أحمد الكاتب يرد على الدكتور علي الصلابي

عندما يكون البحث التاريخي معولا للهدم والحرب اكثر منه وسيلة للاصلاح والتغيير

 

 

يتفق المسلمون السنة والشيعة والخوارج والمعتزلة على الايمان بالله الواحد الأحد وباليوم الآخر وبنبيه الكريم وبالقرآن ويلتزمون بصورة عامة بالواجبات ويتجنبون المحرمات، واختلفوا اوكانوا يختلفون حول الحكم والخلافة من هو أحق بالخلافة؟  وما هي شروط الحاكم وصفاته؟

وقد احتدم الخلاف بين الجيل الاول من المسلمين جيل الصحابة حول طريقة حكم الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، حتى قتلوه في بيته، ثم انتقل الخلاف الى عهد الخليفة الرابع علي بن ابي طالب عليه السلام، فوقعت حرب الجمل وصفين، وانشق المسلمون بعد مقتله الى عثمانية وعلوية وخوارج، وكانت لبعض العلوية الشيعة بعد ذلك آراء متطرفة ضد الشيخين وعموم الصحابة، ومبدأ الشورى في الحكم ، حيث قالوا بنظرية النص والتعيين للامام علي من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والله عزو جل، وقد سببت تلك النظرية المتطرفة (الرافضة) رد فعل من قبل بعض اهل السنة الذين قالوا بصحة خلافة الشيخين والخلفاء الراشدين وبقية الأمويين والعباسيين.

وذهب ذلك العصر واولئك الخلفاء، وتلك الأجيال من الشيعة والسنة، ولم يبق من ذلك التاريخ غير سجالات نظرية في بطون التاريخ، لا يمكن ترجمتها بصورة عملية فلا خلفاء ولا ائمة معصومين يوجدون اليوم، وكل ما يمكن استفادته من ذلك التاريخ السحيق هو مجموعة من التجارب والعبر وتأصيل الشورى او جواز الاستخلاف والعهد والانقلابات العسكرية والسيطرة على الأمور بالقوة والغلبة.

ومن هنا فانه يصح النظر الى ما تبقى من ذلك التاريخ من أسماء ومسميات بأنها وهمية بدون معنى ولا حقيقة، فلم يعد الشيعة شيعة ولا السنة سنة ، فيما يتعلق بالجانب السياسي وليس الفقه الذي لم يكن يشكل مشكل كبيرة بين الفريقين.

واذا كان المسلمون قد اختلفوا في اجتهاداتهم ونظراتهم في التاريخ السحيق قبل اربعة عشر قرنا، فانه يجب تجاوز ذلك الخلاف وعدم التمسك به الى يوم القيامة وعدم اثارته لاشعال الفتنة بين المسلمين اليوم اوالمحافظة على اشتعال نار الحرب بين الشيعة والسنة الذين لم يعيشوا تلك الخلافات ولا يعرفون لها معنى ولا يجدون أحدا من اهل البيت او الصحابة الآخرين لكي يلتفوا حولهم ويحاربوا في صفوفهم. ولكن بعض الكتاب المعاصرين لا يدركون حقيقة تجاوز الزمن لذلك الخلاف التاريخي، ويصرون على معايشة الصراع بكل عنف وقوة، ولا يكتفون بذلك بل يستوردون أدوات الصراع ولغته من كتب التاريخ ومن ايام التعبئة العسكرية المتبادلة ليكيلوا السباب والشتائم لبعضهم البعض ويحرضوا على هذه الفئة او تلك التي تحمل هذا الاسم التاريخي او ذاك.

وهذا ما فعله بالضبط أخونا الدكتور علي محمد الصلابي مؤلف كتاب (اسمى المطالب في سيرة امير المؤمنين علي بن ابي طالب) حيث حاول ان يفند نظرية الشيعة الامامية الذين يصر على تسميتهم بالروافض حول الامامة، او حول وجود خلافات بين الامام علي وبين أي من الصحابة الآخرين حتى طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص.

وياليته اكتفى بذلك، ولكنه من البداية وحتى النهاية يقوم بمهاجمة الشيعة عبر التاريخ وبكل فرقهم وطوائفهم، وينسب اليهم ما تيسر له من الاتهامات ، حتى ليسمي الغلاة الذين يتبرأ منهم الشيعة والذين يقول انهم ألهوا  الامام علي اليهم ويعتبرهم جزءا منهم.( وقال ابن تيمية: وثبت عنه انه أحرق غالبية الرافضة الذين اعتقدوا فيه الالهية

ص290)

وبدلا من ان يكون الامام علي (موضوع الدراسة) وسيلة لتوحيد المسلمين ونشر المحبة بينهم ، يستخدم الكاتب الموضوع ليفرق بين المسلمين ويشن حملة شعواء على طائفة كبيرة منهم، لمجرد ان اسمهم الشيعة وانه يعتبرهم روافض ، دون ان يقوم بدراسة ميدانية ليتعرف على حقيقة هويتهم ومدى التزامهم بتلك الأفكار والنظريات التاريخية المنقرضة، او حتى معرفتهم بها، او معرفة نسبة الروافض اليوم ممن يطلق عليهم اسم الشيعة، وبذلك يكون الكتاب معولا للهدم والحرب اكثر منه وسيلة للاصلاح والتغيير.

ولو نظر الكاتب نظرة موضوعية محايدة وهادئة الى واقع الشيعة اليوم وتعرف على نسبة الملتزمين منهم بالفكر الامامي (الرافضي) لعرف انها اقل من واحد الى الف، وعلم بأن الشيعة اليوم في واد واولئك الروافض التاريخيين في واد آخر. وهذه في الحقيقة مشكلة يعاني منها كثير من الكتاب الاسلاميين الذين يؤلفون الكتب بعيدا عن الواقع وبناء على ما تيسر لديهم من كتب صفراء كتبها خصوم هذه الفرقة ضد تلك، وهي طريقة غير علمية ولا مفيدة مع الأسف الشديد.

وبغض النظر عن مناقشة الكاتب في كثير مما جاء في كتابه من نقاط جزئية ، فان المهم هي النتائج التي يخلص اليها، وهي الحكم على طائفة كبيرة من المسلمين واتهامها بأقذع التهم ، الى درجة تقارب اعلان الحرب عليها ورفض الوحدة او التقارب معها الا بشرط الهجوم عليها،( المنهج السليم للتقريب هو ان يقوم علماء السنة بجهد كبير لنشر اعتقادهم الصحيح... وكشف المؤامرات الشيعة الرافضة وأكاذيبهم وما يستدلون به من كتب اهل السنة والرد على الشبهات الموجهة لأهل السنة بعلم وعدل وبرهان...ص 883 ) بدلا من الحوار المشترك البناء لمعالجة المخلفات التاريخية السلبية والتخلص منها.

 

 

 

 

ويبدأ  الكاتب مقدمته  بالبيت التالي:

ان الروافض شر من وطأ الحصى من كل انس ناطق او جان

ص 10 المقدمة

 ويقول:

" ان هناك رغبة صادقة مخلصة لتعريف الجمهور العريض من أهل السنة بحقيقة هؤلاء الشيعة الرافضة... الذين يتحالفون مع خصوم الاسلام الصحيح لضربه والقضاء عليه، وتشويه منهجه، وهذا ليس بجديد، وأهل السنة – الا ما رحم الله – في استرخاء عجيب ونوم عميق وغفلة عما يراد بهم، وبعضهم يقول: ان الصراع السني الشيعي الرافضي قد عفا عليه الزمن. وهذا الكلام عاري من الحقيقة ودليل على الجهل، وفي طياته خداع لجمهور المسلمين العريض، باسم التقريب وتوحيد الصف الاسلامي."

ص 13 – 14

 

ويضيف:" اصبحت الشيعة شيعا وصار التشيع قناعا يتستر به كل من اراد الكيد للاسلام والمسلمين من الأعداء الموتورين الحاسدين.

 701

ان تسمية "الرافضة" بالشيعة من الأخطاء البينة الواضحة التي وقع فيها بعض المعاصرين، تثليدا للرافضة في سعيهم للتخلص من هذا الاسم لما رأوا من كثرة ذم السلف لهم ومقتهم اياهم...وعليه فان من الواجب ان يسمى هؤلاء الروافض بمسماهم الحقيقي الذي اصطلح عليه اهل العلم وعدم تسميتهم بالشيعة على وجه الاطلاق..

ص 705

ويتابع الحديث عن "نشأة الشيعة الرافضة وبيان دور اليهود في نشأتهم." ص 705 ثم يقول:"وصار التشيع وسيلة لكل من اراد هدم الاسلام من ملحد ومنافق وطاغوت، ودخلت الى المسلمين أفكار ومعتقدات أجنبية اكتست بثوب التشيع وتيسر دخولها تحت غطائه...

ذلك انه قد ركب مطية التشيع كل من اراد الكيد للاسلام وأهله، وكل من احتال ليعيش في ظل عقيدته السابقة باسم الاسلام، من يهودي ونصراني ومجوسي وغيرهم، فدخل في التشيع كثير من العقائد الفاسدة..

ص 710

 

وعندما يريد ان يناقش موضوعا تاريخيا هو الشورى، ويقدم نظرية جديدة ترفض كثيرا مما جاء في القصة التاريخية المعروفة يصب جام غضبه على الشيعة والمؤرخين الذين أخذوا عنهم ، فيقول:

 

"اباطيل رافضية دست في قضية الشورى

هناك اباطيل رافضية دست في التاريخ الاسلامي منها في قصة الشورى وتولية عثمان الخلافة، وقد تلقفها المستشرقون وقاموا بتوسيع نشرها، وتأثر بها الكثير من المؤرخين والمفكرين والمحدثين، ولم يمحصوا الروايات ويحققوا في سندها ومتنها، فانتشرت بين المسلمين، لقد اهتم مؤرخوا الشيعة الرافضة بقصة الشورى وتولية عثمان بن عفان الخلافة ودسوا فيها الاباطيل والأكاذيب، وألف جماعة منهم كتبا خاصة ، فقد الف ابو مخنف كتاب الشورى، وكذلك ابن عقدة وابن بابويه ، ونقل ابن سعد تسع روايات من طريق الواقدي في خبر الشورى وبيعة عثمان وتاريه توليه للخلافة، ووصيته لكل من علي وعثمان اذا تولى أحدهما أمر الخلافة، ووصيته لصهيب في هذا الأمر، وقد نقل البلاذري خبر الشورى وبيعة عثمان عن ابي مخنف وعن هشام الكلبي... ص 187 وقد تضمنت الروايات الشيعية الرافضية عدة امور مدسوسة ليس لها دليل من الصحة ."

وهكذا يشكل الكاتب صورة سلبية قاتمة جدا للشيعة لا مجال فيها لنقطة ضوء واحدة، وبالتالي فلا مجال أبدا للالتقاء بهم ، فيقول في النهاية:

 

الثالث عشر: وجهة نظر التقريب بين اهل السنة والشيعة

لقد تبين لنا من خلال البحث مدى ما عند الشيعة الروافض من ضلال وبدع وانحراف عن كتاب الله وسنة رسوله والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، ومدى الاخطار والأضرار الكبيرة التي احتوت عليها كتبهم المعتمدة في مجال التفسير والتوحيد والحديث وغيرها، وانها تصيب المسلمين في صميم دينهم وفي اصول اعتقادهم، وكل دعوة تقريب تستلزم ضمنا الاعتراف بهذه الكتب التي لا يصل الكيد الاستشراقي الى مستوى ما وصلت اليه من محاولات لتغيير دين الله وشرعه باسم الاسلام، بل ان الاستشراق والتبشير من معينها يرتوي، وعلى شبهاتها واساطيرها يعتمد في افساده وتآخره على الدين واهله، ولذلك فان هناك علاقة وثيقة بل تشابها تاما بين شبهات المستشرقين والمبشرين وآراء الشيعة  والروافض وليس هذا بجديد... فمن قديم كان الأعداء يستخدمون آراء الشيعة الروافض تكأة لهم في محاربة الاسلام واهله، بل كان جنود الشيعة الروافض أمضى سلاحا في يد الأعداء، وكان التشيع الرافضي مأوى لك من أراد هدم الاسلام من ملحد وحاقد وموتور، وايام التاريخ مليئة بمؤامراتهم  وخياناتهم ومؤازرتهم للأعداء، ومن ابرز الأسباب في ذلك ان هؤلاء الشيعة الروافض لا يؤمنون بشرعية حكومة اسلامية الا حكومة المنتظر ... ولهذا وجد الأعداء مدخلا الى قلوبهم من هذا الطريق.

ص 874-875

 

ولا ينسى الكاتب في اثناء ذلك تقديم تفسيرات وتعريفات عن السنة والشيعة فيقول:

 

الذي عليه اهل السنة من  قدم عليا على ابي بكر وعمر فانه ضال مبتدع

ص 189

وان كان بعض اهل العلم قد تكلم بشدة على من قدم عليا على عثمان بأنه قال: من قدم عليا على عثمان فقد زعم ان اصحاب رسول الله خانوا الأمانة حيث اختاروا عثمان على علي.

ص 190

وكما هو معلوم فان الكاتب الليبي الذي يقيم في قطر، ويحظى بدعم قطاعات سلفية خليجية، قد قام تبنى مشروعا ضخما لإعادة كتابة التاريخ الاسلامي والكتابة عن أهم شخصياته ودوله وأحداثه من منظار سلفي . ورغم أنه يحمل لقب دكتور الا بعض كتاباته بعيدة جدا عن الموضوعية العلمية وتحمل أيديولوجية سياسية وموقفا طائفيا سلبيا جدا ، كما رأيناه في موقفه من الشيعة الرافض لرؤية أية تغيرات في صفوفهم والناكر لأي تطور إيجابي، مع الأسف الشديد.