السبيل» تحاور المفكر العراقي أحمد الكاتب حول مراجعاته الجريئة في الفكر السياسي الإسلامي

الكاتب: أدعو إلى الاهتمام بالصراعات الحيوية المعاصرة وعدم التوقف عند العناوين الطائفية الوهمية

 http://www.assabeel.net/main/DataFiles/Contents/Files/pdf_files/2009/807/05-08-807.pdf

 

تاريخ النشر : 06/03/2009 - 11:25 م

 

 

 

حاوره: بسام ناصر

 

للمفكر العراقي (الشيعي) أحمد الكاتب مراجعات جريئة لمقررات ومقولات راسخة في ميدان الفكر الإسلامي، وخصوصا السياسي منه، وقد أودع تلك المراجعات والمناقشات في كتابيه : «تطور الفكر السياسي الشيعي.. من الشورى إلى ولاية الفقيه» و»تطور الفكر السياسي السني.. نحو خلافة ديمقراطية لا سنية ولا شيعية»، فما هي أوجه التطور التي مر بها الفكر السياسي الإسلامي (السني والشيعي)؟ وكيف يقيم نظرية «ولاية الفقيه»؟ وما هي مساراتها التاريخية التي مرت بها حتى آلت إلى صورتها النهائية على أيدي الخميني؟ وما هي انتقاداته للفكر السياسي السني؟ هذه الأسئلة وغيرها كانت موضوع الحوار التالي مع المفكر العراقي الكاتب.
 
في كتابك: «تطور الفكر السياسي الشيعي.. من الشورى إلى ولاية الفقيه» قمت بمراجعة علمية فاحصة، توصلت من خلالها إلى مخالفة مقررات وعقائد ترقى إلى درجة المسلمات عند الشيعة الإمامية، كالاعتقاد بالإمامة، وقد توصلت في مراجعاتك إلى عدم صحة هذا الركن وعدم ثبوته، أولا: كيف تجرأت على مخالفة المقرر المسلَّم به، والسباحة ضد التيار الغالب؟ ثانيا: على ماذا استندت في نفي ركن الإمامة كما هو ثابت ومقرر في المذهب؟


لا أعتقد أن المسألة تتعلق بالجرأة بقدر ما تتعلق بالأمانة والمسؤولية، فالعالم كالجندي الذي يقف على الحدود عليه أن يؤدي رسالته في حفظ الأمن بغض النظر عما يترتب على ذلك من ردود أفعال. ولا يفترض بالعالم الذي يحترم نفسه أن يسبح مع أي تيار، وانما عليه أن يقول كلمته ويمشي. وأما سؤالك عما استندت اليه في نفي الإمامة، فقد كان ذلك بناء على أحاديث أئمة أهل البيت وسيرتهم، بعد تمحيص الروايات الواردة عنهم وإسقاط الروايات الكاذبة المنسوبة اليهم، والتي ينقلها مجموعة من الرواة الغلاة الذين يضعفهم علماء الرجال الشيعة أنفسهم.
وربما تسألني: لماذا لم ينتبه أحد من الشيعة من قبلك الى ضعف تلك الروايات الواردة في أمهات المصادر الروائية الشيعية كالكافي للكليني، فأقول لك: ان الذي دفعني لدراسة سند تلك الروايات وتبين ضعفها هو البحث المسبق الذي أجريته حول «ولادة» الإمام الثاني عشر «المهدي المنتظر محمد بن الحسن العسكري» والذي اتضح لي أنه لم يكن سوى فرضية فلسفية، ولا وجود له، ولم يعرف به أحد من أهل البيت. وقد اكتشفت في هذه الأثناء ثغرة كبيرة في منهج الحوزات العلمية تتمثل في عدم دراسة التاريخ الشيعي بشكل معمق وكاف بسبب اعتبار بعض القضايا «مسلمات» قطعية لا حاجة لبحثها من جديد أو الاجتهاد فيها.


 
من القضايا التي ناقشتها في كتابك السابق قضية الإمام المهدي (محمد بن الحسن العسكري)، وأدرجتها تحت عنوان: «حقيقة تاريخية أم فرضية فلسفية؟» ما خلاصة دراستك في هذا القضية الشائكة والمثيرة للجدل؟


-
الشيعة «الاثنا عشرية» فرقة ولدت في القرن الرابع الهجري، على أساس الإيمان بوجود ولد مخفي للإمام الحادي عشر الحسن العسكري، الذي يعترف المؤرخون الشيعة بأنه لم يدع وجود ولد في الظاهر، ولكنهم يقولون بأنه كان مستورا، وان فئة صغيرة جدا من شيعة العسكري كانت تعرف بوجوده، وأنها ظلت على اتصال سري به، غير أنهم لم يستطيعوا أن يثبتوا تلك الدعوى المنافية للقانون الإسلامي الذي يأمر بالعمل بالظاهر. إلا أنهم كانوا مضطرين لافتراض وجود «الولد» حتى ينقذوا نظرية «الإمامة الإلهية لأهل البيت» من الانهيار والتلاشي، وهي نظرية وصلت الى طريق مسدود بوفاة العسكري دون ولد. علما بأنه لم يثبت تبني أحد الأئمة لتلك النظرية المتطرفة والمغالية، حتى الإمام العسكري الذي لم يتحدث عن مصير الإمامة من بعده،في حين تحدث في وصية له عن أمواله الخاصة التي أوصى بها الى أمه. ولم يكن معظم الشيعة في ذلك الوقت يؤمنون بنظرية الإمامة بقدر ما كانوا يتبنون التشيع السياسي ويوالون أهل البيت باعتدال،ولم يجدوا أية حاجة لافتراض وجود ولد للإمام العسكري ثم انتظاره مئات السنين.


 
فيما يخص مسألة ولاية الفقيه، هل لك أن تبين للقراء كيفية نشأتها، وما هي مساراتها التاريخية حتى آلت إلى صورتها النهائية على أيدي الخميني؟ هناك من يقيّم ولاية الفقيه من حيث تطبيقاتها في الواقع السياسي والاجتماعي والديني على أنها دكتاتورية واستبداد بثوب ديني، كيف تعلق على ذلك؟


 -
نظرية ولاية الفقيه  تشكل ثورة في الفكر الشيعي على الفكر الإمامي. فقد كان هذا الفكر يؤمن بحصر الإمامة في أبناء علي والحسين ويشترط أن يكون الإمام معصوما ومعينا من قبل الله تعالى. وقد وصلت هذه النظرية – كما قلنا قبل قليل – الى طريق مسدود بوفاة العسكري دون ولد، وتم افتراض وجود ولد له في السر، وبدأ الشيعة الإمامية منذ أواسط القرن الثالث ينتظرون خروج ذلك الولد المخفي الذي أطلقوا عليه اسم «الإمام المهدي» الى اليوم. ولأنه لم يظهر طوال كل هذه المدة الطويلة فقد قام الفقهاء الشيعة المتأخرون بالاجتهاد في مسألة الإمامة، فأسقطوا شرط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية، وقبلوا بإمامة الفقيه العادل، كما قبل قسم آخر منهم بإمامة المسلم العادل (حتى لو لم يكن فقيها) واشترط بعض الفقهاء انتخاب الفقيه «الولي» من قبل الأمة وهو ما يعني إقامة نظام الشورى، بينما لم يشترط بعض الفقهاء انتخاب الفقيه وقالوا بجواز تولي الفقيه للحكم باعتباره «نائبا عاما عن الإمام المهدي الغائب». وهذه فرضية لم يجمع عليها الفقهاء،  وهي التي تؤدي الى الديكتاتورية والاستبداد. وهناك من الفقهاء من جمع بين الديموقراطية وولاية الفقيه كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.


 
أثبتّ في كتابك «تطور الفكر السياسي الشيعي..» عدم صحة مسألة النص والتعيين للإمام علي رضي الله عنه ـ وهي قضية مركزية عند الشيعة الإمامية ـ والسؤال الذي يطرح في هذا المقام بإلحاح كيف يتقبل العقل الشيعي الإمامي هذه المسألة ويسلم بها في ضوء ما أوردته من أدلة نقلية وعقلية ظاهرة في دلالتها على بطلان المسألة من أساسها؟


-
في الحقيقة لا أحتاج الى أدلة كثيرة لأثبت بطلان نظرية الإمامة القائمة على العصمة والنص، فهي نظرية ميتة ولا وجود لها في الواقع، ولذلك فقد تخلى عامة الشيعة عنها عمليا، وقاموا بانتخاب حكام جدد سواء كانوا فقهاء أو غير فقهاء، ولم يشترطوا العصمة والنص فيهم، وإذا كانت توجد مشكلة في عدم استيعاب البعض لهذه الحقيقة فهي تكمن في عدم معرفة معنى «الإمامة» هل هي عقيدة دينية تاريخية؟ أم نظرية سياسية عملية؟ وإذا عرفنا بأن نظرية الإمامة كانت في جوهرها وبدايتها نظرية سياسية في مقابل النظريات الأموية والعباسية والحسنية والزيدية، وانها اتخذت صبغة دينية فيما بعد، ثم وصلت الى طريق مسدود وانقرضت، فلا تبقى أية مشكلة في تجاوز تلك النظرية وعدم التشبث بها.


 
بحكم تكوينك الديني، ودراستك في الحوزات العلمية، وتخرجك منها، هل ثمة أدلة صحيحة شرعية تلزم عامة الشيعة بضرورة الارتباط بالمراجع الدينية، وكيف تَنظر إلى طبيعة العلاقة بين جماهير الشيعة وبين المراجع الدينية؟


 
"المرجعية الدينية» نظرية شبه سياسية برزت الى الوجود في أيام الفراغ السياسي أو «عصر غيبة الإمام المهدي» عشية ظهور نظرية ولاية الفقيه، ولم يقل أحد من فقهاء الشيعة بوجوب التقليد للفقهاء حصرا، وانما قالوا بضرورة الاختيار بين الاجتهاد والتقليد والاحتياط. وقد كان الفقهاء الشيعة قبل ألف عام كالشيخ الطوسي، يحرمون التقليد ويوجبون الاجتهاد على كل شخص، ومن لا يقدر على ذلك عليه أن يستمع الى أدلة الفقهاء المختلفين ثم يختار رأيا معينا دون تقليد أعمى. ولا توجد مشكلة كبيرة في عودة الجاهل الى العالم،وانما في إعطاء الفقيه  سلطة سياسية دون انتخاب، وإضفاء صبغة «دينية» على بعض الحكام الذين يرتدون ملابس «رجال الدين». وقد كان للمرجعية الدينية الشيعية دور كبير قبل قيام الحكم الديموقراطي في المجتمعات الشيعية، ولكن ذلك الدور بدأ ينحسر مؤخرا ، وخصوصا في العراق.


 
في أحد الحوارات التي أجريت معك؛ استوقفني قولك: «وفي نظري أن الصراع بين السنة والشيعة هو صراع وهمي لا حقيقة له، لأن الشيعة والسنة حزبان سياسيان منقرضان لا وجود لهما اليوم...» كلامك هذا ملتبس فالشيعة والسنة ـ في الجوانب العقدية والدينية والعقد التاريخية ـ بعيدا عما نفيته في جانب الاجتماع السياسي ببعده التاريخي موجودة وقائمة لها كياناتها وجماهيرها وقواعدها العريضة والواسعة؟


إذا وضعنا الخلاف الفقهي جانبا، وهو خلاف جزئي وبسيط، ويوجد ما يماثله في داخل كل مذهب، وحصرنا الخلاف الرئيس بين الشيعة والسنة  في موضوع الإمامة، كما يقول علماء الكلام قديما وحديثا، فإن حل الخلاف حول الإمامة يعني حل الخلاف الرئيسي والجوهري بين الشيعة والسنة. وفي نظري أن هذا الخلاف قد حل مؤخرا، وذلك بتبني السنة والشيعة للفكر الديموقراطي، واشتراكهم جميعا مع بعض في أنظمة ديموقراطية، بحيث لم يبق أي معنى حقيقي للخلاف القديم التاريخي حول من كان أحق بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما هي شروط الحاكم؟ وهل تشترط فيه العصمة؟ وفي أية عائلة يجب أن يكون الحكم؟ في العلويين أم الأمويين أم العباسيين؟ وقد أصبح الخلاف اليوم يدور حول النظام الملكي أو الجمهوري، والحكم المطلق أو الدستوري، والرئاسي أو النيابي، والفيدرالي أو المركزي، وما الى ذلك. وامتد هذا الخلاف الحيوي والمعقول الى داخل كل طائفة، بحيث لم يبق معنى حيوي للأسماء التاريخية. وهذا ما كنت أعنيه  بانقراض العناوين الطائفية الوهمية. وما أدعو اليه من الاهتمام بالصراعات الحيوية المعاصرة، وعدم التوقف كثيرا عند الطقوس والمسائل الفقهية الجزئية والنظريات الذهنية المجردة.


 
وكيف تقرأ كل ما جرى في العراق من أحداث دموية، وأعمال العنف المتبادل، والمواجهات المؤلمة بين السنة والشيعة، في أي إطار تضع ذلك كله؟


-
أولا نحمد الله تعالى على تجاوز الفتنة الطائفية، بدرجة كبيرة، ثم أنها لم تكن حربا بين السنة والشيعة في حقيقتها، وانما كانت حربا سياسية بين أحزاب تتصارع على السلطة، وهناك من ينتمي الى النظام السابق، ومن جاء يريد الحكم، ومن يريد أن يمنعه من تولي السلطة، وكانت بين من يؤيد النظام الديموقراطي ومن يريد أن يحكم بصورة عسكرية، ولا علاقة لها بالخلافات التاريخية بين الشيعة والسنة. بدليل تفجر الخلافات السياسية والعسكرية في داخل ما يسمى بالشيعة والسنة.


 
في نقاط محددة هل يمكن أستاذ أحمد أن تبين لنا الفوارق الأساسية بين التشيع الديني والتشيع السياسي؟


-
التشيع السياسي هو الولاء لأئمة أهل البيت ، وقد كان يتصف بالثورة والمطالبة بالعدل، ويلتزم ويدعو الى الشورى أو انتخاب الأمة لحكامها دون وصية أو قهر. وهو الذي كان يغلب على جماهير الشيعة في القرون الأولى. وأما التشيع «الديني» فقد نشأ متأخرا في القرن الثاني الهجري، واعتقد بأن الأئمة من أهل البيت  منصوص عليهم من الله وأنهم معصومون ولديهم علم إلهي وما الى ذلك، ولم يعترف الأئمة  بهذا «التشيع» واعتبروه مغاليا وبعيدا عن الواقع. وفي نظري أن هذا التشيع منقرض ولا وجود له اليوم، وانما توجد بعض مخلفاته في الأذهان فقط، ولا يمكن تطبيقه أبدا.


 
في كتابك «تطور الفكر السياسي السني نحو خلافة ديمقراطية» انتقدت الفكر السياسي السني بأنه قام بعملية تاريخية كبرى تتمثل بتغطية الاستبداد، وتخدير الأمة، وتبرير الواقع، وأنه روج لثقافة استسلامية أشاعت روح الخنوع أمام الطغاة... أتباع هذه المدرسة يحتجون على رؤيتهم هذه بأحاديث بلغت عندهم حد التواتر ـ كما في كتبهم ـ يقولون إنها تأمر بطاعة ولي الأمر وإن كان ظالما، هل لديك قراءة تأويلية لتلك الأحاديث، بعيدا عما ذهبت إليه من القول بضعفها أو أنها أخبار آحاد لا يحتج بها؟


-
المشكلة في تلك الروايات أصولية، ولا يمكن ترقيعها بتأويلها ، ومع أنها أخبار آحاد الا ان العقل السني القديم «الحنبلي» يقبلها بلا نقاش كبير، لأنه يؤمن بصحة كل ما يرد عن الصحابة ، ويقول بهيمنة الأحاديث على القرآن الكريم، ولذلك يقع في مأزق لا يستطيع الخروج منه، الا بإعادة النظر في أصول الفقه، واتباع منهج المعتزلة والإمام أبي حنيفة النعمان، الذي كان يأخذ بالقرآن أولا ويرد كل ما يعارضه من أحاديث. وهو منهج يتبعه اليوم كثير مما يسمى بعلماء أهل السنة في مصر والعراق وبعض البلاد الأخرى.


 
التطور الذي أشرت إليه في كتابك «تطور الفكر السياسي السني..» لم يكن له صفة العموم والشمولية، فثمة اتجاهات وتيارات وجماعات سنية ـ عريضة القاعدة وواسعة الانتشار ـ تنابذ الديمقراطية العداء، ولا تقبل بها، فكيف تستقيم والحال هذا مثل هذه الاستخلاصات والاستنتاجات التي توصلت إليها؟


-
نعم هناك تيارات «سنية» متطورة ديموقراطيا، وهناك تيارات متشبثة بالفكر القديم، وتحارب أي جديد، وتعتقد بأن الديموقراطية كفر والحاد وبدعة خطيرة. ولكني أرى بأن الجماهير المسلمة عموما تطالب بانتخاب حكامها وبأن يكون لها دور في مراقبة الحكام ومحاسبتهم  عبر مجالس نيابية منتخبة، وأن الحكام المستبدين عموما والحركات «الإسلامية» والمشايخ الذين يتبعونهم، يميلون الى التشبث بالفكر الاستبدادي ومحاربة الديموقراطية كجزء من خطتهم لمحاربة الشعوب والهيمنة عليها وتكريس الاستبداد.

ر