساس بعض المقاييس.

   وبعد أن كان "الشيعة" يمثلون أنصار ومحبي وأتباع وجيش وجماهير الامام علي في أيام حكومته، حيث كانوا يشكلون غالبية المسلمين، تقلص مفهوم الاسم مع الزمن الى دوائر أضيق فأضيق، فاعتبر "شيعيا" من يقول بأفضلية الامام علي على غيره من الصحابة، أو من يقول بحقه الالهي في الخلافة، كما اعتبر شيعيا (أو رافضيا) من ينتقد معاوية بن أبي سفيان أو عثمان بن عفان أو أحدا من الصحابة. وهكذا خرج كثير من "أهل السنة" من دائرة "السنة" ليدخلوا في دائرة "الشيعة" رغم اختلاط الدائرتين لدى كثير من الناس وخاصة شيوخ أهل الحديث الذين كانوا يجمعون بين التسنن والتشيع في كثير من النقاط المشتركة.

  ويكاد اسم الشيعة يطلق اليوم على من يقول بنظرية الامامة الالهية لأهل البيت من الإثني عشرية والاسماعيلية، وربما شمل أيضا الزيدية الذين يقولون بانحصار الامامة في سلالة الامام علي والحسن والحسين. بينما يطلق اسم السنة على من يقول بشرعية انتخاب أبي بكر على أساس الشورى والبيعة العامة من المسلمين.

   ولم يكن هذا الخلاف النظري التاريخي ليشكل قاسما مفرقا بين المسلمين، لولا وجود بيئة مناسبة ونسبة عالية من الجهل والتعصب والطمع والاستبداد والتفكك الاجتماعي والانحطاط الخلقي والديني، وانعدام المؤسسات الدستورية والأجواء الديموقراطية التي تنظم عملية الصراع على السلطة بشكل سلمي وتحول دون انفجار المشكلة. وربما كانت الفتنة الكبرى التي تفجرت بين الجيل الأول من المسلمين، جيل الصحابة الكرام، تشكل دليلا واضحا على وجود تلك البيئة المساعدة على اشتعال الخلاف ، التي حدثت قبل نشوء الطوائف من السنة والشيعة. فلو كان ثمة دستور واضح ينظم عملية تبادل السلطة، ويضع قنوات شرعية للمعارضة لما تحولت عملية الاحتجاج على سياسة عثمان الى فتنة وأدت الى قتل الصحابي الجليل ونشوب الحروب المتتالية بين كبار الصحابة، رضي الله عنهم. وكذلك لم يكن الخلاف الطائفي الذي تفرع عن تلك الفتنة ليستمر طويلا أو ليحتدم بين آونة وأخرى، أو يتفجر دما في فتن مزمنة ومؤلمة ومؤسفة.

  وأخيرا.. فان الخلاف الطائفي  الشيعي – السني، اذا كان يحمل في نشأته اي معنى، فان جماهير المسلمين من الطائفتين لا يدركون اليوم له اي معنى أو مضمون، وآن له ان يدفن في مقابر التاريخ.

وفي الحقيقة لا يوجد اليوم مذهب شيعي أو سني متكامل أو نسخة واحدة رسمية لأي مذهب ، وانما المذاهب عرضة للزيادة والنقصان والآراء الفردية، ولا يوجد أحد ملزم بتبني جميع الآراء التي كتبها الرجال السابقون بالجملة في مختلف الأبواب العقدية والفقهية والتاريخية، وانما هو حر بانتقاء ما يجتهد فيه، وطبع نسخة خاصة به، قد لا تكون متطابقة مع أية نسخة أخرى، لان الانسان المسلم يلتزم بالعقيدة الاسلامية الواردة في القرآن الكريم، وفيما عدا ذلك فان كل شيء مظنون واجتهادي وخاص ومختلف فيه، ولذلك لا يجوز تكوين صورة كلية عن الطوائف والمذاهب وتطبيقها على أي انسان، وانما يجب التعرف على آراء كل شخص بصورة ذاتية. خاصة وان المجتمعات تتطور وتتغير ولا تبقى على حال واحدة.

  وعموما فإن في الدين قواعد لا يجوز أن يختلف عليها الناس. واجتهادات مبنية على أدلة ظنية لا يجوز أن تكون سببا لاختلاف الأمة، وانما مدعاة للحوار والنقاش. والخلاف بين الشيعة والسنة لا يدور حول القواعد الثابتة، وانما يتعلق بالقضايا الاجتهادية القائمة على أساس الأدلة الظنية.

 

   ان تكوين صورة الآخر سواء كان سنيا أو شيعيا، تتم أحيانا في أجواء الصراعات السياسية والأحقاد العاطفية الشخصية، التي تدفع باتجاه التقاط عيوب الآخرين من أجل التشهير بهم والتحريض ضدهم والتعبئة العسكرية من أجل محاربتهم، والقضاء عليهم، وفي هذه الاجواء لا يمكن وضع النقاط على الحروف أو تقييم السلبيات والإيجابيات، ومعرفة الانحرافات الكبيرة من الاجتهادات الصغيرة الهامشية الخاطئة، التي يمكن التسامح فيها، وانما يتم استغلال كل نقطة  سلبية وتضخيمها ورفعها الى مصاف الاختلافات العقدية الجوهرية التي تبرر قتل المخالف ومحاربته وتصفيته.

  وإذا كان القاريء الكريم يعيش هكذا أجواء حربية، فمن الأفضل له أن يطوي الكتاب ووضعه جانبا، ريثما تهدأ نفسه ويصبح مستعدا نفسيا لمعرفة الحق من الباطل. ولتقريب الأمر اضرب مثلا بزوجين في حالة خناقة عصبية وتبادل اللكمات والكلمات الجارحة، والإصرار المسبق على الطلاق، فان كل واحد منهما يحاول أن يستذكر سلبيات الطرف الآخر وتقديمها للمحكمة لاتخاذ القرار لصالحه، ولن يفيدهما التذكير بمحاسن الخصم، أما إذا كان لديهما قرار مسبق بالمحافظة على عش الزوجية، ويتحليان بهدوء نفسي وراحة أعصاب فيمكنهما بالطبع وضع الامور في نصابها، وتذكر الإيجابيات وتحديد السلبيات من أجل معالجتها بكل محبة ولطف. أي ان المهم هي إرادة التعايش وبعدها تهون الأمور. وكما ان من الخطأ في أية حياة زوجية ترك السلبيات تنمو وتتضخم لأنها قد تفجر الحياة المشتركة في المستقبل، فكذلك ان ترك الأمور السلبية بين الطوائف المختلفة ليس في صالح الوحدة والتعايش المشترك، ولا يجوز دفن الرؤوس في الرمال، وانما تجب المبادرة الى معالجتها بروح أخوية، بعيدا عن التضخيم و التهريج والحرب الإعلامية.

   واذا كان التعرف على أية مشكلة هو طريق حلها، فانه ينبغي ان نقوم بدراسة المشكلة الطائفية بهدوء وموضوعية. ولكي نقوم بهذه العملية علينا أولا ً أن نضع النقاط على الحروف في مسائل الخلاف، ونميز بين العناصر الجوهرية والقشرية، والبائدة والمعاصرة، والأصولية والفرعية، والموضوعية والخارجية، والحقيقية والمفتعلة والمضخمة.

  وقد اقترح فكرة هذا الكتاب فضيلة الأخ الشيخ محمد المختار الشنقيطي الذي آلمه تفرق المسلمين، فدعاني قبل عام الى تأليف كتاب مشترك ندرس فيه نقاط الالتقاء بين الطائفتين الاسلاميتين الكبيرتين (الشيعة والسنة) ونقاط الاختلاف بينهما، وقد تضمن العنوان المعبر الذي وضعه هو أيضا إشارة الى اتفاقهما في الأصل والدين، واختلافهما في السياسة والتاريخ. وقد بادرت الى تقديم رؤيتي في حزيران من عام 2005 وانتظرت عاما كاملا ليقدم الأخ الشنقيطي رؤيته، حتى يتضمن الكتاب رؤيتينا معا، ولكني لم أعد أسمع من الأخ جوابا، فقررت نشر الجزء المتعلق بي، بانتظار أن يكمل الأخ الشنقيطي الجزء الثاني المتعلق به، وعدت في هذه الأثناء الى وثائق ندوة عقدت في اسطمبول  من 13 – 15 أيلول من سنة 1993 تحت عنوان (الندوة العلمية الدولية حول التشيع عبر التاريخ وفي يومنا هذا) تحت إشراف وقف الدراسات الاسلامية في تركيا، برئاسة الدكتور علي أوزك، ومشاركة ثلة من أساتذة الجامعات التركية والعلماء السنة والشيعة. وكان لي شرف  المشاركة في تلك الندوة، فاستفدت كثيرا من الملاحظات التي قدمها العلماء السنة في نقد مختلف الجوانب الفكرية الشيعية، كما استفدت من الردود والأجوبة التي قدمها العلماء الشيعة، واحتفظت بالطبع بآرائي النقدية لكل من السنة والشيعة، التي أرجو من الجميع أن ينظر فيها ويقدم ملاحظاته عليها، من أجل ترسيخ الوحدة الاسلامية والتقدم بالأمة الاسلامية نحو الأمام.

واسأل الله التوفيق

أحمد الكاتب

لندن، حزيران 2006

 

 

 

 

 

 

الباب الأول: وحدة الدين

 

الفصل الأول: العقائد

المبحث الأول:  المتفق عليه في العقائد (أسس العقائد مثل التوحيد والنبوة والمعاد)

 

   يحدد الله تعالى أسس العقيدة الإسلامية في بداية القرآن الكريم في أول سورة البقرة حيث يقول: "ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون". حيث تتضمن هذه الآيات المباركة أسس العقيدة الاسلامية : الإيمان بالله تعالى والنبوة والمعاد، والتي لا يوجد خلاف حولها بين أحد من المسلمين من أية طائفة. ومع أن هذه الأسس تكفي لتوطيد قاعدة الوحدة بين المسلمين، الا ان حدوث بعض الاختلاف حول تفاصيل موضوع التوحيد أو المعاد، مثل التنزيه والتجسيم، أو المعاد الجسماني والمعاد الروحاني، ومعنى توحيد الله وعبادته، أثار عبر التاريخ نوعا من الجدل ليس بين الشيعة والسنة، وانما بين مختلف الطوائف بصورة عامة ، وخصوصا بين أهل الحديث (أوائل السنة) وبين المعتزلة والأشاعرة الذين أصبحوا يشكلون فيما بعد العمود الفقري لأهل السنة، والذين وافقهم الشيعة في كثير من الأمور.

  وربما كان التفسير السلفي أو الوهابي للتوحيد، وهو الذي يؤكد على توحيد العبادة بدلا من  الاكتفاء بتوحيد الربوبية والخالقية، يشكل اليوم أكبر خلاف بين المسلمين، حيث يعتبر بعض الوهابية، على ضوئه، عامة المسلمين من السنة والشيعة الذين لا يتفقون معهم على التركيز على توحيد العبادة فقط، أو تفسيره بشكل معين، ويكتفون بتوحيد الربوبية، أو إعلان التوحيد بصورة عامة، مشركين وكفارا جاهليين.

   وقد سار على خطى السلفية (الوهابية) بعض قادة الحركات الاسلامية المعاصرة (كالمفكر المصري الإخواني سيد قطب)، الذين اعتبروا المجتمعات الاسلامية مجتمعات جاهلية مشركة لأنها لا تلتزم بتوحيد العبادة في التشريع وتتبع أو توالي حكاما "كفارا" لا يحكمون بما أنزل الله.

   واذا استثنينا موضوع تكفير الخوارج للامام علي بسبب التحكيم، وتكفيرهم لمرتكب الكبيرة، فان أول خلاف عقدي جدي عصف بالأمة الاسلامية، كان يدور حول القدر أو الجبر والتفويض، وهل الانسان مسير؟ أم مخير؟.. ومن المعروف ان هذا الخلاف نجم  بين المسلمين قبل تبلور الفرق الاسلامية كطوائف. ثم حدث الخلاف الأكبر الذي أدى الى نشوء فرقة "أهل السنة" وولادتها على يدي الامام أحمد بن حنبل، وهو الخلاف الذي دار مع الامام ابي حنيفة الذي كان يقول بشرعية الرأي في مواجهة الأحاديث الضعيفة المتكاثرة المنسوبة الى النبي (ص)، والذي كان من آثاره القول بعدم خلق القرآن، خلافا لما كان يقوله الامام أبو حنيفة ومن ورائه المعتزلة. وقد أدى ذلك الخلاف العنيف الى تكفير الامام أحمد لمن يقول بخلق القرآن ووصمهم بأهل البدعة، في مقابل "أهل السنة". حيث أصر الامام أحمد على اعتبار القول بخلق القرآن بدعة ومخالفة للسنة، وبدَّع حتى من يقف في ذلك، فقال: "ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه قال: (لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق، وإنما هو كلام الله). فهذا صاحب بدعة مثل من قال: (هو مخلوق)، وإنما هو كلام الله ليس بمخلوق".

   وقد سأل الحسن بن أيوب احمد بن حنبل: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق. قال: ما تقول فيمن قال: مخلوق؟ قال: كافر. قال: بمَ أكفرته؟ قال: بآيات من كتاب الله (ولئن أتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم) و (من بعد ما جاءك من العلم) فالقرآن علم الله فمن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر.[1]

    وهناك روايات أخرى ينقلها تلامذة أحمد بن حنبل عنه، أنه كان يكفر من يقول بخلق القرآن، ومن يقف في ذلك. فقد قال أبو بكر (الخلال): ...قال أبو عبد الله: القرآن من علم الله ، ألا تراه يقول: (علَّم القرآن) والقرآن فيه أسماء الله عز وجل... لسنا نشك أن أسماء الله غير مخلوقة، لسنا نشك أن علم الله غير مخلوق، فالقرآن من علم الله وفيه أسماء الله، فلا نشك أنه غير مخلوق، وهو كلام الله عز وجل، ولم يزل الله به متكلما. ثم قال: وأي كفر أكفر من هذا؟ وأي كفر أشر من هذا؟ إذا زعموا أن القرآن مخلوق، فقد زعموا أن أسماء الله مخلوقة، وأن علم الله مخلوق، ولكن الناس يتهاونون بهذا ويقولون، إنما يقولون القرآن مخلوق ويتهاونون ويظنون انه هين، ولا يدرون ما فيه وهو الكفر، وأنا أكره أن أبوح بهذا لكل أحد، وهم يسألون، وأنا أكره الكلام في هذا، فبلغني أنهم يدعون أني أمسك. فقلت له: فمن قال القرآن مخلوق ، ولا يقول: ان أسماء الله مخلوقة ولا علمه، لم يزد على هذا ، أقول هو كافر؟ فقال: هكذا هو عندنا.[2]

   وقال أبو بكر الخلال:أخبرني حنبل بن اسحاق بن حنبل، بواسط، قال سمعت أبا عبد الله يقول: الجهمية على ثلاث ضروب: فرقة قالوا القرآن مخلوق، وفرقة قالوا كلام الله ونقف، وفرقة قالوا ألفاظنا بالقرآن مخلوقة؛ فهم عندي في المقالة واحد.[3]

   وجاء عنه أنه قال:" من زعم أن القرآن مخلوق، فهو جهمي كافر، ومن زعم أن القرآن كلام الله ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأول، ومن زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله، فهو جهمي، ومن لم يكفر هؤلاء القوم كلهم، فهو مثلهم".[4] 

   ورغم تنازل "الأشاعرة" عن كثير من آرائهم "الاعتزالية" لصالح أهل الحديث، فان "السنة الأصليين" أي الحنابلة، ظلوا يعتبرونهم من أهل البدعة، ولم يقبلوا بهم في دائرة أهل السنة، الا على مضض ، وفي مقابل الشيعة.[5]

 

المبحث الثاني: المختلف عليه في العقائد (عقيدة الإمامة الالهية)

 

  وفي تلك الأيام الأولى لنشوء المذاهب، لم يكن موضوع الامامة أو الخلافة يعتبر أصلا من أصول الدين، لأن القرآن الكريم لم يتحدث عنه بالتفصيل، ولكن مبادرة فريق من الشيعة عُرف بالإمامية، أو الرافضة، الى القول في القرن الثاني الهجري بموضوع النص من النبي على الامام علي بالخلافة، وانحصار الحق بها في البيت العلوي الحسيني، والاستدلال عليها بتأويلات معينة لبعض آيات القرآن الكريم، أو الاستعانة على ذلك بأحاديث عامة أو ضعيفة.. كل ذلك رفع موضوع الامامة الى مصاف العقيدة، وجعل الموضوع جزءا ملحقا بالنبوة وامتدادا لها.[6] وهو ما استثار العقل السني لاعتبار أفضلية الخلفاء الراشدين وتسلسلهم في الفضل، جزءا من الأمور الاعتقادية، بالرغم من اعتراف السنة بعدم وجود نص صريح على الخلافة وترك الأمر شورى بين المسلمين.[7]

  وقد استعرض الدكتور علي أوزك، في الندوة العلمية الدولية حول الشيعة، التي عقدت في اسطمبول سنة 1993  الخصائص المشتركة بين أهل السنة والشيعة، في كلمته التي حملت عنوان (رأي الشيعة الامامية الاثني عشرية في التفسير) فقال: ان الخصائص المشتركة هي:

1-           التوحيد: حيث لا فرق بين عقيدة الشيعة وأهل السنة في التوحيد. لأن الشيعة تؤمن بوجود الله تعالى ووحدانيته، الا انها أقرب الى المعتزلة في المسائل الاعتقادية والكلامية.

2-           النبوة: ان الشيعة تؤمن أيضا بنبوة محمد (ص) 

3-           المعاد: أي الإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت، والحساب والجنة والنار وأمثالها. فان هذه المسائل غير مختلف فيها بالكثير.

   واستدرك قائلا:"أما المسائل التي تختلف الشيعة فيها مع أهل السنة فهي الامامة، وانما يقوم أساس اختلاف الفريقين على هذه المسألة، حيث ان فكرتهم حول مبدأ الامامة انما تمثل الفارقة الأساسية