أحمد الكاتب يرد على تعليق السيد فضل الله بعدم اختصاص
الكاتب في بحث موضوع الإمامة والإمام الثاني عشر، في "مكاشفات" عبد
العزيز القاسم، في صحيفة عكاظ
إلى أمل الشيعة وعامة المسلمين في الإصلاح والتجديد
والوحدة والتوحيد
إلى سماحة الإمام السيد محمد حسين فضل الله حفظه الله،
بيروت
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
كان لي شرف
اللقاء بكم للمرة الأخيرة في مكتبكم في بيروت قبل ثلاث سنوات، وقدمت لكم
يومها نسخة من الطبعة الثالثة من كتابي
"تطور الفكر السياسي الشيعي.. من الشورى إلى ولاية الفقيه"
وبالرغم من اختلاف نتائج البحث في الكتاب مع ما تعتقدونه حول الإمامة الإلهية لأهل
البيت وولادة الإمام الثاني عشر "محمد بن الحسن العسكري" فقد رحبتم بنا
وتفضلتم بأنكم مع حرية البحث بلا حدود.
وهو ما ذكرنا
بموقفكم في قم قبل عشر سنوات عندما سألكم عدد من الأخوة العراقيين في الحوزة
العلمية عن رأيكم بالكتاب ، فقلتم :"إنه بحث تاريخي وردوا عليه ببحث
تاريخي" وقد أكدتم على رأيكم هذا مرة أخرى في موقعكم "بينات" عندما أجبتم عمن
سألكم عن " رأيكم بأحمد الكاتب، أو بالأحرى فكره وكتاباته وما توصل إليه من
نظريات " (السؤال رقم 70) فقلتم:"أفكاره مليئة بالشبهات، ويجب التصدي
لإيضاحها وبيان وجه الحق فيها".
وكنا ننتظر منكم خلال السنوات العشر الماضية أن تقوموا
بالرد على الكتاب والتصدي لإيضاح الشبهات وبيان وجه الحق فيها، ولكنا قلنا ربما
أنكم لا تهتمون كثيرا بالموضوع أو لديكم اهتمامات أخرى أكبر تشغلكم عن الموضوع،
فلم نلح عليكم بطلب الجواب والرد. وهذا راجع لتقديركم. ولكنا قرأنا مؤخرا جوابا
لكم في مقابلة مع الصحفي السعودي عبد العزيز القاسم، التي قام بها ضمن سلسلة
"مكاشفات" في صحيفة عكاظ، ردا منكم عن سؤال له عن رأيكم بالنتائج التي
توصل إليها أحمد الكاتب من نفي لوجود المهدي المنتظر ونفي مبدأ الإمامة بمفهومها
الشيعي، فقلتم:" أنا أعتقد أن الرجل كتب في غير اختصاصه".
وكان جوابكم هذا غامضا، مع الأسف الشديد، وأثار عددا من
الأسئلة نود التفضل منكم الإجابة عنها وتوضيحها مشكورين:
1-
ما ذا تعنون
بالاختصاص؟ وكيف تحكمون على أحمد الكاتب بعدم الاختصاص؟ وإذا كان رجل مثلي درس في
الحوزة العلمية ودرَّس فيها أكثر من عشرين عاما، وكتب مجموعة كتب حول الإسلام والسياسة،
والتشيع وأئمة أهل البيت، غير مختص ببحث موضوع الإمامة والمهدي أو الإمام الثاني
عشر، فمن هو المختص؟ وما هي مؤهلات التخصص في الموضوع؟ ومن يمنح شهادة التخصص في
أي بحث؟ وهل توجد في الحوزة مؤسسة تعطي شهادات التخصص أو إجازة البحث في هذا
الموضوع أو ذاك؟ وهل يسمح أحد من المعنيين ببحث موضوع أساسي كموضوع الإمامة ووجود
الإمام الثاني عشر؟ وهل توجد في الحوزة أساسا مادة لدراسة العقائد أو التاريخ
الإسلامي والشيعي؟
2-
وإذا كان
التقليد الأعمى من سمات العجائز والجهال والمتخلفين، وكان حراما في موضوع العقائد
التي يجب على كل مكلف أن يبحث فيها ويتعرف على الأدلة والبراهين، ويجتهد بقدر
طاقته حتى يعرف الحق من الباطل، فهل يجوز التقليد
في موضوع الإمامة ووجود الإمام الثاني عشر الغائب؟ أم يجب الاجتهاد؟
3-
وإذا كان
الاجتهاد واجبا على كل مكلف، لا سيما في موضوع العقائد، وأراد أي مثقف أن يقوم
ببحث موضوع الإمامة بما فيها موضوع الإمام الثاني عشر، فما هي المؤهلات التي يجب
أن يحصل عليها ليقوم بالبحث والاجتهاد؟ وهل يعتبر البحث في موضوع الإمامة من
اختصاصه؟ أم لا؟ ألا يجب عليه أن يتعلم القرآن واللغة العربية، ويطلع على أحاديث
الرسول الأكرم وروايات أهل البيت؟ ويقرأ شيئا من التاريخ؟ وتكون لديه قدرة على
التمييز بين الروايات الصحيحة المتواترة والمعقولة وبين الروايات الموضوعة والخرافات والأساطير؟
4-
وإذا قرأ
المسلم العادي المثقف القرآن الكريم ولم يجد فيه بصراحة حديثا عن الإمامة الإلهية لأهل البيت، ولا عن
ولادة الإمام الثاني عشر وغيبته واستمرار حياته مئات السنين، كما لم يجد في أحاديث
الرسول الصحيحة أو نهج البلاغة وتراث أئمة أهل البيت ما يدل على ذلك بقوة، بل وجد
في كتب الشيعة الإثني عشرية ما يثبت ويؤكد غموض مسألة الولد للإمام الحسن العسكري،
وعدم إعلانه لذلك في حياته، بل وصيته بأمواله لأمه "حديث" وعدم الإشارة إلى
وجود أي ولد له يرثه في الإمامة أو في الأموال، وحيرة الشيعة وتفرقهم وبحثهم عن الولد
حتى عجزوا ويئسوا ولم يجدوا أحدا، وسألوا أهل بيت الإمام العسكري فنفوا علمهم بوجود أي ولد له، ما عدا
بعض الأقاويل السرية الباطنية التي كان يهمس بها بعض المستفيدين ماليا من الدعوى
والمدعين للنيابة الخاصة عن "الإمام الغائب"..إذا قام أي مسلم بهكذا بحث
ولم يتوصل إلى نتيجة مثبتة فهل يقع عليه لوم؟ وهل ينعت بعدم الاختصاص؟ وهل يجبر
على الإيمان بدعوى لم تثبت في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية المطهرة ولا في
أحاديث أهل البيت ولا في التاريخ؟
5-
وإذا أراد
المسلم المثقف أن يقوم بواجبه في الاجتهاد في عقيدته، وخصوصا موضوع الإمامة ووجود
الإمام الثاني عشر الغائب ، هل يجب عليه أن يسلك المنهج الطبيعي الظاهري في البحث؟
أم يجوز له أن يلجأ إلى المنهج الباطني الذي يفسر أحداث التاريخ بشكل معكوس، كأن
ينفي وفاة أحد أو يلصق ابنا لشخص لم يعرفه ولم يدعه؟ ويفسر ذلك بالتقية والخوف؟
وإذا جاز لنا اتباع هذا المنهج فكيف ننفي دعاوى الباطنية العديدة الأخرى التي
نسبوا فيها ولدا للإمام عبد الله الأفطح بن جعفر الصادق، وقالوا إنه ولد في السر
وغاب وسوف يظهر في المستقبل وهو المهدي المنتظر؟ وكيف نتأكد من صحة هذه الدعوى
الباطنية أو تلك وهي تخالف الظاهر من حياة الأئمة والمعروف المؤكد من التاريخ؟
6-
وإذا كان
المسلم العادي، والمثقف والكاتب وطالب العلم لمدة عشرين عاما أو أكثر (مثل أحمد
الكاتب) غير مؤهل للبحث والاجتهاد في موضوع الإمامة والإمام الثاني عشر، فمن هو
المؤهل والمختص؟
7-
هل اطلعتم على كتاب أحمد
الكاتب "تطور الفكر السياسي الشيعي" الذي يبحث موضوع ولادة "الإمام
الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري" من كل جانب، ويستعرض الأدلة العقلية
والنقلية والتاريخية التي أوردها المثبتون لوجوده، ويناقشها دليلا دليلا، ويناقش
رواياتها ورواتها، ويثبت بطلانها وضعفها واختلاقها في وقت متأخر؟ وإذا كنتم قد
اطلعتم عليه ألا تعتبرونه بحثا اجتهاديا معمقا ومتكاملا وفريدا من نوعه؟ وإذا لم
يكن كذلك فما هي ملاحظاتكم عليه؟
8-
وهل المراجع
الذين يدعون الاجتهاد، هم مجتهدون فعلا في موضوع الإمامة ووجود الإمام الثاني عشر؟
أم مقلدون، وهل يجوز تقليدهم، إذا كانوا جهلة في هذا الموضوع أو مقلدين لغيرهم؟
9-
إذا كان السيد فضل الله، وهو صاحب العشرات من الكتب
الإسلامية، لم يبحث حتى اليوم موضوع الإمامة بشكل معمق، ولم يدرس موضوع وجود
الإمام الثاني عشر وولادته وغيبته، فهل يعتبر نفسه مختصا بهذا الموضوع؟ وإذا كان
مختصا فلماذا لم يرد على أحمد الكاتب حتى اليوم؟ رغم مرور أكثر من عشرة أعوام على نشر كتابه.
10-
لقد قلتم
في مقابلتكم مع عبد العزيز القاسم:"إن أصحاب الأئمة كانوا يقفون على إمام ويلزمون إماماً
آخر وان كثيراً ممن كانوا من أصحاب الأئمة كانوا لا يريدون الإمامة للاثني عشر بل
كانوا يقفون عند هذا الإمام فلا يرون إمامته ويقفون عند ذاك الإمام فيرون إمامته
لذلك مسألة الاجتهاد هي مسالة في حجم الإسلام كله".
وأضفتم:"إنها من
المتحول بمعنى القضايا القابلة للاجتهاد إسلاميّاً بحيث أن البعض قد يؤمنون بها
والبعض الآخر قد لا يؤمنون بها وليست من الثوابت كالتوحيد والنبوءة والمعاد". فهل
يعني أنكم تؤمنون بحق الاجتهاد وحرية
البحث في موضوع "الإمامة ووجود الإمام الثاني عشر" ولماذا أنكرتم
إذن على الكاتب أن يبحث في الموضوع وقلتم إن ذلك ليس من اختصاصه؟
11-
لقد قمتم بنقد بعض الخرافات والأساطير
التي يحفل بها تراثنا الشعبي ورفضتم حكاية ضرب عمر للزهراء وكسر ضلعها ، فقامت
القيامة عليكم من القوى المتحجرة التقليدية التي يهمها تكريس التفرقة بين
المسلمين، وقالوا إن ذلك ليس من اختصاصكم ولا يجوز لكم الخوض فيه لأنه من
"الثوابت والمسلمات" فهل تعتقدون بأن موضوع (وجود الإمام الثاني عشر) هو
من الثوابت والمسلمات التي لا يجوز الاقتراب منها ولا البحث والاجتهاد فيها؟
12-
وأخيرا، هل إن موضوع
الإمامة ووجود الإمام الثاني عشر ، من الأمور العقدية الثابتة؟ ومن أصول الدين أو
المذهب؟ أم من الأمور الكلامية الفرعية والتاريخية التي لا يضل من جهلها ولا يهتدي
من علمها؟
سماحة السيد فضل الله..
إنكم تنتمون إلى مدرسة النهضة
والتجديد والإصلاح في الفكر الإسلامي والشيعي بالخصوص، وتحملون هم توحيد المسلمين،
وقد جاهدتم طويلا من أجل تحرير البلاد الإسلامية من الطغاة والمستعمرين، وكنتم
الأب الروحي للمقاومة الباسلة في
لبنان، ولا شك أنكم تعانون من الفتنة
الطائفية التي يعمل المستبدون والمستعمرون على تأجيجها بين المسلمين، من أجل تمزيقهم والسيطرة عليهم،
ولا شك أنكم تفكرون كثيرا في معالجة المشكلة الطائفية من جذورها، فهل تعتقدون أن
الحل يكمن في العودة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية ، وتجاوز التاريخ والابتعاد
عن الخرافات والأساطير التي تسربت إلى عقول المسلمين؟
وإذا كان ذلك مسلَّما وبديهيا، ألا
تتفقون معنا في أن موضوع الإمامة وحق أهل البيت في الحكم، قد أصبح من الماضي
البعيد، وأننا لا نستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في الوقت الذي يجب علينا
التفكير ببناء أنظمتنا السياسية الآن على أسس العدل والحق والشورى وحق الأمة في
انتخاب أئمتها ومحاسبتهم ومراقبتهم؟
ألا تتفقون معنا في أن فكرة انتظار الإمام الغائب منذ أواسط القرن الثالث
الهجري قد أضرت بالشيعة قبل غيرهم، وقد تحرر منها
الشيعة اليوم، وتخلوا عنها عمليا بعدما قاموا بالثورة وتصدوا للمقاومة،
وأقاموا أنظمة سياسية ديموقراطية معاصرة؟ فما هي
الفائدة من التشبث بنظريات ظنية أو فرضيات وهمية ما أنزل الله بها من
سلطان؟
ألا تتفقون معنا في أن صرف النظر عن
أحاديث المتكلمين السابقين الذين فرقوا الأمة الإسلامية وجعلوها شيعا، يعزز
من الوحدة الإسلامية ويشد من عزيمة المقاومة، وينجح العملية الديموقراطية في كل
مكان؟
وفي الختام ندعو الله لكم بطول
العمر في صحة وعافية، آملين أن نسمع منكم ما يوضح الأسئلة الآنفة، وينور المسلمين
ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم الأصغر
أحمد الكاتب